السلطان عثمان وآخرهم السلطان سليم ابن السلطان مصطفى ، كما تضمن تذييلنا تاريخهم من السلطان مصطفى إلى سلطاننا الخاقان عبد الحميد أيده الله ، وتبين مما سبق أن الدولة العليّة لم تزل منذ ستمائة سنة ولله الحمد قائمة معتبرة بين الأمم غير أنها منذ نحو مائتي سنة تناقصت سطوتها عما كانت عليه لا سيما في حروبها مع الروسيا ، لأن الدولة الروسيّة مند وليها بطرس الأكبر (١) في سنة ١٦٨٢ جعلت مطمح نظرها توهين شوكة الدولة العليّة والإستيلاء على ما يسمح لها من ممالكها ثم الإستيلاء على بقيّة المعمور اقتداء بدولة الرومان في استيلائها في عنفوانها على سائر المعروف من الكرة إذ ذاك ، ويبرهن لهذا صريح الوصيّة المنسوبة إلى ذلك القيصر وأول من أشهرها في أوروبا هو فريدريك كياردي سنة ١٨٣٦ وهذا تعريبها :
«من بطرس الأول الخ ـ إلى كل من يخلفني على تخت الروسيا التحيّة. فإن الله سبحانه لم يزل منذ بداية الأبد في إعانتنا وأسدل فضله علينا بما حملني على الإعتقاد بأن الأمة المسكويّة تتسلط إن شاء الله على الممالك الأوروباويّة لا قدر الله ، والدليل على ذلك أن الأمم الأورباويّة قد هرم أكثرهم وأخذ البعض منهم في التلاشي فإن أدركت الروسيا تمام قوتها لا شك أنها تتغلب على سائر الممالك لما لها من شوكة الصغر ، وعندي أن هجوم الأمم الشماليّة على أوربا من أحكام القدرة الإلهيّة التي لا بد من نفوذها كما وقع سابقا عند هجوم الأمم المذكورة على مملكة الرومانيين فأحيتها بعد اضمحلالها ، وأنا وجدت الروسيا جدولا صغيرا فتركتها نهرا وأرجو أنه باعتناء من يخلفني تصير بحرا عظيما يغطي بمياهه أوربا بأسرها ولا يتعرض لسيلانه عرمرم ، فحملني هذا الإعتقاد على أن أقرر هنا الأصول التي لا بد من اتباعها نظرا إلى إدراك هذا المقصود المعتبر وهي :
أولا : على ملوك الروسيا ملازمة الحرب لتكون جيوشهم دائما على حال الرياضة والإستعداد فلا يكفوا عن الحرب إلّا لإصلاح شأن الماليّة وجبر ما نقص من العساكر وتربص فرصة الهجوم على الأعداء ، فالحرب والصلح يتناوبان حسبما تقتضيه الحاجة نظرا إلى توسيع دائرة شوكتنا وفلاح البلاد.
ثانيا : عليهم أن يجلبوا من سائر الأقطار الأورباويّة العارفين بالفنون الحربيّة مدة الحرب ، وأما مدة الصلح فعليهم جلب من اشتهر من العلماء لتنفيع الروسيا بما يلائم الأخرى من دون خسارة ما لها طبيعة.
ثالثا : عليهم التداخل في سائر أحوال الممالك الأورباويّة وخصوصا ألمانيا لقربها إلينا.
رابعا : التداخل في أحوال بولونيا وفي انتخاب ملوكها حتى لا ينتخب إلّا المحب
__________________
(١) هو بطرس الكبير (١٦٧٢ ـ ١٧٢٥) قيصر روسيا امتاز ببطولته. نظم الجيش والملاك الإداري. وحرر المرأة. نقل عاصمته إلى سان بطرسبورغ وأسس أكاديمية العلوم. المنجد صفحة (١٣٥).
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
