الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
ISBN: 964-94553-6-1
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٤٠٧
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

لقد توفيت زوجة أحد العلماء القديرين المعاصرين ، وكانت تطلب في أيام حياتها مبلغاً مهماً من المال من شخص ما ، ويوجد عندها سند يثبت الدين ، والمدين طالبهم بالسند الرسمي ، ولقد قامت إبنة المتوفاة بالبحث عن السند في البيت كله ، وفي أي مكان تحتمل وجوده فيه من دون أن تصل إلى نتيجة . ولم يكن المدين مستعداً لدفع دينه دون أن يقبض السند الرسمي . فيئس الورثة من استحصال الدين . وفجأة رأت الخادمة في الحلم أنها رأت سيدتها المتوفاة تأمرها بأن تخبر ابنتها بأن السند في جيب الثوب الفلاني ، فذهبت البنت إلى مكان ذلك الثوب ووجدت السند فيه كما أخبرت به الخادمة . هذه الرؤيا لا يمكن تفسيرها حسب أُصول التحليل النفسي لفرويد . فليست ظهوراً لمكنونات الضمير الباطن للخادمة . فان الخادمة لم تكن تعرف عن موضوع الدين والسند أي شيء أصلاً ، حتى تعرف محله ! .

لهذا النوع من الأحلام حساب خاص ، أوضحه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : « . . . بشرى من الله » كما مر ، وهي نوع من الإِلهام الإِلهي ، وهي كثيرة إلى درجة أنها لو جمعت من كل عصر لأصبحت بصورة كتاب كبير . لم يتحدث فرويد عن هذا النوع من الأحلام أصلاً ، ولا يستطيع أن يقول شيئاً عنها ، ذلك أن فرويد رجل مادي ، وإن الإِعتراف بهذا النوع من الأحلام والإِذعان لها ( وهي تكشف عن حقائق مجهولة تماماً ) لازمة إعتراف بالمبادىء الروحية ، والتصديق بعالم ما فوق المادة ، والإِعراض عن المذهب المادي ، وفرويد غير مستعد للإِعتراف بهذا الأمر . هب أن امتناعه عن الإِعتراف بالحقيقة ، لا يغير من الواقع شيئاً ، ولا تستطيع أفكاره الهوجاء إخفاء حقيقة مسلمة تملك آلاف الشواهد الحية عند شعوب العالم المتحضر .

*  *  *

وإتماماً للفائدة ، نعرض لبعض النماذج من هذا النوع من الأحلام أيضاً :

١ ـ حلم ملك مصر : لقد رأى ملك مصر ـ كما يحدثنا القرآن ـ سبع بقرات ضعاف تأكل سبع بقرات سمان ، وسبع سنابل يابسة ومعها سبع سنابل

٣٢١

خضراء . . . « فقال الملك : إني أري سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون » (١) .

فعرض رؤياه على رجال بلاطه وعلماء بلاده ، فعجزوا عن تعبيرها ، وسموها بأضغاث أحلام . . .

أما يوسف الصديق ، فقد كان حاذقاً في تعبير الرؤيا ، وفسر الحلم الذي رآه الملك بالشكل التالي : جدوا في أمر الزراعة لسبع سنين ، وادخروا في كل عام ما يفضل من قمحكم ، واخزنوا الزائد عن الإِستعمال في سنابله فبعد هذه الأعوام السبع يجتاح البلاد قحط عظيم ويستمر هذا القحط لسبع سنوات ، ويقع الناس في حرج وشدة . وفي هذه الفترة يجب الإِستفادة من القمح المخزون . ولقد تحقق كلام يوسف تماماً واستفادوا في « أعوام القحط من ذخائر السنوات السابقة ونجت البلاد في ظل دراية يوسف من السقوط الحتمي والموت المحتم ، وعلى أثر هذا التفسير العلمي الدقيق والخدمة العظيمة التي أسداها يوسف إلى الشعب المصري فقد صار محبوباً من قبل الناس ، وأدى ذلك إلى أن يصل يوسف ـ بمساندة الرأي العالم ـ إلى زمام الحكم لسنوات طوال .

لم يكن حلم ملك مصر تلخيصاً لمكنونات الضمير الباطن ، ولم يكن التفسير العجيب الذي أدلىٰ به يوسف مستنداً إلى الإِختبار النفسي ، والتوصل إلى الوجدان المكنون للملك . فقد كشف هذا الحلم عن مستقبل مجهول تماماً ، وأعلن عن حادثة خفية .

٢ ـ رأى عبد الملك بن مروان في المنام : أنه يبول في محراب مسجد الرسول الأعظم أربع مرات . فسأل ابن سيرين عن تفسير رؤياه . فقال له ابن سيرين : أربعة من أولادك يصلون إلى مقام الخلافة ، ويقفون للإِمامة في محراب الرسول الأعظم ، ويتعهدون قيادة شؤون المسلمين . وكان كما قال . فقد تنزى كل من وليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وهشام بن عبد

____________________

 (١) سورة يوسف ؛ الآية : ٤٣ .

٣٢٢

الملك ويزيد بن عبد الملك فترات قصيرة واحداً تلو الآخر على منصب الخلافة . لقد كشف هذا الحلم عن مستقبل مجهول لم يكن ليعرفه أحد أصلاً (١) .

٣ ـ ينقل عن المهدي العباسي ، أنه رأى في المنام أن وجهه قد أسود ، فسأل المعبرين عن تعبير ذلك فعجزوا إلا إبراهيم الكرماني ، فانه قال : توجد لك بنت . قالوا : من أين علمت ذلك ؟ قال : لقوله تعالى : ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) فأعطاه المهدي ألف درهم ولما حصل له بنت زاد عليه ألف درهم آخر(٢) .

هذه الرؤيا كشفت عن مستقبل مجهول لم يكن أمره بيد أحد : فالخليفة يحلم بشيء ، ثم يتحقق حلمه بعد أشهر عندما تلد زوجته بنتاً له .

٤ ـ جاء رجل إلى ( ابن سيرين ) وقال له : رأيت في المنام إن ديكاً قد دخل إلى منزلي وقطف بضع حبات شعير فقال له ابن سيرين إذا سرق من بيتك شيء فراجعني . وجاء بعد أيام . وقال : لقد سرق سجاد من بيتي . فقال له ابن سيرين : لقد سرقه المؤذن فذهب الرجل إلى المؤذن وطالبه بسجاده ، وتنازع معه حتى استرد ماله » (٣) .

وهكذا نجد أن هذا الحلم أخبر عن أمرين خفيين : وقوع السرقة وتعيين السارق .

وعلى أية حال فإن طائفة من الأحلام لا يمكن أن تفسر حسب أُصول التحليل النفسي والمدرسة المادية ، وهي قابلة للتفسير على مبنى الإِلهيين والمعتقدين بما وراء الطبيعة والمادة .

إن الجانب المعنوي والإِلهام الروحاني لبعض الأحلام مهم إلى درجة

____________________

(١) تتمة المنتهى ص ٨٠ .

(٢) الكنى والألقاب ج ١ ص ٣١٤ .

(٣) نامه دانشوران ج ٢ ص ١٧٦ .

٣٢٣

أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول عنها : « إن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة » (١) .

____________________

(١) بحار الأنوار للشيخ المجلسي ج ١٤ ص ٤٣٥ .

٣٢٤

المحاضرة الثالثة عشرة

تعديل الميول ـ الفرار من تعذيب الضمير

قال الله تعالى : ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ ، أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) (١) .

اتضح لنا مما ذكرناه في المحاضرات السابقة أن في الضمير الإِنساني قوة تسمى بالوجدان الأخلاقي . وفي الموارد التي يرتكب الإِنسان جريمة يقع فريسة اللوم والتقريع من تلك القوة الباطنية . إن الوجدان الأخلاقي من القوة والقدرة بحيث أنه لا يترك المجرم ونفسه حتى في عالم النوم . يستعرض أمام عينه جرائمه بصورة الرؤيا ، وبذلك يلومه عليها . .

إن قوة الوجدان الأخلاقي وإدراك قبح الإِجرام هو الذي يحور صورة الحلم ولا يسمح بأن يظهر المجرم على صورته الواقعية من جهة ويجعل المجرم من جهة أُخرى يشاهد جرائمه في الرؤيا برعب وقلق وأن الإِنقياد لأوامر الوجدان وإطاعة مقرراته وظيفة حتمية لكل إنسان . . فإن مخالفته تتضمن مصائب ومآسي لا تجبر . وسيدور بحثنا في هذه المحاضرة حول الإِستفادة من الوجدان الأخلاقي ، وتنفيذ قوانينه والنتائج الوخيمة التي تترتب على مخالفته والخروج عليه .

____________________

(١) سورة الفرقان ؛ الآية : ٤٣ .

٣٢٥

قوتان باطنيتان :

هناك قوتان في طريق إرضاء الميول أو ضبطها وعدم الإِستجابة لها في باطن كل إنسان : إحداهما إيجابية ، والأُخرى سلبيية . أما القوة الإِيجابية فهدفها جلب اللذائذ وإرضاء الغرائز فقط ، وتميل إلى إشباع جميع الميول الطبيعية بدون قيد وشرط وأن تحقق جميع الرغبات . هذه القوة لا تفهم الخير والشر ، أو الصالح والفاسد ، إنها تنادي باللذة فقط وليس لها هدف غير ذلك . ولقد عبّر القرآن الكريم عن هذه القوة الباطنية بـ ( النفس الأمارة ) . . حيث يقول عزّ من قائل : ( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (١) .

وأما القوة السلبية في باطن الإِنسان ، فهي تتمثل في القوة التي تمنع الإِنسان في جلب اللذائذ عن إرتكاب الجرائم والوقوع في الدنس ، وتلطف من حدة الميول ، وتلجم النفس الأمارة الشَّموس . إنها تسمح بإرضاء الغرائز والإِستجابة للميول بالمقدار الذي لا يتصادم مع المقررات العقلية والعرفية والشرعية ، أما ما عدا ذلك فانها لا تسمح به . ولقد عبر القرآن الكريم عن هذه القوة المعدلة للميول بـ ( النفس اللوامة ) . . . حيث يقول تعالى : ( لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) (٢) .

قيادة الغرائز :

مما لا شك فيه أن الحياة البشرية مدينة إلى الميول والغرائز التي أودعها الله تعالى في مزاج الإِنسان ، ذلك أن الغرائز والرغبات النفسانية هي القوة المحركة العظمىٰ التي تدبر دولب الحياة الإِنسانية ، ولا توجد أي قوة في الإِنسان تبعثه على النشاط والحيوية كالغرائز . ولكن النقطة الجديرة بالملاحظة والانتباه أن هذه الغرائز إذا نفذت واستجيب لها بالصورة الصحيحة وبالشكل المعقول فانها تبعث على الخير والسعادة ، أما إذا لم يلتزم العقل قيادتها وكان

____________________

(١) سورة يونس ؛ الآية : ٥٣ .

(٢) سورة القيامة ؛ الآيتان : ١ ـ ٢ .

٣٢٦

إرواؤها على غير نظام أو ترتيب ، فلا شك في أنها تتضمن مئات المآسي وتؤدي بالإِنسان إلى عاقبة سيئة .

عشرات الأرياف يمكن أن توجد على ضفاف نهر ، ومئات الأسر تستطيع أن تعيش فيها على أتم الرفاه والراحة . . . إن جميع المزارع والحقول والمراعي وبصورة موجزة جميع مظاهر العمران هناك وجدت من ماء ذلك النهر . وإذا لم يكن ذلك النهر موجوداً ، لم يكن أثر للعمران ولم تكن توجد الأرياف ، ولكن قد يصادف أن ينحدر السيل من الجبال ويؤدي فيضان النهر إلى أن يتجاوز النهر مجراه ، ويهجم على المزارع والمساكن بصورة جنونية ، ويؤدي إلى خسائر عظيمة في الأرواح والأموال وتنسف الأتعاب والجهود التي بذلها الريفيون المساكين طيلة سنوات عديدة ! ! .

إنه لا يمكن الإِستغناء عن النهر ، لأن النهر يعتبر الشريان الرئيسي لحياة هؤلاء الناس في الأرياف ، وإن مظاهر العمران ظهرت بفضل وجود النهر ـ ولأجل أن نستفيد من فوائد النهر ، ولا ترد علينا خسارة أو ضرر من جراء الفيضان ، علينا أن نبني سداً محكماً عليه ، ونمنع من طغيانه ومن الواضح أن بناء السد يجعلنا ننتفع من فوائد النهر باستمرار ، ونكون في مأمن من أضراره وخسائره .

طغيان الغرائز :

إن الغرائز والميول البشرية تشبه النهر الذي تقوم عليه الحياة الفردية والإِجتماعية . فإن كانت الإِستجابة لها بصورة معقولة وحسب مقاييس ثابتة فانها تمنح الحياة نشاطاً وحيوية ، أما إذا أرضيت بالصورة الفوضوية العارمة ومن دون نظام أو ترتيب فلا شك في أنها تؤدي إلى الشقاء والإِنهيار . وبعبارة أُخرى : فكما أن النهر كان مسخراً لصالح الناس تارة وكان الناس مسخرين لتأثير النهر تارة أُخرى ، كذلك الغرائز فانها قد تخضع لقيادة العقل ، وقد يخضع العقل لقيادة الغرائز . إن السعادة تتحقق متى خضعت الميول جميعها لسيطرة العقل ، وكانت منقادة لأوامره ومقرراته .

٣٢٧

هذا الكلام مقبول لدى جميع الماديين والمتألهين في العالم ، فقد أقر العقلاء والعلماء جميعهم بأن الإِنقياد للغرائز وإرضاءها بلا قيد أو شرط يتنافى مع التمدن والسعادة البشرية .

« تقضي الحياة ، وخصوصاً الحياة الإِجتماعية للإِنسان ، أن تهدى الغرائز الأولى منذ البداية ، وتوجه نحو الأهداف الإِجتماعية ، وبصورة أوضح نقول : كما أنه يجب إقامة سد أمام مجرى الماء لإِدارة محرك من المحركات المعتمدة على قوة الماء فإن التمدن يجب أن يخضع الغرائز لسيطرة دقيقة ، وذلك ليبلغ بالإِنسان إلى الرقي والتكامل » (١) .

إن أول نكتة يجب أن تسترعي إنتباهنا في هذا المقام ، هي أن إرضاء جميع الميول النفسانية بصورة حرة وبلا قيد أو شرط أمر مستحيل ، ذلك لأن تحقيق بعض الرغبات يتنافى مع إتيان الرغبات الأُخرى ، وفي الواقع يوجد تناقض واضح بين كثير من ميول الإِنسان . لقد أوضح الإِمام علي عليه‌السلام التناقض القائم بين بعض الميول والرغبات بعبارة قصيرة وحكيمة إنه يقول :

« ما أعجب أمر الإِنسان ، إن سنح له الرجاء أذله الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن سعد نسي التحفظ ، وإن ناله خوف حيره الحذر ، وإن اتسع له الأمن أسلمته الغيرة ، وإن جددت له النعمة أخذته العزة ، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع ، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شمله البلاء ، وإن جهده الجوع قعد به الضعف ، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة ، فكل تقصير به مضر ، وكل إفراط به مفسد ، وكل خير معه شر ، وكل شيء له آفة » (٢) .

فما أكثر الرغبات النفسية التي تدفع الإِنسان إلى الإِفراط في الإِستجابة

____________________

(١) أنديشه هاى فرويد ص ٥١ .

(٢) آداب النفس للعيناثي ج ٢ ص ١١١ ، نقلاً عن إرشاد المفيد ص ١٤٢ .

٣٢٨

للغريزة الجنسية ، أو الطعام في حين أنه يتنافى مع الرغبة في الصحة ، وما أكثر اللذائذ التي يتطلبها الإِنسان من قبيل الخمرة والحشيشة ، في حين أنها تتضمن عوارض مختلفة ونتائج وخيمة تهدد حياة الإِنسان .

الوجدان والغرائز :

هناك نكتة أُخرى يجب أن نتنبه لها ، وهي أن الحرية المطلقة للغرائز بلا قيد أو شرط تتنافى والوجدان الأخلاقي للبشر . فإن الذي يريد إرضاء جميع الميول بكل حرية ، ويحاول الإِستجابة لرغباته وتحقيقها ، لا بد أن يكون منقاداً لغرائزه ، معرضاً بوجهه عن النداء السماوي والمقررات القيمة الصادرة من الوجدان الأخلاقي الذي هو وديعة إلهية عند الإِنسان ، مستهتراً بالكرامة والشرف والنبل ! ! .

« لا بد للإِنسان أن يختار من بين آمرين أحدهما : الآمر الأول أجنبي وأعمى وطاغية حيث لا يراقب إلا التنفيذ دون النظر إلى القصد والنية . أما الآمر الثاني فانه أليف ومحبوب . صحيح أنه متعب ولا يرتضي بسرعة لكنه يعرف آمالكم الخفية ويطلع على كيفية شخصيتكم . إنه يجب التوفيق بين الغرائز والوجدان الأخلاقي . وإيجاد هذا التوافق أمر ممكن ، ذلك أن الوجدان الأخلاقي الواقعي لا يريد كبت الغرائز مرة واحدة ، بل يحاول أن يخضعها للنظام والسيطرة ، ويوجهها نحو هدف أعلىٰ وأليق . وهذا العمل أحسن وأهم لغريزة من إطلاق عنانها أيضاً ، كما يرى فرويد ، لأن هذه الحرية تتضمن فساداً وإنهياراً في النهاية » (١) .

إن مخالفة أوامر الوجدان الأخلاقي قد تؤدي إلى بعض الأمراض النفسية والجنون . والإِستجابة المعقولة للميول والغرائز أساس الحياة وركن السعادة الإِنسانية ، وهذا الأمر ضروري ومحبوب شرعاً وعقلاً . . . لكن المذموم

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بيماريهاي روحى وعصبى ص ٧٠ .

٣٢٩

والقبيح من وجهة النظر الدينية والعلمية هو إطلاق العنان لجميع الميول والرغبات .

لقد عبر القرآن عن هذه الحقيقة أحسن تعبير حيث يقول : ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ ، أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) .

عبادة الهوى :

إن الذي يقع في أسر عبادة هوى النفس ، ويكون عبداً مطيعاً لغرائزه وميوله . . يصاب بأخطر الأمراض النفسية ، ويكون معرضاً للإِنهيار والشقاء في كل لحظة . . .

١ ـ يقول الإِمام علي عليه‌السلام : « إن أخوف ما أخاف عليكم إثنان : إتباع الهوى وطول الأمل » (١) .

٢ ـ ويقول الإِمام الصادق عليه‌السلام : « إحذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم ، فليس شيء أعدى للرجال من إتباع أهوائهم ، وحصائد ألسنتهم » (٢) .

٣ ـ وعنه عليه‌السلام أيضاً : « لا تدع النفس وهواها ، فإن هواها رداها » (٣) .

٤ ـ وعن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « أشجع الناس من غلب هواه » (٤) .

٥ ـ وعن الإِمام الجواد عليه‌السلام : « من أطاع هواه ، أعطى عدوه مناه » (٥) .

٦ ـ يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إن أطعت هواك أصمّك وأعماك » (٦) .

____________________

(١) نهج البلاغة ص ١٠٥ .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ٢ ص ٣٣٥ .

(٣) الكافي ج ٢ ص ٣٣٦ .

(٤) سفينة البحار للقمي ص ٧٢٨ مادة هوى .

(٥) المصدر السابق ص ٧٢٨ .

(٦) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٢٨٧ ط إيران .

٣٣٠

٧ ـ ويقول في مورد آخر . « فاز من غلب هواه ، وملك دواعي نفسه » (١) .

٨ ـ وورد عنه أيضاً : « قاتل هواك بعقلك » (٢) .

إن عبادة الأهواء والإِنقياد التام للميول النفسانية لهو أقصىٰ درجات الشقاء والهلاك للإِنسان ، فإذا وقع شخص في أسره فسرعان ما ينجرف إلى هوة الإِنهيار والسقوط .

« الإِنسان مختار مطلق ، لكنه مع ذلك لا يستطيع أن ينتفع من حريته خارج المناطق المحددة له بلا مخاطرة أو مغامرة . إن الحرية تشبه الديناميت في أنها وسيلة مهمة وخطرة في نفس الوقت ، فلا بد من الإِلمام بكيفية إستعمالها . لحسن الحظ فإن الذي يستطيع أن يستعملها بصورة صحيحة هو الذي يكون ذا عقل وارادة » .

« إن التضارب الموجود بين الحرية الإِنسانية والقوانين الطبيعية الملزمة يوجب التدريب على تزكية النفس . ولأجل أن نحافظ على أنفسنا من أخطار الحوادث يجب علينا أن نقاوم كثيراً من الميول والرغبات » .

« في كل مرة إستطاع الإِنسان أن ينتفع من كامل حريته يكون قد سحق القوانين الطبيعية ، ولا بد أن يلاقي جزاءه . إن الموفقية في الحياة تستلزم التضحية ، وبواسطة التخلي عن قسم من الحرية يستطيع الإِنسان أن يعيش على طبق نظام الأشياء » (٣) .

____________________

(١) المصدر نفسه ص ٢٢٧ ط النجف الأشرف .

(٢) المصدر نفسه ص ٢٣٤ ـ ط النجف .

(٣) راه ورسم زندگى تأليف الكسيس كارل ص ٣٩ .

٣٣١

الوجدان وتعديل الهوى :

يستطيع الراغبون في السعادة والساعون من أجلها ، أن يستفيدوا من عوامل عديدة لتعديل ميولهم . من تلك العوامل . العقل : والوجدان ، والتعاليم الدينية . وحيث كنا نتحدث عن الوجدان الأخلاقي ، فيدور بحثنا هنا حول طرق الإِستفادة منه في تعديل الغرائز والرغبات النفسانية .

إن الوجدان الأخلاقي هو الدليل الطاهر والنافذ إلى الواقع المودع في باطن الإِنسان . وهو قوة قاهرة ، يدرك ـ بالفطرة ـ جميع أوجه الخير والشر ، ويهدي إلى الصراط المستقيم ، ويوصلهم إلى دار السعادة والسلام .

قال الإِمام الصادق عليه‌السلام لرجل : « إنك قد جعلت طبيب نفسك ، وبُيِّن لك الداء وعرّفت آية الصحة ودللت على الدواء . فانظر كيف قيامك على نفسك » (١) .

فبواسطة الوجدان الأخلاقي والفطرة الإِنسانية يهتدي الإِنسان إلى معرفة أمراض نفسه وعلاجها كالطبيب ، ويستطيع الوصول إلى سلامة روحه .

وفي غريزتي الشهوة والغضب القويتين ، وميل الإِنسان إلى المال والجاه تكمن نقطة إنزلاق البشرية نحو الهاوية ، إن هوى النفس تدفع الإِنسان بأشد ما يمكن من القوة لتنفيذ رغباته ومتطلباته الغريزية ، وألا يجتنب في سبيل الوصول إلى هدفه من كل نشاط هدام ، في حين أن الوصول إلى الهدف يتطلب في بعض الأحيان الإِتيان ببعض الأعمال اللانسانية وإرتكاب الجرائم والجنايات . إن من القوى التي تستطيع التعديل من الغرائز ، وتقدر على وقاية الإِنسان من الإِنحراف والإِنزلاق في الهاوية وحفظ أذيال الفرد من التلوث بالجرائم : قوة الوجدان الأخلاقي . فمن حافظ على هذه الوديعة الإِلٰهية في باطنه وأبقى سراج السعادة مضيئاً ، يستطيع الإِنتفاع من هداية الوجدان ويقي نفسه من كثير من الخيانات والجرائم .

____________________

(١) الكافي للكليني ج ٢ ص ٤٥٤ .

٣٣٢

لقد أعار الإِسلام أهمية عظيمة إلى هذه القاعدة الأساسية ، واستفاد من الوجدان الأخلاقي في مجال الإِصلاح الإِجتماعي كثيراً .

التعامل على أساس الوجدان :

لقد ورد عن الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه كان يقول : لقد أوصىٰ الله تعالى موسى بن عمران بأربعة أشياء :

« . . . وأما التي بينك وبين الناس ، فترضى للناس ما ترضى لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك » (١) .

وهناك موقف آخر للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد كان واضعاً رجله في رحل جواده قاصداً إحدى الغزوات ، فاستوقفه رجل وطلب منه أن يعلمه عملاً فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ما أحببت أن يأتيه الناس إليك ، فأته إليهم ، وما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم » (٢) .

. . . وهكذا يتضح جلياً موقف الإِسلام من التعالم مع الناس وأُصول المعاشرة فيما بينهم ، وهذه وصية الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى ولده الحسن : « واجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك ، واكره له ما تكره لنفسك ، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم ، وأحسِن كما تحب أن يُحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك » (٣) .

وقد ورد عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : « أحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم ، أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره » (٤) . وعن الإِمام الباقر عليه‌السلام في قول الله عز وجل : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) قال : « قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم » (٥) .

____________________

(١) المحجة البيضاء في احياء الاحياء للفيض الكاشاني ج ٣ ص ٣٧١ .

(٢) المصدر نفسه ج ٣ص ٣٧١ .

(٣) تحف العقول ص ٧٤ .

(٤) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٣ ص ٢٠٢ .

(٥) أمالي الصدوق ص ١٥٣ .

٣٣٣

سعادة المجتمع :

لقد وجدنا في الأحاديث المتقدمة ان الفطرة الأخلاقية والإِدراك الباطني عند الناس قد اعتبرتا مقياساً للروابط الإِجتماعية . فان ما لا شك فيه أنه لو كانت الروابط الإِجتماعية في بلد ما قائمة على أساس الوجدان الأخلاقي وكان كل عضو في المجتمع يراعي الحسنات والسيئات الفطرية بالنسبة إلى باقي الأعضاء . . ، لكان يغمر ذلك البلد بالسعادة والهناء ولم يكن للغرائز والميول النفسية أية سلطة أو تجاوز على الآخرين .

إن القادرين على إتباع نداء الوجدان هم الذين يملكون زمام غرائزهم وميولهم . أما الأشخاص المستعبدون لشهواتهم والذين ينقادون لأهوائهم فلا ينالون هذه المفخرة أبداً .

جزاء مخالفة الوجدان :

إن من النتائج الوخيمة لمخالفة الوجدان ، الإِضطرابات الروحية والإِختلالات النفسية ، فإن من يمتنع عن سماع نداء الوجدان الأخلاقي ويقدم على الجرائم إرضاءً لرغباته النفسية مخالفاً في ذلك فطرته الإِنسانية لا بد وأن يلاقي جزاءه الشديد من قِبَل الوجدان ، بغض النظر عن العقاب الدنيوي والأخروي . وإن تعذيب الضمير وتقريع الوجدان من القوة في أعماق الروح الإِنسانية بحيث تسلب المجرم راحته وتتركه في دوامة من الإِختلالات والأمراض الروحية أو الجنون .

« لقد أسند فرويد منظومته الفلسفية إلى الغرائز ، ومن الواضح أنه أوضح بعضاً من نشاطاتها ولكنه أهمل البحث عن الوجدان أو الضمير واعتبره منفذاً إجتماعياً فحسب . أما الواقع فيرشدنا إلى أن قضاء الخير والشر عمل أساسي يغلب على الشخصية ويبلورها وينسقها ويلائم بنها وبين الحياة الإِجتماعية . . . من الممكن أن يبتلي الوجدان بآفات معينة فيسبب حدوث بعض الأمراض الروحية الحقيقية . فمثلاً نجد الأمر كذلك في الهستيريا المصحوبة

٣٣٤

بيقظة الضمير والتي تظهر على صورة الندم القاتل وإتهام النفس ، والإِحساس بالإِجرام ، لقد أشرنا إلى بعض الآثار المباشرة وغير المباشرة للإِحساس بالإِجرام في سلسلة من التحقيقات . هذه الآثار عبارة عن التعذيب الأليم والتقريع الشديد » (١) .

بإمكان المجرم أن يهرب من وجه العدالة وحكم القانون في المحاكم القضائية العالمية بطرق مختلفة وينجو من العقاب في النهاية ، وباستطاعته إغفال بعض الحكام عن طريق التهديد أو التطميع ، أو عن طريق اليمين الكاذبة وشهود الزور . . . أما حاكم محكمة الوجدان البصير الحاذق فلا يغفل .

قد يتخلص المجرم من العقاب بواسطة الفرار من قاعة المحكمة ، أو الفرار من أرض الوطن ، أما محكمة الوجدان فانها تخضع المجرم لسيطرتها دائماً ، فأينما يذهب تصحبه وتلاحقه . . . ذلك أن محكمة الوجدان عبارة عن ضميره الباطن ولا ينفصل عنه ضميره أبداً .

في بعض الأحيان تكون مظاهر تعذيب الضمير ، وملاحقة محكمة الوجدان للمجرم ، والضغط الروحي الشديد الذي يلاقيه منها واللوم القارع الذي يراه في أحكامها . . . مؤلمة إلى درجة أنها تبعث كل من يشاهده عن القلق والاضطراب . وعلى سبيل المثال نذكر قصة حياة الشاب الضابط الذي دمر ( هيروشيما ) بالقنبلة الذرية في الحرب العالمية الماضية .

جنون ضابط شاب :

إن الوضع المؤلم لهذا الشاب الضابط الذي سبب الفناء والدمار لعشرات الآلاف من الرجال والنساء ، والشيوخ والشباب والأطفال الرضع في لحظات قليلة أصدق شاهد على ما ذهبنا إليه قبل قليل . وإليك بعض الأخبار عن أيامه الأخيرة مقتطفة من الصحف الإِيرانية نقلاً عن وكالات الأنباء العاليمة .

« وكالة الأنباء الفرنسية . لقد أعلن اليوم إختفاء الضابط الأمريكي

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ بيماريهاى روحى وعصبى ص ٩٢ .

٣٣٥

الطيار ( كلودإيترلي ) الذي دمر مدينتي هيروشيما وناغازاكي عام ١٩٤٥ بأول قنبلة ذرية ، منذ اليوم الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول . لقد كان هذا الضابط الطيار مصاباً ببعض الإِختلالات العصبية منذ مدة . وكان خاضعاً للمعالجة في مستشفى ( فالوا ) . لقد وجد ( كلود ) نفسه بعد إنتهاء الحرب أمام الضربات الروحية القاصمة وذلك بعد إطلاعه على الخسائر التي تسبب فيها بقنبلته ، إنه كان يجد نفسه المسؤول الأول عن قتل أهالي مدينة ( هيروشيما ) . إن معالجة الأطباء كانت عقيمة له ، وأخيراً اضطر إلى أن يعيش في مستشفى الأمراض العقيلة » (١) .

« لقد نشرت الصحف الأمريكية الصادرة صباح اليوم في صفحاتها الأولى صورة ومشخصات ( كلود إيترلي ) ولقد طلب البوليس من الملايين من أبناء الشعب الأمريكي في التعاون معه للقبض على كلود إيترلي . والآن يقضي عشرات الملايين من الأمريكان أوقاتهم في البحث عنه حيث أنه أصيب بالجنون تماماً . إن أكثر العوائل الأمريكية لا تهنأ بالنوم طوال الليل خوفاً من كلود إيترلي لأن أصحاب العيادات النفسية قد أعلنوا عن : أن كلود إيترلي يرى نفسه السبب في مقتل عشرات الآلاف من أبناء الشعب الياباني ولذلك فهو يحاول أن يقوم بعمل خطير كعقاب لنفسه . أعظم وسام حربي : ـ لقد فاز كلود إيترلي بعد تدميره لمدينتي هيروشيما وناغازاكي بنيل أعظم وسام حربي في أمريكا . وإن كلود إيترلي الذي انتخب من بين آلاف الطيارين يوماً ما لمهارته في قيادة الطائرة ، ولأعصابه الفولاذية ، والذي عهد إليه بإلقاء أول قنبلة ذرية . . . قد أصيب الآن بالجنون » .

« إن عمر كلود إيترلي اليوم ٤٠ عاماً . لقد قام في غضون السنوات

____________________

(١) جريدة إطلاعات الإِيرانية العدد ١٠٣٧٧ .

٣٣٦

الأخيرة بأعمال السرقة ومخالفة القانون عدة مرات ، لكنه كان يعفى في كل مرة ، نظراً لكونه في عداد أبطال القوة الجوية الأمريكية في يوم ما » (١) .

« لقد إستعانت سلطات البوليس الأمريكي بأبناء الشعب في إجراء التحقيق مع كلود إيترلي ، ذلك أن أطباء الأمراض النفسية كانوا قد أعلنوا : أنه لما كان الطيار الأمريكي السابق مصاباً بمرض روحي شديد ، فمن الممكن أن يقوم بأعمال خطيرة تهدد الأمن العام ، إن الطيار الذي دمر عام ١٩٤٥ مدينتين يابانيتين كان يردد هذه الجملة منذ مدة : أنا قاتل الـ ١٥٠ ألف من الناس ولا أغفر لنفسي خطيئتي الكبيرة هذه . لقد مات في التدمير الذري من المدن اليابانية ١٥٠ ألف شخص على الأقل وكلود إيترلي يرى نفسه مسؤولاً عن قتل هؤلاء جميعاً . لقد عثر أحد رجال البوليس على كلود إيترلي في مدينة دالاس من ولاية تكساس عندما كانت سيارته واقفة عند أحد فروع شوارع تلك المدينة ، وذلك لإِشارة المرور الحمراء على الطريق . . . » (٢) .

لقد كان الضابط الأمريكي الشاب ذا أعصاب فولاذية عند القيام بإلقاء القنبلة الذرية . وكان سليماً من حيث المقدرة البدنية . لقد فاز الضابط الشاب بنيل أعظم وسام حربي في أمريكا بعد التفجير الذري . وإن من المحتم أنه لاقى النجاح في مهمته تشجيعاً وتقديراً فائقين من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية . . . ولكن هذه العوامل كلها لم تستطع أن تنقذه من السقوط ، وأخيراً أصيب بالجنون . إن إفناء ١٥٠ ألف شخص بين رجل وامرأة ، وطفل وشاب . . . مخالفة صريحة للوجدان . إن الأعصاب الفولاذية ، والطاقات الحيوية ، أعظم وسام حربي ، وتشجيع واستحسان حكومة الولايات المتحدة

____________________

(١) جريدة إطلاعات الإِيرانية العدد ١٠٣٨٢ .

(٢) جريدة إطلاعات الإِيرانية العدد ١٠٣٩٢ .

٣٣٧

وشعبها . . . كلها لم تستطع الوقوف أمام قوة الوجدان ، فقد إنتصر الأخير عليها جميعاً ، وأصيب الشاب المسكين بالجنون وظهر بصورة موجود مفترس وخطير .

لقد كان البركان الثائر في نفس الشاب من جراء ردود الفعل الناشئة من وجدانه قوياً إلى درجة أن جميع المتخصصين بالعلاجات الروحية عجزوا عن معالجته ، فلقد أخذ الضغط الشديد من قبل الضمير يقض عليه مضجعه يقظة ونوماً ، وليس من البعيد أن يؤدي إلى موته .

الرشيد وغادر :

وهناك نموذج آخر لمخالفة الوجدان يظهر في قصة هارون الرشيد مع جارية أخيه الهادي ، ننقلها هنا لما فيها من فائدة : ـ

« . . . يحكى أن هارون الرشيد حج ماشياً ، وإن سبب ذلك أن أخاه موسى الهادي كانت له جارية تسمى ( غادر ) وكانت أحظىٰ الناس عنده ، وكانت من أحسن النساء وجهاً وغناء ، فغنت يوماً وهو مع جلسائه على الشراب ، إذ عرض له سهو وفكر وتغير لونه وقطع الشراب ، فقال الجلساء : ما شأنك يا أمير المؤمنين ؟ .

قال : لقد وقع في قلبي أن جاريتي ( غادر ) يتزوجها أخي هارون بعدي .

فقالوا : يطيل الله بقاء أمير المؤمنين ، وكلنا فداؤه .

فقال : ما يزيل هذا ما في نفسي . . .

وأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر بباله ، فاستعطفه وتكلم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه ، فلم يقنع بذلك وقال : لا بد أن تحلف لي ! .

قال : لا أفعل ، وحلف له بكل يمين يحلف بها الناس من طلاق وعتاق وحج وصدقة وأشياء مؤكدة ، فسكن . ثم قام ، فدخل على الجارية فأحلفها بمثل ذلك ، ولم يلبث شهراً ثم مات .

فلما أفضت الخلافة إلى هارون ، أرسل إلى الجارية يخطبها . . .

٣٣٨

فقالت : يا سيدي كيف بأيمانك وأيماني ! ! .

فقال : أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك ، فتزوجها وحج ماشياً ليمينه ، وشغف بها أكثر من أخيه حتى كانت تنام فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تتنبّه ، فبينما هي ذات ليلة إذ انتبهت فزعة . . .

فقال لها : مالك ؟ ! ! .

فقالت : رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول :

أخلفتِ وعدك بعدما

جاورتُ سكان المقابر

ونسيتني ، وحنثت في

أيمانك الكذب الفواجر

فظللت في أهل البلاد

وغدوت في الحور الغرائر

ونكحت غادرة أخي !

صدق الذي سماك غادر

لا يهنك الإِلف الجديد

ولا تدر عنك الدوائر

ولحقت بي قبل الصباح

وصرت حيث غدوت صائر

. . والله يا أمير المؤمنين ، فكأنها مكتوبة في قلبي ، ما نسيت منها كلمة . فقال الرشيد : هذه أضغاث أحلام .

فقالت : كلا والله ما أملك نفسي . . . وما زالت ترتعد حتى ماتت بعد ساعة » (١) .

هذه الجارية كانت قد أخلفت وعدها مع الهادي ، وبسبب مخالفتها لنداء الفطرة والوجدان كانت تحس بالاضطراب والقلق دائماً . إن تعذيب الضمير لم يتركها لوحدها ، بل كان يوجّه الضربات القاسية نحوها ليلاً ونهاراً ، في اليقظة والحلم . إلى أن لقيت حتفها على أفظع شكل .

إن الإِنسان معرض في كل مرحلة ومنزلة إلى الخطر من ناحية ميوله

____________________

(١) ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي ج ٢ ص ١٠٦ . هامش المستطرف المطبعة الميمنية القاهرة ١٣١٤ هـج .

٣٣٩

وأهوائه . وإن الغفلة عن دناء الضمير ، والإِنقياد التام للرغبات النفسية يمكن أن يؤدي في اللحظة الحاسمة إلى قلب حياة الإِنسان رأساً على عقب ويبعث على الإِنهيار والسقوط الذي لا يمكن أن يعالج بأية قوة .

وبهذا الصدد يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « كما من شهوة ساعة ، أورثت حزناً طويلاً » (١) .

على مفترق الطرق :

قد يحتدم النزاع في باطن الإِنسان بين الميول النفسانية والوجدان الأخلاقي ، فان الشهوات والغرائز تهيج الإِنسان من جانب ، وتحثه على تحقيق رغباته اللامشروعة . بينما يقف الوجدان ـ من الجانب الآخر ـ في أتم القوة والفعالية مكافحاً ومعلناً معارضته الصريحة لارتكاب الجريمة .

أما عبّاد الشهوة والأفراد الحقراء الذين لا يهتمون بارتكاب الجرائم ، فانهم يصممون بسرعة ، ويحققون رغباتهم اللامشروعة مهملين نداء الوجدان .

وأما المؤمنون والعقلاء فانهم يسعون للتخفيف من ضراوة الميول اللامشروعة . ومن دون أي تردد يختارون الطريق الصحيح منزهين أذيالهم من التلوث بالجريمة والفساد ، ملبين نداء الوجدان .

ويقف على مفترق الطريقين طائفة تهتم بشؤونها الدينية والوجدانية بمقدار ما ، ولكن رصيدها الإِيماني ليس بالمقدار الكافي لمواجهة الميول اللامشروعة . فهؤلاء يقفون مترددين تتملكهم الحيرة ، فلا يستطيعون أن يغضوا الطرف عن الميول المتطرفة ويتخلوا عن اللذائذ المنافية للدين والوجدان شأنهم في ذلك شأن المؤمنين ، كما لا يستطيعون أن يصمموا بصورة حتمية على ارتكاب الجريمة شأنهم في ذلك شأن المنحرفين .

هؤلاء يتذرعون ببعض المبررات ، وبعض الأدلة الواهية لإِسكات ضمائرهم ، وهم يأملون أن يحققوا رغباتهم النفسانية من دون أي إضطراب

____________________

(١) الكافي ج ٢ ص ٤٥١ .

٣٤٠