يفصل بينهما فرع من هذا الخليج داخل في قارة أوروبا إلى أن يتصل بجدول يعرف بكاغد خانة ، فالقسم الشرقي من القسمين يسمى بغلطه والقسم الغربي يسمى باستانبول ، وقد كان في القديم محل البلدة مفصولا عن بقيّة القارة بخليج واصل إلى بحر مرمرا وهو قرب مقام سيدنا أبي أيوب الأنصاري (١) الآن فكانت جزيرة منفردة.
وهذا القسم هو مقر البلاد الاصليّة الذي يشتمل على مركز الإدارة والأسواق وغير ذلك ، وحيث كانت البلد واقعة في عرض سبعة وأربعين شمالي كان هواؤها يغلب عليه البرد وتنزل عليها الثلوج في كل سنة وربما جمد الخليج في بعض السنين فهي في جميع أوقاتها لها منظر منفرد في الأرض لمن يراها داخلا من الخليج ، حيث كان الخليج في الوسط وتحفه على جميع شطوطه الممتدة نحو ٢٢ ميلا قصور ودساكر جميلة الصنع ذات ألوان لأن البناء بالأخشاب ويدهن ظاهرا وباطنا بألوان جميلة مع كثرة طاقاته ، ويتخلل هذا البناء الصوامع المتناغية في الجوّ مع جودتها وتعدد أدوار مآذنها وبينها القباب الشاهقة ، ثم وراء هاته البناآت على سفح الجبال البساتين والجناين والأشجار الملتفة والعيون المتدفقة فتدهش رؤيتها أبصار الناظرين وتستمر البواخر خارقة لهذا الخليج في ذلك المنظر البديع مدة نحو ساعتين ، فلا ريب إن كانت هي سيدة البلدان السياسيّة خصوصا ووضعها قد جاء على كل من قارتي أوربا وآسيا وعلى كل من البحرين الأبيض والأسود ، ولهذا يسمونها في القديم «بفاروق» لفرقها بين البرين والبحرين ، لكن ذلك المنظر والجمال ينحط درجات عديدة إذا نزل قاصدها إلى البر وتخلل بالمشي في شوارعها لأن طرقاتها أغلبها ضيق ومبلط بحجارات على أصل خلقتها مقلبة مكعبة تتعب الراكب والماشي.
وكثيرا من الديار قد أخذ منه الهرم مأخذه خصوصا في هذا الوقت الذي تفاقم فيه على أهلها الضيق المالي لأن أهلها المسلمون وهم أكثر السكان أغلبهم له جرايات ومرتبات بحيث أن إقامتهم مناطة بالدولة التي ضاقت خزينتها عن القيام بشؤونها وبقيتهم ذوو صنائع خسيسة كسائقي العربات والنوتية وما شاكل ذلك والقليل النادر لهم تجارة على قدر الحاجة ، والتجارة المعتبرة إنما هي بيد الإفرنج أو النصارى من رعيّة الدولة وكذلك أغلب الصنائع الضروريّة والحاجيّة والتحسينيّة على كثرتها كلها بيد النصارى أيضا إلّا ما ندر ، وكأن سبب ذلك هو اختصاص المسلمين قديما بالوظائف والرتب فانحصرت معيشة غيرهم
__________________
(١) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة ، أبو أيوب الأنصاري ، من بني النجار صحابي ، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد كان يسكن المدينة ورحل إلى الشام. صحب يزيد في غزوه للقسطنطينية. ولما توفي سنة (٥٢ ه). دفن في أصل حصن القسطنطينية. الأعلام ٢ / ٢٩٥ طبقات ابن سعد ٣ / ٤٩ صفة الصفوة ١ / ١٨٦ حلية الأولياء ١ / ٣٦١ والإصابة في تمييز الصحابة ١ / ٨٩ رقم الترجمة (٢١٥٩).
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
