الجارية تريد شيئا فوطئت على قدمها وطأة أو جعتها فقالت : وهي مغيظة (١) : حسّ (٢) إليك يا حمقاء ، والله كأنما تطئين أمة ورهاء تغنّي فقالت الخنساء : أنا والله (٣) كنت أكرم منك عرسا ، وأطيب ورسا ، وذلك زماني إذ كنت فتاة أعجب الفتيان ، أشرب (٤) اللبن غضا قارصا (٥) ، ومحضا خالصا ، لا أنهش اللحم ولا أذيب الشحم ، ولا أرعى البهم ، كالمهرة الصنيع لا مضاغة ، ولا عند مضيع ، عقيلة الجواري الحسان الحور ، وذلك في شبيبتي قبل شيبي وعلي درع من ثوب.
فعجب معاوية من الحديث ، ثم أقبل على ابن عارض فقال : فأنت ما الذي تخبرنا؟
قال : خرجت مع أبي قبيل أن يموت ، فألفينا في الطريق خشفا (٦) وصدته لابنة لأنه كان يحبها فخرجت مختضبة حتى وقفنا على دريد بن الصمة مهترا قد فقد عقله ، عريان يكوم بين رجليه البطحاء (٧) ، فوقف أبي عليه ، ووقفت معه بتعجب مما صارت به الحال ، فرفع رأسه فقال (٨) :
|
كأنها (٩) رأس حضن (١٠) |
|
في يوم غيم ودجن |
|
بل ليتني عهد زمن |
|
أنفض رأسي وذقن |
|
كأنني فحل حضن |
|
كالمهر في عقد شطن |
|
أرسل في خيل عنن |
|
أرسل كالظبي الأرن (١١) |
|
فجاء سبقا لم يفن |
|
أخوص خفاق الجنن (١٢) |
|
كالخشف هذا المحتضن |
|
أحسن من شيء حسن |
ثم قام فسقط ، فقال أبي : انهض دريد ، فالتفت إلينا يبكي ويقول :
|
لا نهض في مثل زماني الأول |
|
محنب الساق شديد الأغضل (١٣) |
__________________
(١) كذا بالأصل وم ، وفي المختصر : «معتطبة».
(٢) حس:بفتح الحاء وكسر السين وترك التنوين : كلمة تقال عند الألم(تاج العروس : بتحقيقنا مادة حسس).
(٣) بياض في م.
(٤) بياض في م.
(٥) القارص : لبن يحذي اللسان ، أو حامض يحلب عليه حليب كثير حتى تذهب الحموضة (القاموس المحيط).
(٦) الخشف : ولد الظبي أول ما يولد ، أو أول مشيه ، أو التي نفرت من أولادها وتشردت ، (القاموس).
(٧) يريد هنا الحصى الصغار.
(٨) الأبيات في الأغاني ١٠ / ٢٩.
(٩) كذا بالأصل وم ، وفي الأغاني : كأنني.
(١٠) حضن : اسم جبل.
(١١) الأرن : النشيط.
(١٢) الجنن : الكفن.
(١٣) في الأغاني : الأعصل.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٤١ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2345_tarikh-madina-damishq-41%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
