الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
ISBN: 964-94553-6-1
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٤٠٧
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (١) .

الصراط المستقيم :

هذا الصراط المستقيم هو الذي شرعه الله في الكون ، وكل الدواب تسير على هذا الطريق السوي . . . والطريق الذي شرعه نبي الإِسلام العظيم هو صراط الله المستقيم أيضاً ، فلله هداية فطرية وهداية تشريعية ، وكلتاهما تمثلان الصراط المستقيم في هذا الكون ، مع فارق بسيط هو أن الحيوانات لا تملك إختياراً في سلوكها طريق الهداية الفطرية ، بينما البشر حر في إتباع الهداية الشريعية وعدم إتباعها : ( وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) (٢) .

إن القرآن يقوم بنصيحة بني الإِنسان الأحرار في سلوك طريق السعادة ويخاطبهم بقوله : إن هذا هو صراطي المستقيم فاسلكوه ولا تتفرقوا في السبل التي تبعدكم عن جادة الحق وطريق الفطرة فتقعون في التيه .

إن للإِنسان والحيوان كليهما صراطاً مستقيماً في طريق تكاملهما الصراط المستقيم الذي يسلكه الحيوان تكويني ، والصراط المستقيم الذي يسلكه الإِنسان تشريعي . وكلا الطريقين معينان من قبل الله تعالى .

والفرق بينهما أن الحيوان مجبر في سلوكه طريقه التكويني ولكن الإِنسان مختار في ذلك . ( وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) (٣) .

في هذه الآية نجد أن الله تعالى يعبّر عن الهداية الغريزية للنحلة بالوحي . إن هذه الحشرة الصغيرة تلقت برنامج عملها عن طريق الوحي الإِلهي وفي مقام التنفيذ نجدها مجبرة على إتباع الإِلهام الإِلهي خطوة أثر خطوة دون أي تخلف .

____________________

(١) سورة هود ؛ الآية : ٥٦ .

(١) سورة الأنعام ؛ الآية : ١٥٣ .

(٢) سورة النحل ؛ الآية : ٦٨ .

١٨١

الهام الخير والشر :

والإِنسان يتنعم من فيض الإِلهام الإِلهي ، فقد ألهمه الله الخير والشر . . . ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) ولكنه على العكس من النحلة حر في تنفيذ الإِلهام الإِلهي والجري على طبقة . فله الحرية الكاملة في أن يتبع قوانين الله وأحكامه فينال بذلك السعادة والكمال ، أو يتخلف عنها فيقع في ورطة الشقاء والفساد : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) (٢) .

إن جميع الموجودات الأرضية والسماوية تقف ـ بحكم قانون الفطرة ـ وقفة الخضوع والعبودية أمام خالقها العظيم ، ولا يتخلف أحد منها عن هذا الواجب التكويني ، ولكن بعض أفراد البشر نجدهم يخرجون ـ بسوء إختيارهم وإساءة التصرف إلى حريتهم ـ عن هذا الواجب . . . فالبعض يؤدون هذا الواجب وهو الخضوع أمام خالقهم العظيم بحرية ، وآخرون يخرجون عليه بحرية أيضاً . ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ، وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) (٣) .

فنجد تعبير القرآن الكريم هنا حيث يتحدث عن الموجودات الأرضية والسماوية وجميع ما في الطبيعة من نبات وجماد وحيوان يقول بأنهم جميعاً يسجدون لله ، لكنه حين يصل إلى الإِنسان فيقول إن كثيراً منهم يسجد وطائفة كثيرة أيضاً تستحق العذاب . . . .

حسن الاختيار :

للإِمام موسى بن جعفر عليه‌السلام حديث طويل حول العقل والعاقل مع هشام ابن الحكم ، وأول فضيلة يذكرها للإِنسان العاقل ، عبارة عن حريته وحسن إختياره . فهو يقول : « يا هشام : إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في

____________________

(١) سورة الشمس ؛ الآية : ٨ .

(٢) سورة الشمس ؛ الآية : ٩ .

(٣) سورة الحج ؛ الآية : ١٨ .

١٨٢

كتابه فقال : ( فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (١) .

إن الحرية المطلقة والاختيار الكامل الذي لا يحده شرط أو قيد إنما يختصان بذات الله فقط : ( كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) (٢) .

لقد أراد الله للحيوانات عند خلقها أن تكون فاقدة للإِرادة والاختيار وأن تطبق مراسيم الهداية التكوينية بدون أي اعتراض ، لكنه تعلقت إرادته في مورد خاص أن يخلق موجوداً مالكاً للإِرادة والاختيار ، ويمنحه شيئاً من الحرية والقدرة . . . فخلق الإِنسان ووهبه العقل ، وأبصره بطريق السعادة والشقاء ، وأعطاه الحرية في مقام العمل ، حتى يستطيع الذهاب إلى أي إتجاه أراد باختياره .

وهب أن بنية الإِنسان تتكون من نفس العناصر الأولية لهذا العالم وبالرغم من أنه يشترك مع عالم النبات والحيوان في صفات طبيعية كثيرة ولكنه يمتاز عنها بميزة تجعله لائقاً لتحمل مسؤولية الحرية والإِختيار . ففي الإِنسان توجد ثروة خاصة . وكنز إلهي دفين ، وشعلة نيرة ، وروح سماوية تجعله يرتقي على جميع الموجودات في الطبيعة .

يتحدث الله تعالى في القرآن الكريم للملائكة عن إرادته لخلق الإِنسان فيقول : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ، فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (٣) .

روح الله :

نعم هذه روح الله تعالى . . . فمتى تمت تسوية بناء هيكل الإِنسان ونفخ الله تعالى فيه من روحه وجب على الملائكة أن يسجدوا له . إن تسوية الهيكل ليست مختصة بالإِنسان ، بل هي موجودة في جميع الموجودات . إن الله تعالى

____________________

(١) الكافي ج ١ص ١٣ .

(٢) سورة آل عمران ؛ الآية : ٤٠ .

(٣) سورة الحجر ؛ الآية : ٢٩ .

١٨٣

يقول في خلق السماء : ( رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ) (١) . وبالنسبة إلى نبات الأرض يقول : ( وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ) (٢) .

إذن : فالشيء الذي يختص به الإِنسان ، ويسبب له العظمة والرقي والكمال هو الحقيقة المجهولة التي يعبّر الله تعالى عنها بروحه .

« عن محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل : ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) قال : روح إختاره وإصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه ، وفضله على جميع الأوامر فأمر فنفخ منه في آدم » (٣) .

« عن أبي بصير عن أبي جعفر في قول الله عز وجل : « ونفخت فيه من روحي قال : من قدرتي » (٤) . فنجد الإِمام الباقر عليه‌السلام يعبّر عن روح الله في هذا الحديث بالقدرة الإِلهية .

قابلية الائتمار والانتهاء :

لقد منح الإِنسان شيئاً من قدرته ومشيته المطلقة ، وبعد خلق آدم ظهرت أولى مظاهر القدرة والإِختيار والحرية في توجه الأمر والنهي إليه من قبل الله .

( وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ، وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (٥) .

الأمر والنهي ، كل ولا تأكل ، إفعل ولاتفعل . . . كل ذلك يمكن تصوره في فرض الاختيار والإِرادة فقط . وإنما يقال للرجل ظالماً حيث يملك الحرية في العمل ويخرج على القانون بإرادته .

____________________

(١) سورة النازعات ؛ الآية ٢٨ .

(٢) سورة الحجر ؛ الآية ١٩ .

(٣) تفسير البرهان ص ٥٥٧ .

(٤) تفسير البرهان ص ٥٥٨ .

(٥) سورة البقرة ؛ الآية : ٣٥ .

١٨٤

ونستنتج من استعراض النماذج السابقة : إن الإِنسان يمتاز بمكانة خاصة من جهة الإِرادة والاختيار . فالحيوانات تنقاد للهداية التكوينية دون أي قيد أو شرط ، وتنفذ أوامر الغرائز الكامنة فيها بجبر ودون أي قدرة على الخروج . لكن الإِنسان حر في تنفيذ أوامر العقل . وهنا يجب أن لا نغفل نقطة مهمة هي : إن جسد الإِنسان وروحه ، صورته ومعناه ، عقله وإرادته ، وبصورة موجزة : ذاته وجميع صفاته في قبضة القدرة الإِلٰهية . إنه مخلوق وجد بإرادة الخالق القاهرة ، إنه موجود تمتع بالوجود بفضل إرادة موجده ، وإن وجوده قائم به . والحرية الحقيقية ، والإِختيار الكامل إنما يكونان للخالق العظيم الذي تكون ذاته المقدسة وصفاته الكمالية قائمة بذاته الأزلية ، والذي لا يحتاج إلى أحد ، في حين أن الجميع يحتاجونه ، وعلى هذا فإن الإِنسان ليس مجبراً ولا مكتوف اليدين في أعماله لأن أفعاله مستندة إلى العقل والإِرادة وليس أسيراً للغرائز كسائر الحيوانات ، ومن جهة أُخرى فليس الإِنسان مختاراً مطلقاً وحراً بلا قيد أو شرط لأنه هو وحياته وجميع صفاته قائمة بذات الله تعالى ، والمختار المطلق والقادر الحقيقي هو الله القائم بذاته ، والإِنسان واقع في مرحلة وسطى بين المختار المطلق والمجبر المطلق.

يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام : « لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين » (١) .

« . . . عن أبي الحسن الرضا ، قال : قلت له : إن أصحابنا بعضهم يقول بالجبر وبعضهم يقول بالاستطاعة . فقال لي : أكتب ، قال الله تعالى : يا ابن آدم ، بمشيتي كنت أنت الذي تشاء ، وبقوتي أديت إلي فرائضي ، وبنعمتي قويت على معصيتي » (٢) .

يستفاد من كلام الإِمام الرضا عليه‌السلام أن الإِنسان ليس مجبراً ، لأنه يعمل باختياره ولكن إختياره يستند إلى الإِفاضة الإِلهية ، فهو يملك إرادة بإرادة الله ويملك قدرة بقدرة الله ، والعبارة الجامعة في هذا المقام هي الجملة التي يقولها

____________________

(١) بحار الأنوار للمجلسي ج ٣ ص ٦ .

(٢) عيون أخبار الرضا ج ١ ص ١٤٤ .

١٨٥

أكثر المصلين في صلاتهم . . . ( بحول الله وقوته أقوم وأقعد ) .

إذن فالنقطة الثانية التي يختلف فيها العقل عن الغريزة هي أن أوامر الغريزة تنفّذ بصورة جبرية ، بينما نجد أن الإِنسان حر في الإِنقياد إلى أوامر العقل .

التكامل اللامحدود :

٣ ـ هناك فرق كبير بين الغرائز والعقل ، وهو أن عدد الغرائز محدود وللتكامل الناشيء من الغرائز حد ثابت لا تتجاوزه ولكن الإِنسان يستطيع التدرج في مراتب الكمال ـ بفضل عقله وحريته ـ بدون أن يحد ترقيه حد معين ، وكلما يتقدم يجد مجال التقدم والتكامل أمامه مفتوحاً . ولهذا السبب فإن المجتمع الإِنساني كان ولا يزال يخطو الخطوات الواسعة في مجال التقدم في ظل عقله وتفكيره ، مبتكراً في كل فن آلاف التحولات والتطورات في شؤون الحياة المختلفة . أما الحيوانات السجينة في قلعة الغرائز فأنها باقية في نفس الحد الذي كانت عليه قبل عشرات القرون ولم ترفع خطوة واحدة في سبيل الترقي والتكامل الجديد .

وبالرغم من أن الحيوانات مصونة من التعرض للإِنحراف والخطأ بفضل غرائزها ، لكن الإِنسان معرض للخطأ والاشتباه مرة بعد أُخرى ، وهب أن الغرائز توجد أشد التنظيم وأدقه في حياة الحيوانات ، ولكن الإِنسان لم يصل ـ لحد الآن ـ إلى تنظيم حياته الاجتماعية والعقلية بشكل متشابه لما هو موجود في غرائزه . . . بالرغم من هذا كله فأن قيمة العقل لا يمكن أن تقاس مع الغريزة . إن الآلة الحاسبة تجيب على العمليات الحسابية بسرعه وانتظام وليس في مقدور أحد من بني الإِنسان أن يحل المسائل بتلك السعة والسرعة ، ولكن لا تستطيع الآلة الحاسبة أن تتعدي العمليات المحدودة الخاصة بها ، وكذللك الغرائز الحيوانية فشأنها شأن الآلة الحاسبة في السرعة والمحدودية. إن ميزة العقل البشري على الغرائز الحيوانية هي بقدر ميزة عقل المهندس المخترع للآلة الحاسبة على الآلة نفسها ، إن النتائج الحاصلة من الآلة الحاسبة ليست ناشئة من الفكر والتدبر ،

١٨٦

وكذلك الحيوانات فان أفعالها ليست على أساس الروية والتفكير :

« إن الحيوانات بالرغم من جهلها بنفسها وبيئتها ، تجد طريق الوصول إلى مسالك الحقيقة بدقة عجيبة ، أما الإِنسان فليس كذلك . وكأن الحياة إتخذت للتكامل في العالم طريقين مختلفين : أحدهما الغريزة والآخرة الذكاء والإِرادة » .

« إن جميع الموجودات ما عدا الإِنسان تملك شيئاً من العلم الفطري عن العالم وأنفسها . هذه الغرائز تقودها بشكل دقيق تماماً للوصول إلى الحقيقة . وعليه فلا تملك حرية خداعة . إن الموجودات التي تتميز بالعقل هي التي تخدع وتقبل التكامل في النتيجة . أما الحشرات فهي على عكس ذلك ، تتميز بنظام جماعي ثابت لم يطرأ عليها التغيير منذ عشرات الآلاف من السنين وحتى اليوم » .

« إن أنثى الكلب ـ على العكس من أنثى الإِنسان ـ لا تخطىء في مراقبة صغارها أبداً ، الطيور تعرف متى يجب أن تبني أعشاشها . والنحلة تعرف المواد الضرورية للملكة أو العمال أو الحرس . إن الحيوانات لا تملك حرية وذلك لأتوماتيكية الغريزة ، ولذلك فهي لا تستطيع أن تعيش كما يعيش الإِنسان متمتعاً في أسلوب حياته بإرادته وحريته . إن الإِنسان لا يعرف بعد كيفية إدارة نفسه ، ولم يوفق أبداً لبناء تمدّن معتدل وكأن الشعور الإِنساني لم يصل إلى تلك الدرجة من الكمال التي يستطيع بها أن ينظم حياته الإِجتماعية بنسبة الدقة الموجودة في تنظيم الغريزة لتجمع النحل . وعليه فأن جهودنا يجب أن تبذل بصورة رئيسية في دعم رصيدنا الروحي » (١) .

____________________

(١) راه ورسم زندكي ص ٢٨ .

١٨٧

أثر التربية في الحيوان :

هناك بعض الحيوانات مثل الخيل والكلاب والقردة تملك شيئاً من الذكاء . ويمكن إخضاعها للتربية إلى درجة ما . والمربي يستطيع أن يعلمها قسطاً من الصفات . ولكن العقل الذي هو منشأ الترقي والتكامل العلمي ورصيد التفكير يختص بالإِنسان . ولهذا السبب فأن التربية مؤثرة إلى درجة ما في الحيوانات الراقية . مما لا شك فيه أنه لا يمكن تربية الحصان بشكل يستطيع معه يوماً أن يشترك في المؤتمر الأعلىٰ للبحوث الذرية في الجامعة ويتحدث عن كيفية تحطيم النواة المركزية للذرة . والكلب مهما تربى بصورة فائقة فأنه لا يستطيع أن يبحث عن سرطان الدم وأساليب علاجه . فالحيوان مهما كان راقياً وذكياً يحذو حذو غريزته في الحياة دائماً ولا يملك أدنىٰ قدرة على التخلف عن الهداية التكوينية له .

« بالرغم من كون الغريزة عند الحيوانات الراقية كالقرود والفيلة والكلاب محاطة بهالة من الذكاء فإن الغريزة هي الحاكمة والمسيطرة في الأفعال الحيوية الرئيسية لها » (١) .

يقول الإِمام الصادق عليه‌السلام في حديثه إلى المفضل : « تأمل خلق القرد وشبهه بالإِنسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه والمنكبين والصدر وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضاً بأحشاء الإِنسان ، وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يومىء إليه . . . أن يكون عبرة للإِنسان في نفسه ، فيعلم أنه من طينة البهائم وسنخها . إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب . ولولا فضله الله بها في الذهن والعقل والمنطق كان كبعض البهائم . والفصل الفاصل بينه وبين الإِنسان بالصحة هو : النقص في العقل والذهن والنطق » (٢) .

نعود فنقول إن الفرق الثالث بين العقل والغريزة هو أن الإِنسان يواصل سيره التكاملي في ظل العقل والتفكير ، بينما الحيوان محصور في قلعة الغرائز

____________________

(١) راه ورسم زندگى ص ٢٨ .

(٢) بحار الأنوار للمجلسي ج ٢ ص ٣٠١ .

١٨٨

إن الحيوانات التي تملك شيئاً من الذكاء والفطنة تقبل التربية إلى درجة ما . ومع ذلك فأن حياتها قائمة على أساس الغرائز الفطرية .

تنمية الأفكار :

٤ ـ والفرق الرابع بين العقل والغريزة هو : أن الغرائز تصل إلى مرحلة الفعلية مع النمو الطبيعي للحيوان . ولا تحتاج في ذلك إلى التربية والتعليم . أما العقل فأنه ينمو على أثر التوجيهات الصحيحة في التعلم والتربية ويظهر كماله الباطني بصورة تدريجية ، وينتقل من القوة إلى الفعلية وبعبارة أُخرى : فأن العقل يصل إلى حياته اللائقة به في ظل التوجيهات اللازمة وإذا فقد التنمية الصحيحة ولم يقع في طريق التفكير السليم فأنه يموت ويفقد أثره . إن الهدف الأول للأنبياء ـ ونبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخصوص ـ هو إحياء العقل وتنمية أفكار الناس : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) .

فها هو القرآن يدعونا إلى تلبية أوامر الله والرسول وتطبيق تعاليمه . إن كل ما كان يحدث عند الجاهلية من شرك وعبادة للأصنام وإرتكاب للجرائم وَوأد البنات كان نتيجة قتل العقل وإطفاء نور التفكير .

يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إن للجسم ستة أحوال : الصحة والمرض والموت والحياة والنوم واليقظة . وكذلك الروح : فحياتها علمها وموتها جهلها ، ومرضها شكلها ، وصحتها يقينها ، ونومها غفلتها ، ويقظتها حفظها » (١) .

فالسعادة تكون لمن كانت روحه حية بالعلم ، وسالمة باليقين ، ويقظة بالتنبّه . إن الإِسلام يعتبر التفكير واستخدام العقل والتدبر في عوالم الطبيعة أعظم العبادات . وقد وردت بهذا الصدد آيات وروايات كثيرة ، كان الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يوصي ولده الحسن عليه‌السلام فيقول : « لا عبادة كالتفكر في صنعة الله عز وجل » (٢) .

____________________

(١) البحار ج ١٤ص ٣٩٨ .

(٢) سفينة البحار للقمي مادة ( فكر ) ص ٣٨٢.

١٨٩

لكي يصل الإِنسان إلى الكمال الإِنساني ، عليه أن يفكر ، يحيي عقله ، يتدبر في آثار خلق الله . . . ويصل عن هذا الطريق إلى أوج الرقي المقرر له .

*  *  *

نستنتج مما سبق : إن دليل الحيوان في حياته هو الغريزة ، ودليل الإِنسان هو العقل ، الكمال الناشيء من الغريزة ثابت دائماً ويسير على وتيرة واحدة . أما العقل فأنه يقود الإِنسان إلى كمالات وترقيات جديدة . الغرائز لا تحتاج إلى التعهد والتربية وتظهر لوحدها ، أما العقل فيجب أن يصل إلى مرحلة الفعلية عن طريق التربية الصحيحة .

العواطف والمشاعر :

يجب علينا أن لا نغفل حقيقة مهمة : وهي أن سعادة الإِنسان ليست مرتبطة بتكامل عقله فقط فهناك ثروة أُخرى في كمين الإِنسان بالإِضافة إلى العقل ألا وهو العاطفة . إن ما لا شك فيه هو أن الشعور العاطفي يجب أن تراقب رعايته بالصورة الصحيحة شأنه في ذلك شأن العقل . فالعقل والعاطفة يجب أن يسيرا في طريق الكمال المنشود كتفاً لكتف . وفي ظل هاتين القوتين العظيمتين يستطيع الإِنسان أن ينال مقامه اللائق به .

ومع أننا سنتطرق بالتفصيل إلى البحث عن العواطف وقيمة المشاعر في المراحل التربوية وجميع شؤون الحياة في البحوث القادمة ، لكننا هنا نذيّل بحثنا عن العقل ببعض الجمل عن العاطفة وأهميتها بصورة موجزة .

دور العقل والعاطفة :

يلعب العقل دور الدليل المرشد في ضمان سعادة الإِنسان ، ولكن الطاقة المحركة له هي العواطف والمشاعر . العقل في الحياة يشبه العدل في كونه ضرورياً للمجتمع . ولكن العقل والعدل كليهما أمران صارمان لا يملكان مرونة وحناناً . أما اللحام الذي يربط بين أجزاء المجتمع ويوجد الأخاء والحب بينها فهو العاطفة . لقد ورد ذكر العدل والإِحسان معاً في القرآن الكريم ، فهو يأمر

١٩٠

بهما معاً : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) (١) .

والمجتمع يحتاج في تحديد حقوق الأفراد ، وتعيينها إلى العدل ، ولكن بالعاطفة والإِحسان يروي ظمأ المجتمع من الحب والحنان ، إن غذاء العقل هو العلم ، وغذاء العواطف هو الأخلاق والفضيلة . ومما لا شك فيه أن العقل هو أساس السعادة الإِنسانية ، ولكن الإِنسان يبحث عن محبوب آخر يمنحه الطاقة الحرارية ويسبب له الحيوية والنشاط والرفاه ، ذلك هو العاطفة . إن جميع التضحيات ، ومظاهر الأيثار ، الحب والحنان ، الشفقة والمساعدة الحب والوفاء . . . كل ذلك ينبع من المشاعر العاطفية .

« لايوجد أحد يضحي بنفسه في سبيل الحقيقة العلمية تماماً . إن الجدران المرتفعة على أساس الجهل والتماهل والكسل لا تتحطم بالمنطق أبداً . إن ما يدفع الإِنسان إلى العمل هو العقيدة لا المنطق . إن العقل لا يستطيع أن يمنحنا قوة الحياة طبقاً لطبيعة الأشياء ، إنه يرشدنا إلى الطريق فقط ولا يدفعنا إلى الأمام أبداً . نحن لا نقدر على التغلب على العوائق التي في طريقنا ما لم تنبعث من أعماقنا موجة من العواطف ، والحب فقط هو الذي يستطيع تهديم الحواجز العالية الضخمة التي تخفي خلفها إثرتنا وأنانيتنا ، ويشعل فينا لهيب الشوق والعشق ويجرنا بأسارير مفتحة إلى طريق التضحية المؤلم . إن مطالعة كتاب في الحقوق لا يبعث فينا الشوق والرغبة » (١) .

تزكية النفس :

وكما يسعى الإِنسان في سبيل إحياء مواهبه الفكرية ، وإدراك الحقائق العلمية ويحرز تقدماً جديداً في كل يوم . . . عليه أن يسعى في سبيل تزكية نفسه وتطهيرها أيضاً . يحيي بذلك إنسانيته ، ويرضي عواطفه النبيلة بالفضائل

____________________

(١) سورة النحل ؛ الآية : ٩٠ .

(٢) راه ورسم زندگى ص ١١٣ .

١٩١

الأخلاقية . إن المجتمع الذي يقوم على العلم فقط ويكون فاقداً للفضيلة والأخلاق لا يطاق . لأنه لا يوجد في ذلك المجتمع إطمئنان وإرتياح بال والناس يكونون كراكبي سفينة في وسط بحر هائج يشعرون بخطر الغرق والسقوط في كل آن . وبغض النظر عن الجانب الديني فإن الفضائل الخلقية والملكات الطاهرة من الضروريات الحيوية لمجتمع سعيد فاضل .

« عن علي عليه‌السلام أنه قال : لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقاباً لكان ينبغي لنا أن نطالب بمكارم الأخلاق ، فأنها مما تدل على سبيل النجاح » (١) .

إن شطراً مهماً من سعادة المجتمع مرتبط بالفضائل الخلقية ، كما أن شطراً مهماً من شقاء المجتمع وفساده له إرتباط وثيق بالإِنحطاط الخلقي والصفات البذيئة . يقول الإِمام علي عليه‌السلام : « رُبَّ عزيز أذلَّه خلقه ، وذليل أعزه خُلقُه » (٢) .

وعن الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه قال : « حسن الخُلق يزيد في الرزق » (٣) . وعن الإِمام علي عليه‌السلام : « في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق » وعنه أيضاً : « حسن الخلق خير رفيق » .

إن من أهم الخصائص الكبرى التي يمتاز بها الأنبياء ، والتي كانت السبب المباشر في تأثيرهم في المجتمع ونفوذهم الى عقول الأفراد وأفكارهم هي ملكاتهم الطاهرة وسجاياهم العظيمة : « إن الله خص الأنبياء بمكارم الأخلاق » (٤) . وبهذا الصدد جاء الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذاكراً الهدف الأسمى من بعثته وظهوره بين ظهراني المجتمع الجاهلي آنذاك قائلاً : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » (٥) .

____________________

(١) آداب النفس للسيد محمد العيناثي ج ١ص ٢٦ .

(٢) سفينة البحار للمحدث القمي مادة (خلق) ص ٤١١ .

(٣) المصدر نفسه .

(٤) المصدر السابق ص ٤١٠ .

(٥) المصدر السابق .

١٩٢

« إن الخطأة الاجتماعية الكبيرة في عصرنا الحالي هي الإِعراض عن اتباع قانون التكامل الروحي . وحصر الروح بصورة إستبدادية عنيفة بالقوى العقلانية ، وتربية القوى الفكرية فقط ، ذلك أن الفكر يستطيع بمساعدة العلم أن يضمن السيطرة على جميع الأشياء لكنه تناسى النشاطات الروحية الأُخرى . إن الإِنسان المعاصر لم يفهم بعد خطر الخروج على قانون التكامل الروحي ، ويظن أن التنمية الفكرية تعادل التربية الروحية ، ولم يعلم بعد أن إلى جانب العقل توجد النشاطات المعنوية اللازمة للسير الصحيح في الحياة . إن السيطرة التدريجية للفساد وقلة الأدب والانحراف والإِدمان على الخمرة والكسل والحسد والحقد والتزوير والكذب والخيانة تحصل عندما يسحق قانون التكامل الروحي » (١) .

« إنه خطأ فظيع إرتكبه دعاة التمدن والتجدد في إهمالهم للتكامل الروحي. إن العمر الروحي للأغلبية العظمىٰ من الناس لا يتجاوز الـ ١٢ أو ١٣ عاماً » (٢) .

تنمية العقل والعاطفة :

يشكل العلم والأخلاق جناحين قويين لطيران الإِنسان إلى أوج الإِنسانية . إن المجتمع الذي يعمل على إحياء العقل والعاطفة معاً هو أسعد المجتمعات فبالعلم يتقدم نحو الترقي والتكامل ، وبالعواطف والأخلاق توجد البيئة الصالحة . . . البيئة التي يسودها جوّ من الحب والحنان والإِخلاص حيث يعيش الجميع في غاية المودة والأخاء .

حيث توجد الأخلاق والعواطف ولا يوجد علم فلا تكامل هناك ولا تقدم ، ينعدم الإِدراك لحقائق الحياة هناك ، الإِنسان يكون محروماً من الإِنتصارات العلمية الباهرة في تلك الصورة .

____________________

(١) راه ورسم زندگي ص ٦٧ .

(٢) المصدر السابق ٦٢ .

١٩٣

وحيث يوجد العلم ولا يوجد إيمان ولا فضائل ، وحيث يوجد العلم ولا يوجد شرف ولا تقوى وحيث يوجد العلم ولا يوجد أثر للفضائل الخلقية والإِنسانية . . . هناك تظهر الأنانية والأثرة ، وهناك يسيطر الجشع والحرص على الناس ، هناك يقع الأفراد في شرك الفساد والخيانة ، هناك تجد الاعتداء والتجاوز على حقوق الآخرين ، يعكر جوّ الصفاء والأمن . . .

إن المهندس الفني في صنع السيارة يراعي الموازنة بين قوة المحرك وقوة جهاز الإِيقاف ( البريك ) . فكلما يزداد المحرك إلى الجانب الإِيجابي أي الحركة ، يزيد على قدرة الإِيقاف وهو الجانب السلبي وذلك لكي يحمي السيارة ومسافريها في اللحظة الحرجة وعند الإِشراف على السقوط ويسيطر عليها فيوقفها .

والتقدم العلمي في العالم المعاصر بمنزلة التكامل المتزايد لقوة المحرك الإِجتماعي . أما الفضائل الخلقية فأنها بمنزلة ( البريك ) الذي يحفظ الناس في ساعة الخطر من الموت والسقوط . والإِنسان يكون سعيداً عندما يرفع من المستوى الإِيماني والأخلاقي في الوقت الذي يلاحظ فيه الترقيات العلمية في العالم . وذلك ليستخدم العلم في الطريق المفيد فقط . ومن المؤسف أن البشرية سالكة في الإِتجاه المخالف لهذا الطريق منذ مدة . . . وكأنَّه كلما تتقدم العلوم ، يأخذ الإِيمان والتقوى في التناقص والتقلص .

إن العالم اليوم أصبح ـ بضعف الجانب الإِيماني والأخلاقي فيه ـ أشبه بسيارة بلا ( بريك ) تستمر في سيرها بصورة قلقة ، والناس يقضون حياة مليئة بالاضطراب والقلق وهم خائفون من أن تصل بهم الحياة إلى رأس منزلق يؤدي بهم إلى الهاوية ، فيأمر الرؤساء باشعال النار وحينذاك يستغل التقدم العلمي للتخبط في النار والدم والقضاء على الكرة الأرضية في بضع ساعات .

« إذا بقي الذكاء حراً غير تابع للإِدراك المعقول أو الإِلهام بالقيم الأخلاقية فذلك أمر خطر جداً . فالذكاء ليس يجرنا إلى الماديات فحسب ، بل يجرنا إلى البهيمية . هذه الأسطر كتبت قبل إطلاع

١٩٤

العالم على إختراع القنبلة الذرية بفترة وجيزة ، وهذا الإِختراع يظهر معاني هذه الكلمات بصورة واضحة . فقد إنتبه الناس فجأة إلى أن انتصاراً عملياً عجيباً يهدد السلام العالمي بصورة فظيعة وفجأة رأت الدول التي نسميها بالمتمدنة أن إتحاداً أخلاقياً فقط هو القادر على حمايتهم تجاه هذا الخطر . الوقت ضيق إلى درجة أنه يمكن الحصول على النجاة المحتمل بواسطة المعاهدات المكتوبة فقط ، ولكن الكل يعلم أن الاعتماد والإِطمئنان إلى هذه المعاهدات لا يتجاوز إعتبار الشخص الموقع عليها إذا لم يكن هذا الشخص أمينأً ومخلصاً أو لم يكن ممثل أمة تكسب كلامه وشرفه رصيداً متيناً ، فلا يبقى معنى لتلك الإِتفاقيات . إنه لأول مرة في تاريخ البشرية نرى أن الصراع بين الذكاء والقيم الأخلاقية صار موضوعاً حيوياً يتوقف عليه الحياة أو الموت . نحن نأمل أن نستفيد من هذه العظة ، ولكن المؤسف إننا نشك في ذلك . . . » (١) .

لعلم في ظل الايمان :

لقد قامت الآيات الأولى التي نزلت لأول مرة على نبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بعثته على عمودي الإِيمان والعلم ، فلقد قال تعالى : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ) (٢) فلقد قدم بذلك الإِيمان بالخالق العظيم ، ثم عقب عليه بذكر العلم : ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (٣) .

من هنا نستنتج أن العلم الذي يكون في ظل الإِيمان ، يكون مصوناً من كل خطر ، ويسبب سعادة البشرية . أما إذا إنفصل العلم عن الإِيمان بالله فمن الممكن أن يعود بالأضرار الباهظة في بعض الحالات .

____________________

(١) سرنوشت ص ١٨٠ .

(٢) سورة العلق ؛ الآيتان : ١ ـ ٢ .

(٣) سورة العلق ؛ الآيات : ٣ ـ ٤ ـ ٥ .

١٩٥

التربية السليمة للطفل :

إن تعهد العقل والعاطفة بالتربية والتنمية ، والذي هو أساس سعادة الإِنسان يجب أن يبدأ من مرحلة الطفولة . فمرحلة الطفولة أحسن مراحل تعلم الأسلوب الصحيح في الحياة . فقدرة الإِقتباس والتقليد وحاسة التقبل عند الطفل شديدة ، فباستطاعته أن يتلقى جميع حركات المربي وسكناته ، وأقواله وأفعاله بدقة عجيبة أشبه بعدسة تصوير . وفي الوقت الذي يتكامل جسد الطفل وينمو يجب أن تسلك روحه في طريق التعالي والتكامل أيضاً وكما يعتني بسلامة جسد الطفل يجب أن يعتني بسلامة مشاعره ومعنوياته . يجب تعويد الطفل على النظافة ، الأدب ، الصدق ، المسؤولية ، العطف ، حب الخير ، وعشرات الصفات الفاضلة الأخرى فمن الصعوبة بمكان تغيير سلوك الأشخاص الذين لم يتعودوا في أيام طفولتهم على السلوك التربوي الصحيح . إن أسعد الناس هم أولئك الذين نشأوا على التربية السليمة والصفات العالية منذ حداثة السن حتى أصبحت جزء من كيانهم ، بحيث تظهر عليهم في الكبر دون أيما تكلف أو تصنع .

وهكذا يلعب الآباء والأمهات دوراً مهماً في بناء سعادة الأطفال ويتحملون مسؤولية كبيرة على عواتقهم . وفي الواقع أن المدرسة الأولى للتربية هي حجر الأم .

« من الصعوبة لفرد بالغ أن يقلع من نفسه جذور التربية الروحية والخلقية والفكرية الفاسدة . فالعادات البذيئة لا تقلع جذورها . إن الذين تعودوا منذ الصغر على إطاعة قوانين الحياة هم وحدهم الذين يستطيعون أن يسلكوا طريقاً صحيحاً . هذا هو واجب الأبوين ، فعليهما القيام به خصوصاً في الأعوام الأولى من عمر الطفل . وإذا كانا يجهلان الأساليب الفنية التربوية ـ الجسدية منها والروحية ـ والتي تختلف بحسب العمر والجنس والبيئة ، فلا يستطيعان القيام بهذه المهمة . فالأم بصورة خاصة محتاجة إلى هذه المعلومات » .

١٩٦

« ولأجل أن يقع التعليم والتربية مفيدين يجب التبكير في ذلك ، أي أنه يجب الاهتمام بالجوانب الفسيولوجية للطفل فقط منذ الأسابيع الأولى للولادة ، وبعد مضي عام واحد يجب أن يبدأ بالمسائل الروحية . إن قيمة الزمن ليست واحدة للطفل ولأبويه . إن يوماً واحداً في السنة الأولى أطول بكثير من يوم واحد في السن الثلاثين . وربما تبلغ الستة أضعاف بالنسبة لأكثر الحوادث الفسيولوجية والروحية . وعليه فيجب أن لا يهمل الدور الطفولي الخصب بلا إنبات . فمن المحتمل أن تكون نتيجة تنفيذ مقررات الحياة أكثر حتمية طوال الأعوام الستة الأولى من الحياة » (١) .

قلب الطفل صفحة بيضاء :

يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لولده الحسن : « إنما قلب الحدث كالأرض الخالية . ما ألقي فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك » (٢) .

إن قلب الطفل صفحة بيضاء ، لا يوجد فيها فكرة صحيحة أو خاطئة . والأباء والأمهات الشاعرون بالمسؤولية هم الذين يستغلون ذلك أقصىٰ الاستغلال ويجعلون قلوب أطفالهم تتزين بالملكات الفاضلة والأخلاق الحميدة .

إن عواطف الطفل ومشاعره تظهر قبل عقله ، ويمكن الاستفادة من أحاسيسه قبل ذخائره العقلية بكثير . إن الأطفال في جميع أنحاء العالم يرسلون إلى المدارس بعد السنة السادسة ، ومن ذلك الحين تتفتح المواهب الفكرية للطفل ، في حين أحاسيسه ومشاعره تبدأ بالنشاط قبل ذلك بزمن طويل .

وفي الوقت الذي لا يفهم الطفل المسائل العلمية ولا يدركها ، يدرك القضايا العاطفية وتؤثر فيه كالحدة والغلظة ، اللين والرفق ، العطف

____________________

(١) راه ورسم زندكي ص ١١٨ .

(٢) نهج البلاغة ص ٤٤٢ .

١٩٧

والحنان ، الإِحترام وعدم الاعتناء وغير ذلك ، وبصورة موجزة فأن موضوع تنمية المشاعر والأحاسيس يشغل قسطاً مهماً من المسائل التربوية . ويقع عبء المسؤولية في أداء هذا الواجب على الأبوين بالدرجة الأولى . فرياض الأطفال عاجزة عن أن تحل محل العائلة والأم في أحياء جميع مشاعر الطفل الخفية بصورة لائقة ، وهداية الطفل إلى السير الطبيعي الفطري .

لقد بحثنا في هذه المحاضرة عن العواطف بصورة موجزة ، في ذيل البحث عن العقل . ونأمل أن نفصل القول فيها في المحاضرات القادمة لنتبين أهمية تنمية المشاعر من الناحيتين العلمية والدينية .

١٩٨

المحاضرة الثامنة

تغذية الجسد والروح

قال الله تعالى في كتابه : ( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ) (١) .

طول مرحلة الطفولة عند الانسان :

إن مرحلة الطفولة عند صغار الإِنسان أطول من جميع مراحل الطفولة عند اللبائن الأُخرى . والمقصود من مرحلة الطفولة هو : الفترة التي لا يستغني فيها الطفل تماماً عن أبويه ، بل هو محتاج إليهما فيها .

هناك بعض الحيوانات التي لا تملك دوراً طفولياً أصلاً كأغلب الأسماك والحشرات . إن السمكة تضع البيض في أحضان الطبيعة ، فيتكامل البيض على أثر العوامل الطبيعية ـ وبقلم القضاء الإِلهي ـ وفي اليوم الذي تخرج فيه صغار الأسماك من البيض تذهب نفسها وراء الحياة والطعام ولا تحتاج إلى رعاية الأبوين .

وهناك بعض الحيوانات التي تملك دوراً طفولياً كالسباع والطيور والدواب ، لأنها بعد الولادة حتى فترة من الزمن تحتاج في التغذية والرعاية إلى

____________________

(١) سورة عبس ؛ الآية : ٢٤ .

١٩٩

الأبوين . والبعض منه يحتاج إلى الأم فقط ، ولكنها بصورة عامة لا يتجاوز دور الطفولة عندها عن بضعة أسابيع أو أشهر فسرعان ما تنفصل عن الأبوين مستمرة في حياتها بصورة مستقلة . أما مرحلة الطفولة عند أطفال الإِنسان ( أي أيام إحتياجهم إلى الأبوين ) فهي تطول على مثيلاتها عند الحيوانات بكثير ، وتمتد إلى فترة بعيدة .

إن البنيان الجسدي لصغار الحيوانات ينمو بسرعة ، وبعد فترة قصيرة تكون جاهزة للإِنتفاع منها في طريق الحياة ، أما النمو الجسمي لأطفال الإِنسان فهو يحتاج إلى وقت طويل . . . فيجب أن تنقضي أشهر عديدة حتى يستطيع الطفل أن يفتح أصابعه ويمسك بها شيئاً ، ويستغرق سنة واحدة حتى يكون قادراً على المشي بعد الإِنكباب والنهوض ، ويحتاج إلى عامين أو أكثر لكي يتفتح لسانه تدريجياً للتكلم ، وتمر بعد ذلك أعوام كثيرة حتى يستطيع أن يدرك شيئاً عن العالم الخارجي بالنسبة إلى نفسه وأهله ، وأعوام أطول ضرورية له لتكسبه نوعاً من الاستقلال والشخصية كي يستطيع بهما من العيش لوحده في المجتمع .

اللبائن ترضع صغارها لعدة أسابيع أو أشهر وتلتزم برعايتها ، ثم تتركها ، لأن الصغير قد جُهز في هذه الفترة القصيرة بكل متطلبات الحياة ويقدر على إدارة نفسه بنفسه .

لكن المرأة ترضع طفلها عامين كامليين تلتزم برعايته طوال هذه المدة وتعتني بصحته ونظافته وحمايته عن الحوادث فتحافظ عليه من البرد والحر والحريق ، والغرق ، والسقوط ، وما شاكل ذلك . . . وعندما تفطمه ، فليس طفلها إنساناً كاملاً بل هو طفل عاجز ، يجب أن يخضع لرعاية الأبوين وتمر عليه السنين حتى يصبح إنساناً سوياً قادراً على الحياة المستقلة . على الرغم من أن سرعة النمو العضلي عند الحيوان وبطأه عند الإِنسان تعتبر من علل قصر أيام الطفولة عند الحيوان ، ولكن ما لا شك فيه أن أحد الأسباب المهمة لطول فترة الطفولة عند الإِنسان يرتبط بموضوع التربية والتعليم . إن صغار الحيوان تتلقى أسلوب

٢٠٠