الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
ISBN: 964-94553-6-1
ISBN الدورة:
964-94553-6-1

الصفحات: ٤٠٧
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

أمر هذا القانون الدقيق . بل أشير إليه في بعض النصوص وأطلق على عامل الوراثة فيها اسم ( العِرق ) .

وبعبارة أوضح : فإن المعنى الذي يستفيده علماء الوراثة اليوم من كلمة ( الجينة ) هو نفس المعنى الذي استفادته الأخبار من كلمة ( العِرق ) وعلى سبيل المثال نذكر بعض تلك الروايات .

١ ـ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أنظر في أي شيء تضع ولدك ، فإن العرق دساس » (١) . وحينما نراجع المعاجم اللغوية في معنى كلمة ( دساس ) نجد أن بعضها ـ كالمنجد ـ يعلق على ذلك بالعبارة التالية : « العرق دساس أي : أن أخلاق الآباء تنتقل إلى الأبناء » (٢) .

فهذا الحديث يتحدث عن قانون الوراثة بصراحة . ويعبِّر عن العامل فيها بالعرق . فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوصي أصحابه بألا يغفلوا عن قانون الوراثة بل يفحصوا عن التربة الصالحة التي يريدون أن يبذروا فيها ، لكي لا يرث الأولاد الصفات الذميمة .

٢ ـ عن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق » (٣) . وهذا الحديث يثبت إمكان إكتشاف الطهارة العائلية للفرد من السجايا الفاضلة عنده .

٣ ـ وهذا محمد بن الحنفية ابن الإِمام علي عليه‌السلام كان حامل اللواء في حرب الجمل ، فأمره علي بالهجوم ، فأجهز على العدو ، لكن ضربات الأسنة ورشقات السهام منعته من التقدم فتوقف قليلاً . . . وسرعان ما وصل إليه الإِمام وقال له : « إحمل بين الأسنة » فتقدم قليلاً ثم توقف ثانية ، فتأثر الإِمام من ضعف ابنه بشدة فاقترب منه و « . . . ضربه بقائم سيفه وقال : أدركك عرق من

____________________

(١) المستطرف من كل فن مستظرف ج ٢ / ٢١٨ .

(٢) المنجد ، مادة : دسَّ .

(٣) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ١٦٧ ط دار الثقافة في النجف الأشرف .

٦١

أُمك » (١) .

فهنا يثبت الإِمام عليه‌السلامأن الجبن الذي ظهر واضحاً في ابنه محمد ليس موروثاً منه عليه‌السلاملأنه لم يعرف للجبن معنى قط ، فلا بد وأن يكون من أُمه ، لأنها لم تكن من الفضيلة بدرجة تكون معها بمنزلة الصديقة الزهراء عليه‌السلام .

الشذوذ عن قانون الوراثة :

وبالرغم من أن قانون الوراثة قانون ثابت وعام . وأن إنتقال الصفات الوراثية من الآباء والأمهات إلى الأبناء أمر مسلم به عند علماء الوراثة فإن هناك ظواهر تثبت شذوذ الطبيعة عن هذا القانون ، ولقد أثبتت التحقيقات العلمية أنواعاً من هذا الشذوذ في كثير من الفطريات والأعشاب والأزهار والأشجار والحشرات والحيوانات البرية والمائية والطيور وحتى في البشر .

لقد أثبتت التجارب أن هذه الطفرة الحاصلة في بعض الصفات الوراثية قد تصبح وراثية فتنتقل إلى الأجيال اللاحقة ، بينما تبقى في بعض الحالات جامدة لا تتعدى الأجيال التي تأثرت بهذه الطفرة .

إن هذه الطفرة أو الشذوذ عن قانون الوراثة يمكن أن يعزى إلى سببين رئيسين : أحدهما : التغيرات الحاصلة في وضع ( الجينات ) و ( الكروموسومات ) الموجودة في الخلية الحية . وثانيهما : وراثة الصفات الموجودة في الأجداد والأسلاف البعيدين وظهور بعض الصفات التي كانت مضمرة في الآباء .

والآن لنستعرض هذين العاملين بشيء من الإِختصار :

١ ـ التغيرات الحاصلة في وضع الجينات :

« يجب أن لا يغيب عن البال أنه قد تظهر بعض الخواص الوراثية تبعاً للبيئة ، وعلى العكس فقد تختفي بعض الصفات في أحد الأجيال

____________________

(١) تتمة المنتهى ص ١٧ .

٦٢

وتقف نهائياً ، وقد تستمر الصفات الحادثة في الانتقال من جيل إلى جيل . هذه العملية تسمى بالطفرة ، والتي لم يتوصل بعد إلى معرفة عللها الواقعية . وعليه فمن الخواص الأصلية للطفرة هي قابليتها للتوارث ، ويستنتج من هذا أنه عند حصول نقصان في بعض الجينات أو الكروموسومات في الخلايا التناسلية ، تحصل تغيرات مهمة في الأجيال اللاحقة من حيث بناء الجسم . ولقد بقي العلماء مقتصرين على ملاحظة الطفرة التلقائية ( الذاتية ) لمدة . ولكن مولر إستطاع في سنة ١٩٢٧ أن يحدث هذه الطفرة تجريبياً بواسطة توجيه بعض الأشعة على الخلايا التناسلية ثم جاء راديوم فاستطاع أن يجري تجارب دقيقة على تلك الخلايا بتأثير الأشعة السينية » (١) .

وكثيراً ما نشاهد طفلاً أشهب العينين ، أشقر الشعر ، أبيض البشرة ذا هيكل غربي تماماً في حين أن أبويه يملكان عيوناً سوداً ، وشعراً أسود ، وبشرة سمراء ، وهيكلاً شرقياً تماماً ، إن هذه التغيرات التي تخالف السير الطبيعي لقانون الوراثة يمكن أن نستند إلى التغيرات الأولية والفجائية للجينات . وهذا التغير يوجد في النبات والحيوان والإِنسان على السواء . وكثيراً ما يقع هذا التغير حيث يؤدي إلى اختلاف العناصر ومنشأ هذا كله راجع إلى الطفرة . ولكن العلوم البشرية لم تتوصل بعد إلى العلل الواقعية لأمثال هذه الطفرات الحاصلة ، اللهم إلا مجرد بعض النظريات والاحتمالات الفارعة .

« من المحتمل أن تكون الطفرات التلقائية التي تظهر من دون علة واضحة ناشئة من تأثير بعض الأشعة الطبيعية كاشعاعات الأرض المتصلة بالقوة الناقلة لأمواج الراديو في التربة ، أو إشعاعات الهواء الناشئة من الشمس أو إشعاعات ما وراء السدم والمجرات . . . » (٢) .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ سرطان ص ٤٢ .

(٢) نفس المصدر ص ١٠٢ .

٦٣

١ ـ الوراثة عن الأجيال البعيدة :

كان الفرض الأول يتضمن ظهور علل في الطبيعة تبعث على التغيرات الابتدائية للجينات ، وظهور صفات جديدة من دون سابقة ما ، ولكن الفرض الثاني في الموضوع هو وجود الجينات الصانعة للصفات الجديدة في خلايا الأجيال السابقة بصورة مضمرة ، وظهورها عند حصول الشروط المساعدة لها .

« إذا أخذنا فأرتين إحداهما بيضاء والأُخرى رمادية وزاوجنا بينهما ، فالجيل الناشىء منهما يكون رمادي اللون هجيني . وهذا يدلنا على أن لبعض الألوان خاصية الغلبة ، ولبعضها خاصية المغلوبية . فإذا لقحنا الفئران الناتجة من الجيل الأول فيما بينها كان الجيل الثاني على ثلاثة أنواع : ـ رمادي نقي ( غالب ) في ربع الحالات ورمادي هجيني في نصف الحالات ، وأبيض نقي ( مغلوب ) في ربع الحالات ، ومن هنا نستنتج أن اللون الأبيض الذي إختفى في الجيل الأول لم يندثر تماماً بل ظهر في الجيل الثاني بنسبة ١ / ٣ عند تلقيح فأرتين رماديتين هجينتين » (١) .

 « يمكن تمييز المجرم الذي نشأ على الإِجرام من صغره عن غيره في علم النفس بأنه يشبه الإِنسان القديم في إختلال تركيب الوجه أو الجمجمة ، واندفاع الجبهة إلى الأعلىٰ وحدّة الأذن وعدم التصاقها تماماً . إن ظهور هذه العلامات ناتج من الوراثة والأخذ من الأجداد ، ولذلك فمن السهل ملاحظة غرائز الإِنسان القديم في هؤلاء الأفراد ، كما يمكن مشاهدة صفات الحيوانات القديمة المندثرة في بعض الحيوانات الحاضرة بلا فرق » (٢) .

____________________

(١) چه ميدانيم ؟ سرطان ص ٤٢ ، وتمسى الصفة الغالبة في علم الوراثة بالعامل الغالب والصفة المغلوبة بالعامل المتنحي .

(٢) چه ميدانيم ؟ جنايت ص ٣٦ . هذا هو رأي علماء القانون الذين ينتمون إلى ( المدرسة الوضعية ) ، إذ ترى هذه المدرسة في شخص المجرم والصفات الوراثية التي تلقاها من أسلافه العامل الحاسم في تقرير مصيره ، من هؤلاء ( لو مبروزو ) ، بينما تبرز ( النظرية

٦٤

الصفات المختفية :

ومن السهولة بمكان أن نستنتج من هاتين الفقرتين : أن الحيوان أو الإِنسان قد يرث من أبويه أو أجداده البعيدين صفات كانت مختفية فيهم ولكن توفر بعض الشروط المناسبة والبيئة الخاصة أدىٰ إلى ظهور تلك الصفات في الأجيال اللاحقة . إن العلماء اليوم يربطون بين الإِنسان الحالي وأجداده الماضين بالجينات الناقلة للصفات الوراثية ربطاً دقيقاً ومعقداً في نفس الوقت .

« يمتد الإِنسان في الزمن مثلها يمتد في الفراغ إلى وراء حدود جسمه . . . وحدوده الزمنية ليست أكثر دقة ولا ثباتاً من حدوده الإِتساعية . فهو مرتبط بالماضي والمستقبل ، على الرغم من أن ذاته لا تمتد خارج الحاضر . . . وتأتي فرديتنا كما نعلم إلى الوجود حينما يدخل الحيمن في البويضة . ولكن عناصر الذات تكون موجودة ، قبل هذه اللحظة ، ومبعثرة في أنسجة أبوينا وأجدادنا وأسلافنا البعيدين جداً . لأننا مصنوعون من مواد آبائنا وأُمهاتنا الخلوية . وتتوقف في الماضي على حالة عضوية لا تتحلل . . . وتحمل في داخل أنفسنا قطعاً ضئيلة لا عداد لها من أجسام أسلافنا . . . وما صفاتنا ونقائصنا إلا إمتداد لنقائصهم وصفاتهم . . . » (١) . « إن أساس تكوين أنسجة الإِنسان مسألة يكتنفها الغموض ، إذ أننا لا نعرف كيف جمعت ( جينات ) أبويه وأجداده وأجداد أجداده في البويضة التي نشأ هو منها ، كما نجهل إذا كانت ذرات نووية معينة من أحد الأسلاف البعيدين المنسيين غير موجودة فيه . أو إذا كانت تغييرات إختيارية في ( الجينات ) قد لا تتسبب في ظهور بعض الصفات غير المتوقعة . فقد يحدث أحياناً أن يبدي أحد الأطفال الذين عرفت ميول أسلافهم لعدة

____________________

الإِجتماعية ) في هذه المدرسة أهمية الأسباب الإِجتماعية المتصلة ببيئة المجرم . ومن دعاتها ( فيري ) و ( جاروفالوا ).

(١) الإِنسان ذلك المجهول ، للدكتور الكسيس كارل ص ٢٠٣ .

٦٥

أجيال ، إتجاهات جديدة وغير متوقعة » (١) .

الاعجاز العلمي للرسول الأعظم (ص) :

وبعد أن تطرقنا لذكر بعض الأسس الممهدة لقانون الوارثة وبالنظر إلى التحقيقات العلمية الدقيقة التي توصل إليها علماء الوراثة في العصر الحاضر ، يتضح جلياً مدى عمق بعض الأحاديث المروية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نكتفي بذكر حديثين يتعلقان بمورد واحد أو موردين متشابهين . وهذان الحديثان يعتبران من المعاجز العلمية للنبي الكريم ، ولولا الإِكتشافات الحديثة لما اتضح معناهما . لقد توصل علماء البشر طوال سنين عديدة وبعد جهود عظيمة صرفوها ليل نهار لإِدراك بعض الحقائق والوصول إلى أسرار دقيقة . لقد فتحت هذه التحقيقات العلمية باب فهم بعض الآيات والروايات الغامضة مما أدى إلى معرفة عظمة شخصية الرسول الأعظم الذي كان يتكلم بلسان الوحي ، ويرى بنور الإِلهام.

الحديث الأول :

« عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : أتى رجل من الأنصار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : هذه ابنة عمي وامرأتي ، لا أعلم منها إلا خيراً ، وقد أتتني بولد شديد السواد ، منتشر المنخرين جعد قطط ، أفطس الأنف ، لا أعرف شبهه في أخوالي ولا في أجدادي . فقال لامرأته : ما تقولين ؟ قالت لا والذي بعثك بالحق نبياً ما أقعدت مقعده مني ـ منذ ملكني ـ أحداً غيره قال : فنكس رسول الله رأسه ملياً ، ثم رفع بصره إلى السماء ثم أقبل على الرجل فقال : يا هذا إنه ليس من أحد إلا بينه وبين آدم تسعة وتسعون عِرْقاً كلها تضرب في النسب ، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق وتسأل الله الشبه لها . فهذا من تلك العروق التي لم يدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك خذي إليك إبنك . فقالت المرأة : فرَّجت عني يا رسول الله » (٢) .

____________________

(١) المصدر السابق / ١٩٧ .

(٢) وسائل الشيعة ج ٥ / ١٢٨ باب إن الولد يلحق بالزوج .

٦٦

الحديث الثاني :

« عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي عليه‌السلام ، قال : أقبل رجل من الأنصار إلى رسول الله ، فقال : يا رسول الله هذه بنت عمي وأنا فلان ابن فلان . . . حتى عد عشرة أباء وهي بنت فلان . . . حتى عد عشرة آباء . ليس في حسبي ولا حسبها حبشي ، وإنها وضعت هذا الحبشي ، فأطرق رسول الله طويلاً ثم رفع رأسه ، فقال : إن لك تسعة وتسعين عِرقاً ولها تسعة وتسعين عِرقاً ، فإذا اشتملت إضطربت العروق وسأل الله عز وجل كل عرق منها أن يذهب الشبه إليه ، قم فإنه ولدك ولم يأتك إلا من عِرق منك أو عرق منها ، قال : فقام الرجل وأخذ بيد إمرأته وإزداد بها وبولدها عجباً » (١) .

إن خلاصة ما توصل إليه علماء الوراثة في العصر الحديث بالنسبة إلى إنتقال صفات الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة تنحصر في جملة أمور مذكورة كلها في هذين الحديثين .

١ ـ إن عوامل الوراثة ذرات صغيرة تسمى ( الجينات ) وهي توجد في الخلية التناسلية من الأبوين أو الأجداد السابقين .

ولقد سبق وأن أشرنا في المقدمة الرابعة من البحث إن الروايات تسمي عامل الوراثة بـ ( العِرق ) الذي ورد التصريح به في الحديثين كليهما .

٢ ـ يرى العلماء أن عدد الجينات في الخلية التناسلية كثير نوعاً ما ومن خلال نقلنا لبعض النصوص ظهر أنها تبلغ العشرات والمئات ومع ذلك فأنهم لم يتوصلوا إلى إثبات أعدادها بصورة قطعية .

بينما نجد الحديثين المنقولين يصرحان بأن عدد الأعراق هو ٩٩ ، فقد يكون المراد منها هو الأعراق الصانعة للصفات العنصرية فقط كلون البشرة ، ولون الشعر وتجعده ، ولون العين وغير ذلك من الصفات . وقد يكون التعبير عن الـ ٩٩ للدلالة على الكثرة من دون الإِلتفات إلى العدد نفسه ، كما ورد في

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٢ / ٦٣١ .

٦٧

القرآن الكريم بشأن عدم جدوى إستغفار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للمنافقين : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) (١) . فالمعنى : إن تستغفر لهم كثيراً ، لا عدد السبعين فقط كي يكون معناه أنك إذا إستغفرت لهم إحدى وسبعين مرة فإن الله يغفر لهم ! . فالخلاصة أن العلم الحديث وافق الحديث النبوي الشريف في كثرة عدد الأعراق .

٣ ـ لا يحصر علماء الوراثة اليوم قابلية الوراثة في الأبناء عن آبائهم القريبين فقط ، بل يرون أنه قد يرث الولد صفات أجداده البعيدين وحتى الإِنسان القديم .

وكذلك الحديث الذي نقلناه فإنه كان يرى قابلية الوراثة في الإِنسان عن أجداده السابقين وحتى الإِنسان الأول ( أبو البشر آدم ) كما ورد التصريح به في رواية عن الإِمام الصادق عليه‌السلام :

« إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقاً جمع كل صورة بينه وبين آدم . ثم خلقه على صورة إحداهن . فلا يقولن أحد لولده : هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئاً من آبائي » (٢) .

إن جميع الصور والصفات القابلة للتوارث في الآباء والأجداد حتى أبي البشر آدم يمكن أن تدخل في بناء صورة الإِنسان الذي ثبتت خليته التناسلية في الرحم . وبما أن البشر يجهلون المدى الواسع لقانون الوراثة وقد كان يصادف أن يخرج الولد على غير صورة أبويه فكان يؤدي ذلك إلى أن يشك الرجل في زوجته باحتمال أن الولد من غيره ، نجد الإِمام الصادق عليه‌السلام يحذر بعض الرجال من أن يقولوا : إن الولد لا يشبهني ولا يشبه آبائي لأنه قد يكون آخذاً صفاته من أجداده البعيدين جداً .

٤ ـ يرى علماء الوراثة أن الجينات الناقلة للصفات الوراثية توجد في نواة

____________________

(١) سورة التوبة ؛ الآية : ٨٠ .

(٢) مكارم الأخلاق ص ١١٤ .

٦٨

الخلية الذكرية والأنثية على السواء . وقد يستند التغير الفجائي في تلك الصفات إلى أحدهما : وكذلك حكم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال للأنصاري : « ولم يأتك إلا من عرق منك أو عرق منها » .

إنه لم يمض على الإِكتشافات العلمية الحديثة في عالم الوراثة واكتناه الأسرار الدقيقة ، والرموز المعضلة للجينات والكروموسومات أكثر من قرن واحد ، بينما نجد أن كلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الموضوع يطوي قرنه الرابع عشر . فنبي الإِسلام العظيم أخبر عن تلك الحقائق بنور الوحي المبين.

وهنا لا بأس من الإِلتفات إلى نكتة لطيفة ، وهي أن الأنصاري حين سأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توقف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جوابه قليلاً ولم يجب بسرعة ، فما السر في ذلك ؟ ! .

هناك حديث آخر يوضح الأمر جلياً ، ويجيب على هذا السؤال : « إن يهودياً سأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسألة ، فمكث النبي ساعة ثم أجاب عنها ، فقال اليهودي : ولِمَ توقفت فيما علمت ؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : توقيراً للحكمة » (١) . فكما أنه يجب توقير الحكماء والعلماء يجب توقير أقوالهم الحكمية أيضاً . وإن لأسلوب إلقاء الكلام دخلاً كبيراً في التأثير ( على نفس السمع ، فالكلام مهما كان عميقاً لو ألقي بسرعة وعجلة لا يؤثر التأثير المطلوب بعكس ما إذا ألقي بتأنٍ واتّزان ، وكذلك فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجواب على مشكلة الزوج والزوجة بالنسبة إلى ولدهما الذي لم يكن يشبههما إذْ سكت قليلاً توقيراً لتلك الحكمة العظيمة .

٥ ـ إن الصفات التي لها قابلية الإِنتقال من الآباء إلى الأبناء عديدة مثل : الجنون والحمق ، لون البشرة ، لون العين . بناء الوجه والأنف ، لون الشعر ، والخصائص المرتبطة به وغير ذلك . ولكن العلم الحديث لم يتوصل بعد إلى تحديدها تماماً .

العوامل المساعدة :

« . . . تتنقل أمراض معينة كالسرطان والسل . . . الخ من الآباء

____________________

(١) سفينة البحار للقمي ص ٤٣٩ مادة ( دبر ) .

٦٩

إلى الأبناء ولكن كاستعداد فقط . وقد تعوق أحوال النمو ظهور هذه الأمراض أو تساعد على تحققها » (١) .

وكذلك السجايا الخلقية الصفات الحميدة أو الصفات الرذيلة للأباء والأمهات تهيىء استعداداً في الأولاد ، فالأباء والأمهات الذين يمتازون بصفات الشجاعة والكرم والتضحية والخدمة ، يخلفون أبناء ذوي فضيلة وإباء وكرم . وعلى العكس من ذلك . فإن الأسر المعروفة بالبخل والجبن والأنانية والحمق لا يخلفون في الأغلب إلا أولاداً حقراء لا وزن لهم في المجتمع .

ولا تقتصر هذه القاعدة التي ذكرناها على الإِنسان ، بل تسري في الحيوانات أيضاً ، فهناك عناصر معينة من الخيول تمتاز على غيرها بصفات خاصة . وكذلك الحمام فهناك بعض الفصائل المعينة فيه لها قابلية التربية والإِستعداد للقيام ببعض الأعمال والخدمات .

سأل المأمون العباسي بعض خواصه ومحارمه يوماً عن سبب ما يلاقيه من جفاء وخيانة وقلة إنصاف من بعض أصحابه وأقاربه الذين كان قد قلدهم مناصب عالية ورتب مهمة في الدولة ، في حين أن المفروض أن يقابلوا إحسانه بالإِحسان لا الإِساءة ، فقال له أحدهم : إن المعنيين بأمر الحمام الزاجل والمهتمين بتربيته يتحققون عن أصله وفصيله الذي ينتمي إليه وعندما يطمئنون إلى عراقة نسبه يهتمون بتربيته كثيراً ويجنون من ذلك فوائد كثيرة . . . « وأنت يا أمير المؤمنين تأخذ أقواماً من غير أصول ولا تدريج ، فتبلغ بهم الغايات فلا يكون منهم ما تؤثره » (٢) .

فمن الطبيعي أن لا يكون الأفراد المختارون لأشغال المناصب من دون إمتحان ولا نظر في أصولهم وأحسابهم وأنسابهم ، على حالة مرضية من حيث الإِخلاص والأمانة والوفاء . . .

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٩٦ .

(٢) مجموعة ورام ج ٢ / ٢٨٦ .

٧٠

إن الإِسلام يرى أن في سلوك الأباء والأمهات تأثيراً كبيراً على سلوك أبنائهم الذين يرثون صفاتهم الصالحة أو الطالحة ، ولذلك نجد القرآن الكريم يحكي على لسان نوح هذه الحقيقة الناصعة حيث يقول بعد أن يئس من هداية قومه طيلة ٩٠٠ عام :

( رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ، إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ) (١) .

ولقد رأينا قبل صفحات كيف أن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يخاطب ابنه محمد بن الحنفية حينما جبن عن التقدم « أدركك عِرق من اُّمك » .

الشرف الموروث :

يقول الإِمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام في الفضائل العائلية : « إذا كرم أصل الرجل كرم مغيبه ومحضره » (٢) .

فمن كان ينتمي إلى نسب عريق في الفضائل كان ملازماً للصفات الخيرة في حضوره وغيابه وذهابه وإيابه .

وكذلك قال عليه‌السلام : « عليكم في قضاء حوائجكم بكرام الأنفس والأُصول ، تنجح لكم عندهم من غير مطال ولا مّنٍ » (٣) . ومن هنا يعلم أن الشرف العائلي في الأفراد يجعلهم يقضون حوائج الناس من دون أن يحملوهم منا أو يتماهلوا في أدائها .

وروي عنه عليه‌السلام أيضاً : « عليكم في طلب الحوائج بشراف النفوس ذوي الأصول الطيبة ، فانها عندهم أقضى ، وهي لديهم أزكى » (٤) .

____________________

(١) سورة نوح ؛ الآية : ٢٦ . هذا وتشير الآية إلى عاملي الوراثة والمحيط في التأثير على سلوك المجتمع ، فإن الكافرين إما أن يفسدوا البيئة ، أو يخلفوا أولاداً صالحين.

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ١٤٤ طبعة النجف الأشرف .

(٣) المصدر السابق ص ٢١٤ طبعة النجف الأشرف .

(٤) المصدر السابق ص ٢١٤ طبعة النجف الأشرف .

٧١

كما يقول في مورد آخر : « حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق (١) فيستكشف عن حسن أخلاق الإِنسان شرافة طباع عائلته وكرم نفوسهم ».

وكقاعدة عامة يمكن أن نقول : إنه يجب البحث عن الأفراد الشرفاء من بين العوائل الشريفة والعريقة ، فالأسر التي عرفت طوال سنين متمادية بالطهارة والتقوى ، والتي خرجت من جميع الإِمتحانات في الحياة بنجاح باهر ، لا بد وأن يبرز من بينها رجال شجعان يجاهدون في الصفوف الأولى دائماً (٢) ، وكرام يمدون يد المعونة إلى الفقراء في أوقات الأزمة ، ويقدمون ثروتهم بكل خلوص وارتياح للمحتاجين ، فيُسلّون بذلك قلوب المصابين ويكونون آباء عطوفين لليتامى ، تملأ قلوبهم الرحمة والشفقة والخير والمحبة للناس .

الأسر المنحطة :

وعلى العكس من أُولئك نجد الأسر المنحطة التي لا تفهم معنى للشجاعة ، ولا توجد كلمة الكرم والعفو في قواميسهم ، والذين لا يفكرون في شيء غير شهواتهم الدنيئة وأغراضهم الشخصية ، تملأ قلوبهم الأنانية والأثرة ، ولا يخلفون إلا أولاداً سافلين منحطين .

ولهذا نجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحذر المسلمين ـ في موضوع الزواج ـ من اختيار الزوجة التي تنتمي إلى أسر منحطة سافلة مهما كانت جميلة فيقول : « إياكم وخضراء الدمن . قيل : يا رسول الله وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في منبت سوء » (٣) .

____________________

(١) المصدر السابق ص ١٦٧ طبعة النجف الأشرف .

(٢) يتضح هذا جلياً في إختيار الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لفاطمة الكلابية ( أم البنين ) بعد وفاة ابنة عمه الصديقة الزهراء ، إذ قال عليه‌السلام لأخيه عقيل ـ وكان عارفاً بالأنساب ـ : « أخطب لي امرأة ولدتها الفحولة من العرب لارزق منها ولداً يكون عوناً لولدي الحسين يوم عاشوراء . . . الخ » فإن الإِمام ينظر إلى شجاعة الأسرة التي يريد أن يخطب منها زوجته لتنجب له ولداً شجاعاً .

(٣) بحار الأنوار للشيخ المجلسي ج ٢٣ / ٥٤ . وخضراء الدمن عبارة عن الخضرة التي تنشأ من أنبات بعض الحشائش على قطعة من الأرض مليئة بالروث فيتراىء للناظر أنها

٧٢

ومن خلال العهد الذي بعث به الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى مالك الأشتر النخعي (رض) حينما جعله والياً على مصر ، والذي يعتبر أحسن العهود من نوعه . . . نجد فقرات عديدة تشعر الإِهتمام بأصالة النسب ، كما في وصيته باختيار الأصحاب من العوائل الشريفة ، وذلك قوله عليه‌السلام :

 « ثم الصق بذوي الاحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسماحة ، فأنهم جماع من الكرم ، وشُعب من العرف » (١) .

إختيار الموظفين الأكفاء :

ولنستمع إليه عليه‌السلام يقرر لابن الأشتر كيفية إنتخاب الموظفين الأكفاء ، ومراعاة الشروط الدقيقة في توليتهم المناصب والمهمات : « وتوخَّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإِسلام المتقدمة ، فأنهم أكرم أخلاقاً ، وأصح أعراضاً ، وأقل في المطامع إشرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً » (٢) .

فيشترط في الموظف الذي يقلد أمور الإِدارة « أن يكون عفيفاً منتمياً إلى عشيرة شريفة وأسرة عريقة في الإِسلام والتدين ، لما في ذلك من مصالح عظيمة ، ودرء لمخاطر كثيرة ، فهؤلاء يؤدون واجباتهم باخلاص ، لا يرتشون ولا يستغلون مناصبهم لأطماعهم وغاياتهم الشخصية .

يستفاد من مجموع البحوث السابقة : أن الطفل في رحم أمه يكون خلاصة لمجموعة من الصفات الظاهرية والمعنوية لآبائه وأجداده القريبين والبعيدين ، وهناك عشرات العوامل المختلفة ( الوراثية والطفرة ) تؤثر فيهم آثاراً صغيرة أو كبيرة ، مفيدة أو مضرة ، فإذا كانت هذه العوامل كلها صالحة

____________________

أعشاب طيبة الرائحة ، لكن النظر إلى أصول هذه الحشائش يكشف للناظر وجود الروث تحتها . فالمرأة الحسناء التي تنتمي إلى أُسرة منحطة شأنها شأن هذه الحشاش التي ظاهرها جميل وباطنها خبيث .

(١) نهج البلاغة شرح محمد عبده ج ٣ / ١٠١ ، طبعة المكتبة التجارية .

(٢) نهج البلاغة شرح محمد عبده ج ٣ / ١٠٥ .

٧٣

ومحبذة وكانت نتائجها حسنة ومفيدة فذلك معنى سعادة الطفل في بطن أمه . أما إذا كانت العوامل ـ كلها أو بعضها ـ فاسدة وسيئة فيعتبر الطفل شقياً في بطن أُمه بنفس النسبة من فساد العوامل .

قد يتأثر الطفل ببعض الصفات ـ وهو في بطن أمه ـ كالجنون والحمق والعمى والشلل والصرع والتصاق التوأمين برأس واحد أو بدن واحد ، وعشرات غيرها من الإِنحرافات الأُخرى ، فمن البديهي حينئذ أن يكون الطفل شقياً وهو في بطن أُمه .

١ ـ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الشقي من شقى في بطن أمه ، والسعيد من سعد في بطن أُمه » (١) .

٢ ـ وفي حديث آخر : « الشقي شقي في بطن أُمه ، والسعيد سعيد في بطن أُمه » (٢).

٣ ـ وكذلك ورد عنه عليه‌السلام : « الشقي من شقي في بطن أُمه » (٣) .

ولكي يمنع الإِسلام من حدوث أولاد أشقياء وأجيال فاسدة وناقصة وضع تعاليم دقيقة وسلك أوضح السبل لإِلزام إتباعه بالعمل بها ، فوضع أصول التربية الإِسلامية الدقيقة التي تعدل من سلوك الأفراد ، فيمنع ذلك من ظهور الصفات الرذيلة في أعقابهم . وكذلك نجد قوانين الأمم المتحضرة اليوم تهتم بهذا الموضوع فوضعت قوانين لم تتعد دائرة الوضع والتقنين ولم تصل إلى حيز التنفيذ . وعلى سبيل الاستطراد نستعرض بعض التعاليم الإِسلامية بهذا الصدد باختصار :

الجنون :

الجنون من الصفات الخطرة التي تنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء . إن

____________________

(١) بحار الأنوار للمجلسي ج ٣ / ٤٤ .

(٢) المصدر السابق ج ٣ / ٤٣ .

(٣) تفسير روح البيان ج ١ / ١٠٤ . إلى هذه الأحاديث وأشبهها يستند القائلون بالجبر ، بحجة أن الله هو الذي يقدر السعادة والشقاء للإِنسان وهو في بطن أُمه . ولكن اتضح الرد على هذه الشبهة من تفسيرنا السعادة والشقاء بمعناهما الشامل لكل وجوه الخير والصلاح والراحة ، أو جميع أصناف الشر والضيق والقلق لا خصوص الإِيمان والكفر . ولقد أجبنا عن شبهة الجبر بالتفصيل في كتابنا ( دفاع عن العقيدة ) .

٧٤

الأبوين المصابين بالجنون لا ينتجان إلا مجانين ، وهذا هو قانون طبيعي غير قابل للتبديل ، والمولود المجنون ليس شقياً لنفسه فحسب بل يسبب شقاوة المجتمع أيضاً .

ومن خلال النص التالي يتضح مدى إهتمام الإِسلام بهذا الموضوع فعن الإِمام الباقر عليه‌السلام : إنه « سأله بعض أصحابنا عن الرجل المسلم تعجبه المرأة الحسناء ، أيصلح له أن يتزوجها وهي مجنونة ؟ قال : لا ، ولكن إن كانت عنده أمةٌ مجنونة فلا بأس بأن يطأها ولا يطلب ولدها » (١) يستنتج من هذا الحديث مدى إهتمام الإِسلام بالسلامة العقلية للمجتمع ، فهو لا يرضى للمسلم بأن يتزوج مجنونة وإن كانت جميلة ، لأن ذلك يؤدي إلى إكثار المجانين في المجتمع .

لقد قرر الإِسلام تسهيلات قانونية لفسخ الزواج في بعض الموارد ومن تلك الموارد : الجنون ، فإذا تزوجت المرأة من رجل ظناً منها بأنه فرد عاقل ثم إنكشف لها جنونه فلها الحق في أن تفسخ عقد الزواج بنفسها من دون حاجة إلى القيود الموجودة في الطلاق ، وكذلك الرجل بالنسبة إلى زوجته المجنونة .

وهذا القانون مضافاً إلى أنه يحرر كلاً من الرجل والمرأة من القيود والأضرار الناشئة من جنون شريكته ( أو شريكها ) في الحياة ، يضع حداً فاصلاً دون إزدياد أفراد مصابين بالجنون في المجتمع .

الحمق والبلادة :

وكذلك الحمق والبلادة والبله فأنها تنتقل من الآباء والأمهات إلى الأبناء ، الأمر الذي يسبب أقسى أنواع شقاء المجتمع ، فالفرد الأحمق يظل طوال سنين

____________________

(١) وسائل الشيعة للحر العاملي ج ٥ / ١٠ . ويظهر من التفريق الذي ورد في الحديث ، بين الزوجة والأمة : إن الإِسلام يركز إهتمامه في منع التزوج من المجنونة إلى منع ظهور مجانين جدد ، ولذلك سمح للرجل بأن يشبع رغبته الجنسية مع جاريته ، لأن الجارية لا يراد منها الإِنجاب في الغالب بل يتخذ معها وسائل منع الحمل .

٧٥

عمره أسيراً للحرمان العقلي وعدم النضج الفكري مما يسبب للأمة مشاكل عديدة .

ولقد توصل العلم الحديث بعد التجارب العديدة والإِحصائيات الدقيقة إلى خطر هذا النوع من الزواج ، ولذلك أخذ العلماء يحذرون الناس منه :

« يجب أن يعلم كل فرد أن التزوج من الأسرة المصابة بالجنون أو الحمق أو البلادة ، أو الإِدمان على الخمر يؤدي إلى تحطيم كيان المجتمع وهدم قانون التكاثر والتناسل ، مما يجر معه سلسلة من المعايب والجرائم التي لا تحمد عقباها » (١) .

لقد نظر منقذ البشرية العظيم بعين الوحي النافذة إلى الحقائق إلى هذا الموضوع وأدرك أخطاره فحذر المسلمين منه ولذا نرى الإِمام الصادق عليه‌السلام يروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إيّاكم وتزوج الحمقاء ، فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع » (٢) . وأحسن تعبير عن الأولاد الناتجين من آباء أو أُمهات مصابين بالحمق هو الضياع .

« لقد لاحظ ( كدار ) في إحصائياته الدقيقة التي أجراها على الأسرة التي كان آباؤها أو أمهاتها مصابين بضعف العقل وجود (٤٧٠) طفلاً ضعيفي العقل منهم و (٦) فقط سالمين وبديهي أن إيجاد جيل منحط ومجرم وأبله يعد خيانة كبيرة » (٣) .

شرب الخمر :

لقد إنتشر شرب الخمر في كثير من دول العالم ، وتكبلوا بهذا الداء الوبيل وأسراره . هذا السم الفاتك لا يكتفي بتوجيه ضربات قاسية إلى المدمنين عليه فقط ، بل يتعداهم إلى أطفالهم البريئين ويجعلهم يرزحون تحت

____________________

(١) راه ورسم زندگى ترجمة پرويز دبيري ص ٩١ .

(٢) الجعفريات ص ٩٢ .

(٣) راه ورسم زندگى ص ٧٤ .

٧٦

كابوس الأمراض والعوارض المختلفة. تترك الخمرة آثاراً سيئة على أجسام المدمنين عليها . ومن تأثيرها فيهم ايجاد اختلالات في خلايا المخ والأعصاب مما تجعلهم أناساً غير اعتياديين ، ومما يبعث على الأسف إن هذا الاختلال ينتقل إلى أولادهم ، والنطف الحادثة من أُناس مأسورين للخمرة تنتج أطفالاً منحرفين وغير اعتياديين في سلوكهم وتفكيرهم . إن قسماً كبيراً من المجانين الذين يقضون حياتهم في ( مستشفيات المجانين ) يئنون من ويلات إنحرافات آبائهم .

« إن قلة الذكاء وإختلال القوة العاقلة تنشأ من المشروبات الروحية والسلوك الإِفراطي في جميع جوانب الحياة ، إنه لا ريب في وجود رابطة قوية بين إستعمال المشروبات الروحية والضعف العقلي في مجتمع ما . ومن بين الدول المتقدمة علمياً وصناعياً نجد فرنسا أكثرها استعمالاً للخمرة في حين أنها أقل تلك الدول حصولاً على جوائز نوبل » (١) .

لقد عرف الإِسلام جميع العوارض والويلات الناشئة من الخمرة ، ونظر نظرته الثاقبة إلى آثارها السيئة في المدمنين عليها وفي أولادهم ، فلم يكتف بتحريم عصرها والتعامل بها وتعاطيها على المسلمين من الجهة القانونية فقط ، بل منع من الإِتصال الجنسي والتناكح مع شاربي الخمر بكل صراحة وهناك بعض الشواهد على ذلك :

١ ـ عن الإِمام الصادق عليه‌السلام : « من زوج كريمته من شارب خمر ، فقد قطع رحمها » (٢) .

وبديهي أن يعتبر إنجاب أطفال مختلين ( بدنياً وعصبياً وروحياً ) قطعاً لرحم المرأة التي بإمكانها أن تنجب أولاداً سالمين من غيره .

٢ ـ وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « شارب الخمر لا يزوَّج إذا خطب » (٣) . وهناك

____________________

(١) المصدر السابق ص ١٢ .

(٢) وسائل الشعية للحر العاملي ج ٥ / ٩ .

(٣) المصدر نفسه .

٧٧

العشرات من الروايات الواردة عن الأئمة المعصومين عليه‌السلام في هذا الموضوع ، ولكن أشدها تحذيراً وأعظمها توبيخاً ما إذا حصل الإِتصال الجنسي في حالة السكر ، كما يتضح ذلك من الحديث الآتي :

٣ ـ عن الإِمام الصادق عليه‌السلام أنه قال : « أيما امرأة أطاعت زوجها وهو شارب الخمر ، كان لها من الخطايا بعدد نجوم السماء ، وكل مولود يلد منه فهو نجس ، ولا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً حتى يموت زوجها ، أو تخلع عنه نفسها » (١) .

وإليك نصاً لأحد علماء الغرب بهذا الصدد : ـ

« يقول الدكتور كاريل : إن سكر الزوج أو الزوجة حين الإِتصال الجنسي بينهما يعتبر جريمة عظيمة ، لأن الأطفال الذين ينشأون في ظروف كهذه يشكون في الغالب من عوارض عصبية ونفسية غير قابلة للعلاج » (٢) .

تعقيم المجانين الخمريين :

رأينا فيما مضىٰ كيف إتخذ الإِسلام العلاج الحاسم في منع التزوج بالأفراد المصابين بالجنون والخمرة . ولقد عمل العلماء اليوم في التأكيد على منع هذا النوع من الزواج كثيراً حتى إنه يوجد في بعض الولايات الأمريكية قانون خاص بشأن تطهير النسل . بموجب ذلك القانون . تجري عمليات للأولاد والبنات الذين أصيبوا بالجنون نتيجة إفراطهم في شرب الخمر لاخصائهم وإحالتهم على العقم الدائمي لمنع إنجابهم .

هذا وليست العوامل الباعثة على النواقص البدنية والنفسية للطفل في رحم أُمه مقتصرة على هذه الأمور المختصرة ، فهناك عوامل عديدة أُخرى لا تزال مجهولة للعلماء لحد الآن في حين أن لها تأثيراً في وضع الطفل في رحم

____________________

(١) لئالي الأخبار ص ٢٦٧ .

(٢) راه زندگى تأليف الكسيس كارل ترجمة پ دبيري ص ٩١ .

٧٨

الأُم ، وموجدة لعيوب ونواقص أو باعثة على ظهور حسنات وفضائل فيهم .

فكثيراً ما يتفق وجود أولاد ناقصين ومختلين عصبياً وعقلياً في حين أن آبائهم وأمهاتهم لم يكونوا معتادين على المشروبات الروحية وغيرها ، وعلى العكس فقد يصادف ظهور أفراد عصاميين أذكياء من أسر حقيرة في المجتمع :

« ولكن نظراً لأن البشر ليسوا من أصل نقي فأنه ليس في الإِمكان التكهن بحالة النسل الذي ينشأ من زواج معين . ومع ذلك ، فأنه من المعروف أن الأطفال الذين يولدون في أسرات مكونة من أفراد متفوقين يكونون في الغالب من نوع أكثر تفوقاً من الأطفال الذين يولدون في أسرت أدنىٰ مرتبة . . . ونظراً للمصادفات التي تحدث في إتحادات النويات فقد يشمل أحفاد الرجل العظيم على أفراد متوسطين ، كما قد يولد رجل عظيم لأسرة خاملة مغمورة » (١) .

تأثير العوامل الجوية :

يستفاد من تحذير أئمة الإِسلام عليه‌السلام في بعض الروايات عن قسم من الحوادث الجوية حين إنعقاد النطفة ، كالزلزال والطوفان ومقابلة قرص الشمس وما شاكل ذلك ، وكذلك منع الحامل من بعض الأطعمة إن لذلك كله تأثيراً في إيجاد آثار مُرضية أو غير مرضية في الأطفال .

المصير :

وهنا نقطة مهمة يجب الإِلتفات إليها ، وهي أن السعادة والشقاء اللتان تصيبان الطفل في رحم الأم ، على نوعين : فقسم منها يكون قضاء حتمياً لا يقبل التبديل ، . فهذا النوع يلازم الطفل حتى نهاية حياته ، ومن هذا القسم : الجنون والعمىٰ المتأصل . وقسم آخر يكون الرحم بالنسبة إليه كتربة مساعدة فقط وحينئذ يكون بقاء تلك السعادات أو الشقاوات دائراً مدار الظروف التي تساعد على نموها .

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٩٦.

٧٩

إن القاعدة العامة للوراثة تقتضي أن ينجب الآباء المؤمنون والأمهات العفيفات أولاداً طيبين ، فهؤلاء يمكن أن يحرزوا السعادة في أرحام أُمهاتهم فلا توجد في سلوكهم عوامل الإِنحراف الموروثة . إلا أننا لا نستطيع الحكم على هؤلاء بأن ينموا وينشأوا ويعيشوا إلى الأبد كذلك إذ قد يصادفون بيئة فاسدة تعمل على إنحرافهم وتغيير سلوكهم وسجاياهم الموروثة وقلبها رأساً على عقب ، وأخيراً نجد هذا الطفل الذي كان سعيداً في بطن أُمه يعد في صفوف الأشقياء ويصير جرثومة للفساد والجنون والاستهتار .

وهكذا الطفل المولود من آباء وأُمهات لا يعرفون عن الإِيمان شيئاً فأنه يعتبر شقياً في رحم أُمه ـ تبعاً لقانون الوراثة ـ لكن قد يصادق بيئة صالحة وتربية جذرية تعمل على استئصال العوامل الشريرة من داخل نفسه وأخيراً يكون من الإِتقياء المؤمنين والأفراد الصالحين في المجتمع .

ولهذا نجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصرح : « السعيد قد يشقى ، والشقي قد يسعد » (١) .

وقد ورد عن الإِمام علي عليه‌السلام أنه قال : « السعيد من وُعظ بغيره والشقي من إنخدع لهواه وغروره » (٢) .

وبصورة موجزة نقول : إن السعادة تحصل للإِنسان من مجموعة عوامل طبيعية ( وراثية ) وتربوية . وكذلك الشقاء . . . ولقد أوضح الإِمام الصادق عليه‌السلام هذا المبدأ في عبارة مختصرة فقال : « إن حقيقة السعادة أن يختتم للمرء عمله بالسعادة . وإن حقيقة الشقاء أن يختتم للمرء عمله بالشقاء » (٣) .

إن هذه الرواية تدلنا على حقيقة واضحة ، هي انه يجب الإِحاطة بجيمع العوامل الوراثية والتربوية للفرد ، والنظر إلى نتيجة تفاعلاتها ثم الحكم عليه بالسعادة أو الشقاء .

____________________

(١) تفسير روح البيان ج ١ / ١٠٤ .

(٢) نهج البلاغة ج ١ / ١٤٩ .

(٣) معني الأخبار ص ٣٤٥ .

٨٠