🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
ISBN: 964-94553-6-1
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

نظير الجزاء والعقاب البشري في أنه يرجع إلى إرادة البشر واختيارهم .

وهكذا فإن لكل منا أن يقرر مصيره بيده . وما أكثر أولئك الذين يدفعهم الكسل وحب الذات إلى التقصير في أداء الواجبات الإِجتماعية اللازمة ، ثم ينسبون الشقاء الذي يلاقونه إلى القضاء والقدر ، في حين أنهم كانوا يملكون الحرية الكاملة ، ولم يستغلوا هذه الحرية استغلالاً حسناً بل أساؤا التصرف إليها وجلبوا الشقاء لأنفسهم ! ! .

إن الله تعالى يقرر في القرآن الكريم أن الذين يرثون الأرض ولهم الحق في أن يقودوا بزمامها هم الرجال الصالحون فقط :

( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (١) .

والعباد الصالحون هم الذين وصلوا إلى جميع مدارج الكمال المادي والمعنوي بفضل الإِيمان والعلم . وفي ظل الفضائل الخلقية والملكات الطاهرة ونتيجة الجهد والجد . . . وبذلك صاروا يستحقون إسم الإِنسان الحقيقي .

إن القضاء الحتمي والذي لا يقبل التخلف في هؤلاء الرجال الصالحين هو أن يرثوا حكومة الأرض ولكن الوصول إلى مقام الصلاح واستحقاق تلك الدرجة ( قدرَ ) إختياري يتعلق به ذلك القضاء الحتمي . . . وهؤلاء هم الذين يتمكنون أن يتبعوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإرادتهم واختيارهم ويصلوا إلى المقام الذين يستحقون معه وراثة الأرض . وهم الذين إن إستغلوا حريتهم التي وهبها الله إياهم استغلالاً سيئاً هووا إلى هوة سحيقة من الجهل والإِلحاد والفساد والكسل والأنانية .

نستنتج مما سبق أن العالم كله يدار بواسطة القضاء والقدر . أي أن السنن الإِلهية هي التي تحكم في هذا الكون . وكذلك الأمور التي ترتبط بالإِنسان. فإنها خاضعة للقضاء والقدر ، غاية ما هناك أن جانباً من القضاء

____________________

(١) سورة الأنبياء ؛ الآية : ١٠٥ .

١٢١

والقدر المتعلق بالبشر يكون مصيراً حتمياً لا أثر لاختيارنا وإرادتنا فيه كدقات القلب ودوران الدم . . . وجانباً منه تابع لإِرادتنا واختيارنا ، ولنا أن نستغله إما إستغلالاً حسناً أو سيئاً .

الوراثة والتربية :

وبعد أن تطرقنا بصورة موجزة إلى القضاء والقدر وبيان علاقته بالإِرادة البشرية ، ندخل إلى صلب الموضوع .

إن الطفل يرث في رحم الأم صفات الآباء والأمهات ، وهذا الأمر خاضع للقضاء والقدر . والصفات التي تنتقل بالوراثة تكون على نحوين : فقسم منها يكون على نحو القضاء والقدر الحتمي والمصير القطعي الذي يبقى مدى الحياة ملازماً للطفل ، وفي هذه الصورة تكون ظروف الرحم ( علة تامة ) لتلك الصفات والقسم الثاني ما يكون على نحو العوامل المساعدة في انتقالها إلى الأبناء ، فهي ليست مصيراً حتمياً وفي هذه الصورة تكون ظروف الرحم ( عاملاً مساعداً ) لها .

 « يتحدد مصير أفراد معينين بشكل قاطع في حين يتوقف مصير آخرين ـ إن كثيراً أو قليلاً ـ على أحوال نموهم » (١) .

 « من المعروف أن ضعف العقل والجنون والاستعداد الوراثي للنزف الدموي والصمم والبكم نقائص وراثية . . . كذلك تنتقل أمراض معينة كالسرطان والسل . . . الخ من الآباء إلى الأبناء ولكن كاستعداد فقط ، وقد تعوق أحوال النمو ظهور هذه الأمراض أو تساعد على تحققها . . . » (٢) .

وكما أن لون البشرة والعين أو قصر النظر في العين من الأمور الوارثية التي لا تقبل التغيير فإن الجنون الوراثي أيضاً من العيوب التي لا تقبل التغيير .

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٩٧ .

(٢) المصدر السابق ص ١٩٦ .

١٢٢

فالطفل الذي يولد من أبوين مجنونين يظل مجنوناً مدى الحياة وهذا هو مصيره الحتمي .

المصير الحتمي :

هذا المصير الحتمي لا يمكن أن يتبدل بتعاليم الأنبياء الرصينة ، ولا بالوسائل الطبية والتربوية ، فهو مجبر على الجنون ، وهكذا الطفل الذي يولد في رحم الأم أحمقاً بليداً ، ويرث البله والبلادة من أبويه يستمر مدى العمر على ذلك الواضع ، ولن تؤثر الأساليب التربوية فيه .

« إن أحوال النمو لا تستطيع أن تحول الطفل الضعيف البليد الشعور ، المشتت العقل ، الجبان ، الخامل ، إلى رجل نشيط أو زعيم قوي شجاع » (١) .

وبهذا الصدد يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

 « الحمق داءٌ لا يداوى ومرضُ لا يبرأ » (٢) .

وهكذا فالطفل الذي يولد من أم مصابة بالسل يملك تربة مساعدة لنشوء هذا المرض فيه وقد ورث هذه التربة المساعدة من أُمه . ومع هذا فإن إصابته بالسل ليست قضاءاً حتمياً وقدراً جبرياً . فإن العوامل الصحية الظروف الحياتية الصالحة يمكن أن تضمن له سلامته من المرض . فإذا إنفصل عن أُمه بعد الولادة مباشرة وخضع لمراقبة دقيقة في بيئة صحية فبإمكانه أن يعيش سالماً مدى العمر . أما إذا تربى في حجر أُمه المصابة بالسل وارتضع من لبنها الملوث ، فبالإِمكان أن يصاب بالسل بسهولة .

وكما سبق فإن الحالات النفسية والملكات الصالحة والطالحة للآباء والأمهات تؤثر في الأطفال . وهكذا فالطهارة والرذالة ، والشجاعة والجبن والكرم والبخل ، وغيرها من الصفات المختلفة تكون تربة مساعدة للصلاح أو الفساد في سلوك الطفل . . . ولكن هذه الصفات ليست قدراً حتمياً بل يمكن

____________________

(١) المصدر السابق ص ١٩٧ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم ص ٧٢ ط إيران .

١٢٣

إصلاح الفاسد بالطرق التربوية الصالحة . . . وعلى العكس تبديل التربة المساعدة للصلاح إلى الفساد بالطريق التربوية الفاسدة .

التربية والبيئة :

إن الطفل المتولد من أبوين صالحين يملك تربة مساعدة لنشوء الصفات الخيرة في نفسه ولكن إذا ترك في بيئة فاسدة منذ الصغر ، أو سُلِّم إلى أفراد خبثاء بذيئي الأخلاق فإن النتيجة ستكشف عن فرد فاسد شرير ، لأن الصفات الموروثة والفضائل العائلية لا تستطيع المقاومة أمام قوة التربية (١) .

وعلى العكس من ذلك فإن الأطفال الذين يتولدون من أبوين فاسدين ويملكون التربة المساعدة لنشوء الآثار السيئة في سلوكهم ، لو تركوا في محيط مليء بالصلاح والخير وسلموا إلى مربّين صالحين فمن الممكن أن تختفي تلك الآثار السيئة عنهم وينشأوا أفراداً يتسمون بالفضيلة والإِيمان .

« وتؤثر العوامل السيكولوجية تأثيراً أكبر على الفرد ، فهي التي تكسب حياتنا شكلها العقلي والأدبي . إذ أنها تولد النظام أو التفرق . وهي التي تدفعنا إلى إهمال أنفسنا أو السيطرة عليها ، كما أنها تغيّر شكل تكوين الجسم ووجوه نشاطه بوساطة الدورة الدموية والتغييرات الغددية ، فأن لنظام العقل والإِستعداد الفسيولوجي تأثيراً قاطعاً ليس على حالة الفرد السيكولوجية فقط بل أيضاً على تكوينه العضوي والإِخلاطي ومع أننا لا نعلم إلى أي مدى تستطيع التأثيرات العقلية التي تنشأ من البيئة أن تحسِّن أو تقضي على الميول المستمدة من الأسلاف ، فأنه لا شك في أنها

____________________

(١) وأصدق شاهد على ذلك قصة ( ابن نوح ) حيث جالس الملحدين وخالط الفسّاد ، فاختفت معالم الفضائل التي ورثها عن أبيه في سلوكه وهكذا اتصف بصفات قرنائه ، وصار ملحداً مثلهم ، وحينما دعاه أبوه إلى أن يركب السفينة لينجو من السيل ولا يصيبه عذاب الله ، أجابه بما يحكي القرآن عنه ( سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ) وبالرغم من أن نوحاً قال له : « إنه لا عاصم اليوم من أمر الله » لم يلتفت إلى كلامه ، وكانت نتيجته الغرق .

١٢٤

تلعب دوراً رئيسياً في مصير الفرد ، فهي أحياناً تبدد أسمى الصفات العقيلة ، وتجعل أفراداً معينين ينمون بدرجة لم تكن متوقعة على الإِطلاق . . . وهي تساعد الضعيف وتجعل القوي أكثر قوة » .

« إنه مهما يكن من أمر ميول الأسلاف ، فإن كل فرد يدفع بتأثير أحوال النمو في طريق يقوده إما إلى العزلة في الجبال أو إلى جمال التلال أو إلى أوحال المستنقعات حيث يطيب للسواد الأعظم من الرجال المتحضرين أن يعيشوا » (١) .

الصفات القابلة للتغيير :

إن الإِمام محمد بن علي الباقر عليه‌السلام يعبر عن قابلية تغيير بعض الصفات الوراثية للطفل في رحم الأم بكلمة ( البداء ) ، في ضمن حديث طويل بهذا الصدد فيقول :

« ثم يوحي الله تعالى إلى الملكين : اكتبا عليه قضائي وقدري ، ونافذ أمري واشترطا لي البداء فيما تكتبان . . . » فهذا يدل على أن القضاء والقدر في حق الطفل ليس أمراً قطعياً ، بل قابل للتغيير والتبديل حسب بداء الله تعالى . . .

« . . . فيقولان : يا رب ، ما نكتب ؟ فيوحي الله عز وجل إليهما أن إرفعا رؤسكما إلى رأس أمه ، فيرفعان . . . فإذا اللوح يقرع جبهة أُمه . فينظران فيجدان في اللوح : صورته ، ورؤيته ، وأجله وميثاقه ، شقياً أو سعيداً ، وجميع شأنه . فيكتبان جميع ما في اللوح ويشترطان البداء فيما يكتبان » (٢) .

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٩٨ .

(٢) الكافي ج ٦ ص ١٤ . وللتحقيق في معنى البداء وكيفية نسبته إلى الله تعالى نقول :  « البداء من الأوصاف التي ربما تتصف بها أفعالنا الاختيارية من حيث صدورها عنا بالعلم والاختيار ، فأنا لا نريد شيئاً من أفعالنا الإِختيارية إلا بمصلحة داعية إلى ذلك ، تعلق بها علمنا ، وربما تعلق العلم بمصلحة فقصدنا الفعل ثم تعلق العلم بمصلحة

١٢٥

المصير اللامحتوم :

نجد في هذا الحديث نكتتين لطيفتين : الأولى : إن اللوح ليس في ساعد الأم ولا في صدرها بل في جبينها . إن الجبهة بالرغم من أنها من الناحية الجسمية لا تزيد على أنها أحد أعضاء البدن ، إلا أن بالإِمكان أن تكون كناية عن الجهاز المعنوي وعن أفكار الدماغ عند الأم ، وعلى هذا فإن مجموعة المقررات التكوينية لجسم الأم وفكرها تكون ممهدة لبناء الطفل .

والنكتة الثانية : ورود كلمة ( البداء ) بالنسبة إلى الأمر الإِلهي ، والملائكة أيضاً يثبتون اللوح بشرط البداء ، وفي هذا دلالة صريحة على أن جميع الصفات الوراثية في رحم الأم ليست مصيراً حتمياً ، فإن هناك عوامل ( قد تكون البيئة والتربية منها ) تغيّر تلك الصفات.

____________________

أُخرى توجب خلاف المصلحة الأولى ، فحينئذ نريد خلاف ما كنا نريده قبلاً ، وهو الذي نقول : بدا لنا أن نفعل كذا ( أي ظهر لنا بعدما كان خفياً عنا كذا ) والبداء : الظهور ، فالبداء ظهور ما كان خفياً من الفعل ( بظهور ما كان خفياً من العلم بالمصلحة ) ثم توسع في الإِستعمال فأطلقنا البداء على ظهور كل فعل كان الظاهر خلافة ، فقال : بدا له أن يفعل كذا ( أي ظهر من فعله ما كان الظاهر منه خلافه ) .

ثم إن وجود كل موجود من الموجودات الخارجية له نسبة إلى مجموع ( علته التامة ) التي يستحيل معها عدم الشيء وعند ذلك يجب وجوده بالضرورة وله نسبة إلى ( مقتضيه ) الذي يحتاج الشيء في صدوره منه إلى ( شرط وعدم مانع ) ، فإذا وجدت الشرائط وعدمت الموانع تمت ( العلة التامة ) ووجب وجود الشيء وإذا لم يوجد الشرط أو وجد مانع لم يؤثر ( المقتضي ) أثره ، وكان التأثير للمانع . . . وحينئذ يصدق البداء . فإن هذا الحادث إذا نسب وجوده إلى مقتضيه الذي كان يظهر بوجوده خلاف هذا الحادث كان موجوداً ظهر من علته خلاف ما كان يظهر منها .

ومن المعلوم أن علم الله تعالى بالموجودات والحوادث مطابق لما هو في الواقع من وجودها ، فله تعالى علم بالأشياء من جهة عللها التامه ، وهو العلم الذي لا بداء فيه أصلاً . وله علم بالأشياء من جهة مقتضياتها وهذه خاضعة لوجود الشرائط وفقد الموانع . وفي هذا النوع يمكن أن يفقد شرط أو يوجد مانع في الأثناء فيظهر خلاف ما كان ظاهراً منه ويحصل فيه ( البداء ) فلا يكون حينئذ قضاءً حتمياً لا يتبدل ، بل هو قابل للتغيير ، ولهذا قال الله تعالى في القرآن الكريم : ( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ . . . الآية ) راجع تعليقة العلامة الفيلسوف البارع السيد محمد حسين الطباطبائي على الكافي ج ١ ص ١٤٦ .

١٢٦

إذا كانت جميع الصفات الوراثية حتمية غير قابلة للتغيير ، وإذا كانت جميع الصفات الرذيلة في الأبوين تنتقل إلى الأولاد تماماً شأنها شأن لون العيون أو الجنون والحماقة . . . لم يكن معنى لإِرسال الأنبياء من قبل الله تعالى ، وكانت الشرايع والتعاليم السماوية لغواً لا فائدة فيها ، كما أنه من العبث قيام المحاولات الإِصلاحية والمذاهب التربوية في المجتمعات البشرية ، لأنها لا تستطيع أن تؤثر في السلوك الموروث .

« ويميل نموّ الجسم في إتجاهات مختلفة إستجابة للوسط فتصبح صفاته الفطرية حقيقية أو تظل خاملة . فمن المحقق أن ميولاً وراثية معيّنة تتعدل تعديلاً كبيراً بظروف تكويننا » (١) .

تغلب التربية على الوراثة :

تبلغ العادات التربوية والتمارين الإِصلاحية المتواصلة درجة من القوة في التأثير بحيث تتغلب على الصفات الوراثية وتحدث وضعاً جديداً في الأفراد ، يقول الإِمام علي عليه‌السلام بهذا الصدد : « العادة طبع ثانٍ » (٢) .

إن الرئتين في الإِنسان خلقتا لاستنشاق الهواء ، والذي يدخن السيجارة لأول مرة ، ويرسل دخانها إلى أعماق رئتيه يحس باضطراب عجيب ، إذ يحس بدوار في رأسه ، يبدأ بالسعال ، تنتابه حالة التقيؤ تملأ الدموع عينيه وهكذا ينقلب حاله أثر الدخان . وهذا بديهي لأن الرئة لم تصنع للدخان بل للهواء النقي .

ولكن بتكرار التدخين تعتاد الرئة على الدخان وتتخلى عن طبعها الأولي الذي كان ينفر من الدخان . وهكذا ينقلب ما كان يبعث على النفور والاضطراب إلى أداة للتسلية والترويح عن النفس وهنا نقول بأن الرئة قد تربّت على استنشاق الدخان ، وعلى أثر التكرار حصلت على طبع ثانوي وتركت

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٩٧ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم ص ١٩ . طبعة دار الثقافة ـ النجف الأشرف ـ .

١٢٧

طبعها الأول . ولهذا السبب فأنها ترتاح لعملها غير الطبيعي وتستمر عليه .

إن الأنبياء لم يأتوا لأن يحولوا المجانين الوراثيين إلى عقلاء ، أو يجعلوا من البلداء الفطريين نوابغ ، لأن هذا ما لا يمكن أن يحدث . . . لأن الأنبياء يريدون أن يخضعوا البشر إلى مراقبة إيمانية وعملية في خصوص الصفات القابلة للتغير على ضوء التربية الصحيحة ، لإِيصالهم إلى السعادة والكمال الإِنساني .

أما بالنسبة إلى الذين ينتمون إلى أصول عائلية فينمون فيهم قابلياتهم ومواهبهم ويخرجون الفضائل الكامنة من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة الفعلية لكيلا ينحرفوا عن الصراط المستقيم مسير حياتهم . ويحفظوا ثروتهم الوراثية العظيمة من الملكات والفضائل ، لكيلا يقعوا في هوة الفساد والجهل والطيش على أثر مصاحبة الفساد والجهل والطائشين.

وأما بالنسبة إلى الذين ورثوا الصفات البذيئة من أبويهم فيعمل الأنبياء على إطفاء الإِستعدادات الكامنة نحو الفساد فيهم بالتربية الصحيحة التدريجية واتخاذ الأساليب الأخلاقية الدقيقة . وبذلك يخرجونهم من طبائعهم الأولى إلى طبائع جديدة حاصلة من إحياء قوى الخير والصلاح في نفوسهم وتكون النتيجة أن يحوز هؤلاء على درجة لا بأس بها من الكمال . . . هذا العمل أمر ممكن في نظر العلم والدين . فما أكثر أُولئك الذين كانوا متصفين بصفات رذيلة ثم زرع الإِسلام في نفوسهم بذور الخير والصلاح واقتلع جذور الشر والفساد ، فوصلوا بفضل التربية الإِسلامية الرصينة إلى أوج السعادة .

« لوحدانية الإِنسان أصل مزدوج . فهي تأتي في وقت واحد من تركيب البويضة التي ينشأ منها وكذلك من تطوره ونموه ومن تاريخه . . . إن الخصائص الوراثية في البويضة ليست إلا ميول أو إمكانيات وهذه الميول تصبح حقيقة أو تظل تقديرية تبعاً للظروف التي تواجهها النطفة ، فالطفل ، ثم المراهق ، أبان نموهم . . . وهكذا يتوقف أصل الإِنسان على الوراثة والنمو معاً . ولكننا لا

١٢٨

نعلم ما هو الدور الذي يلعبه كل منهما في تكويننا هل الوراثة أكثر أهمية من النمو . أو العكس بالعكس ؟ . . إن الملاحظات والتجارب تعلمنا أن الدور الذي تلعبه الوراثة والنمو يختلف في كل فرد . وإن قيمتها النسبية لا يمكن تحديدها عادة » (١) .

ظهور الاستعدادات الكامنة :

يرى العلماء أن التربية عامل قوي جداً حيث تقدر أحياناً على أن توقف عمل الخواص الوراثية السيئة وتعود بالأفراد إلى طريق السعادة والكمال وقد لا تعطي التربية نتيجة حتمية كاملة . . . وهذا يتبع الخصوصيات الفطرية للأفراد حيث أنها متفاوتة .

ولكن الثابت أننا يجب أن ننظر إلى جميع الأفراد بعين القابلية ونحتمل أن تؤثر فيهم الأساليب التربوية الصالحة ، فإن كانت هناك إستعدادت كامنة للخير والكمال فأنها تظهر بفضل التربية الصالحة وتخرج من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعل [ كما يقول المنطقيون ] .

« ولما كنا لا نعلم طبيعة هذا الاستعداد بالدقة ، فيجب علينا أن نفترض أنه مناسب وأن نتصرف تبعاً لذلك . فمن المحتم أن يتلقى كل فرد تعليماً يؤدي إلى نمو صفاته المحتملة إلى أن يتبين بصفة قاطعة أن هذه الصفات غير موجودة » (٢) .

التربية للجميع :

إن الإِسلام الذي لم تفته صغيرة ولا كبيرة ، من الوسائل المؤدية بالبشر إلى السعادة والكمال ، لم تفته هذه الناحية فركز تعاليمه الرصينة على أُسس التربية الصالحة . إن الإِسلام يدعو جميع الناس من أي طبقة كانوا إلى الإِيمان والطهارة ، ولذلك فهو يرى كل فرد ـ مهما كانت خصائصه العائلية الوراثية

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٩٤ .

(٢) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٩٨ .

١٢٩

واستعدادته الفطرية ـ قابلاً لتلقي الإِيمان والخلق والفاضل . . . وهو لا يخيب أمل أي فرد ، بل يحاول البحث في أعماق فطرته للوصول إلى القيم الحية التي يمكن أن تنمي وتستخرج من بين زوايا النفس وتجلي فتبعث على الحياة من جديد .

ومن النماذج الحية لاعتناء الإِسلام بتربية الأفراد الذين يرثون الصفات الرذيلة عن أبويهم سلوكه المفضل مع الأطفال اللاشرعيين . إن مما لا شك فيه أن ولد الزنا يحمل في فطرته صفات شريرة ـ كما سنثبت ذلك إن شاء الله ـ ولكن الإِسلام يعتبره قابلاً للتربية بدليل أنه يدعوه لتلقي التعاليم الإِيمانية والخلقية والسلوك الخيَر المؤدي إلى السعادة .

ومن الواضح أنه لو كان منقذ البشرية ورسول الإِسلام العظيم يرى في الإِنحراف والشقاء مصيراً حتمياً لأولاد الزنا ويعاملهم معاملة المجانين الفطريين الذين لا يقبلون العلاج . . . لما كان يدعوهم إلى دين الله (١) .

لقد وضع الإِسلام وجميع الأديان السماوية قواعد وقوانين خاصة للزواج . ولذلك فقد اعتبرت الشرائع السماوية الخروج عن تلك القوانين أمراً غير مشروع ، فالزنا يعتبر جريمة شنيعة . وكثير من الملل التي لا تملك شريعة سماوية قد وضعت قوانين خاصة لمنع الإِختلاط غير المشروع ، وبصورة موجزة فإن العلاقة الزوجية الصحيحة في نظر العالم مقيدة بشروط وحدود خاصة .

والطفل الذي يولد من طريق مشروع يكون ولداً قانونياً أما أولاد الزنا فهم يعرفون بالأطفال اللاشرعيين . وفي الإِحصاءات الدولية للسكان يصرح بعدد الأطفال اللاشرعيين بعد إنتهاء تعداد السكان ، وفي هذا دلالة على إختلاف

____________________

(١) لقد رفع الإِسلام التكليف عن قسم من الناس ، منهم المجانين . وهذا دليل على أنه لا يراهم قابلين لتقبّل الدعوة إلى الله كونهم مجانين . ولكنه لم يرفع التكليف عن ولد الزنا حين يبلغ ولو كان الشقاء الحاصل في نفوس أولاد الزنا متأصلاً كالجنون لم يكن معنى لتكليفهم بالتكاليف الشرعية ، فتكلفهم يدل على إمكان إصلاحهم وتغيير سلوكهم .

١٣٠

أولاد الزنا والأولاد القانونيّين في نظر العالم .

« في قرار صدر أخيراً عن دائرة التحقيقات الإِجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية يحكي أن عدد الأطفال اللاشرعيين في العام الماضي كان ٢٠٨٧٠٠ شخصاً . وهذا الرقم يرينا نسبة عالية في الإِرتفاع عن السنوات العشر الماضية إذ يبلغ ٤٧ % من الزيادة . إن القرار الآنف الذكر يضيف بأن قسماً كبيراً من هؤلاء الأطفال اللاشرعيين نشأوا من الشبان الذين لم يتقدموا في السن كما أن ٤٠ % من هؤلاء قد أولدتهم فتيات لا تزيد أعمارهن على العشرين سنة » (١) .

« لندن ـ رويتر ـ وكالة الأنباء الفرنسية . . . ذكر الدكتور : ج . أ . أسكوت مدير صحة لندن في تقرير رفعه أنه كان من بين كل عشرة أطفال طفل واحد ناشء من العلاقات اللامشروعة في لندن في العام الماضي » .

« لقد أكد الدكتور أسكوت أن نسبة الأطفال اللاشرعيين آخذة في الازدياد . حيث كان عددهم في عام ١٩٥٧ لا يتجاوز ٣٣٨٣٨ بينما إرتفع إلى ٥٣٤٣٣ في السنة التالية » (٢) .

الأطفال المنحرفون :

يرى أئمة الإِسلام أن أولاد الزنا مصابون بالإِنحراف الروحي ، الأمر الذي يؤدي بهم إلى سوء الأخلاق ومخالفة القوانين والاستهانة بها . يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام :

« إنه يحن إلى الحرام ، والاستخفاف بالدين ، وسوء المحضر » (٣) .

____________________

(١) يونايتدپرس / جريدة إطلاعات الإِيرانية . العدد / ١٠٥٢٣ .

(٢) جريدة إطلاعات الإِيرانية العدد / ١٠٠٩٠ .

(٣) سفينة البحار مادة ( زنىٰ ) ص ٥٦٠ .

١٣١

وهنا يمكن أن يخطر السؤال الآتي على أذهان البعض فيقولون : إن الأطفال يوجدون من نطفة الأبوين ، وإن الجهاز التناسلي في الرجل والمرأة يعمل عمله حسب نظام دقيق . وهذا العمل الطبيعي لا يختلف في العلاقة القانونية وغير القانونية ، فأي أثر لإِجراء صيغة الزواج أو صدور ورقة العقد في واقعية النطفة ؟ ولماذا يجب أن يكون ولد الزنا مصاباً بالإِنحراف ؟ .

وبالرغم من أن الجواب على هذا السؤال قد أتضح من البحوث السابقة حيث ذكرنا فيها تأثير الحالات النفسية على البدن ، وتأثير الروح بالأعمال الجسمانية . . . بالرغم من ذلك كله فإننا سنفصل القول في خصوص الاختلاط اللامشروع ذاكرين أسباب الإِنحراف في سلوك أولاد الزنا . . .

الاختلاط اللامشروع :

سئل الإِمام الصادق عليه‌السلام : « لِمَ حرّم الله الزنا ؟!

قال : لما فيه من الفساد ، وذهاب المواريث ، وانقطاع الأنساب . . لا تعلم المرأة في الزنا : مَن أحبَلَها ؟ ولا المولود يعلم : مَن أبوه ؟ . ولا أرحام موصولة ، ولا قرابة معروفة . . . » (١) .

هناك عشرات المسائل الأخلاقية والنفسية والإِجتماعية والتربوية والعائلية والاقتصادية والعاطفية سببت تحريم المشرعين الإِلهيين ( أي الأنبياء ) للزنا واعتباره أمراً مخالفاً للقانون .

الأطفال اللاشرعيون :

وهناك نكتة لطيفة هي أن العالم المتمدن يعتبر الزنا مشكلة وظهور الأطفال اللاشرعيين مشكلة أُخرى . كما أن الإِسلام يعتبر الإِختلاط اللامشروع بين الرجل والمرأة معصية وحمل المرأة عن طريق الزنا معصية أُخرى أفظع من الأولى . وإليك النصوص الآتية التي تثبت ذلك :

١ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ما من ذنب أعظم عند الله تبارك وتعالى بعد

____________________

(١) سفينة البحار للشيخ عباس القمي . مادة ( زنىٰ ) ص ٥٦٠ .

١٣٢

الشرك من نطفة حرام وضعها أمرءٌ في رحم لا تحل له » (١) .

٢ ـ قال الرضا عليه‌السلام : « إن الدفق في الرحم إثم والعزل أهون له » (٢) .

٣ ـ عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : « إنّ أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أقرَّ نطفته في رحم يحرم عليه » (٣) .

إنَّ الزاني والزانية إذا لم يولد منهما طفل ، فإنَّ جريمتهما أنهما تجاوزا حريم القانون الجنسي ، أما إذا حملت المرأة من الزنا ، فإن الجريمة تتضاعف لأنه سيظهر في المجتمع ولد جُبل على مخالفة القانون وإرتكاب الجرائم . ومن الواضح أن خطر هذا أشدّ من الجريمة الأولى .

ولتوضيح وضع الأطفال اللاشرعيين ، وبيان الفرق بينهم وبين الأطفال القانونيين علينا أن نبحث عن الحالات النفسية للمرأة التي حملت بصورة غير مشروعة لنقيسها بالحالات النفسية للنساء الشرعيات ونحلل الفروق بينهما تماماً . . . ولأجل أن يلتفت المستمع الكريم إلى الموضوع بجد نقصر بحثنا على الحالات النفسية للنساء المسلمات فقط .

هناك ملايين النساء والفتيات المسلمات يعشن في الدول الإِسلامية ، وهن يختلفن بحسب درجات إيمانهن . . . فالبعض منهم معتقدات بالإِسلام حقيقة ويعتبرن مخالفة التعاليم الإِسلامية ذنباً يستحقن العقاب عليه . . . فإذا صادف وأن زلت امرأة من هذا النوع في سلوكها وارتكبت الزنا فهي تواجه حالتين من الاضطراب النفسي والضغط الروحي : ـ

إحداهما : الإِحساس بالخوف الشديد من الله لإِرتكابها ذنباً .

____________________

(١) مستدرك الوسائل للنوري ج ٢ ص ٥٦٧ .

(٢) المصدر السابق ٢ / ٥٦٧ ويظهر من الحديث أن الزنا مع العزل ( قذف النطفة خارج الرحم ) أهون للزاني من الزنا مع قذف النطفة داخل الرحم لأنه يمنع إختلاط الأنساب على الأقل .

(٣) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ ص ٣٧ .

١٣٣

والثانية : الاضطراب والخوف من إنفضاح أمرها أمام أهلها والناس بصورة عامة . . .

أما النساء التي لا يملكن من الإِيمان والتدين ما كانت تملكه الطائفة الأولى ، فهؤلاء يمكن أن يرتكبن الزنا ويحسسن لذلك بخوف تجاه الله تعالى ولكنه ضعيف . ولكن إهتمامهن إلى الرأي العام أكبر . فهن يخشين تمام الخشية من نبذ الرأي العام ونفوره تجاههن ولا يرضين أبداً بأن يسميهن المجتمع ( زانيات ) أو ( فاحشات ) . وحتى الرجال الذين لا يتورعون من الزنا لا يرضون بالاختلاط مع النساء المعروفات بالزنا ، والمشهورات بهذا العمل الشنيع .

وهناك طائفة ثالثة من النساء ابتليت بترك العفة وإرتكاب الزنا ، إما إتباعاً للهوى أو للفقر والبؤس . هؤلاء النساء وإن كن يبدين الرضا بهذا العمل ، ولكن في ضمائرهن عقدة لا تقبل الإِنكار . ومتى ما وجدن من يحفظ سرهن إنطلق لسان الضمير فيهن يتحدث له عن الشقاء والبؤس الذي يلاقينه ، وأظهرن عدم رضاهن بهذا العمل الشنيع . ولهذا فإذا صادفن من لا يعرف عنهن الفحشاء والفساد ، ظهرن بمظهر العفيفة الطاهرة .

والخلاصة : إن التعاليم الدينية ، والعادات الاجتماعية والتقاليد العائلية قد أوجدت في نفوس جميع النساء والرجال المسلمين ، سواء كانوا عدولاً أو فساق ، متقين أو فاقدين للتقوى . . . أوجدت في ضمائرهم وجداناً لا يقبل الإِنكار من أن الزنا عمل قبيح ، وأن الفاحشة تكون منفورة دائمة بين الناس .

الزواج القانوني :

بعد أن تحدثنا عن بعض الحالات النفسية للمرأة التي تقوم باتصال غير مشروع لنتحدث عن العلاقات المشروعة التي تقوم على أساس إطاعة القانون .

فعندما يقيم الشاب والشابة زواجاً قانونياً ، يراعيان فيه جميع القوانين والمقررات ، لا نجد إضطراباً بسيطاً في ضمير الرجل والمرأة ولا يشعران في

١٣٤

باطنهما بوحشة أو خوف من الله أو الناس . يمارسان إتصالهما بفكر هادء وروح مطمئنة . وفي مثل هذه الظروف تنعقد النطفة بصورة طبيعية مائة في المائة . هذا مضافاً إلى أن المرأة في أيام الحمل ليست غير مضطربة فحسب بل إنها فرحة في ضميرها ومستبشرة بالحمل . لأنها تعلم أن ذلك القران الخير قد أنتج ثماره ، وما هي إلا أيام قلائل حتى يزيِّن حجرها مولود سعيد ، وعشرات أو مئات النساء والرجال سيأتون للتهنئة بولادته مستصحبين باقات الزهور والهدايا الكثيرة ! ! .

ارتياح البال :

لقد جلب إرتياح بال الأبوين وحالتهما الطبيعية من جهة التأثير في البناء البدني والروحي للطفل إنتباه العلماء في العصر الحديث . ولم يفت الأئمة عليه‌السلام هذا الأمر . بل أكدوا على أثر الإِطمئنان النفسي وإرتياح الضمير عند الأبوين في إيجاد الطفل . يقول الإِمام الحسن العسكري عليه‌السلام في موضوع الشبه بين الطفل وأبويه أو عدمه « فإن الرجل إذا أتى أهله بقلب ساكن وعروق هادئة ، وبدن غير مضطرب . استكنت تلك النطفة في الرحم ، فخرج الرجل يشبه أباه وأمه » (١) .

النطفة الطبيعية :

إذا كان قلب الأبوين حين إنعقاد النطفة منتظماً ، وجريان الدم طبيعياً والبدن خالياً من الاضطراب ، فالطفل يكون شبيهاً لأبويه حسب القاعدة . إن أصح الحالات الطبيعية للطفل هو أن يشبه أبويه . وأصح الحالات الطبيعية للأبوين هو الكفيل بظهور ذلك الشبه الطبيعي .

والنتيجة التي نستنتجها من هذا البحث ، هي : أن الرجل والمرأة اللذين يقيمان علاقة زوجية طاهرة مع مراعاة القوانين الدينية لا يحسان باضطراب وهلع حين الاتصال الجنسي فالنطفة التي توجد منهما في تلك الحالة وفقدان

____________________

(١) بحار الأنوار ج ١٤ ص ٣٧٩ .

١٣٥

الاضطراب إلى حين الولادة يضمن نشوء إنسان طبيعي خال من الإِنحراف الفطري والخلقي .

أما الشاب والشابة اللذان يتصلان بغير زواج قانوني ، فمما لا شك فيه أن حالتهما ليست هادئة وطبيعية مائة في المائة ، وإذا كانا يهتمان بالتعاليم الدينية ويخافان من إنفضاح الأمر أمام أبويهما فإن الاضطراب سيتضاعف أما إذا لم يكونا مرتبطين بالتعاليم الدينية فإن الخوف من الفضيحة أمام المجتمع كاف في إيجاد حالة من الهلع والاضطراب في الطرفين .

وإذا لم تنعقد نطفة من هذا الإِتصال اللامشروع ، ولم يستقر جنين في رحم المرأة ، فإن الطرفين قد إرتكبا بذلك ذنباً في السر . أما إذا حملت المرأة من تلك الإِتصال فإن إفشاء السر بين الناس وإنفضاح أمرهما سيعمل على ازدياد إضطرابهما .

الاضطراب أيام الحمل :

إن الفتاة التي تقدم على الزنا خفية عن أبويها ، بمجرد شعورها بالحمل تضطرب أشد الاضطراب ، وتنتابها رعشة تسري إلى فرائصها . ذلك لأن إنتفاخ بطنها في أقرب وقت سيفضح سرها . ولذلك فأنها تقضي لياليها بالأرق وتعيش أيامها غارقة في التفكير ، والدموع السائلة والندم المتواصل . . . وما أكثر أُولئك اللائي أدى بهن الأمر إلى الإِنتحار والتخلص من هذه الحياة أو تحمل المشاق العظيمة في سبيل إجهاض الجنين اللاقانوني . . . الأمر الذي يجر معه الأمراض والآلام الشديدة .

أما إذا لم تقدم هذه المرأة على الإِنتحار ، ولم تقم بإجهاض الجنين وبعد إنقضاء أيام الحمل تولد الطفل ، هل تتصورون بأن هذا الطفل يمكن أن يكون سالماً وطبيعياً ؟ فمضافاً إلى أن الأضطراب كان مستولياً على الأبوين حين إنعقاد النطفة ، ولم تنشأ النطفة الأولى لهذا الطفل بصورة طبيعية ، فإن كابوس الاضطراب والقلق كان مسيطراً على المرأة طيلة تسعة أشهر ( أيام الحمل ) فهناك الغصص والآلام والهموم التي حولت تلك المرأة إلى مخلوقة ضعيفة

١٣٦

عليلة . . . ولا يخفى أن الطفل كان شريكاً مع أُمه في تلك الآلام والمحن .

لقد ذكرنا في المحاضرة السابقة أن التجارب العلمية الدقيقة أثبتت نقطتين مهمتين : ـ

الأولى : أن المرأة إذا أصيبت في أيام الحمل بخوف شديد وإنتابتها رعدة من جراء خوفها تظهر بقع على جسم الطفل .

والثانية : أن الإِضطرابات العصبية للأم في أيام الحمل تؤدي إلى تولد الطفل عصبياً . . . فإذا كانت حادثة مخيفة بسيطة أو حالة عصبية في وقت قصير تخلف أثراً سيئاً في الطفل ، فالقلق الذي يستمر تسعة أشهر لا بد وأن يكون أثره أعظم ! ! .

النقل القانوني والتهريب :

إن الفرق بين الاتصال المشروع واللامشروع بين الرجل والمرأة مثل الفرق بين النقل القانوني والتهريب ، وبين السفر إلى الخارج مع الجواز وبدونه . . . فالمسافر عن كل من الطريقين يحتمل أن يعبر الحدود ويدخل الدولة الأُخرى ، ولكن مع فارق مهم هو أن حامل الجواز الذي يدخل الدولة الأجنبية بواسطة سمة الدخول يمتاز بإطمئنان وإرتياح بال ، يتنقل كيف يشاء ويتصل بمن يشاء ، من دون أن يحس في باطنه قلقاً أو اضطراباً . ولكن المسافر الذي لا يحمل جوازاً يرى نفسه معرضاً للخطر في كل لحظة ، فهو قلق مضطرب ، حركاته غير متزنة يصحبها إرتباك وتلفُّت إلى اليمين والشمال ، وحذر من مراقبة الأفراد له . إذا قابل فرداً ظن أنه يراقبه وسيرفع تقريراً عنه إلى الحكومة وما أسرع أن يلقى القبض عليه . . . وهكذا فهو يمتقع لونه مقابل سؤال بسيط ، وترتعد فرائصه ويفقد توازنه .

كل هذه الاضطرابات والحالات غير الإِعتيادية التي تنتابه ، لأجل أن هذا المسافر قد دخل دولة أجنبية بدون جواز أو سمة دخول . إن العقد وإجراء الصيغة في الزواج بمثابة الجواز والسمة للسفر إلى الخارج.

١٣٧

الخروج على القانون :

وتوجد بين النساء الملوثات بالإِنحرافات الجنسية ، طائفة لا تملك الإِيمان كي يراقبن الخوف من الله ولا تملك سمعة حسنة في المجتمع كي يخفن من إنفضاح الأمر ، ولذلك فيرتكبن الزنا من دون اكثرات ولا يرين فرقاً بين الاتصال القانوني وغير القانوني . فإذا حملت هذه المرأة من الزنا ، فبالرغم من إنها لم تصب بالاضطراب والقلق طيلة أيام الحمل ، ولكن في ضميرها نقص مهم ، وفي فكرها إنحراف أهم ، وهو الخروج على القانون . . . وهذه الصفة نفسها كسائر الصفات الرذيلة تخلق تربة مساعدة في الطفل للخروج على القانون . وفي كل مرة تحمل هذه المرأة من الزنا تؤثر حالتها النفسية في نفسية الطفل وتجر على المجتمع آثاراً سيئة .

يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام : « لا تزوجوا المرأة المستعلنة بالزنا ، ولا تزوجوا الرجل المستعلن بالزنا ، إلا أن تعرفوا منهما التوبة » (١) .

إن بعض النساء يتزوجن ولكن نفوسهن القذرة الدنيئة تميل إلى الرجال الأجانب ، ومن الممكن أن ترتكب الزنا بالرغم من أنها ذات زوج وتستفيد من ذلك لأنها تجعل الزوج حصناً منيعاً أمام التهم الإِجتماعية . إن ما لا شك فيه أن هذه المرأة مصابة بالإِنحراف النفسي . وحتى إذا حملت من زوجها القانوني ، فإن الطفل بالرغم من كونه قانونياً حسب المقررات الشرعية ولكنه من جهة الإِنحراف الروحي والفساد النفسي لا يقل عن ولد الزنا ، إذ أن الطفل يرث الصفات الرذيلة من أُمه فهو ينزع إلى الإِجرام والخروج على القانون دائماً ، يقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« واشتد غضب الله على إمرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها ، أو ذي محرم منها . وإنها إن فعلت ذلك أحبط الله كل عمل لها فإن أوطأت فراشها غيره ، كان حقاً على الله أن يحرقها بالنار بعد أن يعذبها في

____________________

(١) مكارم الأخلاق للطبرسي ص ١٠٤ .

١٣٨

قبرها » (١) .

كان الحجاج بن يوسف الثقفي فرداً غير طبيعي ، وخطراً في نفس الوقت ، والتاريخ أحصىٰ له جرائم وجنايات عظيمة سودت وجه البشرية . إن مما لا شك فيه أن عوامل عديدة تدخلت في إنحراف سلوك هذا الإِنسان مما جعلته خطراً وشريراً إلى هذه الدرجة ، ومن الممكن أن قسطاً وافراً من ذلك يرجع إلى روح أُمه المنحرفة .

إن أم الحجاج ( فارغة ) كانت زوجة ( المغيرة بن شعبة ) قبل أن تتزوج يوسف الثقفي وكان عمر بن الخطاب يسير في أزقة المدينة في بعض الليالي . . . فسمع امرأة تغني في أحد البيوت وتنشد البيت الآتي : ـ

هل من سبيل إلى خمر فاشربها

أم من سبيل إلى نصر بن حجاج ؟

فتأثر عمر من هذا البيت ، وساءه أن تكون في عاصمة حكومته إمرأة تترنم بغرام شاب أجنبي بالرغم من أنها متزوجة ، فأحضر النصر بن الحجاج ـ وكان شاباً جميلاً ـ فحلق رأسه وسفَّره إلى البصرة » (٢) .

إن المرأة المحصنة التي تفكر في رجل أجنبي وتتمنى معاقرة الخمر والوصول بالنصر بن حجاج إذا حملت من زوجها القانوني نطفة ، فإن إنحرافها سيؤثر في نفس طفلها ، إن المرأة التي لا تفهم لاحترام القوانين الإِلهية والتعاليم الدينية معنى ، لا يستغرب منها أن تلد طفلاً مثل الحجاج في فساده وإنتهاكه حريم الناس وأرواحهم وأموالهم .

الأمهات العفيفات :

إن من سعادة الرجل وحسن حظه أن تكون أمه عفيفة ، متصفة بالأخلاق الفاضلة . يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام : « طوبى لمن كانت أمه عفيفة » (٣) .

____________________

(١) لئالي الأخبار ص ٤٩٦ .

(١) يراجع عن تفاصيل القصة : الكامل لابن الأثير ١ / ٣٤٤ ، وشرح ابن أبي الحديد ج ٢ ص ١٠٠ طبعة دار الكتب ، وعيون الأخبار ج ٤ ص ٢٤ .

(٣) بحار الأنوار ج ٢٣ ص ٧٩ .

١٣٩

نستنتج من البحوث السابقة : أن أولاد الزنا ليسوا طبيعيين مائة في في المائة . ومما لا شك فيه أن الأشخاص المجرمين قد ورثوا العوامل المساعدة على الإِنحراف من آبائهم . ولكن من الجهة العلمية ليست تلك الإِنحرافات حتمية في نفوسهم ، ولم تسلبهم الإِرادة والإِختيار . وبعبارة أُخرى فإن كون الطفل ابن زنا ليس علة تامة لشاقئه وانحرافه ، فإن ظروف المحيط والعوامل التربوية يمكن أن تعطل العوامل الوراثية وتبدلها بالصفات الحسنة وتهدي صاحبها إلى طريق الخير والصلاح .

المراقبة التربوية :

والإِسلام ينظر إلى أولاد الزنا من جهة القابلية التربوية بنفس هذه النظرة ويخضعهم للمراقبة التربوية والإِيمانية شأنهم في ذلك شأن الأولاد القانونيين ولذلك فهو يدعوهم كغيرهم إلى التعاليم الخلقية والملكات الطاهرة والإِيمان وعبادة الله ، ويقيدهم بالتكاليف الشرعية فيجازي ولد الزنا على أعماله كما يجازي غيره ويعاقب كما يعاقب ، سواءً بسواء . يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام :  « إن ولد الزنا يُستعمل ، إن عمل خيراً جزي به وإن عمل شراً جزي به » (١) .

يرى البعض أن أولاد الزنا محرومون عن الفيض الإِلهي والرحمة الربانية بسبب كونهم ناشئين من زنا ، وأن عليهم أن يحيوا بشقاء ومصيرهم إلى جهنم بلا ريب . . . لكن هذا ينافي العدل الإِلهي ، فالله تعالى لا يعذب شخصاً بما هو خارج عن إختياره . فإذا أسلم من وُلد من الزنا بإخلاص وعمل بوظائفه الشرعية فإنه يمارس الحقوق التي يحق لكل مسلم أن يتمتع بها في الدنيا ، ويشمله الفيض الإِلهي العظيم في الآخرة .

مراقبة أشد :

إن ولد الزنا يمكن أن يصل إلى درجات الكمال كغيره من أفراد المسلمين مع فارق واحد : هو أنه عليه أن يخضع لمراقبة أشد ، كي يتمكن بذلك من

____________________

(١) سفينة البحار مادة ( زنى ) ص ٥٦٠ .

١٤٠