قال وهب : ماتت جماعة منهن.
قال ابن الخطيب (١) : وعندي أنّه يحتمل وجها آخر ، وهو أنهنّ إنّما أكبرنه ؛ لأنّهن رأين عليه نور النبوّة ، وبهاء الرّسالة وآثار الخضوع ، والإنابة ، وشاهدن منه معاني الهيبة ، والسكينة ، وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح ، وعدم الاعتداد بهنّ ، واقران هذه الهيبة الإلهية ، بذلك الجمال العظيم ، فتعجبن من تلك الحالة ، فلا جرم أكبرنه ، وعظمنه ، ووقع الرّعب والمهابة في قلوبهن ، وهذا عندي أولى.
فإن قيل : كيف يطابق على هذا التّأويل قولها : «فذلكنّ الّذي لمتنّني فيه»؟ وكيف تصير هذه الحالة عذرا لها في قوّة العشق ، وإفراط المحبّة؟.
قلت : تقرر أن المحبوب متبوع ، فكأنّها قالت لهنّ : هذا الخلق العجيب انضمّ إليه هذه السيرة الملكية الطّاهرة المطهرة. فحسنه يوجب الحب الشّديد ، والسّيرة الملكية توجب اليأس عن الوصول إليه ، فلهذا وقعت في المحبّة والحسرة ، وهذا التأويل أحسن ، ويؤيده قولهم : «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم».
قوله : «حاشا لله» عدّها النحويون من الأدوات المترددة بين الحرفية والفعلية ، فإن جرّت ، فهي حرف ، وإن نصبت ، فهي فعل ، وهي من أدوات الاستثناء ، ولم يعرف سيبويه فعليّتها ، وعرفها غيره ، وحكوا عن العرب : «غفر الله لي ، ولمن سمع دعائي ، حاشا الشّيطان ، وابن أبي الأصبع» بالنصب ، وأنشدوا : [الوافر]
|
٣٠٩٢ ـ حشا رهط النبيّ فإنّ منهم |
|
بحورا لا تكدّرها الدّلاء (٢) |
بنصب «رهط» ، و «حشا» لغة في «حاشا» كما سيأتي.
قال الزمخشري (٣) : «حاشى» كلمة تفيد التنزيه ، في باب الاستثناء ، تقول : أساء القوم حاشى زيد ، وقال : [الكامل]
|
٣٠٩٣ ـ حاشى أبي ثوبان إنّ به |
|
ضنّا عن الملحاة والشّتم (٤) |
وهي حرف من حروف الجرّ ؛ فوضعت موضع التنزيه ، والبراءة ، فمعنى حاشا لله : براءة الله ، وتنزيه الله ، وهي قراءة ابن مسعود.
__________________
(١) ينظر : الفخر الرازي ١٨ / ١٠٢.
(٢) ينظر : الكتاب ٢ / ٣٠٩ ، الجنى الداني ص ٥٦٧ ، ورصف المباني ص ١٧٩ ، ولسان العرب «حرم» ، «حشا» ، والمقرب ١ / ١٧٢ ، والتهذيب ٥ / ٢٤ والدر المصون ٤ / ٨١٧٥
(٣) ينظر : الكشاف ٢ / ٤٦٥.
(٤) البيت للجميح الأسدي. ينظر : المحتسب ١ / ٣٤١ ، المفضليات ٣٦٧ ، مجاز القرآن ١ / ٣١٠ ، وشرح المفصل ٨ / ٤٧ ، الدرر ١ / ١٩٦ ، ١ / ٤٨ ، الإنصاف ١ / ٢٨٠ ، البحر المحيط ٥ / ٣٠٠ ، اللسان (حشا) والأصمعيات ص ٢١٨ ، والجنى الداني ص ٥٦٢ ، والمقاصد النحوية ٣ / ١٢٩ ، والدر المصون ٤ / ١٧٦ وله أو لسبرة بن عمرو الأسدي في خزانة الأدب ٤ / ١٨٢ وهمع الهوامع ١ / ٢٣٢.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١١ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3104_allubab-fi-ulum-alkitab-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
