روح المعاني - ج ١٤

أبي الفضل شهاب الدين السيّد محمود الألوسي البغدادي

روح المعاني - ج ١٤

المؤلف:

أبي الفضل شهاب الدين السيّد محمود الألوسي البغدادي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٥

وتكاثف الأشجار على سبيل الترقي لأن الفواكه مستغنى عنها بما بعد وليقابل قوله تعالى : (وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) [الواقعة : ٤١ ـ ٤٣] قوله سبحانه : (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ) إلخ فإذن لا مدخل لحديث الطلع في معنى الظل وما يتصل به لكن قال صاحب الكشف : إن وصف الطلح بكونه منضودا لا يظهر له كثير ملاءمة لكون المقصود منفعة التظليل وينبغي أن يحمل الطلح على أنه من عظام العضاه على ما ذكره في الصحاح فشجر أم غيلان والموز لا ظل لهما يعتد به ، ثم قال ولو حمل الطلح على المشموم لكان وجها انتهى ، وقد قدمنا لك خبر سبب النزول فلا تغفل (وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ) أي بحسب الأنواع والأجناس على ما يقتضيه المقام.

(لا مَقْطُوعَةٍ) في وقت من الأوقات كفواكه الدنيا (وَلا مَمْنُوعَةٍ) عمن يريد تناولها بوجه من الوجوه ولا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا ، وقرئ (وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) بالرفع في الجميع على تقدير وهناك (فاكِهَةٍ) إلخ (وَفُرُشٍ) جمع فراش كسراج وسرج ، وقرأ أبو حيوة بسكون الراء (مَرْفُوعَةٍ) منضدة مرتفعة أو مرفوعة على الأسرة فالرفع حسي كما هو الظاهر ، وقد أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وجماعة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام ولا تستبعد ذلك من حيث العروج والنزول ونحوهما فالعالم عالم آخر وراء طور عقلك.

وأخرج هناد عن الحسن أن ارتفاعها مسيرة ثمانين سنة وليس بمثابة الخبر السابق ، وقال بعضهم : أي رفيعة القدر على أن رفعها معنوي بمعنى شرفها وأيا ما كان فالمراد بالفرش ما يفرش للجلوس عليه. وقال أبو عبيدة المراد بها النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش كما يكنى عنها باللباس ورفعهن في الأقدار والمنازل.

وقيل : على الأرائك وأيد إرادة النساء بقوله تعالى : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) لأن الضمير في الأغلب يعود على مذكور متقدم وليس إلا الفرش ولا يناسب العود إليه إلا بهذا المعنى والاستخدام بعيد هنا ، وعلى القول في الفرش الضمير للنساء وإن لم يجر لها ذكر لتقدم ما يدل عليها فهو تتميم بيانا لمقدر يدل عليه السياق كأنه قيل : وفرش مرفوعة ونساء أو وحور عين ، ثم استؤنف وصفهن بقوله سبحانه : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَ) تتميما للبيان زيادة للترغيب لا لتعليل الرفع ، وقيل : إن المرجع مضمر وتقدير المنزل وفرش مرفوعة لأزواجهم أو لنسائهم فإنا إلخ استئناف علة للرفع أي وفرش مرفوعة لأزواجهم لأنا أنشأناهن ، والأول أوفق لبلاغة القرآن العظيم ، والمراد بأنشأناهن أعدنا إنشاءهن من غير ولادة لأن المخبر عنهن بذلك نساؤكن في الدنيا.

فقد أخرج ابن جرير وعبد بن حميد والترمذي وآخرون عن أنس قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : في الآية إن المنشئات اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا» وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم وجماعة عن سلمة بن مرثد الجعفي قال : «سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في قوله تعالى : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا» وأخرج الترمذي في الشمائل وابن المنذر وغيرهما عن الحسن قال : «أتت عجوز فقالت : يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال : يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز فولت تبكي قال : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) إلخ ، وقال أبو حيان : الظاهر أن الإنشاء هو الاختراع الذي لم يسبق بخلق ويكون ذلك مخصوصا بالحور العين فالمعنى إنا ابتدأناهن ابتداء جديدا من غير ولادة ولا خلق أول (فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً) تفسير لما تقدم ، والجعل إما بمعنى التصيير ، و (أَبْكاراً) مفعول ثان ، أو بمعنى الخلق و «أبكارا» حال أو مفعول ثان ، والكلام من قبيل ضيق فم الركية ، وفي الحديث «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن

١٤١

أبكارا» أخرجه الطبراني في الصغير والبزار عن أبي سعيد مرفوعا (عُرُباً) متحببات إلى أزواجهن جمع عروب كصبور وصبر ، وروي هذا عن جماعة من السلف وفسرها جماعة أخرى بغنجات ، ولا يخفى أن الغنج ألطف أسباب التحبب ، وعن زيد بن أسلم العروب الحسنة الكلام ، وفي رواية عن ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد هن العواشق لأزواجهن ، ومنه على ما قيل قول لبيد :

وفي الخدور عروب غير فاحشة

ريا الروادف يعشى دونها البصر

وفي رواية أخرى عن مجاهد أنهن الغلمات اللاتي يشتهين أزواجهم ، وأخرج ابن عدي بسند ضعيف عن أنس مرفوعا ـ خير نسائكم العفيفة الغلمة ـ وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث النوفلي : العروب الخفرة المتبذلة لزوجها ، وأنشد :

يعرين عند بعولهن إذا خلوا

وإذا هم خرجوا فهن خفار

ويرجع هذا إلى التحبب ، وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله تعالى : (عُرُباً) كلامهن عربي ، ولا أظن لهذا صحة ؛ والتفسير بالمتحببات هو الذي عليه الأكثر.

وقرأ حمزة وجماعة ـ منها عباس والأصمعي ـ عن أبي عمرو ، وأخرى ـ منها خارجة وكردم ـ عن نافع ، وأخرى منها حماد وأبو بكر وأبان ـ عن عاصم «عربا» بسكون الراء وهي لغة تميم ، وقال غير واحد : هي للتخفيف كما في عنق وعنق (أَتْراباً) مستويات في سن واحد كما قال أنس وابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة وقتادة وغيرهم كأنهن شبهن في التساوي بالترائب التي هي ضلوع الصدر أو كأنهن وقعن معا على التراب أي الأرض وهن بنات ثلاث وثلاثين سنة وكذا أزواجهن.

وأخرج الترمذي عن معاذ مرفوعا «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين ، أو ثلاث وثلاثين» والمراد بذلك كمال الشباب ، وقوله تعالى : (لِأَصْحابِ الْيَمِينِ) متعلق ـ بأنشأنا ـ أو بجعلنا ، وقيل : متعلق ـ بأترابا ـ كقولك فلان ترب لفلان أي مساو له فهو محتاج إلى التأويل ، وتعقب بأنه مع هذا ليس فيه كثير فائدة وفيه نظر ، وقيل : بمحذوف هو صفة ـ لأبكارا ـ أي كائنات لأصحاب اليمين ، وفيه إقامة الظاهر مقام الضمير لطول العهد أو للتأكيد والتحقيق [الواقعة : ٣٩ ـ ٨٠] وقوله تعالى :

(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ

١٤٢

حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٨٠)

(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) خبر مبتدأ محذوف أي هم ثلة ، أو خبر ثان لهم المقدر مبتدأ مع (فِي سِدْرٍ) أو (لِأَصْحابِ الْيَمِينِ) في قوله تعالى : (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ) أو مبتدأ خبره محذوف أي منهم ، أو مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله احتمالات اعترض الأخير منها بأن المعنى عليه غير ظاهر ولا طلاوة فيه ، وجعل اللام بمعنى من كما في قوله :

ونحن لكم يوم القيامة أفضل

لا يخفى حاله ـ والأولون والآخرون ـ المتقدمون والمتأخرون إما من الأمم وهذه الأمة ، أو من هذه الأمة فقط على ما سمعت فيما تقدم ، هذا ولم يقل سبحانه في حق أصحاب اليمين ـ جزاء بما كانوا يعملون ـ كما قاله عزوجل في حق السابقين رمزا إلى أن الفضل في حقهم متمحض كأن عملهم لقصوره عن عمل السابقين لم يعتبر اعتباره. ثم الظاهر أن ما ذكر من حال أصحاب اليمين هو حالهم الذي ينتهون إليه فلا ينافي أن يكون منهم من يعذب لمعاص فعلها ومات غير تائب عنها ثم يدخل الجنة. ولا يمكن أن يقال : إن المؤمن العاصي من أصحاب الشمال لأن صريح أوصافهم الآتية يقتضي أنهم كانوا كافرين ويلزم من جعل هذا قسما على حدة كون القسمة غير مستوفاة فليتأمل ، والله تعالى أعلم.

والكلام في قوله تعالى : (وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ* فِي سَمُومٍ) على نمط ما سلف في نظيره ، والسموم قال الراغب : الريح الحارة التي تؤثر تأثير السم ، وفي الكشاف حرّ نار ينفذ في المسام والتنوين للتعظيم وكذا في قوله تعالى : (وَحَمِيمٍ) وهو الماء الشديد الحرارة (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) أي دخان أسود كما قال ابن عباس وأبو مالك وابن زيد والجمهور وهي على وزن يفعول ، وله نظائر قليلة من الحممة القطعة من الفحم وتسميته ظلّا على التشبيه التهكمي ، وعن ابن عباس أيضا أنه سرادق النار المحيط بأهلها يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم ، وقال ابن كيسان : هو من أسماء جهنم فإنها سوداء وكذا كل ما فيها أسود بهيم نعوذ بالله تعالى منها. وقال ابن بريدة وابن زيد أيضا : هو جبل من النار أسود يفزع أهل النار إلى ذراه فيجدونه أشد شيء ، والجار والمجرور في موضع الصفة ـ لظل ـ وكذا قوله سبحانه : (لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) صفتان له ، وتقديم الصفة الجار والمجرور على الصفة المفردة جائز كما صرح به الرضي وغيره أي لا بارد كسائر الظلال ، ولا نافع لمن يأوي إليه من أذى الحر ـ وذلك كرمه ـ فهناك استعارة ، ونفى ذلك ليمحق توهم ما في الظل من الاسترواح إليه وإن وصف أولا بقوله تعالى : (مِنْ يَحْمُومٍ) والمعنى أنه ظل حار ضار إلا أن للنفي شأنا ليس للإثبات. ومن ذلك جاء التهكم والتعريض بأن الذي يستأهل الظل الذي فيه برد وإكرام غير هؤلاء فيكون أشجى لحلوقهم وأشد لتحسرهم ، وقيل : الكرم باعتبار أنه مرضي في بابه ، فالظل الكريم هو المرضي في برده وروحه ، وفيه أنه لا يلائم ما هنا لقوله تعالى : (لا بارِدٍ) وجوز أن يكون ذلك نفيا لكرامة من يستروح

١٤٣

إليه ونسب إلى الظل مجازا ، والمراد أنهم يستظلون به وهم مهانون ، وقد يحتمل المجلس الرديء لنيل الكرامة ، وفي البحر يجوز أن يكونا صفتين ـ ليحموم ـ ويلزم منه وصف الظل بهما ، وتعقب بأن وصف اليحموم وهو الدخان بذلك ليس فيه كبير فائدة! وقرأ ابن أبي عبلة «لا بارد ولا كريم» برفعهما أي لا هو بارد ولا كريم على حدّ قوله:

فأبيت لا حرج ولا محروم

أي لا أنا حرج ولا محروم ، وقوله تعالى : (إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ) تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب ، وسلك هذا المسلك في تعليل الابتداء بالعذاب اهتماما بدفع توهم الظلم في التعذيب ، ولما كان إيصال الثواب مما ليس فيه توهم نقص أصلا لم يسلك فيه نحو هذا ، والمترف هنا بقرينة المقام هو المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع ، والمعنى أنهم عذبوا لأنهم كانوا قبل ما ذكر من العذاب في الدنيا متبعين هوى أنفسهم وليس لهم رادع منها يردعهم عن مخالفة أوامره عزوجل وارتكاب نواهيه سبحانه كذا قيل ، وقيل : هو العاتي المستكبر عن قبول الحق والإذعان له ، والمعنى أنهم عذبوا لأنهم كانوا في الدنيا مستكبرين عن قبول ما جاءتهم به رسلهم من الإيمان بالله عزوجل وما جاء منه سبحانه ، وقيل : هو الذي أترفته النعمة أي أبطرته وأطغته ، وقريب منه ما قيل : هو المنعم المنهمك في الشهوات ، وعليه قول أبي السعود أي إنهم كانوا قبل ما ذكر من سوء العذاب في الدنيا منعمين بأنواع النعم من المآكل والمشارب والمساكن الطيبة والمقامات الكريمة منهمكين في الشهوات فلا جرم عذبوا بنقائضها ، وتعقب بأن كثيرا من أهل الشمال ليسوا مترفين بالمعنى الذي اعتبره فكيف يصح تعليل عذاب الكل بذلك ولا يرد هذا على ما قدمناه من القولين كما لا يخفى.

ومن الناس من فسر المترف بما ذكر وتفصى عن الاعتراض بأن تعليل عذاب الكل بما ذكر في حيز العلة لا يستدعي أن يكون كل من المذكورات موجودا في كل من أصحاب الشمال بل وجود المجموع في المجموع وهذا لا يضر فيه اختصاص البعض بالبعض فتأمله ، وقيل : المترف المجعول ذا ترفة أي نعمة واسعة والكل مترفون بالنسبة إلى الحالة التي يكونون عليها يوم القيامة ، وهو على ما فيه لا يظهر أمر التعليل عليه (وَكانُوا يُصِرُّونَ) يتشددون ويمتنعون من الإقلاع ويداومون (عَلَى الْحِنْثِ) أي الذنب (الْعَظِيمِ) وفسر بعضهم الحنث بالذنب العظيم لا بمطلق الذنب وأيد بأنه في الأصل العدل العظيم فوصفه بالعظيم للمبالغة في وصفه بالعظم كما وصف الطود وهو الجبل العظيم به أيضا ، والمراد به كما روي عن قتادة والضحاك وابن زيد الشرك وهو الظاهر.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي أن المراد به الكبائر وكأنه جعل المعنى ـ وكانوا يصرون على كل حنث عظيم ـ وفي رواية أخرى عنه أنه اليمين الغموس وظاهره الإطلاق ، وقال التاج السبكي في طبقاته : سألت الشيخ ، يعني والده تقي الدين ـ ما الحنث العظيم؟ ـ فقال : هو القسم على إنكار البعث المشار إليه بقوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ) [النحل : ٣٨] وهو تفسير حسن لأن الحنث وإن فسر بالذنب مطلقا أو العظيم فالمشهور استعماله في عدم البر في القسم ، وتعقب بأنه يأباه قوله تعالى : (وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً) إلى آخره للزوم التكرار ، وأجيب بأن المراد بالأول وصفهم بالثبات على القسم الكاذب وبالثاني وصفهم بالاستمرار على الإنكار والرمز إلى استدلال ظاهر الفساد مع أنه لا محذور في تكرار ما يدل على الإنكار وهو توطئة وتمهيد لبيان فساده ، والمراد بقولهم : ـ كنا ترابا وعظاما ـ كان بعض أجزائنا من اللحم والجلد ونحوهما ترابا وبعضها عظاما نخرة ، وتقديم التراب لأنه أبعد عن الحياة التي يقتضيها ما هم بصدد إنكاره من البعث ، ـ وإذا ـ متمحضة للظرفية والعامل فيها ما دل عليه قوله تعالى : (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) لا مبعوثون نفسه لتعدد ما يمنع من عمل ما بعده فيما قبله ـ وهو

١٤٤

نبعث ـ وهو المرجع للإنكار وتقييده بالوقت المذكور ليس لتخصيص إنكاره به فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان البدن على حاله لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له بالكلية وهذا كالاستدلال على ما يزعمونه ، وتكرير الهمزة لتأكيد النكير وتحلية الجملة بأن لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد ، وقوله سبحانه : (أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ) عطف على محل ـ إن ـ واسمها أو على الضمير المستتر في مبعوثون وحسن للفصل بالهمزة وإن كانت حرفا واحدا ـ كما قال الزمخشري ـ ولا يضر عمل ما قبل هذه الهمزة في المعطوف بعدها لأنها مكررة للتأكيد وقد زحلقت عن مكانها ، وقولهم : الحرف إذا كرر للتأكيد فلا بد أن يعاد معه ما اتصل به أولا أو ضمير لا يسلم اطراده لورود :

«ولا ـ للما ـ بهم أبدا دواء» وأمثاله ، وجوز أن يكون (آباؤُنَا) مبتدأ وخبره محذوف دل عليه ما قبل أي مبعوثون ، والجملة عطف على الجملة السابقة وهو تكلف يغني عنه العطف المذكور والمعنى ـ أيبعث أيضا آباؤنا ـ على زيادة الاستبعاد يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل ، وقرأ قالون وابن عامر «أو آباؤنا» بإسكان الواو وعلى هذه القراءة لا يعطف على الضمير إذ لا فاصل.

(قُلْ) ردا لإنكارهم وتحقيقا للحق (إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) من الأمم الذين من جملتهم أنتم وآباؤكم ، وتقديم الأولين للمبالغة في الرد حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد من إنكارهم لبعثهم مع مراعاة الترتيب الوجودي (لَمَجْمُوعُونَ) بعد البعث ، وقرئ «لمجمعون» (إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) وهو يوم القيامة ومعنى كونه معلوما كونه معينا عند الله عزوجل ، والميقات ما وقت به الشيء أي حد ، ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرما ، وإضافته إلى (يَوْمٍ) بيانية كما في خاتم فضة ، وكون يوم القيامة ميقاتا لأنه وقتت به الدنيا ، و (إِلى) للغاية والانتهاء ، وقيل : والمعنى (لَمَجْمُوعُونَ) منتهين إلى ذلك اليوم ، وقيل : ضمن معنى السوق فلذا تعدى بها (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ) عطف على (إِنَّ الْأَوَّلِينَ) داخل في حيز القول ، و (ثُمَ) للتراخي الزماني أو الرتبي (الْمُكَذِّبُونَ) بالبعث ، أو بما يعمه وغيره ويدخل هو دخولا أوليا للسياق على ما قيل ، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم (لَآكِلُونَ) بعد البعث والجمع ودخول جهنم (مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ مِنْ) الأولى لابتداء الغاية والثانية لبيان الشجر وتفسيره أي مبتدءون للأكل من شجر هو زقوم ، وجوز كون الأولى تبعيضية و (مِنْ) الثانية على حالها ، وجوز كون (مِنْ زَقُّومٍ) بدلا من قوله تعالى : (مِنْ شَجَرٍ) فمن تحتمل الوجهين ، وقيل : الأولى زائدة ، وقرأ عبد الله من شجرة فوجه التأنيث ظاهر في قوله تعالى : (فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) أي بطونكم من شدة الجوع فإنه الذي اضطرهم وقسرهم على أكل مثلها مما لا يؤكل ، وأما على قراءة الجمهور فوجهه الحمل على المعنى لأنه بمعنى الشجرة ، أو الأشجار إذا نظر لصدقه على المتعدد ، وأما التذكير على هذه القراءة في قوله سبحانه : (فَشارِبُونَ عَلَيْهِ) أي عقيب ذلك بلا ريث (مِنَ الْحَمِيمِ) أي الماء الحار في الغاية لغلبة العطش فظاهر لا يحتاج إلى تأويل ، وقال بعضهم : التأنيث أولا باعتبار المعنى والتذكير ثانيا باعتبار اللفظ ، فقيل عليه : إن فيه اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى على خلاف المتعارف فلو أعيد الضمير المذكور على الشجر باعتبار كونه مأكولا ليكون التذكير والتأنيث باعتبار المعنى كان أولى وفيه بحث ، ووجهه على القراءة الثانية أن الضمير عائد على الزقوم أو على الشجر باعتبار أنها زقوم أو باعتبار أنها مأكول ، وقيل : هو مطلقا عائد على الأكل ، وتعقب بأنه بعيد لأن الشرب عليه لا على تناوله مع ما فيه من تفكيك الضمائر وكونه مجازا شائعا وغير ملبس لا يدفع البعد فتأمل.

١٤٥

(فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك جمع أهيم وهو الجمل الذي أصابه الهيام بضم الهاء وهو داء يشبه الاستسقاء يصيب الإبل فتشرب حتى تموت ، أو تسقم سقما شديدا ، ويقال إبل هيماء وناقة هيماء كما يقال : جمل أهيم قال الشاعر :

فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد

صداها ولا يقضي عليها هيامها

وجعل بعضهم (الْهِيمِ) هنا جمع الهيماء ، وقيل : هو جمع هائم أو هائمة ، وجمع فاعل على فعل كبازل وبزل شاذ ، وعن ابن عباس أيضا وسفيان (الْهِيمِ) الرمال التي لا تروى من الماء لتخلخلها ومفرده هيام بفتح الهاء على المشهور كسحاب وسحب ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض من قلب الضمة كسرة لتسلم بالياء ويخفف اللفظ فكسرت الهاء لأجل الياء وهو قياس مطرد في بابه ، وقال ثعلب : هو بالضم كقراد وقرد ثم خفف وفعل به ما فعل مما سمعت والعطف بالفاء قيل : لأن الإفراط بعد الأصلي ، وقيل : لأن كلّا من المتعاطفين أخص من الآخر فإن شارب الحميم قد لا يكون به داء الهيام ومن به داء الهيام قد يشرب غير الحميم ، والشرب الذي لا يحصل الري ناشئ عن شرب الحميم لأنه لا يبل الغليل ، والذي اختاره ما قاله مفتي الديار الرومية : إن ذلك كالتفسير لما قبله أي لا يكون شربكم شربا معتادا بل يكون مثل شرب الهيم ، والشرب بالضم مصدر ، وقيل : اسم لما يشرب ، وقرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ـ كما روى جماعة منهم الحاكم وصححه ـ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «شرب» بفتح الشين وهو مصدر شرب المقيس ، وبذلك قرأ جمع من السبعة والأعرج وابن المسيب وشعيب ومالك بن دينار وابن جريج ، وقرأ مجاهد وأبو عثمان النهدي بكسر الشين وهو اسم بمعنى المشروب لا مصدر كالطحن والرعي (هذا) الذي ذكر من ألوان العذاب (نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ) يوم الجزاء فإذا كان ذلك نزلهم وهو ما يقدم للنازل مما حضر فما ظنك بما لهم بعد ما استقر لهم القرار واطمأنت لهم الدار في النار ، وفي جعله نزلا مع أنه مما يكرم به النازل من التهكم ما لا يخفى ، ونظير ذلك قوله :

وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا

جعلنا القنا والمرهفات له نزلا

وقرأ ابن محيصن وخارجة عن نافع ونعيم ومحبوب وأبو زيد وهارون وعصمة وعباس كلهم عن أبي عمرو نزلهم بتسكين الزاي المضمومة للتخفيف كما في البيت ، والجملة مسوقة من جهته سبحانه وتعالى بطريق الفذلكة مقررة لمضمون الكلام الملقن غير داخلة تحت القول ، وقوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ) تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة بطريق الإلزام والتبكيت والفاء لترتيب التحضيض على ما قبلها أي فهلا تصدقون بالخلق بقرينة (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ) ولما لم يحقق تصديقهم المشعر به قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [لقمان : ٢٥ ، الزمر : ٣٨] عملهم حيث لم يقترن بالطاعة والأعمال الصالحة بل اقترن بما ينبئ عن خلافه من الشرك والعصيان نزل منزلة العدم والإنكار فحضوا على التصديق بذلك ، وقيل : المراد فهلا تصدقون بالبعث لتقدمه وتقدم إنكاره في قولهم (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) [الإسراء : ٤٩ ، ٩٨ ، المؤمنون : ٨٢ ، الصافات : ١٦ ، الواقعة : ٤٧] فيكون الكلام إشارة إلى الاستدلال بالإبداء على الاعادة فإن من قدر عليه قدر عليها حتما ، والأول هو الوجه كما يظهر مما بعد إن شاء الله تعالى (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ) أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف ، وقرأ ابن عباس وأبو الثمال «تمنون» بفتح التاء من مني النطفة بمعنى أمناها أي أزالها بدفع الطبيعة (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ) أي تقدرونه وتصورونه بشرا سويا تام الخلقة ، فالمراد خلق ما يحصل منه على أن في الكلام تقديرا أو

١٤٦

تجوزا ، وجوز إبقاء ذلك على ظاهره أي (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ) وتنشئون نفس ذات ما تمنونه (أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ) له من غير دخل شيء فيه ـ وأ رأيتم ـ قد مر الكلام غير مرة فيه ، ويقال هنا : إن اسم الموصول مفعوله الأول والجملة الاستفهامية مفعوله الثاني ، وكذا يقال فيم بعد من نظائره وما يعتبر فيه الرؤية بصرية تكون الجملة الاستفهامية فيه مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، وجوز في ـ أنتم ـ أن يكون مبتدأ ، والجملة بعده خبره ، وأن يكون فاعلا لفعل محذوف والأصل أتخلقون فلما حذف الفعل انفصل الضمير ، واختاره أبو حيان. و (أَمْ) قيل : منقطعة لأن ما بعدها جملة فالمعنى ـ بل أنحن الخالقون ـ على أن الاستفهام للتقرير ، وقال قوم من النحاة : متصلة معادلة للهمزة كأنه قيل : (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ) ثم جيء ـ بالخالقون ـ بعد بطريق التأكيد لا بطريق الخبرية أصالة (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) قسمناه عليكم ووقتنا موت كل أحد بوقت معين حسبما تقتضيه مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة ، وقرأ ابن كثير «قدرنا» بالتخفيف (وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) أي لا يغلبنا أحد (عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ) أي على أن نذهبكم ونأتي مكانكم أشباهكم من الخلق فالسبق مجاز عن الغلبة استعارة تصريحية أو مجاز مرسل عن لازمه ، وظاهر كلام بعض الأجلة أنه حقيقة في ذلك إذا تعدى بعلى ، والجملة في موضع الحال من ضمير (قَدَّرْنا) وكأن المراد (قَدَّرْنا) ذلك ونحن قادرون على أن نميتكم دفعة واحدة ونخلق أشباهكم.

(وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ) من الخلق والأطوار التي لا تعهدونها ، وقال الحسن : من كونكم قردة وخنازير ، ولعل اختيار ذلك لأن الآية تنحو إلى الوعيد ، والمراد ونحن قادرون على هذا أيضا وجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل بفتحتين بمعنى الصفة لا جمع مثل بالسكون بمعنى الشبه كما في الوجه الأول أي ونحن نقدر على أن نغير صفاتكم التي أنتم عليه خلقا وخلقا وننشئكم في صفات لا تعلمونها ، وقيل : المعنى وننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا ، وقيل : المعنى وما يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يغير وقته الذي وقتناه ، على أن المراد تمثيل حال من سلم من الموت أو تأخر أجله عن الوقت المعين له بحال من طلبه طالب فلم يلحقه وسبقه ، وقوله تعالى : (عَلى أَنْ نُبَدِّلَ) إلخ في موضع الحال من الضمير المستتر في مسبوقين أي حال كوننا قادرين أو عازمين على تبديل أمثالكم ، والجملة السابقة على حالها ، وقال الطبري : (عَلى أَنْ نُبَدِّلَ) متعلق ـ بقدّرنا ـ وعلة له وجملة (وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) اعتراض ، والمعنى نحن قدرنا بينكم الموت لأن نبدل أمثالكم أي نميت طائفة ونبدلها بطائفة هكذا قرنا بعد قرن (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى) من خلقكم من نطفة ، ثم من علقه ، ثم من مضغة ؛ وقال قتادة : هي فطرة آدم عليه‌السلام من التراب ولا ينكرها أحد من ولده (فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ) فهلا تتذكرون أن من قدر عليها فهو على النشأة الأخرى أقدر وأقدر فإنها أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص الأجزاء وسبق المثال ، وهذا ـ على ما قالوا ـ دليل على صحة القياس لكن قيل : لا يدل إلا على قياس الأولى لأنه الذي في الآية ، وفي الخبر عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى ، وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور.

وقرأ طلحة تذكرون بالتخفيف وضم الكاف (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ) ما تبذرون حبه وتعملون في أرضه (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ) تنبتونه وتردونه نباتا يرف وينمى إلى أن يبلغ الغاية (أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) أي المنبتون لا أنتم والكلام في ـ أنتم ـ و (أَمْ) كما مر آنفا ، وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في شعب الايمان ـ وضعفه ـ وابن حبان ـ كما قال الخفاجي ـ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : «لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت ، ثم قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ألم تسمعوا الله تعالى يقول : (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)» يشير رضي الله تعالى عنه إلى أنه عليه الصلاة والسلام أخذ النهي من

١٤٧

هذه الآية فإنه أسند الحرث إلى المخاطبين دون الزرع ، وقال القرطبي : إنه يستحب للزارع أن يقول بعد الاستعاذة وتلاوة هذه الآية الله تعالى الزارع والمنبت والمبلغ اللهم صل على محمد وارزقنا ثمره وجنبنا ضرره واجعلنا لأنعمك من الشاكرين ، وقيل : وقد جرب هذا الدعاء لدفع آفات الزرع كلها وإنتاجه (لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً) هشيما متكسرا متفتتا لشدة يبسه بعد ما أنبتناه وصار بحيث طمعتم في حيازة غلاله (فَظَلْتُمْ) بسبب ذلك (تَفَكَّهُونَ) تتعجبون من سوء حاله إثر ما شاهدتموه على أحسن ما يكون من الحال على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ، وقال الحسن : تندمون أي على ما تعبتم فيه ، وأنفقتم عليه من غير حصول نفع ، أو على ما اقترفتم لأجله من المعاصي ، وقال عكرمة : تلاومون على ما فعلتم ، وأصل التفكه التنقل بصنوف الفاكهة واستعير للتنقل بالحديث وهو هنا ما يكون بعد هلاك الزرع وقد كني به في الآية عن التعجب ، أو الندم أو التلاوم على اختلاف التفاسير ، وفي البحر كل ذلك تفسير باللازم ، ومعنى (تَفَكَّهُونَ) تطرحون الفكاهة عن أنفسكم وهي المسرة ، ورجل فكه منبسط النفس غير مكترث بشيء وتفكه من أخوات تحرج وتحوب أي إن التفعل فيه للسلب.

وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية العتكي عنه «فظلتم» بكسر الظاء كما قالوا : مست بالكسر ومست بالفتح ، وحكاها الثوري عن ابن مسعود وجاءت عن الأعمش ، وقرأ عبد الله والجحدري ـ فظللتم ـ بلامين أولاهما مكسورة ، وقرأ الجحدري أيضا كذلك مع فتح اللام والمشهور ظللت بالكسر ، وقرأ أبو حزام «تفكنون» بالنون بدل الهاء ، قال ابن خالويه : تفكه بالهاء تعجب ، وتفكن بالنون تندم (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) أي معذبون مهلكون من الغرام وهو الهلاك قال الشاعر :

إن يعذب يكن غراما وإن يع

ط جزيلا فإنه لا يبالي

والمراد مهلكون بهلاك رزقنا ، وقيل : بالمعاصي أو ملزمون غرامة بنقص رزقنا ، وقرأ الأعمش والجحدري وأبو بكر ـ أإنا بالاستفهام والتحقيق ، والجملة على القراءتين بتقدير قول هو في حيز النصب على الحالية من فاعل تفكهون أي قائلين ، أو تقولون ذلك (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) محدودون لا مجدودون أو محرومون الرزق كأنهم لما قالوا : إنا مهلكون لهلاك رزقنا أضربوا عنه وقالوا : بل هذا أمر قدر علينا لنحوسة طالعنا وعدم بختنا ، أو لما قالوا : إنا ملزمون غرامة بنقص أرزاقنا أضربوا فقالوا : (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) الرزق بالكلية (أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) عذبا فراتا ، وتخصيص هذا الوصف بالذكر مع كثرة منافعه لأن الشرب أهم المقاصد المنوطة به (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) أي السحاب واحدته مزنة ، قال الشاعر :

فلا مزنة ودقت ودقها

ولا أرض أبقل إبقالها

وقيل : هو السحاب الأبيض وماؤه أعذب (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) له بقدرتنا.

(لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً) ملحا ذعاقا لا يمكن شربه من الأجيج وهو تلهب النار. وقيل : الأجاج كل ما يلذع الفم ولا يمكن شربه فيشمل الملح والمر والحار ، فإما أن يراد ذلك ، أو الملح بقرينة المقام وحذفت اللام من جواب لو هاهنا للقرينة اللفظية والحالية ومتى جاز حذف ـ لم أر ـ في قول أوس :

حتى إذا الكلاب قال لها

«...» كاليوم مطلوبا ولا طلبا

والقرينة حالية فأولى أن يجوز حذفها وحدها لذلك على ما قرره الزمخشري ، وقرر وجها آخر حاصله أن اللام لمجرد التأكيد فتناسب مقام التأكيد فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمره مقدم على أمره ، وأن

١٤٨

الوعيد بفقده أشدّ وأصعب من قبل أن المشروب تبع له ألا يرى أن الضيف يسقى بعد أن يطعم ، وقد ذكر الأطباء أن الماء مبذرق ، ويؤيد ذلك تقديمه على المشروب في النظم الجليل ، وللإمام في هذا المقام كلام طويل اعترض به على الزمخشري وبين فيه وجه الذكر أولا والحذف ثانيا ، ولم أره أتى بما يشرح الصدر ، وخير منه عندي قول ابن الأثير في المثل السائر : إن اللام أدخلت في المطعوم دون المشروب لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة والموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب ، وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد فلذا لم تدخل لام التأكيد المفيدة لزيادة التحقيق ، وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد وإذا وقع يكون عن سخط شديد ، فلذا قرن باللام لتقرير إيجاده وتحقيق أمره انتهى.

(فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ) تحضيض على شكر الكل لأنه أفيد دون عذوبة الماء فقط كما ذهب إليه البعض.

نعم أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه «أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا شرب الماء قال : الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا» (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) أي تقدحونها وتستخرجونها من الزناد (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها) التي منها الزناد وهي المرخ والعفار ، وقيل : المراد بالشجرة نفس النار كأنه قيل : نوعها أو جنسها فاستعير الشجرة لذلك وهو قول متكلف بلا حاجة.

(أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ) لها بقدرتنا والتعبير عن خلقها بالإنشاء المنبئ عن بديع الصنع المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينها وبين سائر الأشجار التي لا تخلو عن النار حتى قيل ـ في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار ـ كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) [المؤمنون : ١٤] لذلك (نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً) استئناف معين لمنافعها أي جعلناها تذكيرا لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها ويذكروا بها ما أوعدوا به ، أو جعلناها تذكرة وأنموذجا من جهنم لما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم «ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» وعلى الوجهين التذكرة من الذكر المقابل للنسيان ولم ينظر في الأول إلى أنها من جنس نار جهنم أولا وفي الثاني نظر إلى ذلك ، وقيل : تبصرة في أمر البعث لأن من أخرج النار من الشجر الأخضر المضاد لها قادر على إعادة ما تفرقت مواده ، وقيل : تبصرة في الظلام يبصر بضوئها ، وفيه أن التذكرة لا تكون بمعنى التبصرة المأخوذة من البصر وكون المراد تذكرة لنار جهنم هو المأثور عن الكثيرين ، ومنهم ابن عباس ومجاهد وقتادة (وَمَتاعاً) ومنفعة (لِلْمُقْوِينَ) للذين ينزلون القواء وهي القفر من أقوى دخل القواء كأصحر دخل الصحراء وتخصيص المقوين بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين ، أو النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد.

وقيل : (لِلْمُقْوِينَ) أي المسافرين ، ورواه جمع عن ابن عباس وعبد بن حميد عن الحسن ، وهو وابن جرير وعبد الرزاق عن قتادة بزيادة كم من قوم قد سافروا ثم أرملوا فأججوا نارا فاستدفئوا وانتفعوا بها ، وكان إطلاق المقوين على المسافرين لأنهم كثيرا ما يسلكون القفراء والمفاوز ، وقيل : (لِلْمُقْوِينَ) للفقراء يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد كأنه تصور من حال الحاصل في القفر الفقر ، فقيل : ـ أقوى ـ فلان أي افتقر كقولهم أترب وأرمل ، وقال ابن زيد : للجائعين لأنهم أقوت أي خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام فهم يحتاجون إليها لطبخ ما يأكلون وخصوا ـ على ما قيل ـ لأن غيرهم يتنعم بها لا يجعلها متاعا ، وتعقب بأنه بعيد لعدم انحصار ما يهمهم ويسدّ خلتهم فيما لا يؤكل إلا بالطبخ ، وقال عكرمة ومجاهد : المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين

١٤٩

يستضيئون بها ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز ، قال العلامة الطيبي والطبرسي : وعلى هذا القول ـ المقوي ـ من الأضداد يقال للفقير : مقو لخلوه من المال ، وللغني مقو لقوّته على ما يريد يقال : أقوى الرجل إذا صار إلى حال القوة والمعنى متاعا للأغنياء والفقراء لأنه لا غنى لأحد عنها انتهى.

وفيه بحث لا يخفى ، ولعل الأقرب عليه أنه أريد بالإقواء الاحتياج والمستمتع بها محتاج إليها فتدبر ، وتأخير هذه المنفعة للتنبيه على أن الأهم هو النفع الأخروي وتقديم أمر الماء على أمر النار لأن الاحتياج إليه أشد وأكثر والانتفاع به أعم وأوفر ، وقال بعضهم : قدم أمر خلق الإنسان من نطفة لأن النعمة في ذلك قبل النعمة في الثلاثة بعد ، ثم ذكر بعده ما به قوام الإنسان من فائدة الحرث وهو الطعام الذي لا يستغني عنه الجسد الحي وذلك الحب الذي يختبز فيحتاج بعد حصوله إلى حصول الماء ليعجن به فلذا ذكر بعده ثم إلى النار لتصيره خبزا فلذا ذكرت بعد الماء وهو كما ترى ، واستحسن بعضهم من القارئ أن يقول بعد كل جملة استفهامية من الجمل السابقة : بل أنت يا رب ، فقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن حجر المروي قال : بت عند عليّ كرم تعالى وجهه فسمعته وهو يصلي بالليل يقرأ فمر بهذه الآية (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ) فقال : بل أنت يا رب ثلاثا ، ثم قرأ (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) فقال : بل أنت يا رب ثلاثا ، ثم قرأ (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) فقال : بل أنت يا رب ثلاثا ، ثم قرأ (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ) فقال : بل أنت يا رب ثلاثا ، وأنت تعلم أن في استحسان قول مثل ذلك في الصلاة اختلافا بين العلماء (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) مرتب على ما عدد من بدائع صنعه عزوجل وودائع نعمه سبحانه وتعالى ، والمراد على ما قيل : أحدث التسبيح تنزيلا للفعل المتعدي منزلة اللازم وأريد من إحداثه استمراره لا إيجاده لأنه عليه الصلاة والسلام غير معرض عنه ، وتعقبه الطيبي بأن هذا عكس ما يقتضيه لفظ الإحداث ، فالمراد تجديد التسبيح ، وفي الكلام إضمار أي سبح بذكر اسم ربك ، أو الاسم مجاز عن الذكر فإن إطلاق الاسم للشيء ذكره ، والباء للاستعانة أو الملابسة وكونها للتعدية كما هو ظاهر كلام أبي حيان ليس بشيء ، والعظيم صفة للاسم ، أو للرب ، وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد إما لتنزيهه تعالى عما يقوله الجاحدون لوحدانيته عزوجل الكافرون بنعمه سبحانه مع عظمها وكثرتها ، أو للشكر على تلك النعم السابقة لأن تنزيهه تعالى وتعظيمه جل وعلا بعد ذكر نعمه سبحانه مدح عليها فهو شكر للمنعم في الحقيقة ، أو للتعجب من أمر الكفرة في غمط تلك النعم الباهرة مع جلالة قدرها وظهور أمرها ؛ وسبحان ترد للتعجب مجازا مشهورا فسبح بمعنى تعجب ، وأصله فقل سبحان الله للتعجب وفيه بعد وما تقدم أظهر.

هذا وجوز أن لا يكون في (بِاسْمِ رَبِّكَ) إضمار ولا مجاز بل يبقى على ظاهره فقد قالوا في قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى : ١] : كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته سبحانه عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب وهو أبلغ لأنه يلزمه تقديس ذاته عزوجل بالطريق الأولى على طريق الكناية الرمزية ، وفيه أنه إنما يتأتى لو لم تذكر الباء ، وجعلها زائدة خلاف الظاهر ، وحال كونها للتعدية قد سمعته ، وجعل بعضهم على هذا الخطاب لغير معين فقال : إنه تعالى لما ذكر ما ذكر من الأمور وكان الكل معترفين بأنها من الله تعالى وكان الكفار إذا طولبوا بالوحدانية قالوا : نحن لا نشرك في المعنى وإنما نتخذ أصناما آلهة وذلك إشراك في الاسم ، والذي خلقنا وخلق السماوات والأرض هو الله تعالى فنحن ننزهه في الحقيقة قال سبحانه : (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) على معنى كما أنك أيها الغافل اعترفت بعدم اشتراكها في الحقيقة اعترف بعدم اشتراكها في الاسم ولا تقل لغيره تعالى إلها فإن الاسم يتبع المعنى والحقيقة ، فالخطاب كالخطاب في قول الواعظ يا مسكين أفنيت عمرك وما

١٥٠

أصلحت أمرك لا يريد به أحدا بعينه ، وإنما يريد أيها المسكين السامع وهو كما ترى ، نعم احتمال عموم الخطاب مما لا ينكر لكن لا يتعين عليه هذا التقرير ، ثم الظاهر أن المراد بذكر الرب أو ذكر اسمه سبحانه على ما تقرر سابقا ما هو المتبادر المعروف.

وفي الكشف إن المراد بذلك تلاوته صلى الله تعالى عليه وسلم للقرآن أو لهذه السورة الكريمة المتضمنة لإثبات البعث والجزاء ومراتب أهله لينطبق عليه قوله تعالى بعد : (فَلا أُقْسِمُ) وعلى الأول لا بد من إضمار ـ أي فسبح باسم ربك وامتثل ما أمرت به ـ فأقسم إنه لقرآن ، والغرض تأكيد الأمر بالتسبيح ، وأنا أقول يتأتى الانطباق على الظاهر أيضا سوى أنه يعتبر في الكلام إضمار ولا بأس بأن يقال : إنه تعالى لما ذكر ما ذكر من النعم الجليلة الداعية لتوحيده سبحانه ووصفه بما يليق به عزوجل قال سبحانه : (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) أي فنزهه تعالى عما يقولون في وصفه سبحانه ، وأقبل على إنذارهم بالقرآن والاحتجاج عليه به بعد الاحتجاج بما ذكرنا فأقسم إنه لقرآن كيت وكيت فلا في قوله عزوجل : (فَلا أُقْسِمُ) مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) [الحديد : ٢٩] أو هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف نظير ما في قوله :

أعوذ بالله من العقراب

واختاره أبو حيان ثم قال : وهو وإن كان قليلا فقد جاء نظيره في قوله تعالى : (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) [إبراهيم : ٣٧] بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة هشام.

ويؤيد قراءة الحسن وعيسى فلا قسم ـ وهو مبني على ما ذهب إليه تبعا لبعض النحويين من أن فعل الحال يجوز القسم عليه فيقال : والله تعالى ليخرج زيد وعليه قول الشاعر :

ليعلم ربي أن بيتي واسع

وحينئذ لا يصح أن يقرن الفعل بالنون المؤكدة لأنها تخلصه للاستقبال وهو خلاف المراد ، والذي اختاره ابن عصفور والبصريون أن فعل الحال كما هنا لا يجوز أن يقسم عليه ومتى أريد من الفعل الاستقبال لزمت فيه النون المؤكدة فقيل : لأقسمن وحذفها ضعيف جدا ، ومن هنا خرجوا قراءة الحسن وعيسى على أن اللام لام الابتداء والمبتدأ محذوف لأنها لا تدخل على الفعل والتقدير فلأنا أقسم ، وقيل : نحوه في قراءة الجمهور على أن الألف قد تولدت من الإشباع ، وتعقب بأن المبتدأ إذ دخل عليه لام الابتداء يمتنع أو يقبح حذفه لأن دخولها لتأكيده وهو يقتضي الاعتناء به وحذفه يدل على خلافه ، وقال سعيد بن جبير وبعض النحاة : ـ لا ـ نفي وردّ لما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة كأنه قيل : فلا صحة لما يقولون فيه ثم استؤنف فقيل : (أُقْسِمُ) إلخ ، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز لما فيه من حذف اسم ـ لا ـ وخبرها في غير جواب سؤال نحو ـ لا ـ في جواب هل من رجل في الدار ، وقيل : الأولى فيما إذا قصد بلا نفي لمحذوف واستئناف لما بعدها في اللفظ الإتيان بالواو نحو ـ لا ـ وأطال الله تعالى بقاءك ، وقال : بعضهم إن ـ لا ـ كثيرا ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح كما في قوله :

لا وأبيك ابنة العامريّ

لا يدّعي القوم أني أفرّ

وقال أبو مسلم وجمع : إن الكلام على ظاهره المتبادر منه ، والمعنى لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أي لا يحتاج إلى قسم ما فضلا عن أن هذا القسم العظيم ، فقول مفتي الديار الرومية أنه يأباه تعيين المقسم به وتفخيمه ناشئ عن الغفلة على ما لا يخفى على فطن (بِمَواقِعِ النُّجُومِ) أي بمساقط كواكب السماء ومغاربها

١٥١

كما جاء في رواية عن قتادة والحسن على أن الوقوع بمعنى السقوط والغروب وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها ، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير ، ولذا استدل الخليل عليه‌السلام بالأفول على وجود الصانع جل وعلا ، أو لأن ذلك وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه تعالى وأوان نزول الرحمة والرضوان عليهم.

وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» وعن الحسن أيضا المراد مواقعها عند الانكدار يوم القيامة قيل : وموقع عليه مصدر ميمي أو اسم زمان ولعل وقوعها ذلك اليوم ليس دفعة واحدة والتخصيص لما في ذلك من ظهور عظمته عزوجل وتحقق ما ينكره الكفار من البعث ، وعن أبي جعفر وأبي عبد الله على آبائهما وعليهما‌السلام المراد مواقعها عند الانقضاض إثر المسترقين السمع من الشياطين ، وقد مرّ لك تحقيق أمر هذا الانقضاض فلا تغفل ، وقيل : مواقع النجوم هي الأنواء التي يزعم الجاهلية أنهم يمطرون بها ، ولعله مأخوذ من بعض الآثار الواردة في سبب النزول وسنذكره إن شاء الله تعالى وليس نصا في إرادة الأنواء بل يجوز عليه أن يراد المغارب مطلقا.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة أنها منازلها ومجاريها على أن الوقوع النزول كما يقال : على الخبير سقطت وهو شائع والتخصيص لأن له تعالى في ذلك من الدليل على عظيم قدرته وكمال حكمته ما لا يحيط به نطاق البيان ، وقال جماعة منهم ابن عباس : النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها.

وأخرج النسائي وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عنه أن قال : «أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين» وفي لفظ «ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوما ثم قرأ فلا أقسم بمواقع النجوم» وأيد هذا القول بأن الضمير في قوله تعالى بعد : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ) يعود حينئذ على ما يفهم من مواقع النجوم حتى يكاد يعدّ كالمذكور صريحا ولا يحتاج إلى أن يقال يفسره السياق كما في سائر الأقوال ، ووجه التخصيص أظهر من أن يخفى ، ولعل الكلام عليه من باب «وثناياك إنها إغريض».

وقرأ ابن عباس وأهل المدينة وحمزة والكسائي «بموقع» مفردا مرادا به الجمع.

(وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) مشتمل على اعتراض في ضمن آخر فقوله تعالى : (إِنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ) معترض بين القسم والمقسم عليه وهو قوله سبحانه : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) وهو تعظيم للقسم مقرر مؤكد له ، وقوله عزوجل (لَوْ تَعْلَمُونَ) معترض بين الصفة والموصوف وهو تأكيد لذلك التعظيم وجواب (لَوْ) إما متروك أريد به نفي علمهم أو محذوف ثقة بظهوره أي لعظمتموه أو لعملتم بموجبه ، ووجه كون ذلك القسم عظيما قد أشير إليه فيما مر ، أو هو ظاهر بناء على أن المراد (بِمَواقِعِ النُّجُومِ) ما روي عن ابن عباس والجماعة ، ومعنى كون القرآن كريما أنه حسن مرضي في جنسه من الكتب أو نفاع جم المنافع ، وكيف لا وقد اشتمل على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش ، والمعاد ، والكرم على هذا مستعار ـ كما قال الطيبي ـ من الكرم المعروف.

وقيل : الكرم أعم من كثرة البذل والإحسان والاتصاف بما يحمد من الأوصاف ككثرة النفع فإنه وصف محمود فكونه كرما حقيقة ، وجوز أن يراد كريم على الله تعالى قيل : هو يرجع لما تقدم ، وفيه تقدير من غير حاجة وأيا ما كان فمحط الفائدة الوصف المذكور قيل : إن مرجع الضمير هو القرآن لا من حيث عنوان كونه قرآنا فبمجرد الإخبار عنه بأنه قرآن تحصل الفائدة أي إنه لمقروء على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا أنه أنشأه كما زعمه

١٥٢

الكفار ، وقوله تعالى : (فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) وصف آخر للقرآن أي كائن في كتاب مصون عن غير المقربين من الملائكة عليهم‌السلام لا يطلع عليه من سواهم ، فالمراد به اللوح المحفوظ كما روي عن الربيع بن أنس وغيره ، وقيل : أي في كتاب مصون عن التبديل والتغيير وهو المصحف الذي بأيدي المسلمين ويتضمن ذلك الإخبار بالغيب لأنه لم يكن إذ ذاك مصاحف ، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة أنه قال : في كتاب أي التوراة والإنجيل ، وحكي ذلك في البحر ثم قال : كأنه قال : ذكر في كتاب مكنون كرمه وشرفه ، فالمعنى على هذا الاستشهاد بالكتب المنزلة انتهى.

والظاهر أنه أريد على هذا بالكتاب الجنس لتصح إرادة التوراة والإنجيل ، وفي وصف ذلك بالمكنون خفاء ولعله أريد به جليل الشأن عظيم القدر فإن الستر كاللازم للشيء الجليل ، وجوز إرادة هذا المعنى المجازي على غير هذا القول من الأقوال ، وقيل : الكتاب المكنون قلب المؤمن وهو كما ترى.

وقيل : المراد من كونه في كتاب مكنون كونه محفوظا من التغيير والتبديل ليس إلا كما قال تعالى : (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) [يوسف : ٦٣] والمعول عليه ما تقدم ، وجوز تعلق الجار بكريم كما يقال زيد كريم في نفسه ، والمعنى إنه كريم في اللوح المحفوظ وإن لم يكن كريما عند الكفار ، والوصفية أبلغ كما لا يخفى ، وقوله تعالى : (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) إما صفة بعد صفة لكتاب مرادا به اللوح ، فالمراد بالمطهرون الملائكة عليهم‌السلام أي المطهرون المنزهون عن كدر الطبيعة ودنس الحظوظ النفسية ، وقيل : عن كدر الأجسام ودنس الهيولى والطهارة عليهما طهارة معنوية ، ونفي مسه كناية عن لازمه وهو نفي الاطلاع عليه وعلى ما فيه ، وإما صفة أخرى لقرآن.

والمراد بالمطهرون المطهرون عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر بحمل الطهارة على الشرعية ، والمعنى لا ينبغي أن يمس القرآن إلا من هو على طهارة من الناس فالنفي هنا نظير ما في قوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً) [النور : ٣] وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه» الحديث وهو بمعنى النهي بل أبلغ من النهي الصريح ، وهذا أحد أوجه ذكروها للعدول عن جعل ـ لا ـ ناهية ، وثانيها أن المتبادر كون الجملة صفة والأصل فيها أن تكون خبرية ولا داعي لاعتبار الإنشائية وارتكاب التأويل ، وثالثها أن المتبادر من الضمة أنها إعراب فالحمل على غيره فيه إلباس ، ورابعها أن عبد الله قرأ ما يمسه وهي تؤيد أن لا نافية وكون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم‌السلام مروي من عدة طرق عن ابن عباس ، وكذا أخرجه جماعة عن أنس وقتادة وابن جبير ومجاهد وأبي العالية وغيرهم إلا أن في بعض الآثار عن بعض هؤلاء ما هو ظاهر في أن الضمير في (لا يَمَسُّهُ) مع كون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم‌السلام راجع إلى القرآن.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال : في الآية ذاك عند رب العالمين لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس ، والمنافق الرجس ، وأخرجاهما وابن المنذر والبيهقي في المعرفة عن الحبر قال : في الآية الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة ، ويشير إليه ما أخرج ابن المنذر عن النعيمي قال : قال مالك : أحسن ما سمعت في هذه الآية (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أنها بمنزلة الآية التي في عبس (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ) [عبس : ١١ ـ ١٦] وكون المراد بهم المطهرين من الأحداث مروي عن محمد الباقر على آبائه وعليه‌السلام وعطاء وطاوس وسالم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال : كنا مع سلمان ـ يعني الفارسي ـ رضي الله تعالى عنه فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا فخرج إلينا فقلنا لو توضأت

١٥٣

فسألناك عن أشياء من القرآن؟ فقال : سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون ثم تلا (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ، وقيل : الجملة صفة لقرآن ، والمراد ـ بالمطهرون ـ المطهرون من الكفر ، والمس مجاز عن الطلب كاللمس في قوله تعالى : (أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ) [الجن : ٨] أي لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر ، ولم أر هذا مرويا عن أحد من السلف ، والنفي عليه على ظاهره ، ورجح جمع جعل الجملة وصفا للقرآن لأن الكلام مسوق لحرمته وتعظيمه لا لشأن الكتاب المكنون ، وإن كان في تعظيمه تعظيمه. وصحح الإمام جعلها وصفا للكتاب ـ وفيه نظر ـ وعلى الوصفية للقرآن ذهب من ذهب إلى اختيار تفسير المطهرين بالمطهرين عن الحدث الأكبر والأصغر.

وفي الأحكام للجلال السيوطي استدل الشافعي بالآية على منع المحدث من مس المصحف وهو ظاهر في اختيار ذلك ، والاحتمال جعل الجملة صفة للكتاب المكنون أو للقرآن ، وكون المراد بالمطهرين الملائكة المقربين عليهم‌السلام على ما سمعت عن ابن عباس وقتادة عدل الأكثرون عن الاستدلال بها على ذلك إلى الاستدلال بالأخبار ، فقد أخرج الامام مالك وعبد الرزاق وابن أبي داود وابن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال في كتاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لعمرو بن حزم «ولا تمس القرآن إلا على طهور».

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا يمس القرآن إلا طاهر» إلى غير ذلك ، وقال بعضهم : يجوز أن يؤخذ منع مس غير الطاهر القرآن من الآية على الاحتمالين الآخرين أيضا ، وذلك لأنها أفادت تعظيم شأن القرآن وكونه كريما ، والمس بغير طهر مخل بتعظيمه فتأباه الآية وهو كما ترى ، وأطال الإمام الكلام في هذا المقام بما لا يخفى حاله على من راجعه ، نعم لا شك في دلالة الآية على عظم شأن القرآن ومقتضى ذلك الاعتناء بشأنه ولا ينحصر الاعتناء بمنع غير الطاهر عن مسه بل يكون بأشياء كثيرة كالإكثار من تلاوته والوضوء لها وأن لا يقرأه الشخص وهو متنجس الفم فإنه مكروه.

وقيل : حرام كالمس باليد المتنجسة ، وكون القراءة في مكان نظيف ، والقارئ مستقبل القبلة متخشعا بسكينة ووقار مطرقا رأسه ، والاستياك لقراءته ، والترتيل ، والتدبر ، والبكاء ، أو التباكي ، وتحسين الصوت بالقراءة وأن لا يتخذه معيشة ، وأن يحافظ على أن لا ينسى آية أوتيها منه ، فقد أخرج أبو داود وغيره «عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها ، وأن لا يجامع بحضرته فإن أراد ستره ، وأن لا يضع غيره من الكتب السماوية وغيرها فوقه ، وأن لا يقلب أوراقه بأصبع عليها بزاق ينفصل منه شيء فقد قيل بكفر من يفعل ذلك إلى أمور أخر مذكورة في محالها ، وفي وجوب كون القارئ طاهرا من الأحداث خلاف ، فعن ابن عباس في رواية أنه يجوز للجنب قراءة القرآن ، وروي ذلك أيضا عن الإمام أبي حنيفة ، وعن ابن عمر أحب إلي أن لا يقرأ إلا طاهر وكأنهم اعتبروه كسائر الأذكار والفرق مثل الشمس ظاهر.

وقرأ عيسى «المطهرون» اسم مفعول مخففا من أطهر ، ورويت عن نافع وأبي عمرو ، وقرأ سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه «المطهّرون» بتخفيف الطاء وتشديد الهاء وكسرها اسم فاعل من طهر أي (الْمُطَهَّرُونَ) أنفسهم ، أو غيرهم بالاستغفار لهم والإلهام ، وعنه أيضا «المطّهّرون» بتشديدهما وأصله المتطهرون فأدغم التاء بعد إبدالها في الطاء ؛ ورويت عن الحسن وعبد الله بن عون ، وقرئ المتطهرون على الأصل (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) صفة أخرى للقرآن أي منزل ، أو وصف بالمصدر لأنه ينزل نجوما من بين سائر كتب الله تعالى فكأنه في نفسه تنزيل ولذلك أجري مجرى بعض أسمائه فقيل جاء في التنزيل كذا ونطق به التنزيل.

وجوز كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل على الاستئناف ، وقرئ تنزيلا بالنصب على نزل تنزيلا.

١٥٤

(أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (٩٦)

(أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ) أي أتعرضون فبهذا الحديث الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة لإعظامه وإجلاله والإيمان بما تضمنه وأرشد إليه وهو القرآن الكريم (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به ، وأصل الادهان كما قيل : جعل الأديم ونحوه مدهونا بشيء من الدهن ولما كان ذلك ملينا لينا محسوسا يراد به اللين المعنوي على أنه تجوز به عن مطلق اللين أو استعير له ، ولذا سميت المداراة مداهنة وهذا مجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عرفية ، ولذا تجوز به هنا عن التهاون أيضا لأن المتهاون بالأمر لا يتصلب فيه وعن ابن عباس والزجاج (مُدْهِنُونَ) أي مكذبون وتفسيره بذلك لأن التكذيب من فروع التهاون.

وعن مجاهد أي منافقون في التصديق به تقولون للمؤمنين آمنا به وإذا خلوتم إلى إخوانكم قلتم : إنا معكم والخطاب عليه للمنافقين وما قدمناه أولى ، والخطاب عليه للكفار كما يقتضيه السياق.

وجوز أن يراد بهذا الحديث ما تحدثوا به من قبل في قوله سبحانه : وكانوا يقولون (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ) [الواقعة : ٤٧ ، ٤٨] فالكلام عود إلى ذلك بعد رده كأنه قيل : أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به في إنكار البعث أنتم مدهنون أصحابكم أي تعلمون خلافه وتقولونه مداهنة أم أنتم به جازمون وعلى الإصرار عليه عازمون ، ولا يخفى بعده ، وفيه مخالفة لسبب النزول وستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) شكركم (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا ، أخرج ذلك الإمام أحمد والترمذي وحسنه والضياء في المختارة وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو إما إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى أن في الكلام مضافا مقدرا أي شكر رزقكم أو إشارة إلى أن الرزق مجاز عن لازمه وهو الشكر ، وحكى الهيثم بن عدي أن من لغة ازدشنوءة ما رزق فلان فلانا بمعنى شكره ، ونقل عن الكرماني أنه نقل في شرح البخاري أن الرزق من أسماء الشكر واستبعد ذلك ولعله هو ما حكاه الهيثم ، وفي البحر وغيره أن عليا كرم الله تعالى وجهه وابن عباس قرءا ـ شكركم ـ بدل (رِزْقَكُمْ) وحمله بعض شراح البخاري على التفسير من غير قصد للتلاوة وهو خلاف الظاهر ، وقد أخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قرأ علي كرم الله تعالى وجهه «الواقعة» في الفجر فقال : «وتجعلون ـ شكركم ـ أنكم تكذبون» فلما انصرف قال : إني قد عرفت أنه سيقول قائل لم قرأها هكذا إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ كذلك كانوا إذا أمطروا قالوا : أمطرنا بنوء كذا وكذا فأنزل الله تعالى ـ وتجعلون ـ شكركم أنكم إذا مطرتم تكذبون ـ ومعنى جعل شكرهم التكذيب جعل التكذيب مكان الشكر فكأنه عينه عندهم فهو من باب.

تحية بينهم ضرب وجيع

ومنه قول الراجز :

١٥٥

وكان شكر القوم عند المنن

كي الصحيحات وفقء الأعين

وأكثر الروايات أن قوله تعالى : (وَتَجْعَلُونَ) إلخ نزل في القائلين : مطرنا بنوء كذا من غير تعرض لما قبل.

وأخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال : «مطر الناس على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا : هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ) [الواقعة : ٧٥] حتى بلغ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ).

وأخرج نحوه ابن عساكر في تاريخه عن عائشة رضي الله تعالى عنها وكان ذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي عروة رضي الله تعالى عنه في غزوة تبوك نزلوا الحجر فأمرهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يحملوا من مائه شيئا ثم ارتحلوا ونزلوا منزلا آخر وليس معهم ماء فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقام عليه الصلاة والسلام فصلى ركعتين ثم دعا فأمطروا وسقوا فقال رجل من الأنصار يتهم بالنفاق : إنما مطرنا بنوء كذا فنزل ما نزل ، ولعل جمعا من الكفار قالوا نحو ذلك أيضا بل هم لم يزالوا يقولون ذلك ، والأخبار متضافرة على أن الآية في القائلين بالأنواء ، بل قال ابن عطية : أجمع المفسرون على أنها توبيخ لأولئك ، وظاهر مقابلة الشكر بالكفر في الحديث السابق أن المراد بالكفر كفران النعمة إذا أضيفت لغير موجدها جل جلاله ؛ وقد صح ذكره مع الإيمان ، أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن زيد بن خالد الجهني قال : صلى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل فلما سلم أقبل علينا فقال : هل تدرون ما قال ربكم في هذه الليلة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم فقال : قال : ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي» والآية على القول بنزولها في قائلي ذلك ظاهرة في كفرهم المقابل للإيمان فكأنهم كانوا يقولونه عن اعتقاد أن الكواكب مؤثرة حقيقة موجدة للمطر وهو كفر بلا ريب بخلاف قوله مع اعتقاد أنه من فضل الله تعالى ، والنوء ميقات وعلامة له فإنه ليس بكفر ، وقيل : تسميته كفرا لأنه يفضي إليه إذا اعتقد أنه مؤثر حقيقة.

هذا وقيل : معنى الآية ـ وتجعلون شكركم ـ لنعمة القرآن ـ أنكم تكذبون ـ به ، ويشير إلى ذلك ما رواه قتادة عن الحسن : بئس ما أخذ القوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله تعالى إلا التكذيب.

وفي الإرشاد أنه الأوفق لسياق النظم الكريم وسباقه ، وأقول ما قدمناه تفسير مأثور نطقت به السنة المقبولة ، وذهب إليه الجمهور وليس فيه ما يأبى إرادة معنى مطابق لسبب النزول وموافق لسياق النظم الكريم وسباقه ، وذلك بأن يقال : إنه عزوجل بعد أن وصف القرآن بما دل على جلالة شأنه وعزة مكانه وأشعر باشتماله على ما فيه تزكية النفوس وتحليتها بما يوجب كمالها من العقائد الحقة ونحوها حيث قال سبحانه : (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) فعبر جل وعلا عن ذاته سبحانه بلفظ الرب الدال على التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا.

وقد يستفاد ذلك من وصفه بكريم بناء على أن المراد به نفاع جم المنافع فإنه لا منفعة أجل مما ذكر وكان قد ذكر عزوجل غير بعيد ما يدل على أنه تعالى هو المنزل لماء المطر لا غيره سبحانه استقلالا ولا اشتراكا قال عز قائلا : أفبهذا القرآن الجليل الشأن المشتمل على العقائد الحقة المرشد إلى ما فيه نفعكم أنتم متهاونون فلا تشكرون الله تعالى عليه وتجعلون بدل شكركم أنكم تكذبون به ، ومن ذلك أنكم تقولون إذا مطرتم مطرنا بنوء كذا وكذا فتسندون إنزال المطر إلى الكواكب وقد أرشدكم غير مرة إلى ما يأبى ذلك من العقائد وهداكم إلى أنه تعالى هو المنزل للمطر لا الكواكب ولا غيرها أصلا ـ فما جاء من تفسير تكذبون بتقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ليس المراد منه إلا بيان نوع

١٥٦

اقتضاه الحال من التكذيب بالقرآن المنعوت بتلك النعوت الجليلة وكون ذلك على الوجه الذي يزعمه الكفار تكذيبا به مما لا ينتطح فيه كبشان ، وهذا لا تمحل فيه ، وقد يقال على تقدير أن يراد بالرزق المطر وكون (تُكَذِّبُونَ) على معنى تكذبون بكونه ـ أي المطر ـ من الله تعالى حيث تنسبونه إلى الأنواء وإن لم أقف على التصريح به في أثر يعول عليه ، المعنى أفبهذا القرآن الجليل المرشد إلى أن كل نعمة منه تعالى لا غير المصرح عن قريب بأنه المنزل للمطر وحده (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) أي تكذبون على ما سمعت عن ابن عباس والزجاج ومن ذلك أنكم (تَجْعَلُونَ) موضع شكر ما يرزقكم من المطر وينزله لكم أنكم تكذبون بكونه من الله تعالى وتنسبونه إلى الأنواء ، والتبكيت الآتي مبني على تكذيبهم بالقرآن المفهوم من (تُكَذِّبُونَ) أو من قوله سبحانه : (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) لكن التكذيب به باعتبار التكذيب ببعض ما نطق به بما سبق وتوقف المراد بالآية على الخبر غير بدع في القرآن الكريم ، وحال عطف (تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) على ما قبله لا يخفى على نبيه ، فتأمل والله تعالى الموفق لفهم كتابه الكريم.

وقرأ المفضل عن عاصم «تكذبون» بالتخفيف من الكذب وهو قولهم في القرآن إنه ـ وحاشاه ـ افتراء ويرجع إلى هذا قولهم في المطر : إنه من الأنواء لأن القرآن ناطق بخلافه ، وقوله تعالى : (فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) إلخ تبكيت كما سمعت وذلك باعتبار تكذيبهم بما نطق به قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ) إلخ أعني الآيات الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم ـ ولو لا ـ للتحضيض بإظهار عجزهم ، و (إِذا) ظرفية ، و (الْحُلْقُومَ) مجرى الطعام ؛ وضمير (بَلَغَتِ) للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها ذكر قبل ، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة وهي المسماة بالروح الأمرية ، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام الغزالي وجماعة من المحققين ، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح المشار إليها بقوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥] جسم لطيف جدا سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام وقد رد العلامة ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه الروح ، ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر.

وأما على القول بالتجرد وعدم التحيز فقيل : المراد به ضعف التعلق بالبدن وقرب انقطاعه عنه فكأنه قيل: فلولا إذا حان انقطاع تعلق الروح بالبدن (وَأَنْتُمْ) أيها الخاسرون حول صاحبها (حِينَئِذٍ) أي حين إذ بلغت الحلقوم ووصلت إليه أو حان انقطاع تعلقها (تَنْظُرُونَ) إلى ما يقاسيه من الغمرات ، وقيل : (تَنْظُرُونَ) حالكم ووجهه أنهم يعلمون أن ما جرى عليه يجري عليهم فكأنهم شاهدوا حال أنفسهم وليس بذاك.

وقرأ عيسى حينئذ بكسر النون اتباعا لحركة الهمزة في إذ (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) أي المحتضر المفهوم من الكلام (مِنْكُمْ) والمراد بالقرب العلم وهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب فإن القرب أقوى سبب للاطلاع والعلم ، وقال غير واحد : المراد القرب علما وقدرة أي نحن أقرب إليه من كل ذلك منكم حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدونه من آثار الشدّة من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها الحقيقية ولا أن تقدروا على مباشرة دفعها إلا بما لا ينجع شيئا ونحن المستولون لتفاصيل أحواله بعلمنا وقدرتنا أو بملائكة الموت (وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ) لا تدركون كوننا أقرب إليه منكم لجهلكم بشئوننا وقد علمت أن الخطاب

١٥٧

للكفار ، وقيل : لا تدركون كنه ما يجري عليه على أن الاستدراك من تنظرون ؛ والابصار من البصر بالعين تجوّز به عن الإدراك أو هو من البصيرة بالقلب ؛ وقيل : أريد بأقربيته تعالى إليه منهم أقربية رسله عزوجل أي ورسلنا الذين يقبضون روحه ويعالجون إخراجها أقرب إليه منهم ولكن لا تبصرونهم (فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) أي غير مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم وتعبدهم ، ومنه قيل للعبد : مدين وللأمة مدينة قال الأخطل:

ربت وربا في حجرها ابن مدينة

تراه على مسحاته يتركل

والكلام ناظر إلى قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ) [الواقعة : ٥٧] ، وقيل : هو من دان بمعنى انقاد وخضع ، وتجوز به عن الجزاء كما في قولهم ـ كما تدين تدان ـ أي فلو لا إن كنتم غير مجزيين وجعل ناظرا لإنكارهم البعث وليس بشيء (تَرْجِعُونَها) أي الروح إلى مقرها والقائلون بالتجرد يقولون أي ترجعون تعلقها كما كان أولا.

(إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في اعتقادكم عدم خالقيته تعالى فإن عدم تصديقهم بخالقيته سبحانه لهم عبارة عن تصديقهم بعدمها على مذهبهم ، وفي البحر وغيره إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد ونسبتكم إنزال المطر إلى الأنواء دونه عزوجل ، وترجعون المذكور هو العامل ـ بإذا ـ الظرفية في (إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) وهو المحضض عليه ـ بلو لا ـ الأولى ، ولو (لا) الثانية تكرير للتأكيد ، ولو (لا) الأولى مع ما في حيزها دليل جواب الشرط الأول أعني (إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) والشرط الثاني مؤكد للأول مبين له ، وقدم أحد الشرطين على (تَرْجِعُونَها) للاهتمام والتقدير ـ فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين صادقين فيما تزعمونه من الاعتقاد الباطل فلو لا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم ـ وحاصل المعنى أنكم إن كنتم غير مربوبين كما تقتضيه أقوالكم وأفعالكم فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغت الحلقوم وتردونها كما كانت بقدرتكم أو بواسطة علاج للطبيعة ، وقوله تعالى : (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) جملة حالية من فاعل (بَلَغَتِ) والاسمية المقترنة بالواو لا تحتاج في الربط للضمير لكفاية الواو فلا حاجة إلى القول بأن العائد ما تضمنه حينئذ لأن التنوين عوض عن جملة أي فلو لا ترجعونها زمان بلوغها الحلقوم حال نظركم إليه وما يقاسيه من هول النزع مع تعطفكم عليه وتوفركم على إنجائه من المهالك ، وقوله سبحانه : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ) إلخ اعتراض يؤكد ما سيق له الكلام من توبيخهم على صدور ما يدل على سوء اعتقادهم بربهم سبحانه منهم ، وفي جواز جعله حالا مقال.

وقال أبو البقاء : (تَرْجِعُونَها) جواب لو (لا) الأولى ، وأغنى ذلك عن جواب الثانية ، وقيل : عكس ذلك.

وقيل : (إِنْ كُنْتُمْ) شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدما في التقدير ـ أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مربوبين فارجعوا الأرواح إلى الأبدان ـ وما ذكرناه سابقا اختيار جار الله وأيّا ما كان فقوله تعالى : (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ) إلى آخره شروع في بيان حال المتوفى بعد الممات إثر بيان حاله عند الوفاة وضمير (كانَ) للمتوفى المفهوم مما مر أي فأما إن كان المتوفى الذي بين حاله من السابقين من الأزواج الثلاثة عبر عنهم بأجل أوصافهم (فَرَوْحٌ) أي فله روح على أنه مبتدأ خبره محذوف مقدم عليه لأنه نكرة ، وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي فجزاؤه روح أي استراحة ، والفاء واقعة في جواب أما ، قال بعض الأجلة : تقدير هذا الكلام مهما يكن من شيء فروح إلخ إن كان من المقربين فحذف مهما يكن من شيء ، وأقيم أما مقامه ولم يحسن أن يلي الفاء أما ، فأوقع الفصل بين أما والفاء بقوله سبحانه : (إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ) لتحسين اللفظ كما يقع الفصل بينهما بالظرف والمفعول ، والفاء في (فَرَوْحٌ) وأخويه جواب أما دون (إِنْ) ، وقال أبو البقاء : جواب أما (فَرَوْحٌ) ، وأما (إِنْ) فاستغنى بجواب أما عن جوابها

١٥٨

لأنه يحذف كثيرا ، وفي البحر أنه إذا اجتمع شرطان فالجواب للسابق منهما ، وجواب الثاني محذوف ، فالجواب هاهنا لأما ، وهذا مذهب سيبويه.

وذهب الفارسي إلى أن المذكور جواب (إِنْ) وجواب أما محذوف ، وله قول آخر موافق لمذهب سيبويه.

وذهب الأخفش إلى أن المذكور جواب لهما معا ، وقد أبطلنا المذهبين في شرح التسهيل انتهى ، والمشهور أنه لا بد من لصوق الاسم ـ لأما ـ وهو عند الرضي وجماعة أكثري لهذه الآية ، والذاهبون إلى الأول قالوا : هي بتقدير فأما المتوفى (إِنْ كانَ) وتعقب بأنه لا يخفى أن التقدير مستغنى عنه ولا دليل عليه إلا اطراد الحكم ، ثم إن كون ـ أما ـ قائمة مقام مهما يكن أغلبي إذ لا يطرد في نحو أما قريشا فأنا أفضلها إذ التقدير مهما ذكرت قريشا فأنا أفضلها ، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من كتب العربية.

وأخرج الإمام أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وآخرون عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ «فروح» بضم الراء ، وبه قرأ ابن عباس وقتادة ونوح القاري والضحاك والأشهب وشعيب وسليمان التيمي والربيع بن خيثم ومحمد بن علي وأبو عمران الجوني والكلبي وفياض وعبيد وعبد الوارث عن أبي عمرو ويعقوب بن حسان وزيد ورويس عنه والحسن وقال : «الروح» الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم ، أو سبب لحياته الدائمة فإطلاقه عليها من باب الاستعارة أو المجاز المرسل ، وروي هذا عن قتادة أيضا. وقال ابن جني : معنى هذه القراءة يرجع إلى معنى الروح فكأنه قيل : فله ممسك روح وممسكها هو الروح كما تقول : الهواء هو الحياة وهذا السماع هو العيش ، وفسر بعضهم الروح بالفتح بالرحمة أيضا كما في قوله تعالى : (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ) [يوسف : ٨٧] وقيل : هو بالضم البقاء (وَرَيْحانٌ) أي ورزق كما روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك ، وفي رواية أخرى عن الضحاك أنه الاستراحة ، وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قال : هو هذا الريحان أي المعروف.

وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : تخرج روح المؤمن من جسده في ريحانة : ثم قرأ (فَأَمَّا إِنْ كانَ) إلخ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصنين من ريحان الجنة فيشمهما ثم يقبض (وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) أي ذات تنعم فالإضافة لامية أو لأدنى ملابسة ، وهذا إشارة إلى مكان المقربين بحيث يلزم منه أن يكونوا أصحاب نعيم.

وأخرج الإمام أحمد في الزهد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن خيثم قال في قوله تعالى : (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) : هذا له عند الموت ، وفي قوله تعالى : (وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث ولينظر ما المراد بالريحان على هذا ، وعن بعض السلف ما يقتضي أن يكون الكل في الآخرة.

(وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) عبر عنهم بالعنوان السابق إذ لم يذكر لهم فيما سبق وصف ينبئ عن شأنهم سواه كما ذكر للفريقين الأخيرين ، وقوله تعالى : (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) قيل : هو على تقدير القول أي فيقال لذلك المتوفى منهم سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك كقوله تعالى : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) [الواقعة : ٢٥ ، ٢٦] فالخطاب لصاحب اليمين ولا التفات فيه مع تقدير القول ، و (مِنْ) للابتداء كما تقول سلام من فلان على فلان وسلام لفلان منه.

وقال الطبري : معناه فسلام لك أنت من أصحاب اليمين ، فمن أصحاب اليمين خبر مبتدأ محذوف والكلام

١٥٩

بتقدير القول أيضا ، وكأن هذا التفسير مأخوذ من كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

أخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أنه قال في ذلك : تأتيه الملائكة من قبل الله تعالى تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين ، والظاهر أن هذا على هذا المعنى عند الموت ، وأنه على المعنى السابق في الجنة.

وجوز أن يكون المعنى فسلامة لك عما يشغل القلب من جهتهم فإنهم في خير أي كن فارغ البال عنهم لا يهمك أمرهم ، وهذا كما تقول لمن علق قلبه بولده الغائب وتشوش فكره لا يدري ما حاله كن فارغ البال من ولدك فإنه في راحة ودعة ، والخطاب لمن يصلح له أو لسيد المخاطبين صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعليه قيل : يجوز أن يكون ذلك تسلية له عليه الصلاة والسلام على معنى أنهم غير محتاجين إلى شفاعة وغيرها ، ولا يخفى أن كون جميع أصحاب اليمين غير محتاجين إلى ما ذكر غير مسلم فالشفاعة لأهل الكبائر أمر ثابت عند أهل السنة ولا جائز أن يكونوا من أصحاب الشمال فصرائح الآيات أنهم كفار «وما لهم من ولي ولا شفيع يطاع» وكونهم من أصحاب اليمين أقرب من كونهم من السابقين وجعلهم قسما على حدة قد علمت حاله فتذكر فما في العهد من قدم.

وذكر بعض الأجلة أن هذه الجملة كلام يفيد عظمة حالهم كما يقال فلان ناهيك به وحسبك أنه فلان إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد التفصيل ، وكأني بك تختار ذلك فإنه حسن لطيف.

(وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ) وهم أصحاب الشمال عبر عنهم بذلك حسبما وصفوا به عند بيان أحوالهم بقوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ) [الواقعة : ٥١] ذمّا لهم بذلك وإشعارا بسبب ما ابتلوا به من العذاب ، ولما وقع هذا الكلام بعد تحقق تكذيبهم ورده على أتم وجه ولم يقع الكلام السابق كذلك قدم وصف التكذيب هنا على عكس ما تقدم ، ويجوز أن يقال في ذلك على تقدير عموم متعلق التكذيب بحيث يشمل تكذيبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم في دعوى الرسالة إن هذا الكلام إخبار من جهته سبحانه بأحوال الأزواج الثلاثة لم يؤمر عليه الصلاة والسلام بأن يشافه بكل جمله منه من هي فيه فقدم فيه وصف التكذيب الشامل لتكذيبه عليه الصلاة والسلام المشعر بسبب الابتلاء بالعذاب كرامة له صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتنويها بعلو شأنه ، ولما كان الكلام السابق داخلا في حيز القول المأمور عليه الصلاة والسلام بأن يشافه به أولئك الكفرة لم يحسن التقديم للكرامة إذ يكون حينئذ من باب مادح نفسه يقرئك السلام ، ويجوز أن يقال أيضا إن الكلام في حال الكافر المحتضر والتكذيب لكونه مقابل التصديق لا يكون إلا بالقلب وهو لم يتعطل منه تعطل سائر أعضائه فلذا قدم هنا ، ويرشد إلى هذا ما قالوه في دعاء صلاة الجنازة اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان من وجه تخصيص الإسلام بالإحياء والإيمان بالإماتة.

وقال الإمام في ذلك : إن المراد من الضلال هناك ما صدر عنهم من الإصرار على الحنث العظيم فضلوا عن سبيل الله تعالى ولم يصلوا إليه ثم كذبوا رسله ، و (قالُوا أَإِذا مِتْنا) [المؤمنون : ٨٢] إلخ فكذبوا بالحشر فقال تعالى : (أَيُّهَا الضَّالُّونَ) الذين أشركتم المكذبون الذين أنكرتم الحشر لآكلون ما تكرهون ، وأما هنا فقال سبحانه لهم : أيها المكذبون الذين كذبتم بالحشر الضالون من طريق الخلاص الذي لا يهتدون إلى النعيم ، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هناك مع الكفار فقال سبحانه : أيها الذين أشركتم أولا وكذبتم ثانيا ، والخطاب هنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يبين له عليه الصلاة والسلام حال الأرواح الثلاثة كما يدل عليه. فسلام لك فقال سبحانه : المقربون في روح وريحان وجنة ونعيم وأصحاب اليمين في سلامة ، وأما المكذبون الذين كذبوك وضلوا فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامته صلى الله تعالى عليه وسلم حيث بين أن أقوى سبب في عقابهم تكذيبهم انتهى.

وعليك بالتأمل والإنصاف والنظر لما قال دون النظر لمن قال ، وقوله تعالى : (فَنُزُلٌ) بتقدير فله نزل أو فجزاؤه

١٦٠