الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
ISBN: 964-94553-6-1
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٤٠٧
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

على غض النظر عن هذه التسلية ، ولأجل أن يثبتوا أمام الأخطار والصدمات معتمدين على أنفسهم فقط ، عليهم أن يهجروا هذا الملجأ » .

إنه يعتقد بأن :

« الفرد يستطيع في هذه الصورة فقط أن يكون إنساناً راشداً ، وسيبدأ الكفاح مع القوى الشريرة في الطبيعة » (١) .

أوهام فرويدية :

كان فرويد يعتقد قبل بدء الحرب العالمية بارتفاع المستوى الأخلاقي للأمة في ظل المدنية ، إنه كان يتصور أن الإِنسان يستطيع في ظل المدنية الحديثة وأصول التربية المادية أن يصل إلى طريق الفضيلة القيم العليا ، لكن إندلاع نيران الحرب والجرائم التي وقعت فيه هزت أفكار فرويد ، وقلبت تفكيره رأساً على عقب ، فاعترف بأوهامه السابقة وتفكيره الخاطىء . . . وراح يقول :

« ولقد أدت مشاهدة الأعمال التي نتصورها غير مطابقة للمدنية ، وما نتج من هذه الأعمال الوحشية من نظرتنا إلى البشر على أنهم مجرمون إلى أن نغرق في الألم والتأثر واليأس . ولكن هذا اليأس والألم ليسا وجيهين في الحقيقة ، وذلك أنا نعتبر سكان العالم لهذه الجهة منحطين وقد كنا مخطئين في نظرتنا إليهم قبل الحرب على أنهم في مستوى أخلاقي ومعنوي أعلى مما هم عليه » (٢) .

« بعد سرد هذا البيان الموجز الذي يوضح فرويد فيه ضرورة وقوف المدنية أمام الإِعتداءات البشرية يستنتج أن الجهود والمحاولات المبذولة في هذا السبيل لحد الآن لم تكن مثمرة كما ينبغي ، ولا تزال الإِعتداءات موجودة خلف أستار المجتمع » .

____________________

(١) نفس المصدر ص ٩٧ .

(٢) انديشه هاى فرويد ص ١١٧ .

٣٦١

« هناك كثير من المتمدنين الذين يستاؤن من تصور إرتكاب القتل أو الإِتصال الجنسي مع المحارم ولكن هؤلاء أنفسهم لا يعرضون عن إرضاء جشعهم وحرصهم واعتدائهم واطماعهم الجنسية » .

« إنهم إذا استطاعوا الفرار من العقاب ، فسيلحقون الأذى بالأفراد الآخرين عن طريق الكذب ، والخداع ، والإفتراء ، وما شاكل ذلك . . . » (١) .

« إن الحكومة تعتبر جميع الأمور المخالفة للعادة والإِعتداءات الأُخرى التي لا يسمح بها في الأوقات الإِعتيادية مباحة في حال الحرب . « ولذلك فإن الحكومة لا تكتفي بالإِستعانة بالمكر والحيلة لمواجهة العدو فقط ، بل لا تتمانع من الكذب العمد . ولقد لوحظ أن الكذب والتزوير كانا رائجين في الحرب العالمية بصورة غير مألوفة قبلاً » (٢) .

التمدن الفاقد للايمان :

إن المدنية المادية وأساليب التعليم والتربية التي لا تستند إلى الإِيمان تعجز عن أن تقاوم الغرائز عند طغيانها وتحمي البشرية من السقوط والإِنهيار.

إن الحرب العالمية كشفت اللثام عن الوجه الحقيقي للمدنية بجرائمها التي تضمنتها والإِعتداءات التي ارتكبت في أثنائها . وأثبتت أن وراء ستار المدنية الزائفة هيكل موحش سفاك تهتز الإِنسانية من تصوره ، وتخجل أشد أمم العالم وحشية من سماعه .

إن أقوى وأسلم قوة تستطيع صد هجمات الغرائز والسيطرة عليها ، وتتمكن من تلطيف حدة المشاعر . . هي قوة الإِيمان بالله . فالإِيمان قادر على أن يقاوم كل الميول والرغبات اللامشروعة وينتصر عليها . . . القوة الإِيمانية

____________________

(١) المصدر نفسه ص ١٢٣ .

(٢) المصدر نفسه ص ١٢٥ .

٣٦٢

تحفظ الإِنسان في أخطر لحظات الإِنحراف والإِنزلاق في الحياة وتمنع من سقوطه . الإِيمان بالله قوة لا تغلب ولا تدحر ، وملجأ لا يتحطم ( فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ) .

إن أهم طابع يميز مدرسة التربية الإِسلامية عن غيرها من الأساليب التربوية البشرية هو ( الإِيمان بالله ) .

يشترك الإِسلام وعلماء الأخلاق في دعوة الناس إلى الصلاح والاستقامة لكن الفارق بينهما هو أن العلماء والقائمين على شؤون التربية يهتمون قبل كل شيء بالسلوك الظاهري للأفراد ، ويحاولون أن يربوا أفراداً مطيعين للقانون ، ولا شأن لهم أو دخل في أسلوب تفكيرهم . أما الهدف من التربية في الإِسلام فهو أن يتربى الأفراد ، مضافاً إلى إستقامة سلوكهم على التفكير السليم ، وأن لا يحاولوا إلا الصلاح والخير .

النوايا الصالحة :

تهتم الدول المتمدنة والمدارس التربوية في العالم بالسلوك الصحيح للإِنسان فقط . أما المذهب التربوي للإِسلام فهو يهتم بالنوايا الصالحة والطاهرة للأفراد أكثر من أفعالهم الصالحة .

يقول الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « نية المؤمن خير من عمله » (١) .

وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام ضمن حديث طويل : « والنية أفضل من العمل . ألا وان النية هو العمل ، ثم تلا قوله عز وجل : ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ) يعني : على نيته » (٢) .

إن الفرد المنقاد للقانون والمطبق للتعاليم الأخلاقية يعد في الدول المتمدنة فرداً صالحاً ومواطناً شاعراً بمسؤوليته ولو كان شعوره الباطن منحرفاً وسيئاً ، أما المذهب الإِسلامي فيرى أن المسلم الواقعي

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٨٤ .

(٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ١ ص ٦ .

٣٦٣

والشاعر بمسؤوليته هو الذي يعتقد بأساس الإِسلام وتعاليمه القانونية والأخلاقية بالدرجة الأولى ، ويعتبر ذلك كله دستوراً إلهياً ، ومنهجاً قويماً لسعادته ونجاته ، ثم يطبق تلك التعاليم وينفذ تلك الأوامر بالدرجة الثانية .

يتحدث المدعي العام للمحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ـ الذي يعد من الشخصيات العلمية البارزة هناك ـ عن هذا الموضوع فيقول :

« للقانون الأمريكي صلة محدودة بتطبيق الواجبات الأخلاقية . ففي الحقيقة يمكن أن يكون المواطن الأمريكي إنساناً منحطاً وفاسداً من الناحية الخلقية . في نفس الوقت يمكن أن يكون فرداً مطيعاً للقانون . ولكن الحال على عكس ذلك في القوانين الإِسلامية التي تنبع من إرادة الله ، الإِرادة التي كشفت لرسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هذا القانون وهذه الإِرادة الإِلٰهية يعتبران جميع المؤمنين مجتمعاً واحداً حتى لو كانوا من قبائل وعشائر مختلفة وموجودين في بلدان متباعدة ومتفرقة . إن المؤمن ينظر إلى هذا العالم على أنه ممر يوصله إلى عالم أرقىٰ وأفضل وإن القرآن قد نظم القواعد والقوانين وأساليب سلوك الأفراد بالنسبة إلى بعضهم البعض وبالنسبة إلى المجتمع بصورة عامة كي يضمن ذلك التحول السليم من هذا العالم إلى العالم الآخر » (١) .

العمل المستند إلى الايمان :

يستند أساس السعادة الإِنسانية في الإِسلام إلى دعامتين ، الأولى : الإِيمان ، والأُخرى : العمل الصالح . ولقد ورد التصريح بهذا الموضوع في القرآن الكريم في موارد عديدة بصورة : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ونظائرها . والنكتة التي تجلب الإِنتباه هنا هي إن الإِيمان مقدم على العمل الصالح دائماً ، ذلك أن الإِسلام يرى أن الأعمال الصالحة يجب أن تستند إلى

____________________

(١) مقدمة كتاب ( حقوق دار إسلام ) ص ج .

٣٦٤

الإِعتقاد الحقيقي ، وتنبع من منبع الإِيمان وهذا بنفسه هو أجلى صورة للمذهب الإِسلامي بهذا الصدد فيما ذكرناه .

إن الأعمال الصالحة التي يكون لها منشأ روحاني وأساس إيماني ثابت في أعماق قلب صاحبها تشبه الشجرة النضرة التي تمتد جذورها في أعماق التربة ، وتستمد حيويتها وطراوتها من الغذاء الذي تتناوله عن طريقها .

الرياء والتظاهر :

أما الأعمال الصالحة التي لا تملك أساساً إيماناً ثابتاً ، بل يكون منشؤها هو الرياء والتظاهر أمام الناس ، أو العادة الإِجتماعية . . . لا تبقى ثابتة أبداً ، بل هي معرضة للزوال أمام أبسط عامل مخالف .

إن الإِحسان إلى الناس وإعانة الضعفاء من الأعمال الصالحة فمن يقوم بهذا العمل المقدس امتثالاً لأمر الله واحتراماً للإِيمان ، يعمل في كل مكان وبلا أي منة بل يكون رائده الاخلاص وجلب رضى الله دون النظر إلى مدح الناس وإطرائهم أما الذي لا ينبع له إحسانه من رصيد إيماني بل يكون دافعه إلى ذلك ظروف المحيط ، والتظاهر أمام الناس ، وانتشار أمره في الصحف والمجلات ، فبمجرد أن تنتفي ظواهر الإِطراء والمدح وتنقطع المجلات عن الحديث عنه ، أو يجهل الناس إحسانه نجد أنه يتقاعس عن الإِحسان ، أو يتخلى عنه تماماً :

يقول بعض الملحدين الذين يتميزون بصبغة أخلاقية : لما كانت المشكلة الأساسية هي إطاعة القوانين الأخلاقية فاننا لو استطعنا تنفيذ هذه القوانين لأصبحنا في غنى عن الدين . هذا التفكير إنما هو علامة الجهل السيكولوجي ذلك أن الإِنسان يشكك دائماً في قيمة القواعد التي لا يعرف منشأها ، مضافاً إلى أن سلوكها كهذا دليل على عدم فهم المشكلة نفسها . لأن المقصود أن يتكامل الإِنسان في باطنه أولاً كي يستطيع التفكير بصورة أخلاقية ، ليس الهدف ان نحث الإِنسان على أن يؤدي حركات أخلاقية . فما لم يكن سلوك كل فرد مرآة تعكس تكامله العميق الداخلي ، فإن عملياته تعد سلسلة من التحديدات المتصنعة والموقتة التي تزول بأبسط مبرر ، إن القواعد الأخلاقية إذا

٣٦٥

فرضت على الإِنسان فرضاً فمهما كانت قيمتها العملية عالية ، لكنها لا تستطيع أن تكافح الميول الحيوانية بصورة موفقة » (١) .

« يرى بعض الكتاب أنهم أجلّ من أن يحتاجوا إلى المقررات والأنظمة الدينية والأخلاقية ، ولا يعتقدون بقيمتها المطلقة . إن سيطرة هؤلاء الأشخاص وانتشار آثارهم يمكن أن تكون هدامة . ولكن الغالبية منهم يغفلون عن هذه الحقيقة . إنهم يسندون أفكارهم إلى كلمات بعض الفلاسفة الكبار التي قرأوها بصورة سطحية أو لم يقرأوها أصلاً ، فيرون أن ( فولتير ) و ( داروين ) كانا ملحدين والحال أن هذا مخالف للحقيقة . ولإِثبات هذا الإِدعاء ننقل نصاً لفولتير في موسوعته الفلسفية . . . » .

« ما الذي نستنتجه مما مر ؟ ! إن الإِنسان الملحد وحش كاسر ! » .

« إن بعض المهندسين الجاهلين للفلسفة ينكرون العلل الغائية ، ولكن الفلاسفة الحقيقين يذعنون لها . وكما يقول كاتب معروف : إن كتاب الدعاء هو الذي يعرف الله للأطفال ، بينما يثبت ( نيوتن ) وجود الله للمثقفين » .

« إن الإِلحاد هو العيب المهم في عدة قليلة من الأذكياء والخرافة عيب الحمقى » (٢) .

الايمان والقيام بالواجب :

إن المؤمنين بالله العظيم ، والذين يعمر قلوبهم العشق الإِلهي ، يسعون في القيام بواجباتهم ، والأعمال الصالحة بشوق ونشاط لا يتطرق الملل والكلل

____________________

(١) سرنوشت بشر ص ٢١٦ .

(٢) المصدر السابق ص ١٥٦ .

٣٦٦

إليهما . . . ولا يتسرب إلى نفوسهم الرياء . . . إنهم يعملون لله وحده ولا ينتظرون الجزاء إلا من عظمته.

« عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قول الله عز وجل : ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) . قال : ليس يعني أكثر عملاً ، ولكن أصوبكم عملاً ، وإنما الإِصابة خشية الله ، والنية الصادقة والحسنة ثم قال الإِبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل . والعمل الخالص : الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل » (١) .

الايمان وتعديل الغرائز :

إن من أهم نتائج الإِيمان الواقعي بالله ، السيطرة على زمام الغرائز الثائرة ، وضبط الرغبات اللامشروعة ، فعندما يتحطم سد العقل والعلم والوجدان ، ويفقد مقاومته أمام الضربات القاصمة للغرائز ، يثبت الإِيمان بالله في قوته رصيناً وطيد الأركان . . . ويمنع من إسراف الغرائز ، ويحفظ صاحبه من السقوط الحتمي ، وقد اعتبر ذلك من علائم المؤمن في الروايات الإِسلامية .

« عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : إنما المؤمن ، الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل ، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق ، والذي إذا قدر لم يخرجه قدرته إلى التعدي إلى ما ليس له بحق » (٢) .

لقد أشار هذا الحديث إلى ثلاثة ميول غريزية يعد كل منها مهواة سحيقة للإِنسان . فما أكثر الناس الذين يرتكبون جنايات عظيمة إستجابة لإِحدى الرغبات النفسية . أما الرجال المؤمنون فانهم يستطيعون في المواقع الحساسة بمساندة القوى المعنوية أن يحفظوا أنفسهم من التلوث والدنس .

يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ضمن حديث طويل في بيان علائم

____________________

(١) الكافي للكليني ج ٢ ص ١٦ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٥ ص ٩٤ .

٣٦٧

المؤمن : « لا يحيف في حكمه ولا يجوز في عمله ، نفسه أصلب من الصلد ، حياؤه يعلو شهوته ، ووده يعلو حسده ، وعفو يعلو حقده » (١) .

الايمان والعزم :

يشير الإِمام علي عليه‌السلام في هذه الجمل بعد الإِشارة إلى الروح الصلبة والعزم الحديدي للمؤمنين إلى أن غريزة الشهوة والحسد والإِنتقام مكبوتة في نفوس الأشخاص المؤمنين . وأن القوة الإِيمانية تمنع من إسراف الرغبات المضطربة وهيجانها أكثر من الحد المقرر .

« عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب : رجل لم تدعه قدرة في حال غضبه أن يحيف على من تحت يده ، ورجل مشى بين إثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة . ورجل قال بالحق في ما له عليه » (٢) .

في هذا الحديث يبين الإِمام الصادق صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلبة الإِيمان على الميول النفسانية في ثلاثة أفراد .

وللرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيان آخر يتضمن بعض صفات المؤمن فيقول : « . . مشمولاً بحفظ الله ، مؤيداً بتوفيق الله ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم في من يحب ، لا يجور ولا يعتدي ، لا يقبل الباطل من صديقه ، ولا يرد الحق على عدوه » (٣) .

إن المؤمنين بخالق الكون هم الرجال الأحرار في العالم وليس للميول النفسانية والحقد والبغضاء طريق إلى نفسوهم ، أو مكنة في الإِنحراف بهم عن السلوك الصحيح والطريق المستقيم .

____________________

(١) المصدر السابق ج ١٥ ص ٩٧ .

(٢) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٤ ص ٣٨ .

(٣) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٥ ص ٨٢ .

٣٦٨

الايمان والهدوء النفسي :

إن الأثر الثاني للإِيمان بالله يظهر الهدوء النفسي . إن المؤمنين الحقيقيين مضافاً إلى قدرتهم على تعديل غرائزهم وشهواتهم بفضل الإِيمان يقدرون على الإِحتفاظ بشخصيتهم أمام هجوم الحوادث ، وقبال الضربات الشديدة التي توردها المصائب وآلام الحياة عليهم . فلا يصابون بأي إضطراب أو قلق تجاهها .

لقد حاصرت الحوادث والمفاجئات الطبيعية في العالم مثل الموت والمرض والزلزال والفيضان ، وما شاكل ذلك ، البشر من جهة ، والإِخفاقات وحالات الفشل والإِنهيار في الحياة من جهة أُخرى . . . بحيث تلاقي جميع الطبقات الإِجتماعية الأمرّين من تلك المصائب والويلات .

وكما تخطو البشرية في مجالات المدنية ، وتزداد مباهج الحياة يوماً بعد يوم وتفتح العلوم الطبيعية أبواباً جديدة للذة على العالم كلما تتعقد المشاكل الإِجتماعية وتتحرك حوافز الحرص والجشع وتثور دوافع حب المال والجاه ويطول الأمل ، ويشتد السعي وراء اللذة ، وتكثر الرغبات النفسانية . ومن الطبيعي في حالة كهذه ان تزداد الإِخفاقات والإِنهيارات الروحية ويسود القلق والاضطراب على العالم .

مرض القلق :

لقد أدى القلق والاضطراب النفسي إلى تحويل ثلة كبيرة من المتمدنين المعاصرين في العالم إلى مرضى ، وهذا المرض المؤلم قد سلب راحة المصابين به من الرجال والنساء .

فنجد البعض منهم يستعينون للحصول على نوم بضع ساعات والاستراحة بأقراص مخدرة ومنومة ، أما في اليقظة فصراع دائب مع الآلام الباطنية والقلق المستمر ! .

والبعض الآخر يلجأون لنسيان أنفسهم لبعض الوقت ، والتخلص من شر

٣٦٩

القلق الداخلي إلى إستعمال المشروبات الروحية والحشيشة وبعملهم هذا يهدمون صرح سعادتهم وسلامتهم .

أما القسم الآخر فانهم قد فقدوا القدرة على المقاومة بالتدريج على أثر الضغط الروحي المتواصل والقلق المستمر إلى حيث الإِصابة بالأمراض النفسية أو الجنون ، وقضاء ما تبقى من العمر في مستشفيات المجانين بأسوأ حال وأشنع صورة ! .

وهناك طائفة تأزمت حالتها تجاه المضايقات الروحية المستمرة إلى درجة أنها أفلتت عنان الإِختيار من يدها ، وأقدمت على الإِنتحار هرباً من القلق والألم ، وبهذا الوضع المزري ينهون تلك السلسلة من الإِضطرابات .

لقد إهتم قسم كبير من علماء النفس في الآونة الأخيرة بمعالجة مرض القلق الهدام ، وألفوا في ذلك انكتب المختلفة ، وتوصلوا إلى معالجة المصابين به عن طريق الإِيحاء ، والتحليل النفسي ، وحل العقد النفسية . . . إن ما لا شك فيه أنهم تحملوا جهوداً كبيرة في هذا السبيل وتوصلوا إلى نتائج مفيدة . . . ولكن تلك النتائج ضئيلة ، ولا يزال يتضاعف عدد المصابين بالأمراض النفسية يوماً بعد يوم .

إن الغارق في بحر القلق والاضطراب الشديد لا يجد من نفسه حافزاً لقراءة الكتب العلمية النفسية ، ولا يملك القدرة على فهم تلك القواعد المجردة ، كي يستطيع تنفيذ تلك الوصايا ، وتخليص نفسه من القلق والاضطراب .

الايمان وعلاج القلق :

هنا يظهر دور الإِيمان الكبير في علاج مرض القلق . فإن المؤمنين يستندون إلى الله تعالى في مد الحياة وجزرها ، ويستعينون بألطافه وعناياته باستمرار ، ولذلك فهم يملكون أرواحاً قوية ، ونفوساً تتحدى التحطيم ، ولا يفشلون أمام تقلبات الحياة .

٣٧٠

. . . ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا : رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) . إن المؤمن لا يشعر بالصغار والذلة أبداً لأنه يجد أنه يستند إلى أعظم قوة في الوجود ذلك هو الله تعالى ( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (٢) .

وقد ورد عن الإِمام الصادق عليه‌السلام في تفسير قوله تعالى : ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ) قوله عليه‌السلام : « هي الإِيمان بالله وحده لا شريك له » (٣) .

كما أن حديثاً آخر يسند هذا الموضوع ، ذلك أن الراوي يقول : « سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قوله عز وجل : ( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) قال : هو الإِيمان . قال : قلت ( وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) ؟ قال : هو الإِيمان . وعن قوله : ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ ) ؟ قال : هو الإِيمان » (٤) .

لقد ورد التعبير عن الهدوء النفسي ، والإِرتياح الباطني عند المؤمنين في القرآن الكريم بعبارات مختلفة . ولقد قام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة بتفسير ذلك كله بالإِيمان . . . فالإِيمان هو القوة الرصينة والقدرة التي لا تزلزل والتي إذا حلت في كل قلب ، لم يُصب ذلك القلب بقلق أصلاً ، بل يستطيع أن يثبت في أحرج المواقف .

« يقول ويليام جيمس أبو علم النفس الحديث وأُستاذ الفلسفة في جامعة ( هارفرد ) : إن أشد العقاقير تأثيراً في رفع القلق هو الإِيمان بالله والإِعتقاد الديني » (٥) .

« إن الإِيمان هو أحد القوى البشرية التي يحيا الإِنسان بمددها ، وإن فقدانها الكامل يعني سقوط الإِنسانية » (٦) .

____________________

(١) سورة الأحقاف ؛ الآية : ١٣ .

(٢) سورة الرعد ؛ الآية : ٢٨ .

(٣) الكافي ج ٢ ص ١٤ .

(٤) المصدر السابق ج ٢ ص ١٥ .

(٥) دع القلق وابدأ الحياة ص ١٥٩ .

(٦) نفس المصدر ١٥٥ .

٣٧١

تشكل القيمة المعنوية للإِيمان ، وآثاره العجيبة في قلوب المؤمنين ، فصلاً مستقلاً من فصول علم النفس الحديث في العالم ، ذلك أن كثيراً من الأطباء النفسانيين يستفيدون من قوة الإِيمان في حل أعقد العقد النفسية عند المصابين ! .

الالحاد والقلق :

يعترف العلماء المعاصرين بأن قسماً مهماً من الإِضطرابات الباطنية والأمراض النفسية والانتحارات منشؤها فقدان الإِيمان .

« في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ معدل الإِنتحار عملية إنتحار واحدة كل (٣٥) دقيقة ، ويصاب في كل دقيقتين شخص بالجنون ، وإذا كان لهؤلاء نصيب من الهدوء والإِطمئنان اللذين يبعثهما الدين والعبادة للإِنسان كان من الممكن أن يمنع ذلك من حدوث أكثر هذه الإِنتحارات والإِصابات بالجنون » .

« يقول الدكتور ( كارل جونك ) أشهر الأطباء النفسانيين في أحد كتبه : لقد راجعني في طي الثلاثين عاماً الأخيرة أُناس من جميع الدول المتمدنة في العالم . وقد عالجت مئات المرضى ، ولم يوجد بين جميع هؤلاء المرضى الذين كانوا يقضون النصف الثاني من حياتهم أي الذين تزيد أعمارهم على الخمس والثلاثين سنة ، لم يوجد بينهم واحد لم ترتبط مشكلته بوجدان عقيدة دينية في الحياة في نهاية الأمر . ولذا استطيع القول بكل تأكيد أن كلاً منهم كان قد تمرض لفقدانه ما تهبه الأديان الحية في كل عصر لاتباعها . وإن الذين لم يسترجعوا عقائدهم الدينية لم يوفقوا للعلاج أصلاً » (١) .

____________________

(١) دع القلق وابدأ الحياة ص ١٥٤ .

٣٧٢

إيمان الأنبياء :

إن أجلى مثال للإِيمان وآثاره العجيبة يمكن مشاهدته في تاريخ الأنبياء إنهم قاموا في ظروف شديدة ومعقدة جداً ، مليئة بالأخطار والمشاكل ، وكانوا يتعرضون للموت في كل لحظة ، ولكنهم استمروا على بث دعوتهم بلا أي اضطراب أو قلق ، ذلك أنهم كانوا مؤمنين بالله وكانوا يرون أنفسهم في حماه وتحت كنفه .

ولقد تعلم إتباع الأنبياء دروس الهدوء النفسي من قادتهم فراحوا في ظل إيمانهم بالله أقوياء إلى درجة أنهم لم يتزعزعوا أمام الحوادث والمصائب التي يلاقونها ، فلا يقعون فريسة القلق والاضطراب . . . كان نظرهم متجهاً في الحرب والسلم ، في الفقر والغنى ، في الموت والمرض . . . وفي كل الحالات إلى الله تعالى ، متطلعين إلى رحمته وكرمه . وعلى سبيل المثال نذكر قصة هذه الإِمرأة المسلمة : ـ

« خرجت مع صديق لي بالبادية فأضللنا الطريق ، فإذا رأينا في يمين الطريق خيمة فقصدناها فسلمنا ، فإذا امرأة ردت علينا السلام ، فقالت : من أنتم ؟ قلنا : ضالين قصدناكم لنأنس بكم . فقالت : أديروا وجوهكم حتى أعمل من حقكم شيئاً . ففعلنا ، فبسطت لنا مسحاً ، وقالت : إجلسوا حتى يجيء ابني وكانت ترفع طرف الخيمة وتنظر فرفعتها مرة ، فقالت : أسأل الله بركة المقبل ، وقالت : أما الناقة فناقة ابني ، وأما الراكب فليس هو . فلما ورد الراكب عليها قال : يا أم عقيل عظم الله أجرك بسبب عقيل قالت : ويحك مات عقيل ؟ ! قال : نعم . قالت : بما مات ؟ قال : ازدحمته الناقة وألقته في البئر ، فقالت له : إنزل وخذ زمام القوم . فقربت إليه كبشاً فذبحه وصنعت لنا طعاماً ، فشرعنا في أكل الطعام ونتعجب من صبرها فلما فرغنا خرجت إلينا وقالت : أيها القوم أفيكم من يحسن في كتاب الله شيئاً ؟ قلت : بلى ! « قالت : إقرأ علي آيات أتسلى بها من موت الولد قلت : الله عز وجل يقول : ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ . . . الْمُهْتَدُونَ ) قالت : الله هذه

٣٧٣

الآية في كتاب الله هكذا ؟ قلت : أي والله إن هذه الآية في كتاب الله هكذا فقالت : السلام عليكم فقامت وصلت ركعات ثم قالت : أللهم إني فعلت ما أمرتني به ، فانجز لي ما وعدتني به » (١) .

أي قوة غير الإِيمان بالله قادرة على تهدئة خاطر امرأة ثكلى بهذه السرعة والسلامة ؟ ! .

أي قدرة غير الإِعتقاد الديني تستطيع إطفاء لهب الحزن والويل من روح أم أصيبت بموت ولدها الشاب ، بهذه الفورية ؟ ! ! .

إحياء الفطرة الأولى :

نعود فنلخص ما ذكرناه فيما سبق ، وهو أن الإِيمان بالله إحياء لأولى القوى الفطرية عند الإِنسان . . . إن الإِيمان بالله كفيل بتنفيذ أوامر الوجدان الأخلاقي . . . وهو أعظم ملجأ للإِنسان ، وأكبر عامل للهدوء النفسي وإطمئنان الخاطر . . . وبصورة موجزة ، فهو أهم أسس السعادة البشرية وأولى المواضيع التي اهتم بها الأنبياء في دعوتهم .

إن المربي الكفء والقدير هو الذي يلفت نظر الطفل منذ الصغر نحو الله تعالى ، ويلقنه درس الإِيمان به بلسان ساذج بسيط . إن على المربي القدير أن يتحدث إلى الطفل عن رحمة الله الواسعة إتباعاً لمنهج القرآن الكريم ويبذر في نفسه بذور الأمل ، ويفهمه أن اليأس من روح الله ذنب عظيم .

يجب أن يعرف الطفل منذ الصغر أن لا ييأس أمام حوادث الزمان ، فالله قادر على حل مشاكله وتيسير أموره ، فإن رفعنا يد الحاجة نحوه ساعدنا على مهمتنا .

على المربي أن يفهم الطفل أن أعظم الواجبات الإِنسانية هو جلب رضى

____________________

(١) لئالي الأخبار ص ٣٠٥ الطبعة الحديثة .

٣٧٤

الله ، وإن رضى الله يكمن في إطاعة أوامره التي بعثها إلينا ، عن طريق نبيه العظيم ، إن الصدق والأمانة يسببان رضى الله ، والخيانة تسبب غضبه .

يجب على المربي أن يوقظ الإِحساس بالمسؤولية أما الله في الطفل منذ الطفوله ويحثه على الشعور بواجبه ، وإشعاره بالأسلوب البسيط إن الله يراقبك في كل حال ويطلع على أفعالك الصالحة والطالحة ، ولا يخفى شيء على الله . . . إنه يجازيك على حسناتك ويعاقبك على سيئاتك .

إن الآباء والأمهات الذين يحيون الفطرة الإِيمانية عند الطفل ، ويربونه مؤمناً منذ الصغر ، فانهم يصبون ركائز سعادته بذلك من جهة ، ويكونون قد قاموا بأول واجباتهم في التربية من جهة أُخرى .

٣٧٥

المحاضرة الخامسة عشرة

التربية في ظل العدل والحرية

قال الله تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (١) .

حب الكمال :

من الأُمور الفطرية عند الإِنسان ، والتي يمكن أن تكون أساساً ثابتاً لتربية الطفل : غريزة التفوق ، وحب الكمال . إن الرغبة في الترقي والتعالي تعتبر من فروع حب الذات المودع في فطرة كل إنسان . وعلى المربي القدير أن يستغل هذه الثروة النفسية ، ويقيم شطراً من الأساليب التربوية الصحيحة على هذا الأساس ، فيسوق الطفل إلى طريق الترقي والتعالي .

لقد ورد بهذا الصدد حديث عن الإِمام الحسن عليه‌السلام . . . « إنه دعا بنيه وبني أخيه ، فقال : إنكم صغار قوم ، ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين ، فتعلموا العلم . . . فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته » (٢) .

____________________

(١) سورة آل عمران ؛ الآية : ١٥٧ .

(٢) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١ ص ١١٠ .

٣٧٦

في هذا الحديث نجد أن الإِمام الحسن عليه‌السلام ، لأجل أن يحث أبناءه وأبناء أخيه على إكتساب العلوم ويشجعهم على ذلك يستفيد من حب الذات والترقي عندهم ـ وهو أمر فطري ـ من دون أن يتوسل إلى الزجر والأساليب المخيفة ، ويفهمهم أن تحصيل العلم في اليوم ، سبيل الوصول إلى العزة والعظمة في الغد .

إن الأسلوب المستعمل في هذا الحديث يعد من أعظم الأساليب في مجال التعليم والتربية في العصر الحديث ، فكل أسرة تستطيع أن تشجع أبنائها على تحصيل العلوم بهذا الأُسلوب ، وتدفعهم منذ البداية إلى التعالي والترقي فإن الأطفال يسعون وراء العلم بدافع ذاتي في ما بعد ، ولا يحتاجون إلى التهديد والتعقيب .

التكامل في ظل الحرية :

والنكتة الجديرة بالملاحظة هي أن الإِرضاء الصحيح لغريزة حب التفوق والوصول إلى الكمال الحقيقي يمكن أن يتحقق في ظل الحرية والعوامل المساعدة فقط ، وبدونها لا يكون نيل الكمال الواقعي ميسراً وبعبارة أوضح : إن الإِنسان يستطيع السعي وراء الكمال وإرضاء الميول الباطنية بالنسبة إلى بلوغ طريق التعالي في الصورة التي يكون طريق التقدم مفتوحاً أمامه ، ولا تعتاقه العوارض والموانع ، فما أكثر الثروات النفسية التي ظلت عاطلة وفاقدة للأثر ، لعدم حصولها على العوامل المساعدة ، وما أكثر الأشخاص الذين يصطدمون في طريق إحياء إستعداداتهم الفطرية بالموانع الطبيعية أو الشخصية أو الإِجتماعية أو السياسية ويقفون عندها محرومين من السير في مدارج الكمال والرقي .

إن زهرة صغيرة إذا لاقت عوامل مساعدة ، وجواً طليقاً وغذاء كافياً تتفتح أكمامها ويفوح عطرها . . . وكذلك تكون الإِستعدادات الداخلية عند الإِنسان فانها تزدهر وتنمو في الظروف المساعدة ، وتعود عليه بالفوائد العديدة .

إن من أهم شروط التعالي والتكامل للأطفال والكبار هو كون الجو الذي

٣٧٧

يعيشون فيه حراً ، ذلك أنه عندما يكفهر وجه المجتمع بالظلم والتجاوز ويسود الاستبداد والضغط الشديد . . . وحين يحل اليأس محل الأمل ، والظلم محل العدل ، والإِستهتار والفوضى بدل القانون ، والخوف بدل الهدوء . . . فمن المحتم أن ينقطع السبيل إلى التكامل في ذلك المجتمع .

والذين يعيشون في أمثال هذه المجتمعات لا يقدرون على إخراج استعداداتهم الخفية وذخائرهم المعنوية من مرحلة القوة إلى حيز الوجود والفعلية بالشكل المناسب . ولا ينالون الترقي والتكامل الذين يصبون إليهما .

الأسرة هي مهد تربية الأطفال ، والوطن الواسع هو البيئة التربوية للكبار . وإن مالا شك فيه هو أن الشرط الأول للتربية الصحيحة وإحياء الاستعدادات المختلفة هو الجو المناسب والعوامل المساعدة . فلا تستطيع كل أسرة من تطبيق المنهج التربوي الذي خطه لنا الإِمام الحسن عليه‌السلام بالنسبة إلى أولاده . ولا يقدر كل الآباء على أن يتحدثوا مع الأطفال بنفس الحديث الذي تحدث به الإِمام عليه‌السلام ، ذلك الأسلوب من الحديث إنما يختص بالأسرة التي يقوم أساسها على الفضيلة والحرية .

ولأجل أن يتضح معنى سلامة جو الأسرة وفساده بصورة جيدة ولكي يتبين أهمية الحرية في مجال التربية والتعليم نخصص بحثنا في هذه المحاضرة بهذا الموضوع .

المقارنة بين الأسرة والدولة :

الدولة تشبه أسرة كبيرة واسعة ، وإن جميع أفراد تلك الدولة من رجال ونساء وأطفال ، إنما هم أعضاء في تلك الأسرة الكبيرة . . . كما إن كل أُسرة تشبه دولة صغيرة قليلة الأفراد . وإن أعضاء الأسرة إنما هم أفراد تلك الدولة . . . والأبوان في هذه الدولة الصغيرة يسلكان دور الهيئة الحاكمة فيها .

قد يتسلط على زمام الحكم في الدولة مستبد ، وتدار أموره حسب نظرياته اللامنطقية لمحض إرادته ، ويساس الشعب بالخوف والإِضطهاد ، ويحمل على إطاعة الأنظمة والقوانين بالحديد والنار . . . وأحياناً يكون العكس

٣٧٨

حيث القوانين العادلة القائمة على أساس الحق والفضيلة والحرية والمحبة .

كذلك في الأسرة ، فقد يحكمها أب حاد المزاج فاقد الإِيمان ، وأم متهاونة سيئة الأخلاق . . . ويفرض كل منها إرادته على أعضاء الأسرة عن طريق الشدة والخشونة التي لا تطاق . ويحملون على القيام بواجباتهم بالتهديد والتخويف . . . وقد يكون الأمر على العكس ، ذلك إذ تتعاضد الفضيلة الأخلاقية والإِيمان للأب مع الحب والحنان العقلائيين للأم في إيجاد جو مقدس وسعيد للأسرة ، مما يحتفظ لأعضاء الأسرة بطراوتهم وحيويتهم ويؤدي كل منهم واجبه برغبة نفسية ووازع ذاتي .

الاستبداد والتعنت :

لقد اعتبر الإِسلام قبل أربعة عشر قرناً ، والعلماء المحققون في العصر الحاضر إدارة الدولة عن طريق الإِستبداد والتعنت والركون إلى وسائل القمع والإِرهاب ، أسلوباً فاشلاً تماماً وحكموا بأن الحياة في ظل نظام كهذا تصبح جحيماً لا يطاق .

وكذلك إدارة الأسرة عن طريق الظلم والتعدي وبواسطة الخشونة والشدة في الأخلاق تعتبر فاشلة وعاجزة عن أن تصبح أساساً للسعادة مهداً لتربية الأطفال الشرفاء .

إن لأسلوب حكومة الهيئة الحاكمة دخلاً كبيراً في الشؤون الأخلاقية والإِجتماعية والاقتصادية والتربوية ( وجميع الجهات المادية والمعنوية بعبارة موجزة ) بصورة مباشرة . . بحيث يمكن معرفة الأوضاع الظاهرية والمعنوية لأمة عن طريق سلوك الهيئة الحاكمة وفي هذا يقول الإِمام علي عليه‌السلام : « الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم » (١) .

يخضع أفراد كل دولة إلى عاملين أساسيين ، ويقعون تحت تأثير قوتين منفصلتين : ١ ـ محيط الأسرة وقدرة الآباء على تربية أبنائهم . ٢ ـ محيط

____________________

(١) بحار الأنوار ج ١٧ ص ١٢٩ .

٣٧٩

الدولة وسلوك الهيئة الحاكمة . ولكن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يرى أن تأثير الهيئة الحاكم في بناء المجتمع أبلغ من تأثير الأسرة والقدرة التربوية عند الآباء .

الفرق بين الحرية والاستبداد :

تختلف الدولة التي تدار على أساس العدل والقانون وفي ظلل الحرية والمحبة عن الدولة التي يحكمها الاستبداد والتعنت ويسودها الإِرهاب والقمع إختلافاً كبيراً . وسنحاول في هذه المحاضرة أن نتعرض لذكر بعض موارد الاختلاف ونتائجها بين هذين النوعين من الدول ، ثم نقارن ذلك بكيفية إدارة الأسرة . ومن هذه المقارنة نستطيع أن نسلط الأضواء إلى حد بعيد على مقياس سلامة جو الأسرة أو فساده ومن المؤمل أن يدرك الآباء ـ وهم أبناء الأسرة الكبيرة ( الدولة ) ـ أُسس هذه المقارنة كي يتفهموا مسؤوليتهم تجاه أبنائهم بصورة أوضح ، ويقيموا إدارة الأسرة على أساس أقوى ، ويراعوا واجباتهم الثقيلة في تربية أطفالهم سائرين على منهج الشرع الحنيف .

١ ـ الحرية والهدوء النفسي :

يعد الهدوء النفسي والأمن من الخوف ، الشرط الأول لسعادة الإِنسان . ففي المجتمع الذي لا يأمن أفراده على آرائهم وتكون حياتهم مقترنة بالاضطراب والقلق ، لا مجال للسعادة الحقيقية والكمال الواقعي إليه ، فالعدالة الإِجتماعية هي القوة الوحيدة التي تستطيع أن تبعث الإِطمئنان والهدوء إلى النفوس وتهب الأشخاص الأمن والسكينة .

البيئة الصحيحة للإِنسانية تكون في الدولة التي يسودها القانون والعدالة ، الدولة التي رُسمت حدود إختصاصات المسؤولين والشعب فيها بموجب القوانين العادلة ، في الدولة التي يكون المسؤولون أنفسهم مطيعين للقانون ، ويسلكون سبيل العدالة في أحكامهم ولا يسمحون لأنفسهم بأقل إنحراف أو تجاوز على حقوق الآخرين . . . هناك يحس جميع الأفراد في داخل أنفسهم بالهدوء والأمان ، فلا وحشة ولا قلق ، ولا ظلم يصيب المواطنين

٣٨٠