الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
ISBN: 964-94553-6-1
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٤٠٧
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

هوة الشقاء والتعاسة أبداً ! وتكثر من الحديث عن أمثال هذه القضايا وتستشهد ضمناً بحياة بعض الفتيات ، ولكنه يوجد في باطن الفتاة ضمير مستتر آخر تكتمه عن كل أحد . ولكنها حين تختلي بنفسها أو تذهب إلى الفراش تتحدث إلى نفسها : ما أشأم ذلك اليوم ! لماذا ألقيت بنفسي في هذه المخاطر ؟ كيف أديت بنفسي إلى الشقاء والتهلكة كيف أعيش عمري وحيدة محرومة من لذة الحياة الزوجية ؟ تتحدث مع نفسها عن الماضي دائماً وتظهر الندم والأسف باستمرار ، وقد تهمي الدموع لذلك ! ! ! .

يوجد في باطن هذه الفتاة ضميران : أحدهما ظاهر . والآخر ضمير باطن . لقد رتبت الأحاديث في ضميرها الظاهر وأينما جلست تتحدث قائلة : لا أتزوج ، الرجال غير أوفياء ، لا يوجد رجل في مجتمعنا أصلاً ، لا أُسبب الشقاء لنفسي ، وما شاكل ذلك من الأحاديث . . أما في ضميرها الباطن فتوجد أشياء لا ترضىٰ بأن تخبر عنها أحداً . وهي المطلعة عليها فحسب . لماذا خرجت للنزهة ؟ لماذا عاشرت رفيق السوء ؟ لماذا أشقيت نفسي مدى العمر ؟ وما شاكل ذلك .

رقابة الضمير الباطن :

ولأجل ألا يطلع شخص على أسرار ضميرها الباطن ، فإن الفتاة تراقب حركاتها وألفاظها تماماً ، وتتكلم بكل حيطة وحذر ، وتنفر من الكلمات التي ترتبط بسرها ، وتحاول أن لا تستعملها في أحاديثها أصلاً ومثلاً على ذلك فانها تتألم وتتنفر من كلمات : السد ، كرج ، البحيرة ، المحركات ، الجسر ، البساتين ، وتتجنب ذكرها دائماً ، وعلى ما يقول علماء النفس فإن ضميرها الظاهر يضع ضميرها الباطن تحت رقابة شديدة .

تمر سنة أو سنتان على هذا الوضع ، ولكن القضية تكسب لوناً جديداً بالتدريج . فمن جهة تصاب الفتاة ـ على أثر الضغط الروحي الدائم ، والألم الباطن ، والاضطراب والأرق ـ بالاضطراب الفكري ، والانزجار النفسي ، وتفقد طاقتها بالتدريج ، ومن جهة أُخرى فان والديها وأسرتها يرون هذا الوضع

٣٠١

الشاذ نتيجة عدم الزواج ، ويلحون عليها في أن تتزوج وتنهي كلماتها الباطلة . وهكذا تؤدي هذه المجموعة من العوامل الداخلية والخارجية إلى أن تصاب الفتاة بمرض روحي وتصاب بالجنون في النهاية . يراجع أهلها الطبيب ، ولكن المرض يشتد يوماً فيوماً ، وإن الطريق الوحيد للعلاج هو إكتشاف السر الذي تعرفه الفتاة فقط ، وهي غير مستعدة لإِفشاء ذلك السر بأي ثمن كان .

إن إكتشاف الضمير الباطن للفتاة ، والوصول إلى سرها الذي يقع تحت رقابة شديدة مهمة شاقة جداً ، ويجب الاستفادة من بعض الآثار والعلامات التي تنبع من أعماق روحها في حالات خاصة .

« يجب لهذا العمل التصدي لإِكتشاف الشواهد والإِمارات وكما يمكن أن نتوصل إلى وجود حيوان عظيم يسبح تحت ماء المحيط المظلم المتراكم ، من بعض حركات الماء أو الإِرتفاع الموقت في سطح الماء ، فلا بد من ممارسة ودقة كثيرتين للإِستفادة من بعض الظواهر المؤقتة في كشف بعض الأسرار ، وأخيراً فبالإِمكان أن يترصدوا ـ بكل صبر وتحمل ـ اللحظة الخاطفة التي يفقد المصاب وعيه ويكشف عن السر عندما لا يحس بأي رقابة عليه » (١) .

طرق اكتشاف السر الباطن :

يمكن الاستفادة من بعض الوسائل العديدة في الوصول إلى إكتشاف الأسرار الباطنية للأشخاص ما عدا التعذيب فانه عمل غير إنساني ، وإليك بعض النماذج :

١ ـ لقد وجدنا ـ في المحاضرة السابقة ـ كيف استفاد الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام من قوة الوجدان وقبح التزوج مع الابن ، في اكتشاف سر المرأة ، إذ أجبرها على أن تعترف بإمومتها بصراحة وتعلن الأساليب الشاذة التي إرتكبتها لإِنكار ذلك .

____________________

(١) فرويد ص ٣٤ .

٣٠٢

٢ ـ القصة المعروفة التي جرت بين ( ابن سينا ) والمريض بمرض العشق : لقد حضر ابن سينا عند مريض كان يخفي في ضميره عشقاً شديداً لا يستطيع إظهاره ، أخذ نبضه في يده وطلب ممن كان يعرف اسماء محلات المدينة أن يذكرها واحدة بعد الأُخرى ، وعندما وصل إلى إسم إحدى المحلات أخذ نبض المريض يدق بسرعة شديدة . فأمر ( ابن سينا ) أن يذكر أسماء أزقة تلك المحلة . ولقد أدى ذكر اسم أحد الأزقة إلى الإِسراع في نبض المريض . وأخيراً طلب أن يذكر له أسماء البيوت التي في ذلك الزقاق ، وأسماء الساكنين في تلك البيوت ، حتى جاء ذكر فتاة ، فاشتد نبض المريض بصورة فائقة . . . وهناك توجه ( ابن سينا ) إلى الحاضرين وقال لهم : إن هذا المريض يعشق فتاة ذلك البيت وأغرم بها . لقد توصّل ( ابن سينا ) إلى إكتشاف سر المريض عن طريق دقات نبضه واكتشف عشقه وغرامه لتلك الفتاة (١) .

٣ ـ يمكن إخضاع المريض للتنويم الإِصطناعي ، وإجباره على إفشاء أسراره الباطنية بعد سلب إرادته وإختياره .

٤ ـ تغيّر سحنات الوجه : فمن الممكن التوصل إلى الأسرار الباطنية عن طريق ملاحظة التغيّرات الطارئة على سحنات الوجه والحركات غير الإِعتيادية التي تصدر منهم في بعض الأحيان . فمثلاً يقرأ أحد أفراد الأسرة صحيفة بصوت عال والكل يصغون إليه ، ويصل في الأثناء إلى حادثة فتاة أغفلها شاب وفعل معها كذا وكذا . إن جميع أفراد الأسرة يتلقون الحادثة بصورة إعتيادية تماماً ويتعجبون منها أو يتأثرون بالمقدار العادي ، ولكن الفتاة الآنفة الذكر التي أغفلت وفقدت شرفها وعفافها تضطرب عند سماع القصة المشابهة لقصتها ، ويمتقع لونها ، وتصاب بالقلق والذهول ، لا ترغب في سماع القصة ، ولكيلا يطلع الآخرون على قلقها واضطرابها تظهر بمظهر الغافلة عن الحادثة ، وتشغل نفسها بشغل آخر في ذلك الوقت ، أو تنادي طفلة جيرانهم بصوت عال ، وبصورة موجزة فانها تحاول أن تتظاهر بأنها غير مصغية للصحيفة وتتشاغل

____________________

(١) دائرة المعارف دهخدا الفارسية ـ مادة ( أبو علي ) ص ٦٤٤ .

٣٠٣

بمشغل آخر ، وهي غافلة عن أن هذه الأعمال إنما هي علائم وضعها الشاذ ، وهي تكشف بذلك قلقها الباطن .

الخلاصة : إن تغير سحنات الوجه والقيام بالحركات غير الطبيعية والمرتبكة ، من أهم وسائل إكتشاف أسرار الأشخاص وضمائرهم الباطنة .

أما فرويد :

لقد استند فرويد لاكتشاف أسرار الأشخاص ، إلى طريقين أكثر من غيرهما ، وهما : الكلمات أو الأفعال التي تصدر في غير محلها ، والتي تقع سهواً ومن دون إرادة ، والأحلام وتفسيرها .

لقد ظن بعض علماء الغرب أن فرويد أول من استند إلى فلتات اللسان ، وتفسير الأحلام في الوصول إلى الضمير الباطن وربما يقع بعض الباحثين في بلادنا أيضاً في نفس الخطأ ، في حين أن الإِسلام سبق فرويد إلى العمل بهما ، وقد ذكرت تطبيقات عليهما في بعض الكتب الدينية . هذا مضافاً إلى أن نظرية فرويد حول تفسير الأحلام ناقصة وغير ناضجة . أما نحن فسنحاول أن نتكلم في هذه المحاضرة بشيء من الإِسهاب والوضوح حول الموضوع .

فلتات اللسان :

ولأجل أن يتضح دور فلتة اللسان في فضح أسرار الإِنسان ، نستشهد بنفس قصة الفتاة . لما كانت الفتاة تحمل في داخلها خاطرة سوداء وذكريات مرة من حادثة ( كرج ) وتخاف من إنفضاح أمرها بشدة ، فهي تصمم على أن لا تتحدث عن ( كرج ) ولا عما شاهدته هناك . وتلاقي لذلك عنتاً شديداً وتراقب نفسها دائماً . ويصادف أن تذهب إلى زيارة عمها بصحبة أبويها ، وذلك بمناسبة عودته من زيارة الإِمام الرضا عليه‌السلام بخراسان . وتذهب العشيرة كلها بصورة تدريجية لزيارته ، الغرفة مكتظة بالزائرين ، والكل يباركون قدوم الزائر الجديد . وعلى الفتاة أن تتكلم بكلمة أو كلمتين وتحيي عمها بذلك ، وفي اللحظة المناسبة ، وعندما يلتفت عمها نحوها ترفع صوتها وتقول مع كمال

٣٠٤

الأدب : لقد شرفت يا عمي العزيز ، أهلاً وسهلاً بك ، قرت الأعين بك ، تقبل الله الزيارة أرجو أن تكون قد استأنست كثيراً بزيارة ( كرج ) . العم يبتسم ، ثم يتشكر منها ولكنه يقول : أنا لم أذهب إلى كرج بل كنت ذاهباً إلى مشهد ، وهنا تضطرب الفتاة وتحس بإرتباك شديد ، وتعتذر من خطأتها.

إن الإِتيان بكلمة ( كرج ) بدلاً من ( مشهد ) يمكن أن يعد أمراً إعتيادياً جداً في أنظار الناس ، وربما يحمل الأمر عندهم على خطأة لفظية ، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى عالم نفساني ، فإن لكلمة ( كرج ) التي فلتت من لسان الفتاة جذوراً في نفسها . فيجب البحث عن منشأ هذه الكلمة ، خصوصاً وأن الفتاة قد تغير لونها وارتبكت بعد أن عرفت أنها أخطأت فإن عينيها المضطربتين ووضعها المرتبك يكشفان عن بركان ثائر في باطنها .

قد تنبعث من النار المستورة بالرماد شرارة ترشدنا إلى أن في قلب الرماد ناراً ، وإن فلتات اللسان والحركات غير الإِرادية تشبه الشرارة المنبعثة من باطن الرماد والتي يمكن الإِستناد إليها في الوصول إلى الضمير الباطن.

« من المتاهات التي أخضعها فرويد لبحوثه في بدء إختراعاته هي الأفعال الساهية ، إن المراد من الأفعال الساهية في إصطلاح النفسيين ، هو الأفعال التي تصدر من الإِنسان وهي فاقدة للأهمية في بداية الأمر ، كالإِشتباه في استعمال الألفاظ أو العبارات . إن علم النفس القديم كان يعزو ـ عبثاً ـ هذه الإِشتباهات وهذا النوع من السهو في الكلام إلى الصدفة والتعب الفكري . والذهول وعدم الدقة ، أما فرويد فلم يكتف بهذه الإِيضاحات وأخذ يبحث بدقة أكثر ، لماذا ينفضح الذهول ؟ وما معنى الذهول أصلاً ، أليس سوى ظهور الأفكار والتوجيهات التي لا يراد لها الظهور في وقت ما ؟ لماذا لا يقع عمل إرادي ، ويقع بدلاً منه عمل من دون أن يريده شخص ؟ نحن نفكر ، نريد أن نتكلم وفجأة نعبر بعبارة أُخرى غير التي كنا قد أعددنا لها في أذهاننا لماذا ؟ لا بد من

٣٠٥

ميكانيكية تجعلنا نتفوه بكلمة بعيدة عن ذهننا تماماً بدل الكلمة التي نريد إستعمالها كقطعة النقد الزائفة . لا بد من وجود ميكانيكية خاصة توجد إنحرافاً في خواطرنا في نفس اللحظة التي نريد أداء الكلمة المقصودة » .

« إن العمل العابث ليس كما تظن الغالبية عملاً ناشئاً من الذهول والإِرتباك في التفكير . بل إنه أحد الموارد التي تظهر فيها الفكرة المكبوتة من أعماق عالم اللاشعور . هذه الأخطاء إنما هي نماذج مما تحاول الإِرادة الشعورية إخفاءه بصورة دائمة » .

« من هنا يستنتج : أن العمل العابث والساهي يفضح أمر صاحبه دائماً تقريباً » (١) .

إن الفتاة كانت تريد أن تقول ( مشهد ) ولكن فلتت على لسانها كلمة ( كرج ) . ومع الإِنتباه إلى سوابق الفتاة وأنها تعيش حياتها في إضطراب وتشويش بال لفترة غير قصيرة ، وأنها مصابة بمرض نفسي وتبتعد عن الزواج وعن ذكره فإن الإِتيان بتلك الكلمة أمر يسترعي الانتباه فباستطاعة الوالدين أن يكتشفا ضميرها الباطن ويطلعا على سرها المكتوم . ولقد ظن البعض أن فرويد هو أول من إلتفت إلى هذه النكتة مستعيناً بفلتات اللسان في الوصول إلى كشف الأسرار. يقول ( فليسين شاله ) في موضوع السهو ، والإِشتباه ، ما يلي :

« إن فرويد ينسب إلى جميع هذه الأفعال التي تعتبر لأول وهلة مجرد مصادفة واعتيادية ، طابعاً لم يتوصل إليه فكر أحد ، ويكتشف في وراء تلك الأفعال عن قضايا مخبوءة أو استياء ، أو ميل نحو أمر مضاد » (٢) .

____________________

(١) فرويد ص ٣٥ .

(٢) فرويد وفرويديسم ص ٤٨ .

٣٠٦

لقد صرح الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذه الحقيقة النفسية في كمال الوضوح حين قال : « ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه » (١) .

يمثل فرويد للكلام الساهي العابث بمثال ننقله نصاً :

« يقف معلم في حصة الإِنشاء بالنسبة إلى موضوع إنشائي أعده أحد تلاميذه ، على سبيل التمجيد به ، ويقول خطأ : ( لا أعلم كيف أذم ! ) إن المعلم بحسب فحواه الإِرادية وأفكاره الشعورية لما كان في مقام التمجيد فلا بد أنه كان يريد أن يقول : ( أمدح ) . ولكنه لما كان عالماً بتفاهة الموضوع الإِنشائي الذي كتبه التلميذ فكان مقصوده متوجهاً نحو ( المذمة ) نفسها . وعلى هذا فإن فلتة المعلم في كلامه كشفت عن نيته الأصلية والباطنية تلك النية التي كان يريد أن يسترها بإرادته الشعورية لمبررات خاصة ويظهرها في صورة المدح والتمجيد . وفي الحقيقة فانه في حين إرتكاب تلك الخطأة قد عبر عن عقيدته التي كان يبطنها ، ولكنه كان يتفادى ظهورها » (٢) .

وإذا حاول أحد أن يختصر هذه العبارة ، ويوجز هذا النص فلن يستطيع أن يأتي بأجمع وأشمل من كلام الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام . فسلام على روح طاهرة من إمام كشف كثيراً من الحقائق العلمية قبل أربعة عشر قرناً في عبارات قصيرة وجمل مفيدة .

لقد أخطأ ( فليسين شاله ) حين ادعى أن هذا الموضوع لم يخطر ببال أحد حتى زمان فرويد ، وإن حديثه لا يستند إلى بحث علمي متين فليس ( فرويد ) أول من تنبه إلى فلتات اللسان . لقد سبقه إليها قائد الإِسلام العظيم في عبارة قصيرة جداً بكل صراحة ، وأوضح دورها في كشف الأسرار المخبؤة .

____________________

(١) نهج البلاغة ص ٥١٨ .

(٢) فرويد ص ٣٧ .

٣٠٧

هناك أحاديث أُخرى في الكتب الدينية في هذا الموضوع . وبالرغم من أنه لم يصرح فيها بالكلمات الساهية وفلتات اللسان ، إلا أنه يمكن إستفادة هذا الموضوع منها ، يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إن أحببت سلامة نفسك وستر معايبك ، فأقلل كلامك ، وأكثر صمتك » (١) إن الإِنسان لا يكشف عن عيوبه الباطنية مع إرادته وإختياره أبداً ، ولكنه حين يثرثر فقد تفلت من بين كلامه ـ ودون إختيار أو قصد ـ بعض أسراره وعيوبه ، وكذلك ورد عنه عليه‌السلام : « قلة الكلام تستر العوار ، وتؤمن العثار » (٢) . ويقول الإِمام الجواد عليه‌السلام راوياً عن جده : « المرء مخبوء تحت لسانه » (٣) . أي أن اللسان يستطيع أن يكشف سر الإِنسان إما عمداً أو سهواً .

وعن الإِمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام : « إياك وفضول الكلام فانه يظهر من عيوبك ما بطن ، ويحرك عليك من أعدائك ما سكن » (٤) .

الأحلام وتفسيرها :

إن الطريقة الثانية التي اعتمد عليها فرويد كثيراً في إكتشاف الضمير الباطن هي تفسير الأحلام . ولقد كانت توجد ـ ولا تزال ـ عقائد مختلفة في الماضي والحاضر حول الأحلام ، ولقد تطرق فرويد نفسه في كتابه ( تفسير الأحلام ) ، وكذلك كل من كتب عن نظريات فرويد ، إلى بيان آراء العلماء الآخرين ونظرياتهم في هذا الموضوع بإسهاب . ولأجل أن يتضح الموضوع للمستمعين الكرام ، نرى لزاماً أن ننقل بعض العبارات من تلك النظريات المختلفة هنا :

« كان المعروف فيما مضى أن الأحلام تُلهم إلى النفوس بواسطة قوة فوق طاقة الإِنسان . كانوا يعتبرون منشأ الإِلهام وجوداً غير أرضي ،

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم طبعة دار الثقافة . النجف الأشرف ص ٢٧٤ .

(٢) المصدر السابق ص ٥٣٧ .

(٣) بحار الأنوار ج ١٧ ص ١٠١ .

(٤) غرر الحكم ودرر الكلم ص ١٥٥ .

٣٠٨

وخارجاً عن طاقة الإِنسان ، وحيث كانوا يعتبرون المظهر لكل إرادة خارجة عن قدرة الإِنسان الخارجة عن الأرض متمثلاً في الآلهة ، اضطروا لإِعتبار الأحلام نوعاً من الظهور الجسماني لإِرادتهم ، حيث كانوا يبشرون الأفراد بالخير والأمل أو يتنبأون لهم بوقع المآسي والحوادث المؤلمة . وبالتدريج فقد برز الكهنة في تأويل إشارات الحلم الغامضة ، وتفسير أسراره الدقيقة ، ومن هنا صار علم تفسير الأحلام من العلوم البدائية في المجتمع الإِنساني ، علماً له أهمية في الحياة اليومية للناس : لأن الكهنة على خلاف علماء النفس المعاصرين الذين يسعون في تفسير الأحلام إلى البحث عن حياة الإِنسان الماضية ، كانوا يعملون في تفسير الأحلام على اصطناع أخبار عن المستقبل على لسان الآلهة ونشرها » (١) .

« إن بعض الفلاسفة لم يبتعدوا كثيراً عن طريق الكهنة في تفسير الحلم على ضوء عالم ما وراء الطبيعة ، ويقولون بأن منشأ الحلم هو نشاط خاص للروح التي تصعد إلى العالم الأعلى كما يقول ( شوبر : إن النوم عبارة عن إنطلاق الخاطر عن قيد العالم الخارجي وخلاص الروح من أسر المادة ) (١) .

« أما الأطباء الذين يكتبون حول الأحلام فانهم ـ بخلاف الفلاسفة ـ لا يعتبرون الحلم عملاً روحياً . بل يرون أن صور الأحلام هي نتاج حركات الجسم والحواس التي تصل من العالم أو من إختلاج الأعضاء الباطنية إلى النائم وعلى هذا يجب إعتبار النوم أمراً تافهاً شبيهاً بلحن يخرجه إنسان لا يجيد الضرب على الآلة الموسيقية ، كما يقول ( بينز ) : إن النوم عمل جسماني ، تافه دائماً ، وناشىء من المرض في الغالب . يقولون : إن العوالم الخاصة بالأحلام

____________________

(١) فرويد ص ٣٨ .

(٢) تفسير الأحلام تأليف فرويد ص ٤ .

٣٠٩

هي نتاج النشاط المشوش للأفكار اليقظة في دماغ الشخص النائم ، والمتحركة على أثر الحركات الجسمانية » (١) .

« ويرى فرويد أن النوم برزخ بين حياتنا المخفية وحياتنا المعقولة والمنطقية . ولهذا فأننا إذا دققنا البحث ونظرنا إلى الموضوع من قريب أمكننا أن نصل إلى نتائج مهمة » .

« ويرى فرويد أنه لا يمكن إعتبار أي حلم عبثاً وباطلاً وبغير معنى ، بل وعلى العكس من ذلك لما كان نتيجة عمل روحي فلا بد أن يكون له معنى ومفهوم خاص . وفي النهاية فليس الحلم مظهراً من إرادة فوق طاقة البشر بل انه نموذج عن الإِرادة المخفية للإِنسان » (٢) .

الاسلام والأحلام :

إن الروايات الإِسلامية لا تنظر إلى جميع الأحلام نظرة واحدة ، بل إنها تقسم الأحلام إلى ثلاثة أقسام . قسم منها عبارة عن الأفكار العادية أو الأسرار المخفية للإِنسان ، التي تظهر بنفسها أحياناً ، أو تظهر بصورة أُخرى أحياناً لعلل خاصة . هذا النوع من الأحلام فقط هي التي لها قيمة علمية عظيمة في نظر التحليل النفسي وعلماء النفس ، وبواسطتها يمكن الوصول إلى الضمير الباطن للأشخاص ، وتعيين الجذور الأصلية للأمراض الروحية .

والقسم الثاني من الأحلام ، عبارة عن الأفكار المشتتة والمضطربة التي تتطرق إلى ذهن الإِنسان في اليقظة أحياناً ، وخصوصاً في حالات المرض ولا قيمة علمية ونفسية لها ، وقد عبر عنها بـ ( أضغاث أحلام ) أو الأفكار الشيطانية .

والقسم الثالث هو الأحلام التي لها جانب إلهامي ، والتي ينكشف بواسطتها بعض الحقائق المجهولة من كل جهة .

____________________

(١) المصدر السابق ص ٥ .

(٢) فرويد ص ٣٩ .

٣١٠

يقول الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الرؤيا ثلاثة : بشرى من الله ، وتحزين من الشيطان ، والذي يحدث به الإِنسان نفسه فيراه في منامه » (١) .

التحليل النفسي قبل فرويد :

ليس مقصودنا من هذا البحث ، الحديث عن الرؤيا وتفسيرها ، بل إن مرادنا هو بيان ان قسماً من الأحلام هي التي تكشف أسرار الإِنسان وتفضح الضمير الباطن للأفراد ، ولنثبت أن هذا الموضوع ليس من إختراعات فرويد ، بل إن أولياء الإِسلام وبعض علماء المسلمين قد سبقوه إلى ذلك :

ولأجل أن يتنبه المستمعون الكرام في بداية الحديث إلى هدف البحث نستشهد بمثال من قصة الفتاة المخدوعة :

لقد أوردت الحادثة المزعجة والمكتومة ضربة قاضية نحو شرف الفتاة وعفتها ، فقد أغفلها شاب في ( كرج ) وأزال بكارتها والفتاة لم تذكر هذا السر لأحد بل احتفظت به في ضميرها الباطن ، وفي عالم الرؤيا يريد ذلك السر أن ينكشف ولكن الفتاة لم تكن في حال اليقظة مستعدة لأن تكشف ذلك السر لأحد ، وكان ضميرها الظاهر مخضعاً ضميرها الباطن للرقابة الشديدة ، فهي في حالة النوم كأنها تدرك تلك الفضيحة ، لكن قوة مجهولة لا تسمح بأن تنكشف المخزاة بلا ستار لذلك فان صورة الحقيقة المرة تتبدل ، وتظهر بمظهر غير مخز تماماً .

« إن حلم الشخص البالغ مخفي خلف آلاف الأستار من الكذب والتزوير والأخلاق والقوانين والأنظمة الإِجتماعية وإن هناك نوعاً من ( فوق الأنا ) تراقب أفعال الشخص ولو في عالم الرؤيا . لهذا فإن الإِنسان يرتكب جريمته في الحلم خلف ستار من ( فوق الأنا ) فيخفي نفسه عن نفسه ، وفي عالم كهذا حيث يتم كل شيء بالكناية والإِستعارة وإخفاء الحقائق وراء أقنعة عديدة فان التعبير

____________________

(١) بحار الأنوار ج ١٤ ص ٤٤١ .

٣١١

الصحيح والبسيط والمجرد عن الأقنعة لا يمكن أن يظهر أصلاً في الضمير الإِنساني » .

« في أحلام الشخص البالغ تريد بعض الأحاسيس أن تخرج إلى الوجود ، ولكنها لا تملك الجرأة على الخروج بذلك المظهر بصورة صريحة حرة ، بل إنها تراقب ( فوق الأنا ) الأخلاقية والإِجتماعية ، وتضطر إلى أن ترسل التنبؤات المختلفة والصور الخداعة والمتباينة إلى ضميرنا » (١) .

ولهذا فإن منتزه ( كرج ) وغرفة الدار ، وصورة الشاب الذي خدعها والعمل المنافي للشرف والعفة ، وبصورة موجزة فان القصة الحقيقية للجريمة لا تأتي إلى خاطر الفتاة في الحلم . وعلى فرض أنها رأت حلماً كذلك فانها لا تخبر أحداً به ، ولكنها ترى في الحلم أنها في بستان كبير متعلقة بغصن شجرة ، وتحت قدميها هوة سحيقة ومظلمة مليئة بالوحل والطين ، وهي مضطربة لأجل ذلك وتخاف من ان يفلت الغصن من يدها وتسقط في الهوة ولكنها تقع في ما كانت تحذر منه ويفلت الغصن من يدها فجأة وتسقط في تلك الحفرة المظلمة وتتحطم وسط الأوحال ! .

تحرير الضمير الباطن :

هذا الحلم هو مظهر الضمير الباطن ، وإنعكاس لتلك القصة الواقعية التي كانت تخشى الفتاة من إظهارها ، مع فارق بسيط هو ان القصة نفسها لما كانت مخزية وقبيحة فان لباسها يتغير ، وتبدل صورة الإِتصال الجنسي بشاب أجنبي إلى شكل التعلق بغصن شجرة ، ويبدو التردي الإِجتماعي الناشىء من ذلك الإِتصال في إطار السقوط في الوحل .

« هناك رابطة العلية والمعلولية بين ظلمة صور الأحلام وحالة الكبت النفسي . والنتيجة أنه إذا كان الحلم مظلماً فذلك لأن طائفة من

____________________

(١) فرويد ص ٤٣ .

٣١٢

الأفكار الباطنة والمكبوتة قد منع الوجدان من ظهورها »(١) .

هذا الحلم يبدو ـ في نظر الأفراد العاديين ـ تافهاً لا قيمة له ، ولكن الذي يستطيع تفسير الأحلام وتحليلها يرى في هذا الحلم مفتاحاً لمخزن أسرار الفتاة ، وبذلك يتمكن من إكتشاف الضمير الباطن لها .

لقد أعطى فرويد أهمية كبيرة للحلم وتفسيره من حيث الوصول إلى الضمير الباطن ، وإن قسماً كبيراً من مدرسته في التحليل النفسي أشغله هذا الفصل . وقد قوبل هذا الموضوع بأهمية بالغة في أنظار طائفة من الغربيين وكتبوا حوله البحوث المطولة ، ظانين أن ( فرويد ) هو أول من تنبه إلى هذا الأمر . وإليكم بعض النماذج :

« إن تفسير الأحلام هو الطريق الصحيح للوصول إلى الضمير الباطن في الحياة النفسانية ، ويمكن ملاحظة هذه المعادلة الغامضة في أول أثر لفرويد حول الحلم . إنه ربط ظهور الأحلام في إحدى كتاباته التي انتشرت في الشطر الثاني من حياته بالتحليل النفسي . هذا العلم الحديث لم يوجد قاعدة أساسية أو أدق قابلية للقياس مع أُصول الأحلام . إنه أرض مجهولة تنشأ من العقائد العمومية والتصرف » (٢) .

« إن الحلم عبارة عن نوع من الإِعتراف ، لكنه إعتراف مصحوب بلحن مناسب ، وعلى هذا يجب تصحيحه . هذه الأفكار المختفية تسلط ـ فور إكتشافها ـ أضواء ساطعة على جميع أجزاء الحلم . وتكمل النقائص الموجودة بين تلك الأجزاء وتجعل المجموعة اللا إعتيادية منها قابلة للفهم . هذا هو الأسلوب الذي يتبعه فرويد في تفسير الأحلام » (٣) .

____________________

(١) تفسير الأحلام ، تأليف فرويد ص ٧١ .

(٢) فرويد وفرويديسم ص ٥٨ .

(٣) المصدر السابق ص ٦١ .

٣١٣

« أما الموضوع الأساسي فهو : أنه كيف نستطيع أن نرسو في هذا البحر الخضم المتلاطم ؟ كيف نبسط شيئاً لا يرى بصورة واضحة تماماً ؟ كيف يستطيع البصيص الضعيف الذي يظهر على صفحة الحلم المظلمة لبضع لحظات أن يكشف عن حقيقة خفية وغامضة تماماً ؟ إن اكتشاف هذه الرموز والوصول إلى هذه الأسرار الخفية والمبهمة تحتاج إلى فراسة وذكاء من شخص ساحر ماهر ، أو مخبر عن الغيب ، فريد في نوعه » .

« أما فرويد فبدون أن يتشبث بالسحر أو يعرف نفسه كمطلع على الغيوب ، يوجد في أعماله رمز لا يقف في سبيله رادع أو مانع . إن سر نجاح فرويد يكمن في أنه يبدأ في حل أغمض الأسرار من أبسط المقدمات » (١) .

يستفاد من هذه العبارات مدى إهتمام الغربيين بفرويد وأساليبه في تفسير الأحلام . . . ومدى تأثرهم بوجهات نظره .

التحليل النفسي في الاسلام :

لقد وجد في الإِسلام بالإِضافة إلى التفسيرات التي أدلى بها الأئمة عن بعض الأحلام أحياناً ، أفراد عاديون كانوا يستطيعون إكتشاف الضمير الباطن للأشخاص ، والوصول إلى أسرارهم عن طريق تفسير أحلامهم . هؤلاء لم يكونوا ساحرين ، ولا مدعين للعلم بالغيب ، بل انهم كانوا أشخاصاً عاديين تماماً ، ولكن أذكياء في نفس الوقت . وإن بعض نماذج تفسيرهم للأحلام مهمة وراقية إلى درجة أنه قلما نجد لها مثيلاً في جميع كتب علم النفس في العصر الحديث .

من الأشخاص الذين اشتهروا في تفسير أحلامهم ( ابن سيرين ) لقد بدأ التحليل النفسي عن طريق الحلم قبل ثلاثة عشر قرناً ، وأوضح الحقائق الغامضة

____________________

(١) فرويد ص ٤١ .

٣١٤

الكثيرة عن هذا الطريق « إسمه محمد ، وكان معاصراً للحسن البصري . وكان أبوه ( سيرين ) صفاراً » (١) .

وقبل أن نعرض لبعض النماذج عن تفسير الأحلام في الإِسلام من وجهة التحليل النفسي ، لا بد من أن نتطرق إلى نكتتين :

أ ـ ربط الحلم بالعواطف :

إن العواطف الدينية والثقافة العامة تختلف في كل أمة عن غيرها من الأُمم ، فهناك فرق شاسع بين مشاعر فرد مسلم متعرف على تعاليم القرآن الكريم ، وبين ياباني بوذي . . . وطبيعي أن تكون أحلام المسلم ممتزجة بالعواطف الإِسلامية والمشاعر القومية له ، وأن تظهر أحلام الياباني البوذي في صور متناسبة مع اعتقاداته القومية والدينية .

والشخص المفسر للأحلام يستطيع أن يقوم بمهمته بصورة جيدة ، متى ما كان عارفاً بالعواطف الدينية والثقافة القومية للشخص الحالم . ولهذا فإن المفسرين الإِسلاميين للأحلام ، يستندون إلى الآيات القرآنية والأحاديث الدينية التي تستند إليها عواطف الناس ومشاعرهم .

« يعتقد فرويد أن الذين يكونون على مستوى واحد من الثقافة يستعملون إشارات وعلائم متشابهة في معالم الوجدان الباطن لهم ، ويجب إكتشاف هذه الإِشارات والرموز من خلال أحلامهم » (٢) .

ب ـ الرموز والكنايات في الحلم :

غالباً ما لا يسمح الإِدراك الوجداني للقبح ، والنفور الإِجتماعي ، أو الأخلاق والآداب العامة في ظهور محتويات الضمير الباطن بالصورة الحقيقية في الحلم ، لذلك فأن الأفكار المخيفة تظهر في صورة المظاهر المختلفة وعلى

____________________

(١) قاموس دهخدا الفارسي ص ٣٢١ ـ ابن سيرين .

(٢) انديشه هاى فرويد ص ٣٨ .

٣١٥

شكل رموزاً أو كنايات . فعلى المفسر أن يكون على جانب كبير من الفراسة والذكاء لكي يستطيع أن يكتشف من الصورة الظاهرية للحلم والتي ملئت رموزاً وكنايات ، الحقيقة التي تكمن وراءها ، ويفسر الحلم بذلك تفسيراً كاملاً .

« إن أسلوب الحديث في هذا العالم اللاشعوري لا بد وأن يختلف عن أُسلوب الحديث في الحياة الظاهرية التي تعودناها إختلافاً بيناً ، واننا لا نستطيع في بادىء الأمر أن ندرك المقصود من تلك الأحاديث فيجب في الوهلة الأولى أن نسعى لتفسير وتوجيه مظاهرها بحسب الآلف باء المصطلحة عندنا ، لأن لغة الأحلام تشبه اللغات البدائية كالمصرية ، والكلدانية ، والمكسيكية ، في أنها مكونة من رموز وعلائم ، ولا بد من تفسير هذه الرموز في كل مرة حسب الإِصطلاح الجاري والمعمول به عندنا » (١) .

وقد جاء في الحديث : « للرؤيا كنىً وأسماء ، فكنوها واعتبروها بأسمائها » (٢) .

« إن تبدل الشكل الباطن إلى الصورة الظاهرة نسميه بالحلم . والعمل المعاكس له أي تبديل الصورة الظاهرة بالباطن نسميه بالتحليل » (٣) .

والآن نعرض لبعض نماذج من الأحلام المعبرة من حيث التحليل النفسي في الإِسلام :

١ ـ « قال رجل لعلي بن الحسين عليه‌السلام : رأيت كأني أبول في يدي . قال : تحتك محرم . فنظروا فإذا بينه وبين إمرأته رضاع » (٤) . في هذا الحلم نجد أن اليد ـ وهي عضو من أعضاء البدن ـ كناية عن الأخت ـ وهي عضو الأسرة ـ والبول رمز للمني . والإِمام عليه‌السلام فسر البول في اليد بنكاح المحرم . فإن كان

____________________

(١) فرويد ص ٣٩ .

(٢) بحار الأنوار ج ١٤ ص ٤٣٦ .

(٣) تفسير الأحلام ص ١٨ .

(٤) المستطرف من كل فن مستظرف ج ٢ ص ٨٩ .

٣١٦

الرجل يعرف أن زوجته هي أخته في الحقيقة ، فان تفسير الحلم يعتبر إختباراً نفسياً واكتشافاً للضمير الباطن للرجل . وإن لم يكن يعرف ذلك ، فهو الإِلهام .

٢ ـ « أتى إلى أبي عبد الله عليه‌السلام رجل فقال : يابن رسول الله رأيت في منامي كأني خارج عن مدينة الكوفة في موضع أعرفه ، وكأن شيخاً من خشب أو رجلاً منحوتاً من خشب على فرس من خشب يلوح بسيفه ، وأنا أُشاهده فزعاً مرعوباً . فقال له عليه‌السلام : أنت رجل تريد إغتيال رجل في معيشته . فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك . فقال الرجل : أشهد إنك قد أوتيت علماً واستنبطته من معدنه . أخبرك يا بن رسول الله عما قد فسرت لي . إن رجلاً من جيراني جاءني وعرض علي ضيعة ، فهممتُ أن أملكها بوكس كثير لما عرفت أنه ليس لها طالب غيري » (١) .

٣ ـ « جاءت إمرأة إلى ابن سيرين فقالت له : رأيت كأني أضع البيض تحت الخشب فتخرج فراريج . فقال ابن سيرين : ويلك إتقي الله فانك امرأة توفقين بين الرجال والنساء فيما لا يحبه الله عز وجل ، فقيل له من أين أخذت ذلك ؟ قال : من قوله تعالى في النساء : ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ) وشبه المنافقين بالخشب : « كأنهم خشب مسندة ». فالبيض النساء ، والخشب : هم المفسدون ، والفراريج : هم أولاد الزنا » (٢) .

وكان الأمر كما ذكره ابن سيرين ، وانكشف سر المرأة بتلك الرؤيا .

٤ ـ « روي عن ابن سيرين أنه أتاه رجل فقال : رأيت كأني أقشر بيضة وأرمي صفارها وآكل بياضها . فقال ابن سيرين : هذا رجل نباش للقبور ، فقيل له : من أين أخذت هذا ؟ فقال : البيضة : القبر . والصفار : الجسد . والبياض : الكفن . فيلقي الميت ويأكل ثمن الكفن وهو البياض » (٣) .

____________________

(١) روضة الكافي ص ٢٩٣ . والإِغتيال هما بمعنى : الخديعة .

(٢) حياة الحيوان للدميري ج ١ ص ٢٣٤ ـ دجاج .

(٣) حياة الحيوان للدميري ج ١ ص ٢٣٤ ـ دجاج .

٣١٧

لقد ظهرت الخيانة الخفية للرجل الذي كان يشق القبور ليلاً ويسرق الأكفان بصورة حلم ، مع تغيير شكل الضمير الباطن . ولقد إستطاع ( ابن سيرين ) العالم الحاذق ، أن يفسر تلك الرؤيا ويكتشف ذلك السر .

٥ ـ « جاء رجل إلى ( ابن سيرين ) ومعه جراب ، فقال له : رأيت في النوم ، كأني أسد الزقاق سداً وثيقاً شديداً فقال له : أنت رأيت هذا قال : نعم ، فقال لمن حضره : ينبغي أن يكون هذا الرجل يخنق الصبيان وربما يكون في جرابه آلة الخنق ، فوثبوا عليه ، وفتشوا الجراب ، فوجدوا فيه أوتاراً وحلقاً فسلموه إلى السلطان » (١) .

٦ ـ « جاء رجل إلى ( ابن سيرين ) قائلاً : رأيت فيما يرى النائم أني أجامع فأرة ، ويخرج من فرجها تمرة . فقال له ابن سيرين : هكذا أفهم أنك متزوج بامرأة زانية . قال : نعم . قال له : إنها حامل . وأبشرك بأنها تلد لك ولداً طاهراً شريفاً » (٢) .

٧ ـ « وجاءه رجل فقال له : رأيت كأني أسقي شجرة زيتون زيتاً ، فاستوى جالساً ، فقال : ما التي تحتك ؟ قال : علجة إشتريتها . وفي رواية جارية وأنا أطؤها ، فقال : أخاف أن تكون أُمك ، فكشف عنها فوجدها أُمه » (٣) .

يتضح من استعراضنا لهذه النماذج القليلة من تفسير الأحلام أن الإِختبار النفسي والوصول إلى الضمائر الخفية للأفراد عن طريق تفسير أحلامهم ليس أمراً جديداً حتى يتصور أن فرويد أول من ابتكرها وتختص بمدرسته . . . وأن في الإِسلام أفراداً أذكياء ونوابغ طرقوا هذا الباب قبله . ومنهم مفسر الأحلام الشرقي ( ابن سيرين ) حيث بدأ تجاربه وأعماله الرائعة قبل ١٣ قرناً .

____________________

(١) المستطرف ج ٢ ص ٨٨ مطبعة الإِستقامة القاهرة ١٣٨٣ هجري .

(٢) نامه دانشوران ج ٢ ص ١٧٦ .

(٣) المستطرف ج ٢ ص ٨٨ .

٣١٨

نصيحة في نقل الحلم :

للرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصيحة دقيقة في الرؤيا . إنه يقول : « لا تقصها إلا على وادٍ ، أو ذي رأي » (١) . أما بالنسبة إلى الواد ( الصديق ) فانه إن لم يكن يعرف طريقة تفسير الحلم ، فلا أقل من أنه لا يعجل للإِنسان بفكرة مشؤومة ، وخاطرة سيئة . « وإن لم يكن عالماً بالعبارة ، لم يعجل بما يغمك » . . . ثم يتطرق صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بيان فوائد ذكر الحلم لمن يجيد تفسيره فيقول : « ولعله أن يكون في تفسيرها موعظة يردعك عن قبيح ما أنت عليه » .

فرويد ونظريته البتراء :

إن الموضوع الجدير بالإِنتباه هو أن نظرية فرويد حول الأحلام بتراء وغير ناضجة . لقد نظر فرويد كغيره من الماديين إلى جميع الأمور نظرةً مادية فقط . وكما انحرف عن الطريق السوي في موضوع الخالق والدين ، فقد إنحرف ـ لاتجاهه المادي البحت ـ في موضوع الأحلام أيضاً ، ولم يستطع أن يدرك الواقع من جميع جهاته . إنه يرى الأحلام مظهراً للأفكار الباطنة فقط .

« يمكن وصف الحلم بأنه تحوير الأفكار المخفية إلى الشكل الظاهر . والخلاصة أن الحلم ليس موجداً ، لا يخلق شيئاً من نفسه ولا يحكم أو يستنتج » .

« إن عمل الحلم عبارة عن التلخيص أو الإِيجاز ، التبديل أو التحوير ، تغيير الصورة أو التمثيل . . . ومن ثم فهو التنظيم والطلي بالشكل الذي إنتهينا من شرحه قبل قليل » .

« والذي يبدو لي أن قسماً من محتويات الحلم يكون نتيجة للنشاط الذهني في النوم ، ولكن الذي يتضح من تحليل الحلم أن هذه التعقلات كانت موجودة في الأفكار الباطنة للشخص الحالم . وظهرت بعينها في النوم » .

____________________

(١) البحار ج ١٤ ص ٤٣٧ .

٣١٩

« كل قصة منطقية واستنتاجية تشاهد في الحلم هي نفسها التي كانت موجودة في الأفكار الباطنة » (١) .

وكما أن الكهنة كانوا يفسرون الأحلام بالتنبؤات عن الوقائع المستقبلة وكان تفسيرهم خاطئاً . . .

وكما أن طائفة من علماء القرن السادس عشر والسابع عشر كانوا يرونها معلولة لسلسلة من الأعمال العضوية ونشاطات بعض الأنسجة العصبية ، وكانت نظرتهم هذه خاطئة . . .

كذلك نظرية فرويد في حصر جميع الأحلام بخصيصة نفسية واحدة وهي أنها مظهر للوجدان الباطن . . . فانها غير صحيحة ، إن ما لا شك فيه أن طائفة من الأحلام عبارة عن تجليات الضمير الباطن وهذا القسم منها يعتبر سلماً يربط وادي النفس الخفية بوادي النفس الظاهرة . وهذا ما قال عنه الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « والذي يحدّث به الإِنسان نفسه ، فيراه في منامه » .

وهذه الطائفة هي التي قام بتفسيرها على أحسن وجه ( ابن سيرين ) في عدة موارد . لقد توهم فرويد أن جميع الأحلام يجب أن تفسَّر وتُعبّر بنفس اللغة ، وإن منشأ خطأه هو حصره هذا .

الحقائق المجهولة :

ما أكثر الأشخاص الذين توصلوا إلى اكتشاف حقائق مجهولة في الماضي والحاضر عن طريق الأحلام ، ولطالما كان الحلم مخبراً بصورة صريحة أو مع شيء من التحوير ـ وبمساعدة التفسير ـ عن بعض الحقائق التي لم تكن تخطر على بال الحالم أو ضميره الباطن ! ! وإن هذه الطائفة من الأحلام من الكثرة بمقدار انها لا تقبل الإِنكار والتكذيب . وهناك في الأسر الشرقية والغربية أفراد عديدون تقع لهم أمثال هذه الأحلام .

____________________

(١) تفسير الأحلام . تأليف فرويد ص ٦٢ .

٣٢٠