🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
ISBN: 964-94553-6-1
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

« وبدلاً من أن يشبه الآلة التي تنتج في مجموعات ، يجب على الإِنسان ـ بعكس ذلك ـ أن يؤكد وحدانيته ولكي نعيد تكوين الشخصية يجب أن نحطم هيكل المدرسة والمصنع والمكتب . . . إننا نعلم أنه من المستحيل أن ننشىء أفراداً بالجملة ، وأنه لا يمكن إعتبار المدرسة بديلاً من التعليم الفردي . . . إن المدرسين غالباً ما يؤدون عملهم التهذيبي كما يجب ، ولكن النشاط العاطفي والجمالي والديني يحتاج أيضاً إلى أن ينمي ، فيجب أن يدرك الوالدان بوضوح أن دورهما حيوي ويجب أن يعدا لتأديته . . . ».

« حينما إعترف المجتمع العصري بالشخصية كان عليه أن يقبل عدم مساواتها ، فكل فرد يجب أن يستخدم تبعاً لصفاته الخاصة . . . وفي محاولتنا توطيد المساواة بين الناس ألغينا الصفات الفردية الخاصة التي كانت أكثر نفعاً ، إذ أن السعادة تتوقف على ملاءمة الفرد ملاءمة تامة لطبيعة العمل الذي يؤديه . . . ولذلك يجب أن ينوع البشر بدلاً من أن يصبحوا جميعاً على نسق واحد كذلك يجب أن تستبدل هذه الإِختلافات التي حفظتها وهولتها طريقة التعليم وعادات الحياة . . . . » (١) .

ولقد تلقى الإِمام علي عليه‌السلام الإِختلافات الطبيعية بين الأفراد باهتمام بالغ ، وربط مصير سعادة الناس وخيرهم بالمحافظة على تلك الإِختلافات كما ربط شقاءهم وهلاكهم بإزالة تلك الفوارق الطبيعية .

« قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا فإذا استووا هلكوا » (٢) .

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ٢٣٩ ـ ٢٤٠ .

(٢) البحار للمجلسي ج ١٧ ص ١٠١ .

٢٤١

مسايرة التربية للفطرة :

من الضروري أن يستفاد من الإِختلافات الطبيعية للبشر في موضوع التربية ، وتربية كل فرد حسب المواهب والقابليات المودعة في بنائه الفطري لكي يستفيد المجتمع أقصىٰ الفائدة من جميع الذخائر الفطرية المودعة في باطن الأفراد .

وإذا أغفلنا هذه النقطة التي أقرها الله بحكمته البالغة ولم تنسجم تربية كل فرد مع غرائزه الفطرية فإن الفرد سيبقى محروماً من الكمال اللائق به ، ويكون مصاباً بالإِنحراف بنفس النسبة .

يتولد بعض الأطفال مع خصائص غير مرغوب فيها ، قد ضربت جذورها فيهم كسوء الخلق أو التلذذ بإيذاء الآخرين .

« حيث يقع سلوك الإِنسان وخلقه تحت تأثير التحريكات الداخلية يمكن إعتبار الغضب خاصة أصيلة فيه فالطفل لا يعلم ما يصنع ، أو أنه لا يدرك الموقف كما ينبغي أن يدركه ، إن هذا الغضب شديد وخطر » .

« نرى الطفل يتدحرج على الأرض ، يضرب رأسه بالجدار ، يقتلع شعر رأسه ، يضرب ، يعض من حوله ، يحطم الأثاث ، يكسر زجاج النوافذ ، وبما يرتكب جريمة قتل . . . » .

« وبعد هذه الفورة من الغضب يهدأ الطفل ، وحين يستولي عليه التعب تماماً يحس من نفسه بحاجة شديدة إلى النوم » (١) .

. . . لقد أثرت ظروف خاصة على بنية أطفال كهؤلاء ، فجعلتهم ينشأون على هذه الخصائص ، ويجب أن لا نلومهم على ذلك ، يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام بهذا الصدد : « لو علم الناس كيف خلق الله تبارك وتعالى هذا الخلق ،

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ ( أطفال دشوار ) ص ٤٨ .

٢٤٢

لم يلم أحدٌ أحداً » (١) .

هؤلاء الأطفال يجب أن يوضعوا منذ البداية تحت رقابة تربوية صحيحة وأن يهتم المربي بجميع خصائصهم النفسية ويستخدم تلك الميول الفاسدة في المجاري الصحيحة ، وإرضائها بهذه الصورة .

« يستطيع الشخص المصاب بعقدة الإِيذاء إرضاء رغبته هذه في طريق آخر حسب مستواه الثقافي وظروف حياته أي أنه إذا كان مستواه العلمي واطئاً يختار مهنة القصابة ويصبح قصاباً وإذا كان حائزاً على درجة علمية راقية فيستطيع أن يشتغل جراحاً ، وبهذه الصورة تشبع رغبته في إيذاء الآخرين بطريقة تلقائية » (٢) .

والنتيجة التي توصلنا إليها ضمن بحوثنا المتقدمة هي : أن الأسرة تستطيع أن تتعهد ثلاثة أمور مهمة مضافاً إلى المحافظة على الطفل وتربيته الإِعتيادية ـ هذه الأمور هي :

١ ـ تهتم بجميع الميول الداخلية والمثل الإِنسانية للطفل وتعمل على إرضاء كل منها في مورده وبالمقدار المناسب له . وبذلك يكتسب الطفل شخصية كاملة متزنة .

٢ ـ تهتم بالأطفال البارزين الذي يملكون قابليات ومواهب عالية بصورة خاصة وتهيىء الوسائل اللازمة لظهور تلك المواهب والقابليات وتقويتها لتعطي ثمارها بعد حين .

٣ ـ إذا كان الطفل يملك بعض الخصائص السيئة فإن من الممكن أن يخضع في ظل الأسرة لرقابة صحيحة ، وبالتالي تعديل تلك التصرفات غير المرغوب فيها وهدايتها إلى الطريق الصحيح .

____________________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٤ ص ٧١ .

(٢) أنديشه هاى فرويد ص ٢٥٨ .

٢٤٣

هذه هي الوظائف الرئيسية التي يمكن للأسرة أن تقوم بها بينما تعجز روضة الأطفال عن القيام بها .

الأسر الشريفة والأسر المنحطة :

وفي نهاية المطاف يجب أن نتنبه إلى نكتة مهمة ، وهي أنه ليس باستطاعة أي أسرة أن تقوم بالتربية الصحيحة وليس بإمكان حجر كل أب أو أم أن يصبح أحسن مدرسة للطفل . فالشرط الأساسي هو أن يكون جو الأسرة نزيهاً مبرءاً من الفساد والإِجرام والخيانة وإرتكاب الخطأ بل يشترط أن يكون الوالدان حائزين على صفات وملكات فاضلة . فالوالدان المنحرفان لا يستطيعان أن يربيا في أحضانهما أطفالاً صالحين فإن ( فاقد الشيء لا يعطيه ) .

ولقد قال الشاعر :

يـا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسـك كان ذا التعليم

إبدأ بنفسك فأنهها عن غيها

فإذا إنتهت عنه فأنـت حكيم

لقد أدىٰ إسراف المدنية الحديثة في الجوانب المادية والشهوات الحيوانية إلى إضعاف الجوانب المعنوية والروحية . فإن كثيراً من الأسر فقدت معنوياتها على أثر التلوث بأنواع الجرائم والذنوب ، وانتجوا في النهاية أولاداً مجرمين ومنحطين ، فاسدين ومنحرفين ! !

« في كثير من الأسر لا يواجه الطفل إلا أساليب فاسدة وبعيدة عن الأخلاق ، ولا يتجلى أمام ناظريه الثاقبين إلا أمثولة السلوك الأهوج والإِهمال والكسل . من المؤسف أن هذه الحقيقة غير قابلة للإِنكار ، وأن عدداً كبيراً من حوادث السقوط والإِنهيار في المجتمع ينبع من هذه النقطة . وإذا لم يقدر طفل أن يظهر بصورة إنسان كامل في أمثال هذه الأسرة المنحطة ، وسببت إرادته المهملة التائهة نوعاً من الفوضى والاضطراب في المجتمع فيجب أن نقول : إن أسرة واحدة قد قصرت في أداء واجبها الطبيعي . لقد كتب الدكتور ( آدفرير ) بهذا الصدد : إن مسألة التربية في الأسرة

٢٤٤

تصطدم بهذه النقطة وهي أن الوالدين يجب أن يكونا غنيين بالعواطف الراقية والأفكار الممتازة ، حتى تشع هذه الصفات منهما إلى الخارج ، وتنير الطريق لطفلهما وتحثه على السير في الطريق الصحيح » (١) .

« لقد أصبحت الأسرة جواً مخزياً للتربية بصورة عامة لأن الآباء والأمهات في العصر الحديث قد تجاوزوا الحد المقرر في السذاجة أو العصبية ، أو الضعف ، أو الشدة وربما يعلم أكثرهم بعض العيوب لأطفالهم . فما أكثر الأطفال الذين يجدون صوراً مختلفة عن سوء الأخلاق والفساد ، والمشاكسة ، والسكر في البيت والأسرة ، والكثيرون منهم إن لم يجدوا مثل هذه القضايا في البيت فلا بد وأنهم تعلموها من أصدقائهم . فيمكن القول بلا مبالغة أن كثيراً من الآباء والأمهات في العصر الحديث يجهلون تربية أطفالهم مهما كانت الطبقة التي ينحدرون عنها . والمدارس أيضاً لا تستطيع بعد أن تؤدي واجبها لأن الأساتذة لا يختلف سلوكهم عن سلوك الأبوين كثيراً . . . » .

« والخلاصة أنه ليس بإمكان المدرسة ولا الأسرة أن تعلم الطفل أسلوب الحياة الأمثل . ولهذا السبب فإننا نجد في سحنات وجوه الشباب مرآة صافية قد انطبعت عليها صورة عدم كفاءة القائمين على تربيتهم » (٢) .

« إن التناسل في أكثر الشعوب تحدراً آخذ في التناقص كما أنه لا ينجب إلا نسلاً وضيعاً . . . قد أتلفت النساء أنفسهن إختياراً بشرب الخمر والتدخين ، كما أنهن يعرضن أنفسهن لخطر ( الرجيم ) رغبة منهن في نحافة أجسامهن ، وعلاوة على ذلك فأنهن يرفضن

____________________

(١) ما وفرزندان ما ص ٥ .

(٢) راه ورسم زندگى ص ١٦٤

٢٤٥

الحمل . . . ويعزى هذا النقص إلى تعليمهن وأنانيتهن . . . » (١) .

إنهيار الأسر الشريفة :

تستطيع أسرة شريفة أن تربي في حجرها أولاداً أبراراً متى كانوا الرجال والنساء في تلك الأسرة غير منحرفين أو منحطين ، بل كانوا محافظين على الرصيد المعنوي الذي ورثوه عائلياً ، ليسلموه إلى من يخلفهم جيلاً بعد جيل ، أما إذا وجد الإِجرام والفساد والذنب طريقه إلى تلك الأسرة فستخلي الفضائل والمثل الحميدة مكانها للرذائل ، وتتبدل الأسرة الأصيلة التي إعتادت الشرف والمجد عدة مئات من السنين إلى أسرة منحطة خلال قرن أو نصف قرن .

ولقد إهتم علماء الغرب بهذا الموضوع ، وتحدثوا كثيراً عن عيوب الأسر وتلوث الآباء والأمهات في بلدانهم ، وانتقدوا الأوضاع بشدة ، وهم يبدون قلقهم على مستقبل بلدانهم من تربية أولادهم الفاسدة وإيجاد الجيل المجرم المنحل . أما في بلادنا حيث المستوى الثقافي العام أوطأ منه في الغرب وحيث الإِنحطاط الخلقي ينتشر بسرعة أكثر في الأسر والعوائل وبين الشباب فإن الأمر يدعو إلى القلق أكثر .

فضعف الأسس الدينية والخلقية من جهة ، والإِفراط الشديد في العلاقات غير الشرعية بين الشباب والفتيات من جهة أُخرى ، قد أخذا ينخران في أجساد بعض الأسر العريقة كداء السرطان ، ويعملان بأشد ما يمكن لإِقتلاع جذور الفضائل واحدة بعد الأُخرى .

بالأمس كان بعض الآباء يملكون أرواحاً قوية بفضل الرصيد الإِيماني والمعنوي ، ولم يكونوا ليقتربوا في سلوكهم من الدنس والإِجرام ، وكانوا مستقيمين في معاملاتهم ، ويتغلبون على مشاكل الحياة بقوة الإِيمان والثبات . . . واليوم نجد أبناءهم ذوي نفسيات ضعيفة جداً وذلك لابتعادهم عن الإِيمان والإِهمال في الواجب ، ونجدهم مصابين بأنواع الجرائم ، ولا يستطيعون الوقوف

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ٢٢٨ .

٢٤٦

أمام مصاعب الحياة أبداً ، بل أن الملجأ الأخير لهم هو الإِنتحار ! ! .

بالأمس كان أُولئك الآباء يجالسون الفضلاء والأشراف في المجالس العلمية ومجالس الترفيه والتسلية . . . واليوم أصبح أبناؤهم يجالسون المنحرفين والنساء الباغيات اللاهيات في مراكز الفساد ! ! .

بالأمس كان أُولئك الآباء يقضون ساعات فراغهم في جو الأسرة الملىء بالدفء والحنان والسكينة ، مع أعصاب هادئة وروح مطمئنة . . . أما اليوم فأن أبناءهم يقضون أوقاتهم الثمينة في محلات القمار بأعصاب محطمة وأرواح مضطربة .

ما أكثر الأمهات العفيفات اللاتي كن بالأمس ينظمن شؤون عوائلهن ويربين في أحضانهن أحسن الأولاد وأليقهم وأسعدهم . . واليوم نجد بناتهن اللاهيات قد تركن البيت والأسرة ، ورأين سعادتهن في الإِجهاض وإقامة العلاقات اللامشروعة مع الشباب المنحرفين وعباد الشهوة في دور السينما ومراكز الفساد الأُخرى ! ! .

لقد اختفى الإِيمان والتوحيد ، الصلاة والعبادة ، صفاء القلب والمناجاة في السحَر ، التقوى والورع ، مساعدة الضعفاء وخدمة الناس ، في بعض الأسر تماماً ، وأخذ الفتيان والفتيات لا يفكرون بغير الشهوة واللذة ولسوء الحظ لا يجدون لذتهم إلا في ذلك السم الزعاف . . . الخمرة والحشيشة . لقد تحولت موائد الإِحسان والإِطعام في بعض العوائل إلى موائد القمار ، وتبدلت مجالس الفضيلة والموعظة إلى مجالس اللهو والطرب . . . لم يبق للقيم الإِنسانية والمثل العليا إسم ولا رسم ، وقد تركت الشجاعة وعزة النفس مكانها إلى الذلة والإِنحطاط والحقارة ، وحل التملق محل الشخصية وعلو الهمة . . . ولقد ضرب الحقد والحسد ، الأنانية والأثرة ، التهمة والخيانة وعشرات العادات الرذيلة الأُخرى ـ التي يعد كل منها داء خطيراً في نفسه ـ بجوذرها في أعماق القلوب ، وتعمل على إحراق القلوب والأجساد باستمرار ! .

والخلاصة : أن أخلاف بعض الأسر العريقة والشريفة نجدهم بصور

٢٤٧

رجال ونساء ضعيفي العقول ، عليلي الأمزجة ، منحرفين وسيئي الأخلاق ، قد عملت العادات الخطيرة في إضعاف أجسادهم ، وعملت الأفكار الهدامة والسيئات الخلقية على إنحراف نفوسهم فهم يقدمون على كل رذيلة ، لا يتهيبون للكذب والتملق ، ولا يقيمون وزناً للسرقة والإِرتشاء ، الإِفساد وإيجاد الفتن ، الغيبة والتهمة ، بل إن ذلك كله أمور اعتيادية في نظرهم !

إن الآباء والأمهات المصابين بهذه الإِنحرافات ، والساقطين في هوة الرذيلة لا يستطيعون أبداً أن يربوا في أحضانهم أولاداً شرفاء ، إن الأطفال الذين يتلقون تربيتهم في أمثال هذه الأسرة المنحطة يكونون ـ بلا شك ـ عناصر خبيثة في المجتمع .

فبديهي ـ حينئذ ـ إن روضة أطفال منظمة تملك مشرفين مهذبين شاعرين بالمسؤولية ، تفوق هذه الأسر بكثير . ذلك أنها أن لم تستطع إحياء الخصائص الفردية للطفل ، فلا أقل من أنها لا تعلمه على الكذب والدجل والإِجرام والسباب ، وإن لم تقدر على تلقينه دروساً في الشهامة والتضحية فلا أقل من أنها لا تمد أمامه موائد الخمر والقمار ، ولا تفتح عينيه على الرذائل والذنوب الكبيرة .

ومن المؤسف أن هذه الإِنحرافات لم تقتصر على تلويث أذيال بعض الأسر المنحطة وإسداء ضربة قاصمة إلى الأمة وروح الوطنية فيها بذلك فقط بل أنها شملت حتى الأجواء الساذجة في الأرياف . . . وانتشر الإِجرام والإِنحطاط في كل مكان كداء الطاعون والهيضة . . . لكن الذي يبعث على الأمل هو أن الفرصة لم تفت بعد ، ولم ينقض وقت الكفاح ، فلا يزال يوجد في هذه البلاد أسر شريفة كثيرة ورجال ونساء مؤمنون ومسلمون يتحصنون بالإِيمان ضد الإِنحراف . . . يجب أن نستغل هذه الفرصة ونتخذ التدابير اللازمة لمكافحة المآسي في مجتمعنا .

٢٤٨

المحاضرة العاشرة

المعرفة الفطرية

قال الله تعالى : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (١) .

يوجد في باطن كل فرد ميول كامنة لكل منها دور مستقل في تحقيق سعادة الإِنسان . إن تنمية كل واحد من الميول الطبيعية بالصورة العادلة والصحيحة بمنزلة نمو فرع من فروع شجرة السعادة ، وإن خنق كل واحدة من الغرائز وكبتها معناه القيام بخطوة في سبيل الشقاء والإِنحراف فعلى القائمين بالتربية ترتيب المناهج التربوية منذ البداية على أساس الغرائز الطبيعية والإِدراكات الفطرية للأطفال ، فإن التربية التي تعتمد على أساس الفطرة تكون ثابتة ورصينة .

وسنحاول إن شاء الله أن نبحث من هذه المحاضرة فصاعداً في الإِدراكات الباطنية والغرائز الإِنسانية التي هي الأسس الثابتة السليمة والتي تسمى بـ ( الوجدان الفطري ) .

الوجدان :

الوجدان عبارة عن القوة المدركة في النفس الإِنسانية ، والوجدانيات هي

____________________

(١) سورة الشمس ؛ الآيتان : ٧ ـ ٨.

٢٤٩

الحقائق التي يدركها الوجدان . ولا بد من الإِستفادة من القوتين الفطريتين ( الوجدانين الطبيعيين ) في عمليات التربية الإِيمانية والأخلاقية وهما : فطرة المعرفة . والأُخرى : فطرة تمييز الخير من الشر ، وتسمى الأول بالوجدان التوحيدي ، والثانية بالوجدان الأخلاقي .

الوجدان التوحيدي : هو إدراك جميع الشعوب والأمم ـ من أي طبقة كانوا ـ بفطرتهم الطبيعية ووجدانهم الباطني إن هناك قوة لا محدودة وقدرة عظيمة غير خاضعة للتغيرات تسيطر على هذا الكون . تلك الحقيقة المجهولة التي يدركها كل إنسان هي الله تعالى ، وتلك القوة المدركة الموجودة في باطن كل فرد ، والتي تدلنا على هذه الحقيقة هي الوجدان التوحيدي .

أما الوجدان الأخلاقي : فهو عبارة عن القوة المدركة المودعة في باطن كل فرد ، والتي تميز الخير من الشر . وبعبارة أُخرى : يوجد في باطن جميع الأفراد من مختلف الشعوب والأقوام ( الآسيويين ، والأوربيين ، الأفريقيين والأمريكان ، البيض ، والسود ، الرجال والنساء ، المؤمنين والملحدين ) قوة مدركة مستترة يستطيعون بها إدراك كثير الأمور الصالحة والفاسدة من دون حاجة إلى معلم أو مرب ، أو كتاب أو مدرسة . . . هذه القوة المدركة تسمى عند علماء النفس بالوجدان الأخلاقي .

محكمة الوجدان :

يمكن تمثيل الوجدان الأخلاقي بقاض حاذق وقوي يحاكم صاحبه عند إرتكابه جريمة ويحكمه ، ويجازيه على أعماله السيئة بالضربات المؤلمة التي يوجهها على روحه وأعصابه .

لا توجد في العالم محكمة تضاهي محكمة الوجدان في قوتها وحريتها فالمجرم مهما كان قوياً فأنه ضعيف وعاجز أمام قاضي الوجدان ، ولا يستطيع أن يهرب من عقوبات محكمة الوجدان بأية وسيلة أصلاً .

للجنون أو الأمراض النفسية والعصبية عوامل مختلفة ، وإن مما لا شك

٢٥٠

فيه إن من تلك العوامل الضربات الداخلية والضغط الشديد للوجدان . إن الوجدان الأخلاقي يسلب المجرم إستقراره وراحته ، ويقض عليه مضجعه ويجعل الحياة أمام عينيه سجناً لا يطاق ، فالأحساس بالخيانة والإِجرام يلتهب في باطن المجرم كشعلة متوهجة تحرق روحه وجسمه .

وقد يكون أثر العقوبات الوجدانية في إيجاد الإِختلالات النفسية شديداً ومعقداً إلى درجة أنه لا يستطيع أي طبيب نفساني مهما كان حاذقاً أن يعالجه ويعيد للمريض حالته الاعتيادية السابقة . إن المحكومين أمام قاضي الوجدان والمصابين ببعض الأمراض النفسية ، أو الجنون من جراء الضغط الداخلي ، يكونون في حالة خطرة جداً فقد يقومون ببعض الجرائم الكبيرة ويقودون المجتمع إلى مجموعة هائلة من المآسي والمشاكل.

« من الإِختلافات الجوهرية بين الإِنسان والحيوان المفترس إن الحيوان المفترس يستولي على فريسته بهدوء ويأكلها ثم يرتاح لهذا العلمل ويتلذذ به . في حين أن الإِنسان إذا قتل أحد أبناء جنسه يقع في خوف وألم شديدين . وحيث لا يستطيع أن يطرد هذا الخوف والألم من نفسه يتشبث لإِثبات حقانيته بالتهم الكاذبة فيلصقها بضحيته ومن دون أن يحس أنه قد صار بصورة متهم يدافع عن نفسه باستمرار ، ويتحامل على الأفراد الآخرين الذين يحتمل أن يلوموه على أفعاله ، وبهذه الصورة فإن الخطأة الأولى لا يقف أثرها على إيجاد الإِختلالات العظيمة في مرتكبها ، بل أنها تجر وراءها سلسلة من الجرائم الجديدة والفظيعة التي ترتبط بتألم الوجدان الأخلاقي والإِحساس بالحقارة ».

« ولأجل الوجدان الأخلاقي هذا ، الذي لا مفر من لومه وعذابه ، يكون الإِنسان أكثر توحشاً من الحيوان المفترس . هذه المخاوف ليست من آثار غريزة الهجوم بل أنها دليل صادق على قوة الوجدان الأخلاقي عند الإِنسان ، تلك القوة التي لا تقبل الإِنكسار

٢٥١

والغلبة » (١) .

قد يمكن أن تطوى أسرار جريمة ما ، ولا تفتح إضبارة للمجرم في المحاكم القضائية ، أو يغفل المجرم القاضي ويمسخ القضية ، أو يتهم شخصاً بريئاً في مكانه ويحفظ نفسه عن العقاب . . ولكن لا يمكن إغفال قاضي الوجدان ولا يستطيع المجرم بأي حيلة أن يبرىء نفسه في محكمة الوجدان على خلاف الواقع.

إن الوجدان الأخلاقي يحاكم المجرم بأشد ما لديه من قوة ودقة ويتغلب عليه ، فهو في الغرفة التي يختلي فيها ، والفراش الذي يأوي إليه ، وفي المكان الذي لا يراقبه أحد يتلوى كالسليم ، ويجد عقابه على أعماله السيئة من هذا الطريق .

الدين والفطرة :

يكوّن الوجدان التوحيدي والوجدان الأخلاقي ـ من وجهة نظر الدين والعلم ـ دعامتين أساسيتين للتربية الإِنسانية السليمة ، فإن دعوات الأنبياء إعتمدت على هذين الأساسين القويين بمعونة العقل . فالدين يستند إلى الفطرة في باطن الإِنسان. وإن ( العرض ) الديني الذي كان يصدر من قبل الأنبياء كان في مقابل ( الطلب ) الطبيعي عند الناس . ولهذا السبب فأن الدين إستقام وأرسى قواعده على الرغم من جميع الموانع والمشاكل التي لاقاها في طريقه .

تمر اليوم قرون طويلة على ظهور رسل السماء ، ولا تزال شعلة الإِيمان متوهجة في قلوب الناس ، لأن المصدر الأصيل لهذه الشعلة المتوقدة هو : فطرة الإِنسان ، فما دام على وجه الأرض إنساناً ، وما دامت هناك فطرة ، فإن هذا المشعل الوهاج لا ينطفىء بل هو مستمر في إشعاعه .

وهنا يجب أن نبين أن الوجدان التوحيدي والأخلاقي . . . هذه الحقيقة التي نجدها في كمين كل إنسان ، ليس ظاهرة متصنعة ، ولم يوجد على أثر الوراثة

____________________

(١) جه مدانيم ؟ بيماريهاى روحى وعصبى ص ٦٥ .

٢٥٢

الإِجتماعية طيلة قرون ، وبفضل التعاليم الدينية والتربوية بل إنه أمر غريزي ونداء فطري منبعث من باطن الإِنسان ، وجد مع وجود الإِنسان ، وسيبقى إلى الأبد معه .

قد يمكن للبعض أن يكافحوا بعض ميولهم الفطرية في ظروف خاصة ويكتبوا تلك الغرائز في نفوسهم ، ولكن كفاحهم ذاك وكبتهم هذا لا يمكن أن يذيل الحقيقة الفطرية ، ويمحو الغريزة الإِنسانية التي جبل عليها جميع البشر .

فالغريزة الجنسية ـ مثلاً ـ أمر فطري غير قابل للإِنكار ، ولكن وجد على مر الأجيال ملايين الأفراد من تاركي الدنيا في أروبا والمرتاضين في القارة الهندية ، كافحوا هذه الغريزة وخنقوها في نفوسهم بالضغط والإِكراه إلى درجة أن بعضهم أخذ لا يحس في نفسه أي ميل جنسي أصلاً ، أفيستطيع هؤلاء أن يسحقوا الحقيقة الفطرية للغريزة الجنسية بهذا العمل ؟ ! هل يحق لهؤلاء أن ينكروا وجود الميل الجنسي في البشر ؟ ! .

وكذلك أمر الذين يتجاهلون الفطرة الإِيمانية والأخلاقية في أنفسهم ويكافحون غريزة التدين حياة طويلة ويعيشون ملحدين ، فأنهم لا يستطيعون أن ينكروا وجود فطرة الإِيمان والأخلاق في الإِنسان ، فلا صلة بين إنحرافهم عن صراط المستقيم وبين حقيقة الوجدان الطبيعي والبناء الفطري القائم على الإِيمان والأخلاق .

إن الإِسلام يعتبر الأسس الرصينة للإِيمان والأخلاق من الثروات الفطرية الإِنسانية ، ويرى أن التوصل إلى وجود الله ، ومعرفة الخير والشر إنما هو جزء من تكوين الإِنسان .

إحياء الفطرة :

إن أهم واجبات الأنبياء هو إيقاظ الجوانب الفطرية عند الإِنسان واستغلال الثروات الإِلهامية فيه ، يقول الإِمام علي عليه‌السلام في هذا الصدد : « فبعث الله فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكروهم منسي نعمته

٢٥٣

ويجتمعوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول » (١) .

الفرق بين التذكير والتعليم :

ربما تكون قد حفظت قصيدة قبل عشرين سنة ، ونسيتها على أثر الإِهمال والغفلة ، وليست لديك أية إلتفاتة إلى شيء منها أصلاً ، ويصادف أن يقرأ شخص تلك القصيدة أمامك فبمجرد أنه يبدأ بقراءة البيت الأول تحس بأنس وقرب إلى تلك القصيدة فتعمل حافظتك وتجتهد لتذكر الأبيات التي نسيتها . . . وفي الواقع فإن الذي قرأ لك الأشعار نبهك إلى حقيقة موجودة في ضميرك لكنها منسية . هذا الشخص يسمى بـ ( المذكر ) ، ويسمى عمله ( تذكيراً ) . أما إذا نظم شخص قصيدة حديثة وقرأها لك وعلمها إياك بيتاً بيتاً ، فيقال له ( المعلم ) ويسمى عمله ( تعليماً ) .

من هنا ندرك السر في تسمية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القرآن الكريم باسم المذكر أحياناً ، وباسم المعلم أحياناً أُخرى . إذ أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عمله الديني والتهذيبي يقوم بكلا الدورين ، فعندما يوقظ الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجوانب الفطرية في النفس الإِنسانية ، وينبه الناس إلى ضمائرهم الباطنة ، يعبر عنه القرآن الكريم بالمذكر : ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ) (٢) . وعندما يأتي بتعاليم جديدة ونظم غير موجودة في الفطرة الإِنسانية يسمى عمله تعليماً : ( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) (٣) .

الأساس الرصين للفطرة :

إن أولى الأمور الفطرية عند الإِنسان في نظر الإِسلام هو معرفة الله فلقد جاء في القرآن الكريم والنصوص المتواترة عن المعصومين عليه‌السلام إعتبار معرفة الله أوضح البديهيات في فطرة البشر .

____________________

(١) نهج البلاغة ص ٣٧ .

(٢) سورة الغاشية ؛ الآية : ٢٠ .

(٣) سورة البقرة ؛ الآية : ١٥١ .

٢٥٤

وإن وجود المذاهب المختلفة والعقائد المتضاربة في جميع العصور بين جميع الشعوب والأقوام دليل واضح على وجود غريزة التدين في فطرة الإِنسان والكل يبحثون عن ضالتهم المنشودة :

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (١) .

هذا هو الأساس الرصين للفطرة ، ويظهر في الميل الغريزي للتدين ومعرفة الله جل وعلا ، وعلى سبيل الاستشهاد نورد النصوص التالية :

١ ـ عن زرارة قال : « سألت أبا جعفر عليه‌السلام : ما الحنيفية ؟ قال : هي الفطرة التي فطر الناس عليها . . . فطرهم على معرفته » (٢) .

٢ ـ عن الإِمام الصادق عليه‌السلام في قوله تعالى : ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) قال : « فطرهم على التوحيد » (٣) .

٣ ـ عن الرسول الأعظم عليه‌السلام : « كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه » (٤) .

يستفاد من هذا الحديث أنه يوجد الأساس الأول لتقبل الدين في فطرة جميع الأطفال ، ويستغل الأبوان ـ وهما القائمان على تربية الطفل ـ هذه الثروة الفطرية ويربيان الطفل على الدين الذي يريدانه . فإن لم تكن غريزة التدين موجودة في فطرة الإِنسان لم يكن معنى لتأثير توجيه الوالدين في اعتناق الطفل لدين معين طيلة حياته .

٤ ـ عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : « ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع : المعرفة ، والجهل ، والرضا ، والغضب ، والنوم ، واليقظة » (٥) .

____________________

(١) سورة الروم ؛ الآية : ٣٠ .

(٢) البحار للمجلسي ج ٢ ص ٨٧ .

(٣) المصدر السابق ج ٢ ص ٨٨ .

(٤) المصدر السابق ج ٢ ص ٨٨ .

(٥) إثبات الهداة بالبراهين والمعجزات للشيخ الحر العاملي ج ١ ص ٨٥ .

٢٥٥

فحين يولد الطفل تكون صفحة خاطره بيضاء صافية لا يوجد فيها أي معرفة : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) (١).لكن الله تعالى قد جهز الطفل بالغرائز كالشهوة والغضب والنوم واليقظة لاستمرار حياته ، ففي هذا الحديث يرى الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه لما كان الطفل فارغاً من أي علم أو معرفة فإن فطرة المعرفة تعتبر من الإِفاضات الإِلهية في الطفل ، ولذلك قد ذكرها في عداد الغرائز الفطرية .

٥ ـ عن محمد بن حكيم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : « المعرفة من صنع من هي ؟ قال : من صنع الله ، ليس للعباد فيها صنع » (٢) .

٦ ـ عن أبي ربيحة ، قال : « سئل أمير المؤمنين عليه‌السلام : « بما عرفت ربك ؟ قال : بما عرفني نفسه ! » (٣) .

٧ ـ عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنه « سئل عن المعرفة أمكتسبة هي ؟ قال : لا ، فقيل له : فمن صنع الله وعطائه هي ؟ قال : نعم ، وليس للعباد فيها صنع » (٤) .

يستفاد من النصوص المتقدمة ، والروايات الأُخرى الواردة في الباب إن الإِسلام يعتبر ـ بكل صراحة ـ معرفة الله أمراً فطرياً عند الإِنسان ، ويرى أنها من الثروات الطبيعية فيه ، شأنها في ذلك شأن بقية الغرائز .

مطالعة كتاب الخلقة :

يسلك الأنبياء بين الناس بالنسبة إلى المعرفة الإِلهية دور المذكر لا المعلم فانهم يقومون بإزاحة أستار الغفلة عن الضمير الباطن والفطرة الإِنسانية إنهم جاؤا ليوصلوا المعرفة الفطرية الإِجمالية إلى مرحلة الإِيمان الإِستدلالي

____________________

(١) سورة النحل ؛ الآية : ٧٨ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ١ ص ١٦٣ .

(٣) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ١ ص ١٦٣ .

(٤) المصدر السابق ج ١ ص ٨٥ .

٢٥٦

العقلي التفصيلي عن طريق الإِرشاد إلى التفكير والتدبير في الآيات ، وعن طريق مطالعة كتاب الخلقة ، حيث تتجلى مظاهر الدقة والإِتقان في كل ذرة من موجودات هذا الكون الفسيح ، وبذلك ليؤمن الناس بعظمة خالقهم ويخضعوا له في مقام العبودية ويطيعوا أوامره .

إن المعرفة الفطرية قابلة للتوضيح بأسلوبين :

١ إدراك القدرة اللامتناهية :

يدرك كل فرد من أفراد البشر من أي طبقة كان ، وإلى أي عنصر إنتمى بوجود قدرة لا متناهية وقوة عظيمة مسيطرة على الكون كله ، وذلك بفضل وجدانه الفطري . . . قدرة عظيمة لا توصف وقوة ثابتة لا تتغير ، قدرة فوق جميع القدرات ، وقوة يرجع إليها كل فرد عند اليأس من السنن الطبيعية والعادية للأشياء ، فعندما تغلق بوجهه جميع أبواب الأمل والرجاء يجد باب تلك القدرة مفتوحاً ويستعين بتلك القدرة اللامتناهية ، يدرك بوجدانه أن تلك الذات المجهولة ، تلك الحقيقة المستترة ، تلك القدرة اللامتناهية إذا أرادت حلت المشكلة وفتحت جميع الأبواب . هذا الإِدراك ليس ناشئاً من العقل والبرهان ، بل إنه ناشىء من الوجدان والفطرة وهو موجود في باطن كل فرد ، ويكون جزئاً أساسياً من كيانه ، هذا الإِدراك الفطري هو الأساس الأول للتدين . . . ولقد عرف الأنبياء هذه الحقيقة المجهولة باسم ( الله ) .

« قال رجل للصادق عليه‌السلام : ـ يابن رسول الله ، دلني على الله ما هو ؟ فقد أكثر عليّ المجادلون وحيروني . . . فقال له : يا عبد الله هل ركبت سفينة قط ؟

قال : نعم ! .

قال : وهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ، ولا سباحة تغنيك ؟ ! .

قال : نعم .

قال : فهل تعلق قلبك هنالك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك ؟ قال : نعم !

٢٥٧

قال الصادق عليه‌السلام : فذلك الشيء هو ( الله ) القادر على الإِنجاء حيث لا منجي ، وعلى الإِغاثة حيث لا مغيث » (١) .

ولقد أشار علماء العصر الحديث إلى هذه الحقيقة بألفاظ وكلمات مختلفة :

يقول ( ماكس مولر ) : « إن الإِحساس اللامتناهي يوجب نشوء العقيدة والدين » (٢) .

ويقول ( أنيشتين ) : « إن عقيدتي هي عبارة عن الحمد المتواضع الضئيل لروح فائقة لا حدية » (٣) .

أما ( جان جاك روسو ) فيقول : « ليس طريق الإِيمان بالله منحصراً في العقل وشكوكه وأوهامه ، بل إن الشعور الفطري هو أفضل طريق لإِثبات هذا الموضوع » (٤) .

والذين لهم أدنىٰ معرفة بأسلوب تفكير ( فرويد ) وأتباعه يعلمون أنهم كانوا مصرين على إنكار الفطريات الإِيمانية والأخلاقية ، وأنهم يعتبرون الدين والمذهب أمراً من صنع البشر . أما في مقام المعرفة الفطرية فقد وقعوا في مأزق حرج واضطروا إلى التراجع قليلاً والتحدث بأسلوب أهدأ وأقل إثارة . . .

« لا يمكن الإِنكار أنه يوجد بعض الأشخاص يقولون أنهم يحسون في أنفسهم إحساساً لا يستطيعون وصفه بصورة جيدة . هؤلاء يتحدثون عن إحساس يتصل بالأبدية » .

« هذا التصور الذهني ينعكس من إحساس أبدي معروف عند

____________________

(١) معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص ٤ .

(٢) إرتباط إنسان وجهان ج ١ ص ٦٩ .

(٣) المصدر نفسه ، والصفحة نفسها .

(٤) المصدر السابق ج ٣ ص ١٧٥ .

٢٥٨

العرفاء الكبار ، وفي التفكير الديني الهندي . ويحتمل أن يكون أساس الشعور الديني الذي يظهر بصورة العقائد والمذاهب المختلفة » .

« إن فرويد يتردد في هذا الموضوع ، ويقر بأنه لم يستطيع بتحليلاته النفسية أبداً أن يجد أثراً لمثل هذه الإِحساسات في نفسه . ولكنه يضيف رأساً وبصراحة كاملة أن هذا لا يسمح له بإنكار هذا الإِحساس بالنسبة إلى الآخرين » (١) .

٢ ـ ربط المعلول بالعلة :

يستطيع كل فرد أن يدرك بواسطة وجدانه الفطري ومن دون حاجة إلى معلم أو مرب ، أن كل معلول يحتاج إلى علة ، ولا يوجد أثر بلا مؤثر المصنوع يحتاج إلى صانع ، والبناء يحتاج إلى بناء ، ان الوجدان الفطري الذي يربط بين الأثر والمؤثر طبيعي إلى درجة إن الطفل بمجرد أن يصبح قادراً على التكلم يسأل أمه باستمرار عن علل الحوادث المختلفة ، هذه الأسئلة ليست ذات صلة بالتفكير ولا ناجمة من المحاسبة العقلية ، لأنه لا يدرك المسائل العقلية بعد . وهكذا فإن أكثر القبائل البشرية الوحشية تملك هذا الوجدان الفطري . يقول الشريف الرضي (ره) عند شرحه لبعض روايات الفطرة :

« وهذا يدلك على أن فطرة ابن آدم ملهمة معلمة من الله بأن الأثر دال دلالة بديهية على مؤثره بغير إرتياب » (٢) .

ما أكثر الأفراد الذين استفادوا من كنز المعرفة الفطرية عندهم بفضل إيمانهم ووعيهم ، وتوصلوا إلى وجود الله الخالق الحكيم عن طريق التفكير والتدقيق في آية أو عدة آيات إلهية ، ووقفوا خاضعين له في مقام العبودية مطيعين أوامره ونواهيه . . . وعلى العكس فما أكثر الأفراد الذين لم يلتفتوا لنداء الفطرة المنبعث من أعماقهم وتجاهلوا الحقيقة ، ولم يتوفقوا لعبودية الله والخضوع له

____________________

(١) أنديشه هاي فرويد ص ٨٩ .

(٢) إثبات الهداة ج ١ ص ١٠٣ .

٢٥٩

حتى يوماً واحداً ، طيلة حياتهم ، وكذلك ما أكثر الأفراد الذين حاولوا إحياء المعرفة الفطرية في نفوسهم ، ولكنهم ضلوا عن الطريق المستقيم ، وعبدوا الجماد والنبات والحيوان ، أو الشمس والقمر والنجوم بدلاً من خالق الكون .

ولأجل أن يتضح معنى المعرفة الفطرية للسامعين الكرام أكثر نعقد مقارنة بين صنع الله وصنع البشر من حيث الدلالة على وجود الصانع ونتوصل ضمن المقارنة إلى بعض النتائج المفيدة .

إن القرآن الكريم يرى في الكون والموجودات كلها أنها صنع الله وتنظيمه . . . ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (١) . إذن فالله تعالى هو صانع العالم وجميع الموجودات مصنوعة له .

ولقد استعمل القرآن الكريم مادة ( الصنع ) بالنسبة إلى أعمال البشر أيضاً في عدة مواضع ، فقال في موضوع سفينة نوح : ( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ . . . ) (٢) . وفي قصور فرعون والفراعنة يقول : ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) (٣) . وفي الأشياء السحرية التي صنعها سحرة مصر لمعاندة موسى ( وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ) (٤) . وفي صنع داوُد للدروع : ( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ) (٥) .

إذن فإن جميع الطائرات والسيارات والمعامل والآلات والآدوات وجميع ما كونه البشر يكون من صنع الإِنسان كما أن جميع ما في العالم صنع الله ، مع فارق واحد هو : إن الله يخلق المادة والصورة معاً ، بينما الإِنسان يصنع المادة التي خلقها الله بالصورة التي يريدها .

____________________

(١) سورة النمل ؛ الآية : ٨٨ .

(٢) سورة هود ؛ الآية : ٣٨ .

(٣) سورة الأعراف ؛ الآية : ١٣٧ .

(٤) سورة طه ؛ الآية : ٦٩ .

(٥) سورة الأنبياء ؛ الآية : ٨٠ .

٢٦٠