ولا يجيئ بعد «إذ» المفاجأة إلا الفعل الماضي ، وبعد «إذا» المفاجأة الا الاسمية ، وكان الأصمعي (١) ، لا يستفصح إلا تركهما في جواب بينا وبينما ، لكثرة مجيء جوابهما بدونهما ؛ والكثرة لا تدل على أن المكثور غير فصيح ، بل تدل على أن الأكثر أفصح ، ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه ، وهو من الفصاحة بحيث هو : «بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته» ؛ (٢)
ولما قصد إلى إضافة «بين» اللازم إضافته إلى مفرد ، إلى جملة ، والإضافة إلى الجملة كلا إضافة ، على ما تقدم ، زادوا عليه «ما» الكافة ، لأنها التي تكف المقتضى عن الاقتضاء ، أو أشبعوا الفتحة فتولدت ألف ، ليكون الألف دليل عدم اقتضائه للمضاف إليه ، لأنه كأنه وقف عليه ، والألف قد يؤتى به للوقف ، كما في : أنا ، والظنونا ؛ (٣)
وأصل «بين» أن يكون مصدرا بمعنى الفراق ، فتقدير : جلست بينكما ، أي مكان فراقكما ، وتقدير : فعلت ، بين خروجك ودخولك : أي زمان فراق خروجك ودخولك ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فبين ، كما تبيّن ، مستعمل في الزمان ، والمكان ، وأمّا إذا كفّ بما ، أو الألف وأضيف إلى الجمل ، فلا يكون إلا للزمان ، لما تقدم من أنه لا يضاف من المكان إلى الجمل إلا «حيث» ؛
و «بين» في الحقيقة ، مضاف إلى زمان مضاف إلى الجملة ، فحذف الزمان المضاف ، والتقدير : بين أوقات زيد قائم ، أي بين أوقات قيام زيد ، فحذف الوقت لقيام القرينة عليه ، وهي غلبة إضافة الأزمنة إلى الجمل ، دون الأمكنة وغيرها ، فيتبادر الفهم في كل مضاف إليها ، إلى الزمان ، فصار «بين» المضاف إلى الزمان زمانا ، لأن «بين» ان أضيف
__________________
|
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها |
|
تقلّب تارات بنا وتصرّف |
وقولها نتنصف أي نخدم الناس ، وتقلب. وتصرف ، كلاهما بحذف التاء الأولى ؛
(١) عبد الملك بن قريب الأصمعي ، تقدم ذكره في هذا الجزء.
(٢) جاء هذا الكلام في إحدى الخطب التي تضمنها نهج البلاغة المنسوب لسيدنا علي رضي الله عنه ، ص ٣٤ طبع دار الشعب بالقاهرة ؛
(٣) إشارة إلى قوله تعالى : (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) الآية ١٠ سورة الأحزاب.
![شرح الرضيّ على الكافية [ ج ٣ ] شرح الرضيّ على الكافية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1800_sharh-alrazi-alakafiate-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
