الناس عوضا عن النقدين بشرط أن لا تتجاوز الضعف مثلا من مقدار رأس المال ، وبعض تلك البنوك مخصوص بالفلاحة وبعضها مطلق ، وبما تقدم تجد التجارة رائجة بين أيدي السكان بأكثر من أضعاف كسبهم ، وأهم الوسائط لتزييدها : الحوالات المالية ، وهي أن التاجر يشتري شيئا أو يأخذ مالا من أحد ويعطيه حوالة بقبض ما يطلب منه على أحد التجار أو البنوك على أن يقبضه على تسعين يوما وهو الأكثر دورانا وتارة يكون أقل أجلا وتارة يكون أكثر ، وعند بلوغ تلك الحوالة للمحال عليه يوقع عليها بالقبول ليدفع في الأجل وقبيل حلول الأجل يرسل المحيل المال إما مما باعه أو بما قبضه من حوالة أخرى ، بحيث أن المحال عليه يدفع المال في أجله من غير أن يخرج من ماله شيئا مع ربحه لجزء من المال لأنه يلزم الإتفاق من قبل بين المحيل والمحال عليه في قبول الإحالة وفي مقدار ما يربحه ولا يتجاوز النصف في المائة ، وتارة يكون بلا ربح بالمرة لمصادقة أو معاوضة بمثلها بينهما ، كما أن المحال عليه يربح بقبضه ماله نسيئة أيضا جزءا يسيرا والمحيل يربح لأنه يتجر بمال ليس له فيه رأس مال ، ولكن مع ذلك كثيرا ما يعتري الإفلاس تجارهم وبنوكهم لأن من أحكامهم أنه إذا حان الأجل ولم يدفع المؤجل ما عليه ففي الحال يفلس ، ولذلك كانت أكثر البنوك بإيطاليا التي لها أوراق مالية لا تصرف إلا ببخس بالصرف بالعين لاحتمال الإفلاس ولا تتداول خارج المملكة بل ولا خارج بلدانها إلا بنك الدولة فإنه رايج في جميع مملكته فقط.
وفي كل مدينة محل ضخم للمناداة على المتاجر العالية يمسى «بورسي» : يفتح بضع ساعات عند الزوال ، إذا دخله الإنسان يجده محتبكا بالخلق والضجيج بأصوات السماسرة ينادون على أوراق ديون الدول وأوراق الشركات التجارية الكبيرة ذات الحصص ، كطرق الجديد وخليج السويس وأشباهها ، وكثير من التجار يفلسون في تلك المتاجرة لأن بعضهم لا يشتري ولا يبيع إلا يدا بيد وهؤلاء لا يعتريهم الإفلاس إلا نادرا لأنه إذا انحطت أسعار ما اشترى لا يطالبه أحد بشيء وإنما يصبر على خسران نفسه إلى أن ترتفع الأسعار ، وبعضهم يكون ليس له رأس مال لما يشتريه وما يشتريه أيضا ليس بحاضر بل هو مؤجل لرأس الشهر ويعتمد على أن ما يشتريه اليوم يرتفع سعره غدا أو بعد أسبوع فيبيعه ويأخذ الربح ، ويحيل المشتري على البائع فيما اشترى ويخرج من البين بالربح ، فكثيرا ما يربحون بذلك أموالا جسيمة وكثيرا ما يفلسون في أموال جسيمة بأن ينحط السعر عما اشترى به ويحل الأجل فيلزمه دفع الثمن وأخذ المبيع أو دفع مقدار الخسران فقط ، فيستغرق كسبه في كرة واحدة أو عن كرات. وهذا النوع لا يحكم به الحاكم عندهم لأنه يراه من المقامرة لكنه لا يمنع منه فالمفلس يفلس نفسه بغير حكم لكي لا يسقط اعتباره رجاء أن يربح مرة أخرى بمعاملة التجار إليه ، فما تقدم كله من أسباب الثروة واتساعها وسيأتي في الخاتمة إن شاء الله تعالى ما يجوز لنا شرعا عمله وما هو ممنوع.
ومن أعظم أسباب الثروة واتساع التجارة تسهيل الطرق لنقل البضائع بأجرة يسيرة
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
