🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
ISBN: 964-94553-6-1
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

ومن هذه المقارنة بين صنع الله وصنع الإِنسان نصل إلى بعض النكات التي تتعلق بموضوع بحثنا وهي : ـ

١ ـ الأثر يدل على المؤثر :

يدرك الإِنسان بصورة فطرية أن لكل مصنوع صانعاً ، كما يدرك كل فرد ـ مثقفاً كان أو أمياً ، وحشياً أو متمدناً ـ إن للطائرة والسيارة صانعاً صنعهما ، وإن للعمارات الصغيرة والضخمة بانياً بناها ، ولقد كانت القبائل الوحشية تدرك هذا الموضوع أيضاً ، فعندما كان أحد يرى آثار أقدام إنسان أو حيوان في صحراء واسعة مغطاة بالثلوج ، كان يقطع بأن إنسان أو حيوان قد عبر من تلك المنطقة . وإذا صادف كوخاً صغيراً وسط صحراء قاحلة قائماً على بعض قطع الأخشاب والأشواك كان يحكم بوجود صانع لذلك الكوخ ، وبالنسبة إلى الكون الذي هو صنع الله تعالى يوجد في فطرة كل إنسان هذا النوع من الإِدراك . فعندما يشاهد شروق الشمس والقمر وغروبهما ، وعندما يرى الربيع واخضرار الأشجار أو الخريف واصفرار أوراقها ، وعندما يلتفت إلى الرعد والبرق والمطر يحس في وجدانه الباطني أن قوة عظيمة وثابتة هي التي أوجدت هذا النظام فيميل إلى البحث عن مصدر هذه القوة . هذا الإِدراك الطبيعي الموجود في باطن جميع الأفراد بقلم القضاء الإِلهي هو تلك المعرفة الفطرية التي يعبر عنها الإِمام عليه‌السلام بأنها ليست إكتسابية وأنها مخلوقة من قبل الله في باطن كل فرد .

٢ ـ المعرفة الاجمالية والايمان التفصيلي :

إن كل فرد يدرك بفطرته أن للطائرة النفاثة صانعاً ، وكل فرد يدرك بصورة طبيعية أن للقاح الخناق الذي يخلص آلاف الأطفال من الموت الحتمي مخترعاً ، ولكن هذا لا يكفي في نظر جميع العقلاء والعلماء في الإِشادة بفضل مهندس مخترع أو طبيب مكتشف . فلو أرادت دولة أو أمة أن تحترم جهود هؤلاء الذين خدموا البشرية يجب عليهم أن يتجاوزوا دور المعرفة الجزئية إلى مرحلة أرقىٰ ، وهي ذكر أسماء المخترعين وهوياتهم وتشجيعهم عن طريق تقديم الهدايا والجوائز إليهم.

٢٦١

وهكذا يدرك كل فرد بفطرته أن لهذا العالم الفسيح خالقاً وأن لهذا الأثر العظيم والعجيب مؤثراً ، ولكن لا يكفي هذا في مقام الشكر لله تعالى وتعظيمه . بل يجب أن يخطو الإِنسان خطوة أوسع ويطلع على آثار قدرة الله ويؤمن به ، ويشكره للنعم الكثيرة التي لا تحد ولا تحصر ، وإن الفطرة الأولى لا تحتاج إلى معلم ، والأنبياء جاؤا لهداية البشر في المرحلة الثانية.

٣ ـ عدم تقدير الجهود :

وبالرغم من أن الناس يستفيدون من مصنوعات بني جنسهم بصور شتى لكن القليل منهم يقدر جهود العلماء والمهندسين الذين صنعوا تلك المصنوعات إن باستطاعة المريض المشرف على الهلاك أن يركب طائرة ويصل في ظرف بضع ساعات إلى أرقىٰ المستشفيات في العالم وتجري له عملية جراحية وينجو من الموت الألم . هذا المريض يعلم أنه لو لم تكن الطائرة ، ولو لم يكن العقار المخدر ، ولو لم تكن العقاقير المطهرة للجراثيم . . . ولو لم تكن عشرات الإِختراعات العلمية فأنه يموت . . . إن المريض يدرك بفطرته أن لكل من هذه المخترعات مخترعاً ، ولكنه في سبيل العلاج والتطبيب لا يفكر إلا في نفسه والمنافع التي يحصل عليها من تلك الإِختراعات غافلاً عن المهندسين العظماء والمخترعين الكبار الذين أوجدوا تلك الصنائع ، ولا يتذكرهم في مقام تقدير جهودهم .

قد يقف الخطيب في قاعة ضخمة ويلقي محاضرة على عشرات الألوف من المستمعين موصلاً صوته إليهم بواسطة جهاز تكبير الصوت وهو يدرك بفطرته أن لهذا الجهاز صانعاً ولولاه لما استطاع أن يوصل صوته إلى هذا العدد الضخم من الناس ، ولكنه غافل عن معرفته الفطرية ولا يتنبه إلى مخترع هذا الجهاز أصلاً ، بل يفكر في رغبته فقط ويتنبه إلى وصول صوته إلى أكبر عدد ممكن من الناس فحسب .

هذا وإن الجميع يعلمون أن هذه الغفلة وعدم تقدير جهود المخترعين والمنشئين لا يغيران من الواقع شيئاً : فَلِكُلِّ مَصنُوعٍ صانِع ولِكلِّ أثرٍ مؤثِّر .

٢٦٢

إن موقف البشر تجاه صنع الله تعالى وتجاه عظمته في تدبير شؤون الكون يشبه الموقف السابق . فجميع الناس يستفيدون من نعمه التي لا تعد ولا تحصىٰ كل يوم ، وكلهم يدركون أن لهذا الخلق خالقاً ، ولكل مصنوع صانعاً فبعضهم يقدرون عظمة الخالق ويشكرونه على نعمه ولكن البعض الآخر يتنكرون له ولا يعترفون له بالجميل والفضل والأنعام . . .

العالم الإِلهي والعالم المادي كلاهما يلاحظان النظام الدقيق في الكون وكلاهما يدركان أسرار الحكمة والعظمة في العالم . . . مع فارق كبير بينهما هو أن العالم المادي يرى النظام فقط ، أما العالم الإِلهي فأنه يرى النظام والمنظم معاً ـ. وفي نفس الوقت الذي يهتم فيه بدقائق صنعه ، وشواهد عظمته يتجه إلى عظمة الخالق ويقف خاضعاً تجاه مقامه المنيع مقدماً مراسيم الشكر والثناء والاعتراف بالجميل .

٤ ـ المهندس القدير والصدفة العمياء :

لنفرض أنه يوجد في مخزن ما مليونا طن من الأحجار والطابوق والأسمنت والحديد والجص والأخشاب والزجاج واللوالب والمقابض والأسلاك والأنابيب وغير ذلك من المواد الإِنشائية . وكان مليون طن من هذه المواد تحت إختيار مهندس معمار ، فإنه يخرج تلك الكمية من المخزن وينشىء على أرض مسطحة عمارة ذات ثلاث طوابق . . . وبعد مدة يأتي سيل جارف ويخرج المليون طن من المواد الإِنشائية . الباقية في المخزن إلى الخارج ويكومها على بعد بضع كيلومترات مكوناً تلاً من ذلك الخليط . العمارة ذات الثلاث طوابق إنما هي إنتاج ذلك المهندس القدير ، والتل المتراكم عمل طبيعي للسيل .

إن العقلاء من كل أُمة وفي أي عصر حينما يدخلون العمارة التي أنشأها المهندس يجدون أن كل شيء قد وضع في محله حسب نظام دقيق ومحاسبة أساسية : فالطابوق في داخل البناء والرخام فوقه والأعمدة الحديدية ذات القياسات الخاصة تحفظ السقف ، والأبواب مرتبة في أماكنها والأسلاك مربوطة بالأزرار والمصابيح الكهربائية ، وحنفيات الماء البارد والحار متصلة بالأنابيب

٢٦٣

ومعدة للعمل في الحمام والمغسلات ، والسلالم تربط طوابق العمارة ببعضها حسب هندسة دقيقة . . . وبصورة موجزة فإن كل شيء في ذلك البناء موضوع في محله والنظام يسيطر على جميع أجزاء البيت .

أما حين يذهب العقلاء إلى التل الذي صنعه السيل ، فلا يجدون نظاماً هناك . فأحجار الرخام قد ركدت تحت الطين وأعمدة الحديد مبعثرة هنا وهناك ، والأسلاك متشابكة فيما بينها وملتفة بصورة مشوشة حول الأعمدة والأحجار ، والأبواب مكسرة وشبه مكسرة ، البعض منها بصورة أفقية والآخر بصورة عمودية ، وبصورة موجزة : فإن الشيء الذي يفتقد في نتاج السيل هذا ، هو النظام والقياس الصحيح .

يتضح للناظر العاقل من مقارنة هذين النموذجين أن صانع العمارة كان عالماً ، وأن صانع التل كان فاقداً للعلم والشعور ، ولقد وضع المهندس كل شيء في محله حسب قياسات محاسبات دقيقة أما السيل فلم يكن نتاجه صادراً عن وعي وإرادة بل إن إندفاع الماء قد بعثر كل شيء في مكان ما من دون نظم أو ترتيب .

إن بناء الكون الفسيح ونظامه العظيم مركب من آلاف الملايين من الأجرام الكونية الصغيرة ، والكبيرة ، وإن الكرة الأرضية التي نعيش على ظهرها إنما هي جزء صغير من تلك الأجرام التي لا تعد ولا تحصىٰ ، وأن الأحياء على ظهر هذا الكوكب من نبات وحيوان وإنسان كل منها ذرة صغيرة جداً بالنسبة إلى الكرة الأرضية نفسها . إن فطرة كل فرد ترشده إلى أن لهذا الصنع العظيم صانعاً وأن لهذا البناء المحير وهذا الأثر العجيب مؤثراً . وإن الإِلهيين والماديين ويتفقون في هذا الأمر الفطري لكنهم يختلفون في معرفة هذا الصانع وتعيين هذا المؤثر .

يرى الماديون ـ أي المنكرون لله ـ إن الكون العظيم نتيجة الصدفة فقط فهناك ملايين الحوادث غير الإختيارية والعوامل غير الإِرادية طوال آلاف الملايين من السنين إجتمعت لتوجد هذا الأثر وتنشىء هذا البناء وبعبارة أوضح .

٢٦٤

انهم يقولون أن العالم يشبه ذلك التل المبعثر والقائم على غير قياس ونظام . . . الموجود نتيجة جرف السيل لتلك المواد الإِنشائية .

أما الإِلهيون فانهم يرون أن مظاهر النظام والترتيب الدقيق تبدو في كل زوايا الوجود ، وإن الصدفة العمياء والطبيعة الفاقدة للإِرادة والوعي غير قادر على أن توجد هذا الأثر الحكيم والمليء إدراكاً ووعياً . إن الله العالم القادر الحكيم هو الذي أقام نظام الكون على أساس المحاسبة الدقيقة والنظام المتقن ، وبعبارة أوضح : فإن هذا الكون أشبه بتلك العمارة المنظمة الجميلة التي أنشأها تفكير المهندس القدير وعلمه ، حيث نجد كل شيء مستقراً في محله حسب قياس صحيح ـ

لقد استدل العالم الشهير ( داروين ) على عقيدته بالنسبة إلى الله تعالى في رسالة له إلى عالم ألماني عام ١٨٧٣ م بهذه الصورة :

« إن العقل الرشيد والفكر السليم لا يشك أبداً في إن من المستحيل أن يوجد هذا الكون الفسيح مع هذه الآيات الواضحة والشواهد المتقنة ، مع هذه النفوس الناطقة والعقول المفكرة نتيجة للصدفة العمياء الجاهلة . ذلك إن الصدفة العمياء لا تستطيع أن توجد نظاماً دقيقاً وبناء قويماً . وهذا في نظري أكبر شاهد على وجود الله . أنا لا أبحث عن بقية البراهين والأدلة التي تثبت وجود الله ، لأن باستطاعة هذا البرهان وحده أن يقنع كثيراً من الباحثين والمتتبعين » (١) .

« يقول العالم الذائع الصيت ( أنيشتين ) : يندر أن نجد شخصاً لا يملك بين أفكاره العلمية العميقة شعوراً دينياً . لكن ذلك الشعور الديني يختلف عن شعور البسطاء . إن شعوره الديني يكون في الغالب بصورة حيرة مجذوبة نحو الإِنسجام الدقيق المشاهد في

____________________

(١) أصل الأنواع ـ مقدمة الترجمة الفارسية ـ ص ٢٦ .

٢٦٥

الطبيعة هذا الإِنسجام يحكي عن عقل عظيم إذا قسنا التفكير البشري والنشاط الإِنساني معه كانا لا شيء تماماً » (١) .

« سئل ( باستور ) بعد إكتشاف أسرار عالم الميكروبات عن رأيه في أصول الديانة فقال : إن عقيدتي بالدين قد ترسخت أكثر من السابق » (٢) .

« ولكن في الاستطاعة أن نشير إلى شيء حدث منذ زمن بعيد ، عند بدء الحياة على الأرض ، وكان له شأن عظيم ، ذلك : أن خلية واحدة قد نمت عندها القدرة المدهشة على إستخدام ضوء الشمس في حل مركب كيماوي ، وإصطناع غذاء لها ولأخواتها من الخلايا . ولا بد وأن لدات أخريات لخلية أصلية أُخرى قد عاشت على الغذاء الذي أنتجته الخلية الأولى ، وأصبحت حيواناً ، في حين صارت الخلية الأولى نباتاً والنباتات التي هي نسل هذه الخلية هي التي تغذي جميع الكائنات الحية الآن ، فهل يمكننا أن نعتقد أن كون خلية قد أصبحت حيواناً ، وأُخرى قد أصبحت نباتاً إنما حدث بطريق المصادفة ؟ » (٣) .

*  *  *

لقد إتضح من البحوث السابقة إن للمعرفة الإِلهية أساساً فطرياً في باطن كل فرد ، وأن هذه المعرفة الفطرية تتحول إلى إيمان تفصيلي بمعونة العقل والتدبير في الآيات الكونية ، وأن أساس الإِيمان والمذهب قائم على الفطرة والعقل ، وبالرغم من أن القرآن الكريم يستند في المعرفة إلى الفطرة ويعبّر عن ندائها بـ ( الدين القيم ) فانه يدعو الناس إلى التدبر في أسرار الخلق ويأمرهم بالتعقل والتفكير .

____________________

(١) إرتباط إنسان وجهان ج ١ ص ٦٩ .

(٢) إرتباط إنسان وجهان ج ١ ص ٢١٩ .

(٣) العلم يدعو للإِيمان ، تأليف إ .كريسي موريسون . ترجمة : محمود صالح الفلكي .

٢٦٦

إن الذين إتبعوا الأنبياء وإهتموا بتربية بذور الفطرة في تربة العقل آمنوا بالله تعالى ، ووقفوا خاضعين أمام عظمته وقدرته . أما الذين لم يصغوا لنداء العقل ، ولن يوجهوا الفطرة بالتدبر والتعقل إلى الوجهة الصحيحة فانهم إنحرفوا عن الطريق المستقيم وسار بعضهم في طريق المادية والاعتقاد بالصدفة بينما سار آخرون في طريق الوثنية وما شاكل ذلك .

الانحراف عن طريق الفطرة :

لقد وجه الشيوعيون ـ الذين يتبعون المبدء الاقتصادي وينظرون كل شيء بمنظار الاقتصاد ـ حملات شعواء ضد الدين والعقيدة .

« يقول لينين : إن الدين أحد وسائل الضغط الروحي على الطبقة الكادحة التي تكد لغيرها دائماً ، وتعيش في الحرمان المستمر . . . إن الماركسية تعتبر جميع المذاهب الحديثة ، والتنظيمات الدينية لعبة بيد الطبقة البرجوازية والهدف من ذلك كله هو استغلال الطبقة العاملة والحط من قدرها . . . » (١) .

هؤلاء يوجهون للتعاليم الدينية إتهامات في كتبهم لا يمكن أن تغفر . وكنموذج على محاولاتهم الهدامة والمخالفة للحقيقة نتعرض لموضوع الصبر في الإِسلام وكيفية تفسير الشيوعيين له ، بالرغم من أن الموضوع خارج عن دائرة بحثنا :

التفسير الخاطىء للصبر في الاسلام :

كان رؤساء العشائر قبل ظهور الإِسلام يحكمون بالظلم والقسوة جماعة من المساكين والضعفاء ، وكانوا يستولون على أموالهم ، ويذيقونهم شر العذاب . ولقد جاء الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر الله ليقيم العدل وينهي ذلك

____________________

(١) المادية التاريخية ص ٩٠ .

٢٦٧

الوضع المخزي وليحفظ للضعفاء حقوقهم ، ويضرب على أيدي الطغاة والظالمين .

ولقد إرتبك الجائرون من موقف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقاموا لمناهضته واتفقوا للوقوف بوجهه . . . وكان على المسلمين الضعفاء أن يقفوا صفاً واحداً أمام جبهة الظلم والجور ، وهذا عمل صعب يتطلب جهداً كبيراً . فأخذ القرآن الكريم في تشجيع معنويات المسلمين وحثهم على المقاومة ، وأمرهم بالصبر في قبال السيوف والرماح ، وطلب منهم مجابهة المصائب بصدر رحب مطمئناً لهم بأن الباطل سيندحر وأن النصر محتم لهم . . .

١ ـ ( فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (١) .

٢ ـ ( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَحِينَ الْبَأْسِ ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (٢) .

٣ ـ ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (٣) .

٤ ـ ( وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ، لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) (٤) .

٥ ـ ( فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَا ضَعُفُوا ، وَمَا اسْتَكَانُوا ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (٥) .

فنجد أن القرآن الكريم يحث المسلمين على الصبر والثبات في مواجهة صفوف الجائرين ودعاة الباطل ، ويدعوهم إلى عدم الرضوخ للباطل وعدم الإِستكانة للظلم ، وحمل راية التوحيد والحق ، والعدل والحرية لطرد العدو .

____________________

(١) سورة الأنفال ؛ الآية : ٦٦ .

(٢) سورة البقرة ؛ الآية : ١٧٧ .

(٣) سورة محمد ؛ الآية : ٣١ .

(٤) سورة آل عمران ؛ الآية : ١٢٠ .

(٥) سورة آل عمران ؛ الآية : ١٤٦.

٢٦٨

أما الشيوعيون فانهم حين يصلون إلى هذه النقطة يقومون بخيانة كبيرة ويعملون ـ على خلاف الإِنصاف والإِنسانية ـ على تشويه الحقيقة وتفسير أمر الإِسلام بالصبر تفسيراً يخالف الواقع فيقولون :

« لقد جاء الدين يؤيد مصالح الطبقة الحاكمة ، ويحث العامل على الجد والتعب والتحمل ، وفي قبال ذلك يعده بالجنة ، ويقول إن الله يحب الذين يتحملون الآلام والمصائب ( إن الله يحب الصابرين ) » (٣) .

يا للوقاحة ! إنهم يعملون على نشر هذه التلفيقات والتحريفات ضد الدين لجرف شباب المسلمين الفارغي الأذهان . . . وليحكم رجال العلم والفضيلة في حق هؤلاء ! ! .

فرويد والفطرة :

يمكن إعتبار فرويد وأتباعه ممن إنصاعوا لكلماته دون وعي أو إدراك من جملة الماديين المنحرفين عن الفطرة ، ولكنهم يسدلون ستار التحليل النفسي والبحث العلمي على إنحرافهم ذاك .

وبما أن موضوعنا يدور حول الفطرة الإِيمانية والوجدان الأخلاقي لا بد من توضيح بعض النقاط عن موقف فرويد من هذه المسألة :

١ ـ إنه لا شك في أن فرويد كان محللاً نفسياً حاذقاً . ولكن علم التحليل النفسي يختلف عن علم معرفة الإِنسان . وكما أن الطبيب يعرف مزاج الإِنسان وليس هو مزاج الإِنسان ، فإن فرويد طبيب نفسي وليس تمام النفس الإِنسانية . وإذا حصر أحد البشرية كلها في علم النفس فقد ظلم الإِنسانية .

« ولن تكون رئاسة السيكولوجيا أقل خطراً من الفسيولوجيا والطبيعة والكيمياء . . . فقد أحدث ( فرويد ) أضراراً أكثر من التي أحدثها أكثر علماء الميكانيكا تطرفاً فان من الكوارث أن نختزل الإِنسان

____________________

(١) المادية التاريخية ص ٩١ .

٢٦٩

إلى جانبه العقلي مثل إختزاله إلى آلياته الطبيعية الكيميائية » (١) .

٢ ـ لقد إعتنى فرويد في معرفة الإِنسان بالشهوة الجنسية قبل كل شيء . وبدلاً من أن يجعل بحثه يدور حول الإِنسان أخذ يبحث عن الجنس ونظر إلى الإِنسان من زاوية الميل الجنسي فقط . إن فرويد يرى أن الإِنسان السعيد هو الذي يروي ظمأه الجنسي بأي طريق شاء . إنه لا يلتفت إلى السجايا الإِنسانية والملكات الفاضلة ، ولذلك فهو ينتقد الأوضاع والتعاليم الدينية وقوانين العالم المتمدن في عدم فسح المجال وعدم إعطاء الحرية الكاملة للناس في إرضاء ميولهم الجنسية ، ولم يرض بهذا الظلم بالنسبة إلى الغريزية الجنسية :

« إن إنتخاب أي موضوع من قبل فرد مراهق ينحصر في الجنس المخالف ، وفي الغالب تمنع الميول الجنسية التي تحصل في الخارج من التوالد والتناسل وذلك بعلة الفساد والإِنحراف . إن هذا العمل يؤثر بنسبة كبيرة في جماعة من الناس ويبعث على تقليل لذتهم الشهوانية وبذلك يسبب إجحافاً شديداً » .

« إن الشيء الوحيد الذي بقي لحد الآن حراً ولم يمنع منه هو الميل نحو الجنس المخالف والتناسل ، وذلك في ضمن قيود خاصة أيضاً ، لأن العلاقة مع الجنس المخالف يجب أن تكون مشروعة أولاً ، ويجب أن يكتفي كل فرد بفرد واحد من الجنس المخالف فقط » (٢) .

إن فرويد يدافع عن الشهوة الجنسية لسحقه للمثل الإِنسانية ، ويعمل من أجل فسح المجال التام أمام ممارستها ! إن إتباع مذهب فرويد في إرضاء الميول الجنسية معناه الإِنحراف إلى طريق الدعارة والفحشاء والشقاء . والأسلوب الفكري الفرويدي يسدد ضربة قاصمة إلى أساس تكوين الأسرة

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ٢١٦ .

(٢) أنديشه هاى فرويد ص ١٢٩ .

٢٧٠

والحنان العائلي وتربية الطفل . إن تحليل كلمات فرويد في الغريزة الجنسية يجر وراءه سلسلة من النتائج الوخيمة التي ننزه اللسان عنها .

٣ ـ إن عقدة الحقارة في مدرسة التحليل النفسي الفرويدي مسألة قابلة للانتباه ، فإن المصابين بهذه العقدة والذين يحسون بالحقارة في نفوسهم تظهر فيهم ردود الفعل المختلفة . فما أكثر سكون الناس وانزواءهم وتكبرهم وتواضعهم ، ونصائحهم ، واستدلالاتهم التي تنبع من عقدة الحقارة . لكن تظهر بالمظاهر الآنفة الذكر .

منشأ عقدة الحقارة عند فرويد :

لقد كان ( فرويد ) معرضاً للإِستهزاء والسخرية في أيام شبابه نظراً لاعتناقه اليهودية ، وإن جميع المترجمين له يصرحون بهذه النكتة :

« ولد سيجموند فرويد في ٦ مايس ١٨٥٦ في مدينة صغيرة ( فرايبرك ) واقعة في ولاية ( مراوي ) ، لقد كان أبوه وأقاربه ينحدرون من عائلة يهودية قديمة ، كانت على أثر الإِضطهاد الذي كان يلاقيه اليهود في تلك العصور قد رحلت من ( بالاتينا ) الواقعة في ( باوير ) وسكنت في ( مراوي ) . والنكتة التي يجدر ذكرها هي أن فرويد كان معرضاً لإِستهزاء وإزدراء زملائه دائماً بالنسبة لمذهبه وعنصره . وإن رد الفعل الذي أوجدته تلك السخرية في نفسه ، يظهر في ميله إلى التطرف والإِنزواء » (١) .

لقد أدى إعتناق فرويد اليهودية أن يعرض للتحقير والإِستهزاء منذ الصغر ، وبذلك سحقت شخصيته وعزة نفسه . هذا الأمر جعله ينظر نظرة تشاؤمية تجاه الدين الذي سبب له السخرية والإِزدراء . فقد كان التفكير في الدين يشوش عليه ويقض عليه مضجعه ، وكان يعجز منه .

« لقد لخص فرويد بحثه في الإِتجاه الديني في هذه الجملة : إني

____________________

(١) انديشه هاى فرويد ص ١٠ .

٢٧١

أجد نفسي مضطرباً وقلقاً عند البحث في أمثال هذه المسائل التافهة ، وإني أعترف بذلك دائماً » (١) .

يرى فرويد : أن الميول المكبوتة في أيام الطفولة لا تنمحي ، بل تنتقل إلى الضمير الباطن وتنشىء ردودها المختلفة طيلة الحياة ، ومن المناسب أن نستفيد من هذه الجملة ونتحقق عن ضميره الباطن لنجد المظاهر التي أدت إليها شخصية فرويد المندحرة وعقدة الحقارة التي كانت ناشئة في ضميره الباطن من جراء السخرية الدينية .

رد الفعل لعقدة الحقارة :

لم يقف رد الفعل الذي أدت إليه عقدة الحقارة في نفس فرويد عند حد الانزواء والإِبتعاد عن المؤثرات الدينية بل راح يثأر لكرامته وينتقم من الإِستهزاءات التي حصل عليها تحت ظل إعتناقه اليهودية . ولقد إستغل البحث النفسي لمناهضة الدين وأعمل جهده في إجتثاث أصول العقيدة وإذ كان هدفه على خلاف الحق والواقع ، فقد أتىٰ بقضايا واهية وكلمات لا أساس لها من الصحة أصلاً .

إنكار الفطرة :

لما كان الإِيمان بالله الأساس الأول للدين في عالم الإِنسان ، ولما كان الإِلهيون والعلماء مستجيبين لنداء فطرتهم وتوجيه عقولهم إلى الإِيمان بخالق الكون الذي أودع فيه هذا النظام الدقيق وهذا الإِنسجام الكامل ، فقد بدأ فرويد في إنكار الفطرة التوحيدية وكانت الخطوة الثانية التي أعقبها في هذا المجال ، التغافل عن المنطق الإِستدلالي والعقلي للعلماء وتعريف الدين بسلسلة من العوامل النفسية تحت ستار من التحليل النفسي .

إن نظرية فرويد بالنسبة إلى الأديان معروفة في جميع الكتب التي

____________________

(١) المصدر السابق ص ٩٢ .

٢٧٢

تعرضت لبيان نظرياته ، وللاستشهاد ننقل هنا بعض البعارات من كتابين بهذا الصدد :

« لا يتفق أي دين مع دليل تام ، فالدين توهم يتخذ قوته من نتيجة تلقي الميول الغريزية عندنا » (١) .

« لا يقوم الدين بأصوله وتعاليمه بعمل من وجهة نظر البحث النفسي غير إيضاح القلق والاضطراب عند الأشخاص . وبعبارة أُخرى فإن فرويد يعتقد أن سبب ظهور الدين يرجع إلى ظاهرتين : أ ـ القلق والاضطراب الإِنساني في قبال الميول الغريزية . ب ـ خوف الإِنسان من الطاقات المتغلبة في الطبيعة » .

« وعلى هذا فإن فرويد على خلاف ( روناك ) لا يرى دخلاً للعقل في تكوين المذهب ، ويعتبره أمراً نفسانياً فقط » (٢) .

« يرى مذهب التحليل النفسي أن الإِستنتاج الديني من الموجودات يرجع إلى حالتنا الطفولية ، إن الطفل يجد نفسه أمام عالم عظيم ، وعلى الأم أن تؤمن مخاوف الطفل تجاه العالم كله وحمايته من الاضطرابات . وبعد ذلك يلقى عبء هذه المهمة على الآباء ، فيجب عليهم القيام بدورهم طوال مدة الطفولة » .

« إن الخوف الناشىء في الطفولة يمتد حتى البلوغ أيضاً وإن الفرد البالغ يستأنس بجميع الأخطار التي تهدد حياته إنه يحتاج ـ كالطفل ـ إلى حماية شبيهة للتي يحتاجها في الأعوام الأولى من حياته في قبال أخطار العالم ومشاكله ولذلك فهو يبدأ ينظر إلى تلك القوة التي فوق البشر وتلك الألوهية كشيء ذي حقيقة » (٣) .

هل كان فرويد جاهلاً في الواقع ، أو أنه تجاهل بسبب عقدة الحقارة

____________________

 (١) فرويد وفرويديسم ص ١٥٠ .

(٢) انديشه هاى فرويد ص ٨٦ .

(٣) فرويد وفرويديسم ص ١٤٨ .

٢٧٣

التي يحسن بها ضد الدين ، لأخذ الثأر ؟ ! .

هل إن آلاف العلماء الإِلهيين الذين آمنوا في الماضي والحاضر بالله كان اعتقادهم مبنياً على أساس البحوث النفسية لفرويد ؟ ! .

أفهل كان السبب في إعتقاد حملة راية العلوم ، وقادة التقدم العلمي بالله في العصر الحديث هو الخوف من قوى الطبيعة الظالمة ـ كما يقول فرويد ؟ !

هل آمن ( أنشتاين ) ذلك العالم الذائع الصيت لأجل القلق والاضطراب من الميول الغريزية أو الخوف من الزلازل ؟.! .

هل إن إعتقاد ( داروين ) بالله كان خوفاً من رعيد السماء وبرقها ليلقي نفسه ـ كالطفل ـ في أحضان السماء ؟ ! .

هل كان منشأ إيمان ( بركسن ) و ( باستور ) العالمين الفرنسيين هو الخوف من أمواج البحر ، أو المواد البركانية التي ألقت بها فوهة بركان ؟ ! .

هل كان إيمان العلماء الإِلهيين في أوروبا وأمريكا في العصر الحديث والذين نالوا جوائز ( نوبل ) ناشئاً عن الخوف من الحوادث الطبيعية ، وهل أن أساسهم النفسي هو الضعف في أيام الطفولة واللجوء إلى الأب السماوي الموهوم ؟ ! .

بأي جرأة علمية يقول فرويد وأتباعه : « لا ينطبق الدين مع أي دليل » ؟ ! .

كيف يدعي هؤلاء إن العقل لا يتدخل في البحث عن الدين ؟ ! .

لماذا يعتبرون إيمان الألوف من العلماء كان خوفاً من القوى الطبيعية الظالمة ويستسهلون هذه التهمة تجاههم ؟ ! .

لماذا هذه المغالطات تجاه الدين من رائد التحليل النفسي الذي يدعي الإِستجابة لنداء الواقع دائماً ؟ ! .

هذه أسئلة يجب أن يجيب عليها الأُناس المثقفون الواعون .

وسنختم بذلك هذه المحاضرة على أن نبحث عن الوجدان الأخلاقي في المحاضرة القادمة .

٢٧٤

المحاضرة الحادية عشرة

الوجدان الأخلاقي

قال الله تعالى في كتابه الكريم : ( لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) (١) .

فطرية الوجدان الأخلاقي :

وجدنا في المحاضرة السابقة كيف يُنكر ( فرويد ) إستناد الوجدان الأخلاقي إلى الفطرة . فلقد صرّح بأن الوجدان الأخلاقي عبارة عن مجموعة النواهي الإِجتماعية والغرائز المكبوتة في مختلف مراحل الحياة تعارف المجتمع على تسميتها بالوجدان .

لكن طائفة كبيرة من العلماء في الماضي والحاضر ترى أن للوجدان الأخلاقي أساساً فطرياً ، وأنه داخل في بنيان الإِنسان وكيانه . ولما لم تكن عقول العلماء وأفكارهم مصونة من الخطأ والإِنحراف ، ولأجل الوصول إلى مقياس صحيح يمكن بواسطته معرفة صحة أقوال شخص عالم أو خطئها يجب أن نعرض نظرياته العلمية على آيات القرآن الكريم والنصوص الصحيحة الواردة عن المعصومين عليه‌السلام . فإنْ كان فيها مخالفة صريحة لتلك الأسس الإِسلامية

____________________

(١) سورة القيامة ؛ الآيتان : ١ ـ ٢ .

٢٧٥

الثابتة فيجب أن نقول ـ بلا ريب ـ أن ذلك العالِم إنحرف عن جادة الحق ، وأن تفكيره كان خاطئاً .

ولأجل أن يتضح موضوع الوجدان الأخلاقي للمستمعين الكرام لا بد من الإِبتداء بذكر الآيات الواردة في المقام ، ثم التعرض للنظريات الحديثة لمقايستها معها ، وذلك للوصول إلى معرفة صحتها أو سقمها .

الاسلام والوجدان الأخلاقي :

يرى الإِسلام أن الوجدان الأخلاقي ( أي القوة المدركة الباطنية التي تميز الخير من الشر ) جزء من البناء التام للإِنسان ، وفطرته ، على أنه وإن لم يرد تسمية تلك القوة الفطرية باسم الوجدان الأخلاقي ، في القرآن والأحاديث لكن قد ورد التصريح بها بعبارات أُخرى :

١ ـ قوله تعالى ( لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) وبصدد تفسير معنى النفس اللوامة ، ينقل صاحب تفسير البرهان هذا الحديث عن علي بن إبراهيم « . . . نفس آدم التي عَصَت خالقها » (١) .

فالإِنسان حين يرتكب ذنباً يسمع نداء اللوم والعتاب من باطنه ، ذلك النداء يقض مضجعه ، إن علماء النفس يسمون هذه القوة التي تلوم الإِنسان بالوجدان الأخلاقي (٢) . والقرآن يسميها بالنفس اللوامة . إن استعمال كلمة ( النفس ) هنا يشير إلى أن القوة اللائمة هي روح الإِنسان نفسه وجزء من هيكله . والحديث أيضاً يؤكد على أن هذه القوة النفسية كانت موجودة عند الإِنسان الأول ( آدم ) أيضاً .

٢ ـ قوله تعالى : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (٣) . ولقد ورد عن الصادق عليه‌السلام في تفسير هذه الآية قوله : « بيَّن لها ما تأتي وما

____________________

(١) تفسير البرهان ص ١١٦٠ .

(٢) جرى علماء النفس على تسمية هذه القوة بالضمير الباطن ، والنفس العليا . . . الخ .

(٣) سورة الشمس ؛ الآيتان : ٧ ـ ٨ .

٢٧٦

تترك » (١) .

يستفاد من استعمال كلمة الإِلهام بالنسبة إلى خلق النفس الإِنسانية أن القوة المدركة للخير والشر هي من الإِفاضات الإِلهية وجزء من خلقة الإِنسان وهيكله .

٣ ـ قوله تعالى : ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) (٢) .

٤ ـ « عن حمزة بن محمد عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن قول الله عز وجل : ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال : نجد الخير والشر » (٣) . يستفاد من ذكر الله تعالى للهداية إلى الخير والشر عند بيان تكوين الإِنسان وبعد ذكر نعمة العين واللسان والشفة ، ان إدراك الخير والشر أمر فطري في الإِنسان ويكون جزءاً من بنائه حيث يقول : ( أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) .

نستنتج من هذه النصوص ونصوص أُخرى في الباب ، أن الإِسلام يعتبر إدراك الخير والشر فطرياً عند الإِنسان ، لكن يجب أن نعلم أنه لا يتسنى للإِنسان إدراك جميع أوجه الخير والشر بصورة فطرية ، وإلا فأي ضرورة في إرسال الأنبياء ؟ ذلك إن الجانب الفطري من هذه الإِدراكات منحصر في المسلمات الأولية للخير والشر أو الفضائل والرذائل ، ويبقى جانب من هذه الإِدراكات يحتاج فيها الإِنسان إلى التعليم والاقتباس .

وبعبارة أوضح نقول : هناك طائفة من الأفعال تكون ضرورية لسعادة الإِنسان وطائفة أُخرى مضرة بسعادته وكماله فنسمي الطائفة الأولى ( خيراً ) والطائفة الثانية ( شراً ) .

الوجدان الفطري والتربوي :

يستطيع الإِنسان أن يصل إلى معرفة الخير والشر من طريقين : الفطرة

____________________

(١) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ١ ص ١٦٣ .

(٢) سورة البلد ؛ الآية : ١٠ .

(٣) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ١ ص ١٦٣ .

٢٧٧

والتربية . فهناك طائفة من الأمور الخيرة والشريرة تذكرها جميع الأمم والشعوب في العالم ، ولا تحتاج في فهمها إلى معلم ، بل إنها من الأمور الفطرية عندهم . ويمكن تسمية هذا القسم باسم ( الوجدان الأخلاقي الفطري ) .

وهناك طائفة من الخيرات والشرور ، لا يدركها الإِنسان بفطرته بل إن الأنبياء ـ القائمين على تربية البشرية ـ هم الذين علمونا حسنها أو قبحها ، وقد أصبحت لها على مرّ العصور جذور عميقة في نفوس الناس ، هذه الطائفة غير فطرية ويمكن تسميتها باسم ( الوجدان الأخلاقي التربوي ) .

إن خيانة الأمانة والتزوج بالأم يشتركان في القبح في نظر الوجدان الأخلاقي للناس ، ولكن الفرق بينهما أن قبح الخيانة ناشىء من طريق الإِدراك الفطري ، أما قبح التزوج بالأم فانه ناشىء من تعليم وتربية الرجال العظماء في العالم . ولهذا فيجب أن نقول : إن الخيانة قبيحة بحكم الوجدان الأخلاقي الفطري . وأن التزوّج بالأم مذموم بحكم الوجدان الأخلاقي التربوي .

نظرية فرويد واتباعه :

« إن الطفل يرغب في الحركة والنشاط بحرية ، ولكن هذه الرغبة تصطدم منذ البداية بمقتضيات الحياة الإِجتماعية إنه يرغب في أن يرفع إحتياجاته الطبيعية كما يشاء ولكنه يُلزم بمراعاة النظام والنظافة ، فلا يُترك الطفل في أن يعتدي على رفيقه كما يشاء أو أن يعضّ أمه ، أو يحطم دماه ووسائل لعبه ، وأخيراً فانهم يقفون حجر عثرة أمام إرضاء ميوله الناشئة من الأنانية والإِعجاب بالنفس » .

« لما كان كل ميلٍ يتعين بهدف خاص ، فعلى الطفل أخيراً أن ينصرف عن هدفه في هذه الموارد . إن ما يهم لبحوثنا وتحقيقاتنا هو أن نعلم ماذا سيؤدي إليه هذا ( الإِنصراف ) ؟ » .

« يجب أن نبحث عن أن جميع مظاهر الميول المكبوتة في الوجدان الباطني ، معلولة لعدم ملائمتها مع الظروف الإِجتماعية » .

٢٧٨

« توجد الرغبات المكبوتة في الشعور الباطني ، ولكن يجب أن نتذكَّر أن هذه الميول تحتل جزءاً من الشعور الباطن فقط . فالشعور الباطن يحتوي على عناصر أُخرى منها بعض العوامل النفسية الموروثة عند الإِنسان . وما يتسرب إلى الشعور الباطن للطفل في مراحل تكامله من طاقات لم تجد لها مجالاً للإِستغلال » (١) .

« يرى فرويد أن الوجدان الأخلاقي ليس إلا ردّ فعل . وليس عملاً ذاتياً أو عميقاً يرتبط بالروح الإِنسانية بل إنه تأمل ساذج في المحرمات الإِجتماعية » (٢) . يرى فرويد أنه لا يوجد تصور للخير أو الشر لا في تاريخ البشرية ولافي تاريخ الفرد ، هذه التصورات تتفرع من المحيط الإِجتماعي فقط » (٣) .

من هذه الجمل القصيرة نصل إلى أن ( فرويد ) لا يرى للوجدان الأخلاقي أساساً فطرياً أصلاً . بل يرى أنه كما يوضع اللجام في فم الحصان الشموس للسيطرة عليه ، كذلك يفعل الوجدان الأخلاقي ـ الذي هو حصيلة النواهي الإِجتماعية ـ في تهدئة السلوك الإِجتماعية والمحافظة على النظام فيه . بينما نجد أن طائفة كبيرة من العلماء في العصر الحديث يخطئون نظريات فرويد ويرون أن الوجدان الأخلاقي يستند إلى أساس فطري عميق في النفس الإِنسانية ، وله جذور ثابتة في طبيعة الإِنسان . وإن نداءه الطاهر والسماوي يُسمع من الأعماق في جميع مراحل الحياة ، وفي الحالات المختلفة.

« يقول روسو في كتابه ( أميل ) بهذا الصدد : إن الوجدان هو الغريزة التي تتحدى الفناء بقوة السماء . وهو المرشد الباعث على الإِطمئنان عند الأفراد البسطاء والمحدودين لكن الأذكياء والأحرار ،

____________________

(١) أنديشه هاى فرويد ص ٣٣ .

(٢) بيماريهاى روحى وعصبى ص ٦٤ .

(٣) أنديشه هاى فرويد ص ١٠٥ .

٢٧٩

وهو الحكم المستقيم في سلوكه والمميز بين الخير والشر » (١) .

« إن مشاهدة الأمراض الروحية من جانب ، والقوى الروحية الطبيعية من جانب آخر ترينا بعض القضايا التي تشهد على الأهمية العظمىٰ للوجدان الأخلاقي في البحوث النفسية ، وفرق ذلك مع ( ردّ الفعل ) » (٢) .

« ليس الوجدان الأخلاقي في طاقة مفتعلة بل إنه أعمق العوامل في الطبيعة الإِنسانية ، ليس في وسع الأفراد إطفاء أو دحر هذا الوجدان بالتظاهر بالأمور المختلفة . ومضافاً إلى ذلك فإن ثبات الوجدان الأخلاقي العجيب حتى في أشد الحالات المرضية . وفي حالة الجنون والإِنحطاط الروحي ، وبقاءه بعد خفوت شعاع العقل والذكاء يزيد على أهمية ذلك في الروح الإِنسانية . يتساءل بعض العلماء : أليس الوجدان الأخلاقي حصيلة التعليم والتربية والدين ؟ ولكن يجب أن نتذكر أنهم قد حصلوا في الأدوار الأولى على آثار واضحة لهذا الوجدان . إن إستغفار القبائل البدائية واستيحاشها يدل على قدم الوجدان منذ تلك العصور . وإن إنكار هذه الحقيقة بمثابة أن لا نفهم من الشخصية الإِنسانية أي شيء » (٣) .

عدم نضج كلمات فرويد :

ونظراً للتطرف الشديد الملحوظ في كلمات فرويد ، فقد صرح كثير من العلماء المعاصرين ببطلانها ، وأوردوا الأدلة المفصلة في ردها .

فقد إستعمل فرويد أُسلوب الأساطير بدل البحث العلمي البحت والتحليل الواقعي في موضوع الوجدان الأخلاقي والدين . إنه يبني أصول المذهب

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ جنايت ص ١٥ .

(٢) بيماريهاى روحى وعصبى ص ٦٤ .

(٣) المصدر السابق ص ٧٦ .

٢٨٠