🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
ISBN: 964-94553-6-1
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

هذا ، وسنبحث في المحاضرة القادمة ، العلة في اعتبار رحم الأم ملاكاً لسعادة الجنين دون صلب الأب في الروايات ، موضحين ـ إن شاء الله ـ دور الأم في بناء الطفل .

٨١

المحاضرة الرابعة

دور الأم في بناء الطفل ـ النمو الناقص في أثناء الحمل

قال الله تعالى في كتابه العظيم : ( . . . وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ ، وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) (١) .

كان بحثنا في المحاضرة الماضية يدور حول مصدر السعادة والشقاء ، والعوامل التي تؤدي إلى حصول الطفل عليها في رحم أُمه . لقد أثبتنا ـ بالأدلة والشواهد ـ مدى تأثير الرحم في سلوك الفرد ، وقلنا : إن تلك التأثيرات الناتجة في السلوك يرجع شطر منها إلى دور الجنين في الرحم . والشطر الآخر إلى فن التربية والبيئة التي يعيش فيها الإِنسان .

أما بحثنا في هذه المحاضرة فيدور حول نقطتين : ـ

١ ـ العلة في جعل الملاك في سعادة الأطفال وشقائهم في الروايات رحم الأُم بالذات من دون أن يجري ذكر لصلب الأب .

٢ ـ النواقص والعوارض التي تعتري الجنين في رحم الأُم من دون سابقة .

____________________

(١) سورة مريم ؛ الآية : ٣٣ .

٨٢

أما بالنسبة إلى النقطة الأولى من البحث . فإننا نرى أن بذور الورد تبذر في جوف تربة الأصيص ، وبعد مرور مدة من الزمن تنبت البذرة بصورة سويق صغير يشق سطح التربة ، وينمو تدريجياً ويأخذ بالتفريع والازهار . إن بذرة الورد تعتبر الخلية التناسلية الكاملة ، وتخزن في بطانها جميع الذخائر اللازمة لإِنبات نبتة جديدة . ولا يشكل الأصيص سوى المحيط الذي تنمو فيه النبتة والبيئة التي تعيش فيها .

الخلية التناسلية الكاملة :

صحيح أن رحم المرأة يكون بالنسبة إلى نطفة الرجل كالأصيص بالنسبة إلى البذرة ، إلا أن الأمر يختلف تماماً في موضوع تكوين الخلية التناسلية ، إذ ليست نطفة الرجل هي الخلية التناسلية الكاملة ـ كما كانت البذرة ـ وكذلك الرحم فأنه ليس مجرد وعاء يحفظ هذه الخلية ـ كما كانت الأصيص ـ بل إن رحم الأم يتحمل في المرحلة الأولى نصف مسؤولية عملية التلقيح ، ثم ينفرد في أنه يتحمل مسؤولية الإِحتفاظ بالنطفة لمدة تسعة أشهر كاملة في داخله حتى يصنع إنساناً كاملاً .

ولهذا ورد في القرآن الكريم : ( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ) (١) . أي أننا خلقناه من نطفة مركبة وممزوجة من الرجل والمرأة كليهما .

« إن خلايا الخصية تفرز من غير توقف ، وخلايا الحياة كلها ، حيوانات ميكروسكوبية وهبت لها حركات نشيطة للغاية ، هي الحيوانات المنوية . وهذه الحيوانات تسبح في المخاط الذي يغطي المهبل من الرحم . وتقابل البويضة على سطح الغشاء المخاطي الرحمي . .

وتنتج البويضة من النضج البطىء لخلايا المبيض الجرثومية. ويوجد نحور ٣٠٠٠٠٠ بويضة في مبيض الفتاة وتبلغ نحو أربعمائة منها

____________________

(١) سورة الدهر ؛ الآية : ٢ .

٨٣

فقط درجة النضج ، وفي وقت الحيض ينفجر الكيس المشتمل على البويضة . ثم تبرز البويضة فوق غشاء ( بوق فالوب ) ، فتنقلها السيليا ( الأهداب ) المتحركة للغشاء إلى داخل الرحم . وتكون نواتها قد تعرضت في تلك الأثناء لتغير هام ، ذلك أنها تكون قد قذفت بنصف مادتها . . . وبعبارة أُخرى بنصف كل ( كروموسوم ) . وحينئذ يخترق الحيوان المنوي سطح البويضة . وتتحد كروموسوماته التي تكون فقدت أيضاً نصف مادتها ، بكروموسومات البويضة . وهكذا يولد مخلوق جديد » (١) .

منشأ ظهور الطفل :

يستفاد من هذه الفقرة أمران : الأول ـ أن نطفة الرجل تتحد بنطفة المرأة ، ويحصل من إتحاد نصف خلية الرجل ونصف خلية المرأة ( الخلية التناسلية الكاملة ) التي هي العامل الأول في ظهور الطفل والثاني ـ أن بويضة المرأة عندما تقابل سيل الحيامن الذكرية ، إنما تتلقح بواحدة منها فقط ، أما البواقي فتندثر .

« حينما يقذف الرجل بالسائل المنوي إلى الخارج فانه يكون حليبي اللون ـ في الأشخاص السالمين ـ وبحجم ٣ سم٣ ، يوجد في كل سانتيمتر مكعب منه من ١٠٠ إلى ٢٠٠ مليون حيمن ».

 « إن الحيامن المنوية قادرة على الإِحتفاظ بقابليتها على التلقيح لمدة ٤٨ ساعة بعد الخروج من الرجل . وذلك في وسط قلوي ( قاعدي ) وتحت درجة حرارة ٣٧ مئوية . . . » (٢) .

لم يكن بإمكان البشر قبل أربعة عشر قرناً أن يتصوروا أن منشأ ظهور الإِنسان هو موجود صغير وضئيل يوجد منه في نطفة الرجل مئات الملايين في كل مرة . وهذه الذرة الصغيرة كافية في أن تلقح إمرأة . ومع ذلك فقد صرح

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول تأليف الدكتور الكسيس كارل تعريف عادل شفيق ص ٧٨ .

(٢) هرمونها . . . ص ٢٩ .

٨٤

القرآن الكريم بهذه الحقيقة منذ ذلك الحين حيث قال الله تعالى : ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ) (٢) . أي أن الله جعل نسل الإِنسان من خلاصة ماء حقير وضعيف ، فليس العامل في إبقاء نسل الإِنسان هو هذا الماء الحقير الذي يخرج منه كله بل جزء منه ، وهو خلاصته ( سلالته ) .

ويتضح تنبّه الإِمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام إلى هذه الحقيقة من خلال الفقرة التالية :

« جاء رجل إلى علي عليه‌السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين كنت أعزل عن امرأتي ، وإنها جاءت بولد . فقال علي عليه‌السلام : ـ وأناشدك الله هل وطأتها ثم عاودتها قبل أن تبول ؟ قال : نعم . قال : فالولد لك . . . » (٣) .

من هذه الجملة ، يعلم أن الرجل كان يعزل ( يقذف السائل المنوي خارج مهبل زوجته ) لمنع الحمل ، ومع ذلك فقد حدث أن حملت المرأة فأدى الأمر إلى أن يشك الرجل في زوجته فجاء يسأل علياً عليه‌السلاموإلا فإنه لم يكن يرضى بأن يفشي سره . فنجد الإِمام عليه‌السلام حين يسمع بالقصة يسأله هل اتفق له أن جامع زوجته مرتين من دون أن يبول في الأثناء ، فأجابه بوقوع ذلك ، فصرح الإِمام بأن الولد له .

والسر في ذلك واضح ، لأنه عليه‌السلام كان يعلم أن ذرة صغيرة من النطفة كافية لأن تلقح بويضة المرأة فتحمل ، فبما أن الرجل جامع زوجته في المرة الأولى ثم قذف السائل خارجاً وبقي مدة لم يبل فيها فبقيت الحيامن في المجرى ، وحين جامعها للمرة الثانية خرجت إحدى تلك الحيامن ولقحت المرأة من دون أن يشعر ، وبالرغم من أنه قذف السائل خارجاً في المرة الثانية إلا أن الحيامن المتبقية في المجرى كانت قادرة على الإِحتفاظ بنشاطها لمدة ٤٨ ساعة وكذلك فعلت .

*  *  *

____________________

(١) سورة السجدة ؛ الآية : ٧ .

(٢) بحار الأنوار للمجلسي ج ٢٣ / ١٠٧ .

٨٥

وبالرغم من أن الأب والأم كليهما يشتركان في صنع الخلية الأولى للطفل ويتساوى دورهما فيه ـ ولهذا نجد أن الأطفال يكتسبون بعض صفاتهم من آبائهم وبعضها من أُمهاتهم ـ لكن الرحم هو الذي يصنع الطفل ويخرج تلك الذرة الصغيرة بصورة إنسان كامل. وإن جميع الاستعدادات التي كانت كامنة في تلك الخلية الأولية تظهر إلى عالم الفعلية في رحم الأم إذن فالمقدرات التفصيلية للطفل من الصلاح والفساد ، والجمال والقبح والنواقص والكمالات ، الظاهرية والباطنية كلها تخطط في الرحم .

المرحلة الأخيرة للتكوين :

هناك مئات التفاعلات والتأثيرات الاختيارية والإِتفاقية تمر في طريق أصلاب الآباء وأرحام الأُمهات ، وتؤثر في الأطفال بصورة خفية حيث تظهر نتائجها جميعاً في الرحم . والرحم هو آخر مراحل التأثيرات المختلفة الطارئة على تكوين الطفل ، وعند عبوره هذه المرحلة يبدأ الحياة على الأرض إذن فالسعادة والشقاء التكوينيين للإِنسان يجب البحث عنهما في آخر المراحل وهو رحم الأم . ولهذا نجد الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة الطاهرين عليه‌السلام بالرغم من عنايتهم الشديدة بالتأثير المشترك لأصلاب الآباء وأرحام الأُمهات حول سعادة الطفل وشقائه يوجهون جل إهتمامهم إلى رحم الأُم فيقولون : « السعيد سعيد في بطن أُمه ، والشقي شقي في بطن أمه » (١) .

أثر غذاء الأم في الجنين :

هذا هو جواب السؤال الذي بدأنا به الحديث ، وهو أنه لماذا اعتبرت الروايات رحم الأم هو الملاك في السعادة والشقاء ، وأغفلت ذكر صلب الأب ؟ .

إنه لا مندوحة لنا من القول بأن دور الأم في بناء الطفل يفوق دور الأب

____________________

(١) مرّ تخريج الحديث بألفاظ متعددة وطرق مختلفة في الفصل السابق ( السعادة والشقاء في رحم الأم ) .

٨٦

بكثير . نعم لو اكتفينا بملاحظة دور الأب والأم في تلقيح البويضة بواسطة الحيمن لإِيجاد الخلية الأولى للطفل لكانا متساويين في ذلك الدور ، إلا أن الواقع أن الأم تتحمل في دور الحمل مسؤولية كبيرة ، وبالخصوص فيما يتعلق بأسلوب تغذي الأم ونوعه .

إن دور الآباء في البناء الطبيعي للطفل ينتهي بعد إنعقاد النطفة وحصول التلقيح ، لكن دور الأم يستمر طيلة أيام الحمل ، فالطفل يتغذي من الأُم ، ويأخذ منها جميع ما يحتاجه في بنائه . ولهذا فإن لسلامة الأم ومرضها ، طهارتها ورذالتها ، سكرها وجنونها . . . أثراً مباشراً في الجنين :

« إن الأب والأم يساهمان بقدر متساو في تكوين نواة البويضة التي تولد كل خلية من خلايا الجسم الجديد ولكن الأم تهب علاوة على نصف المادة النووية كل البروتوبلازم المحيط بالنواة ، وهكذا تلعب دوراً أهم من دور الأب في تكوين الجنين » (١) .

« إن دور الرجل في التناسل قصير الأمد . أما دور المرأة فيطول إلى تسعة أشهر . وفي خلال هذه الفترة يغذى الجنين بمواد كيمياوية ترشح من دم الأم من خلال أغشية الخلاص » (٢) .

إن الطفل أشبه ما يكون بعضو من أعضاء الأم تماماً ، عندما يكون في بطنها . وجميع العوامل التي تؤثر في جسد الأم وروحها تؤثر في الطفل أيضاً . إذا ابتلي أب ـ بعد إنعقاد النطفة ـ بشرب الخمرة أو العوارض الأُخرى فأنها لا تؤثر في الطفل ، لأن صلة الطفل بأبيه إنما تكون ثابتة إلى حين إنعقاد النطفة فقط ، لكن صلة الأم تستمر لمدة تسعة أشهر ، وعليه فإذا أقدمت الأم ـ في أيام الحمل ـ على شرب الخمر فإن الجنين يسكر ويتسمم أيضاً .

إن أحد أسباب سلامة هيكل الطفل ورشاقة قوامه ، أو عدمها في أيام الحمل يتعلق بالغذاء الذي تتناوله الأم وهي حامل . وكذلك الغذاء الذي كان يتناوله الأب قبل إنعقاد النطفة .

____________________

(١) و (٢) الإِنسان ذلك المجهول ص ٧٩ .

٨٧

« إذا كانت نطفة الأب مسمومة حين الاتصال الجنسي فإن الجنين يوجد ناقصاً وعليلاً . وهذا التسمم ينشأ من تناول الأطعمة الفاسدة ، أو معاقرة الخمرة . إذن يجب الإِجتناب عن الإِتصال الجنسي حين التسمم والسُكر بالخصوص » (١) .

« يجب أن يكون الطعام الذي يتناوله الإِنسان في الليلة التي يقصد فيها الإِتصال الجنسي للتكاثر كاملاً حاوياً لفتامين (A) بالخصوص » (٢) .

« لقد قام أحد الأطباء الحاذقين في أوربا بجمع إحصائيات دقيقة للنطف التي تنعقد في ليلة رأس السنة المسيحية فوجد أن ٨٠ % من الأطفال المتولدين من تلك النطف ناقصوا الخلقة وذلك لأن المسيحيين في هذه الليلة يقيمون أفراحاً عظيمة وينصرفون إلى العيش الرغيد والإِفراط في الأكل والشرب ويكثرون غالباً من تناول الخمرة إلى حد يجرهم إلى المرض . وبما أن المطاعم وحانات الخمور تستقبل أكبر كمية من الزبائن في هذه الليلة فإنه يتعذر على أصحابها أن يطعموهم الأطعمة السالمة تماماً ويهتموا بشأنها كغيرها من ليالي السنة » (١) « يصاب بعض الأطفال في الأيام الأولى من أعمارهم بقروح وجروح تسمى ( أكزما الأطفال ) وهذه القروح لا تزول إلا بعد أن تعذب الوالدين لمدة طويلة ، وهي ناتجة من سوء تغذي الأُمهات في أيام الحمل ، فإن الأم لو أكثرت في أيام الحمل من أكل التوابل والأطعمة الحارة كالخردل والدارسين وما شاكل ذلك فالطفل يصاب بالأكزما » (٢) .

____________________

(١) إعجاز خوراكيها ، تأليف الدكتور سيد غياث الدين الجزائري ص ١٥٣ .

(٢) المصدر السابق ص ١٥٤ .

(٣) المصدر السابق ص ١٥٤ .

(٤) المصدر نفسه ص ١٧٥ .

٨٨

« إن الفواكه والخضروات التي تحتوي فيتامين (B) تعتبر العلاج القطعي للكنة اللسان . والأم التي تتناول من هذا الفيتامين أيام حملها ، فإن جنينها يأخذ بالتكلم مبكراً ولا يصاب باللكنة » (١) .

« إن المشروبات الروحية تعتبر خطة جداً للحوامل لأنها بغض النظر عن التسمم الذي توجده ، تهدم الفيتامينات التي تحتاجها الأم والجنين أيام الحمل ، فينشأ الطفل ناقصاً ومشوهاً » (٢) .

« إن تناول الأطعمة الفاسدة واللحوم بالخصوص ـ حيث تؤدي إلى التسمم يجعل لون الجنين داكناً مائلاً إلى الإِصفرار » (٣) .

الغذاء والجمال :

يرى العلم الحديث أن للأطعمة تأثيراً خاصاً في صباحة وجه الأطفال ورشاقة قوامهم ولون شعرهم وعيونهم ، وفي كل مظاهرهم . وكذلك الروايات والأحاديث فأنها لم تغفل شأن الإِشارة إلى أثر الأطعمة والفواكه والخضروات والبقول ، فورد في بعضها الإِرشاد إلى إستعمال أنواع خاصة منها للحامل :  « عن الصادق عليه‌السلام ، نظر إلى غلام جميل ، فقال : ينبغي أن يكون أبو هذا أكل سفرجلاً ليلة الجماع (٤) .

وهناك حديث آخر بشأن السفرجل : « . . . وأطعموه حبالاكم فأنه يحسن أولادكم » (٥) .

وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : « أطعموا المرأة في شهرها الذي تلد فيه التمر ، فإن ولدها يكون حليماً تقياً » (٦) .

____________________

(١) إعجاز خوراكيها ص ١٧٦ .

(٢) المصدر السابق ص ١٧٧ .

(٣) المصدر السابق ص ١٦٨ .

(٤) و(٥) مكارم الأخلاق ص ٨٨ .

(٦) المصدر السابق ص ٨٦ .

٨٩

الحوادث غير المتوقعة :

يخضع الطفل في أيام الحمل لتأثيرات أُمه . وإن جميع الحوادث التي تقع للأبوين تؤثر فيه ، ويصنع الطفل بموجبها . فقد يصادف أن تقع بعض العوامل في أيام الحمل فتؤدي إلى سعادة الطفل . وقد يكون العكس حيث تؤدي إلى شقائه أو سقوطه وانعدام حياته تماماً .

لنتصور مسافراً يركب سيارة ويقصد منطقة نائية جداً بحيث يطول سفره تسعة أشهر فهناك العديد من المخاطر في طريقه ، فمن المحتمل في كل لحظة أن يقع في هوة سحيقة ، أو واد عميق أو تصطدم سيارته بجبل ، أو يقذف إلى نهر ، أو تكسر يده ، أو يجرح بدنه ، وقد يصادف أن يطوي ٩٩ % من مجموع المسافة ، ويبقى له ١ % فقط فتصادفه عقبة كأداء أو حادثة سيئة في ذلك الجزء الأخير ، فلا يمكن التأكد من وصول المسافر إلى مقصده بسلام إلا بعد أن يترك السيارة ويتجه إلى منزله الأخير .

وهكذا النطفة التي تنعقد في رحم الأم لأول لحظة ، فهي كالمسافر الذي إستقل واسطة النقل ، وعليه أن يقطع المراحل الطبيعية طيلة تسعة أشهر . فهناك المئات من العراقيل والمخاطر تقع في طريقها . وفي كل لحظة يمكن أن يقع حادثة تؤدي إلى سقوط الجنين وموته ، أو تحدث فيه نقصاً وإنحرافاً . وقد يصادف أن يقطع الجنين ثمانية أشهر من حياته بسلام ، وفي الشهر الأخير يصاب ببعض العوارض ، ولا يمكن القطع بسلامة الطفل وإجتيازه المراحل كلها ، وتولده سعيداً إلا بعد أن يتولد سالماً ، ويخرج إلى الدنيا الخارجية .

ولهذا فأن قسطاً كبيراً من النجاح الباهر الذي أحرزه بعض العظماء في العالم يرجع إلى ( طهارة المولد ) ، وكذلك الإِنتكاسات التي تحدث لبعض الأفراد فأنها ترجع إلى إنحرافات الدور الجنيني .

طهارة المولد :

إن القرآن الكريم يعبر عن رجلين من هؤلاء العظماء بطهارة المولد

٩٠

( والسلام يوم الولادة ) وهما يحيىٰ بن زكريا ، وعيسىٰ ابن مريم ، يقول القرآن في حق يحيىٰ : ( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ) (١) . ويقول على لسان المسيح ابن مريم : ( وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ ) (٢) . والسلام بمعنى : عموم العافية أي : الطهارة الكاملة للبدن والروح . وهذه الحقيقة أي طهارة المولد متساوية في حق جميع الرسل والأنبياء ، والنكتة الأُخرى التي يجب التنبيه لها هي : أن القرآن عبر عن السلامة في دور الرحم بسلامة يوم الولادة ، وذلك لأن السلامة في تمام ذلك الدور لا تعرف إلا بعد ولادة الطفل سالماً ، وإجتيازه تلك المراحل كلها بنجاح حيث تنقطع صلته تماماً برحم أُمه .

« كان علي بن الحسين عليه‌السلام إذا بُشر بولد ، لم يسأل : أذكر هو أم أُنثى ؟ بل يقول : أسوي ؟ . فإذا كان سوياً قال : الحمد الله الذي لم يخلقه مشوهاً » (٣) .

ولا ريب فلسلامـة المولد قيمتها ، إذ أنها هي السبب الأول في نشوء جيل مستو وخلق مجتمع فاضل تنتشر فيه روح السعادة والإِنسانية والصفاء .

مصدر السعادة والشقاء :

يتضح مما سبق مدى أهمية رحم الأم في سعادة الطفل وشقائه ، وكذلك أتضح السبب في عدم ذكر الروايات لإِهمية أصلاب الآباء ، إذ أن الرحم هو مصدر السعادة والشقاء ، وفيه يتقرر مصير الإِنسان وسلوكه بنسبة كبيرة .

فبعض الأطفال يبتلى بقسم من العيوب والنواقص العضوية في ناحية أو أكثر من البدن ، ويولد مع تلك العيوب . وهناك بعض الأطفال نجدهم سالمين من حيث القوام البدني ، ولكنهم مصابون ببعض الإِنحرافات والعوارض النفسية والروحية ، ولذلك فإن الشقاء قد لحق بهم وهم في بطون أُمهاتهم .

____________________

(١) سورة مريم ؛ الآية : ١٥ .

(٢) سورة مريم ؛ الآية : ٣٣ .

(٣) مكارم الأخلاق ص ١١٩ ط إيران .

٩١

إن الإِنحرافات البدنية والنفسية كثيرة . وهناك الكثير منها لا يزال مجهولاً لدى العلماء حتى اليوم . إلا أن قسماً كبيراً من تلك العاهات يمكن الإِتقاء منها إذا أحرزنا السلامة البدنية والنفسية للآباء والأُمهات .

وإذ جر البحث إلى هذه العاهات التي تسبب ولادة الطفل شقياً ، لا بأس بذكر بعضها وتعداد أنواعها ، لمناسبتها للبحث من جهة ، ولفوائدها للمستمعين الكرام من جهة أُخرى .

العاهات العضوية :

« ١ ـ بقاء الجدار الداخلي للبطن مفتوحاً ، وحينئذ يؤدي إلى خروج الأحشاء إلى الخارج ( خلف الجدار الخارجي ) وإيجاد إنتفاخ ظاهر » .

« ٢ ـ الفتق السري الناشء من عدم إنسداد الحبل السري قبل الولادة » .

« ٣ ـ عدم التحام جدار السرة وحصول شق في مقدم البطن إلى جهة الطحال » .

« ٤ ـ عدم التحام القفص الصدري بعظم القص وفي هذه الصورة يكون القلب سطحياً وواقعاً خلف الجلد مباشرة . وفي بعض الأحيان نجد بقاء قسم من الرئتين خارج القفص الصدري » (١) :

الوجه :

« ١ ـ شق الشفة ، وينشأ هذا العيب من عدم التصاق الأنسجة الرابطة بين أجزاء الفك أو الأنف . هذه العاهات قد تؤدي إلى ظهور أثر جرح ، أو كشق صغير على جانب واحد جانبين من الشفة » .

____________________

(١) جنين شناسى ص ٥٧ .

٩٢

« ٢ ـ شق القحف : هذا الشق ينشأ من عدم إتصال الأنسجة بين عظام الجمجمة » .

« ٣ ـ عدم إنسداد الفتحة الواصلة بين العين والأنف هذه الفتحة التي تبدأ من الجفن الأسفل للعين وتمتد إلى جهة الفم ، قد تبقى مفتوحة أحياناً » .

« ٤ ـ إتساع فتحة الفم أكثر من المعتاد . وهو ناشء من عدم إلتيام الأخدود الواصل بين أنسجة الفك الأعلىٰ والأسفل » .

« ٥ ـ وقد يؤدي توقف أنسجة الوجه عن النمو إلى ظهور العاهات وبعض الحفر في الوجه » (١) .

الهندام :

« ١ ـ توقف بعض أجزاء الأطراف عن النمو ، وفي هذه الصورة قد نجد الأطراف ملتصقة بالجسد مباشرة من دون وجود الساعد أو الساق » .

« ٢ ـ ظهور أطراف زائدة ـ كاملة أو ناقصة ـ وهذا التشويه ينشأ في الغالب من إنقسام الأنسجة الأولية » .

« ٣ ـ عدم التناسق في إتصال مفاصل الرجلين وفي هذه الصورة تكون الأصابع في خلف القدم والكعب في الجانب الأمامي » (٢) .

الجهاز الهضمي :

« ١ ـ إنسداد المريء ، وعلامته تقيؤ الطفل للحليب في اليوم الأول فور إرتضاعه » .

« ٢ ـ ضيق فتحة المريء حيث يؤدي فيما بعد إلى مشاكل كثيرة

____________________

(١) جنين شناسى ص ٧١ .

(٢) المصدر السابق ص ٧٣ .

٩٣

في بلع الأطعمة الصلبة ـ غير السائلة ـ » .

« ٣ ـ الضيق الناشء قبل الولادة لفتحة فم المعدة ، والنمو غير الإِعتيادي للعضلة التي تغلق هذه الفتحة » .

« ٤ ـ إنسداد ثقب المخرج ، أو أدائه إلى غيره من الحفر كالمثانة ونحوها » (١) .

هذه نماذج مختصرة للعاهات والنواقص التي تصيب جسم الطفل ، وهي كثيرة ، فجميع أجزاء البدن سواء الجهاز العظمي والجهاز التناسي والقلب والعروق الدموية والمخ والأعصاب خاضعة للتأثر بتلك العاهات ، وقد تكون خطرة جداً إلى درجة أنها تؤدي إلى نشوء رأسين على رقبة واحدة ، أو بدنين على ظهر واحد .

من قضاء الامام علي عليه‌السلام :

ولقد حدث مثل هذا الحادث في زمن الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إذ جاءته إمرأة ولدت من زوجها الشرعي طفلاً له بدنان ورأسان على حقو (٢) واحد ، فتحيروا في حصته من الارث ، هل يعطونه حصة واحدة أم حصتين ، فصاروا إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام يسألونه عن ذلك ليعرفوا الحكم فيه ، فكان جواب الإِمام عليه‌السلام.

« إعتبروا إذا نام ثم انبهوا أحد البدنين والرأسين . فإن إنتبها معاً في حالة واحدة فهما إنسان واحد . وإن إستيقظ أحدهما والآخر نائم ، فهما إثنان وحقهما من الميراث حق إثنين » (٣) .

____________________

(١) جنين شناسى ص ١٠٩ ، وكما ورد في كتب التواريخ فإن الحجاج بن يوسف الثقفي كان مصاباً بهذه العاهة ، فقد كان فاقداً للدبر حين الولادة ، ثم ثقبوا له موضعه ( أُنظر تتمة المنتهى ص ٩٨ ) .

(٢) ورد ( الحقو ) بمعنى سطح الجبل في بعض كتب اللغة ، والظاهر أنه يستعمل بمعنى ( الظهر ) أيضاً ، كما تدل على ذلك القرينة في المقام .

(٣) بحار الأنوار للمجلسي ج ٩ ص ٤٨٥ الطبعة القديمة .

٩٤

والسر في هذا القضاء العادل والحكم الدقيق واضح ، لأنه إعتبر ملاك الحكم هو المركز العصبي ، إذ عليه المعول في توجيه الإِنسان ، فإن كانت قيادة واحدة توجه البدنين والرأسين فهو شخص واحد . ولكن إذا كان يدير كل قسم جهاز عصبي مستقل عن الآخر ، فهما بدنان ، وأحسن طريقة لمعرفة أن الجهاز العصبي الذي يدير الجسم في هذا الإِنسان واحد أو إثنين هو إيقاظه من النوم .

فكما أن الشخص الواحد تدار عيناه بواسطة جهاز واحد ، وهما يشبهان مصباحين مربوطين بزر واحد يشتعلان ويطفأن معاً ، فلا يمكن أن تكون إحدى العينين يقظة والأُخرى نائمة . . . كذلك الرأسان والعيون الأربعة . فإن كانت تدار كلها بجهاز عصبي واحد ، فلا يمكن أن يكون أحد الرأسين في حالة يقظة والآخر في حالة نوم . فإن أيقظنا أحد الرأسين بهدوء ، وبقي الثاني نائماً ، فيدل هذا على أن لهما دماغين مختلفين يصدران إرادتين متباينتين ، ويستجيبان لأثرين متضادين ، فكأنهما طفلان نائمان في فراش واحد متشابكان تماماً . ومع ذلك فيستيقظ أحدهما قبل الآخر .

وبالرغم من خفاء كثير من أسباب هذه الإِنحرافات على البشر ، فإن لنا أن نقطع بأن حدوث أي عيب في الخلية التناسلية الأولى يؤدي إلى أن يصير الطفل في وضع غير إعتيادي ، كما ثبت ذلك في بعض الحيوانات حين أجريت تجارب عديدة عليها .

« لقد استطاع شابري أن يوجد أجنة غير اعتيادية بإيجاد خدوش في الخلايا الأولية وقد نال هذا الإِبداع بالخصوص إستحساناً بالغاً ، لأن إجراء الاختبارات على خلايا بيضة لا يتجاوز طولها ١ % ـ ٢ % المليمتر ليس أمراً سهلاً » (١) .

____________________

(١) تاريخ علوم ص ٧٠٦ .

٩٥

الانحرافات الكامنة :

لا تنحصر العيوب والعاهات التي تصيب الطفل في رحم الأم بالنوع البدني منها فقط . فكثيراً ما يتفق إصابة الطفل بعوارض وإنحرافات روحية فهي ليست ظاهرة بل كامنة ، ولكن الأم هي التي أوجدت العوامل المساعدة لذلك الإِنحراف الكامن الذي لا يلبث ـ بعد الولادة ـ أن يظهر تدريجياً ، فيكشف الزمن عن أسرار عميقة كانت مكتومة في سلوك الفرد فجميع تلك الاستعدادات تأخذ بالظهور إلى عالم الفعلية واحدة تلو الأُخرى .

يقول الإِمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « الأيام توضح السرائر الكامنة » (٢) .

وورد عن الإِمام جواد عليه‌السلام : « الأيام تهتك لك الأمر عن الأسرار الكامنة » (٣) .

وهكذا ، فكما أن الأم المصابة بالسل والسرطان تكون عاملاً مساعداً في إصابة طفلها بنفس المرض ، فالأم المأسورة للإِنحرافات الروحية والسيئات الخلقية والصفات الرذيلة تكون تربة مساعدة أيضاً لإِنحراف سلوك الطفل وتفكيره أيضاً . وتأخذ تلك الإِنحرافات الروحية بالظهور بالتدريج في الطفل .

« إن ولد السارق أو مصاص الدماء ، تكون قابليته على الإِرادة الصحيحة أقل من ولد المجنون . فإن الأفراد الذين يملكون إنحرافات وراثية موجودون في جميع طبقات المجتمع . ويمكن العثور عليهم بين الأغنياء والفقراء والمثقفين والعمال والفلاحين . . . كثيرون هم الذين ينهزمون أمام المشاكل لأبسط حادثة ، والمتلونون الذين لا يستقرون على حال ، ولا يقفون على تصميم ضعفاء الإِرادة التائهون في خضم الحياة ، والكسالى الذين يشبهون الجماد في خمولهم وجمودهم ، والحساد الذين

____________________

(١) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٢٨ .

(٢) بحار الأنوار للمجلسي ج ١٧ / ٢١٤ .

٩٦

يكتفون من الحياة بتوجيه الإِنتقاد إلى الآخرين ، وضعفاء العقول المصابون بالشذوذ العاطفي ، والخلاصة أولئك الذين لا يتجاوز عمرهم العقلي أكثر من ١٠ سنين أو ١٢ سنة . ومما لا ريب فيه أن هذا النقص منشؤه وراثي إلى حد بعيد ، ولكن ليس بمقدورنا أن نعين نسبة العوامل الوراثية إلى العوامل التربوية ( البيئية ) في توليد هذه العاهات . ومع ذلك فإن النماذج الإِفراطية من ضعف العقل والإِختلال الروحي والبكم والبلادة تدل بوضوح على وجود عيوب وراثية ـ بدنية وروحية ـ » (١) .

ومن هنا يتضح لنا السر في أن الدين الإِسلامي الحنيف يعتبر الصفات الرذيلة والملكات الذميمة والتمادي في الإِجرام في عداد الأمراض الخطرة . فالخلق السيء ليس سبباً للأمراض الروحية والعصبية فحسب ، بل يؤدي أحياناً إلى إختلالات بدنية عظيمة ، مما يؤدي إلى إصابة صاحب الأخلاق السيئة بأمراض جسدية ، وهكذا نجد الأمهات المصابات بالانحرافات الخلقية والأمراض المعنوية يلدن أطفالاً مصابين أيضاً .

وهنا نكتة مهمة : وهي أن الأمراض الجسدية يمكن أن تكشف بسرعة لظهور بوادرها كالحمىٰ وما شاكلها ، ولكن المصابين بالأمراض الروحية ومضاعفاتها ومخلفاتها ليس فيهم بوادر ومقدمات ، ولذلك فإن المصاب لا يلتفت إلى الخطر ، إلا عندما يتأصل فيه المرض ويستبد به الإِنحراف . . . حيث يكون أحياناً غير قابل للتدارك أصلاً .

ومن المؤسف له أن أكثر الناس في العالم ( ومن ذلك بلادنا أيضاً ) يصرفون جل اهتمامهم إلى الجهات المادية فقط ، غافلين عن الجهات المعنوية ولهذا السبب بالذات فأنهم يتلقون الفضائل الخلقية والمثل الإِنسانية والتقوى على أنها أمور حقيرة حتى أن البعض يفرضون أنفسهم في غنى منها :

____________________

(١) راه ورسم زندگى ص ١٥٦ .

٩٧

الغفلة عن الانحرافات الروحية :

يرى الناس أن المرض منحصر بالنوع الجسماني منه ، فالسيئات الخلقية والملكات الرذيلة لا يعتبرونها أمراضاً ، المصاب بالسل والسرطان يعتبر مريضاً ، أما الحسود والحقود فليس مريضاً عندهم ، إنهم يرون قرحة المعدة أو الأثنى عشر مرضاً ، ولكن الإِفساد في الأرض والأنانية لا يرونهما كذلك .

وهكذا نجد الرجال حين الإِقدام على الزواج يعطفون جل إهتمامهم على جمال الوجه والهندام وسلامة الجسد للمرأة ، من أن يسألوا عن صفاتها الخلقية وملكاتها المعنوية ، وكذلك نظرة النساء إلى الرجال . فقصر القامة أو الحول في العين يعتبر عيباً في الزواج . ولكن الأنانية وبذاءة الأخلاق لا تعد من العيوب عندهم . وعليه فمن البديهي أن السيئات الخلقية تنتشر بسرعة في ظرف كهذا ، ويزداد عدد المصابين بها يوماً بعد يوم .

وبما إن السجايا الخلقية من الأركان المهمة في موضوع تربية الطفل وهي في نفس الوقت مفيدة لجميع الطبقات ، نرى من الضروري أن نفصل القول فيها .

إتصال الجسد بالروح :

إن الإِنسان مركب من روح وجسد ، وكل منهما يؤثر في الآخر ، فكما أن الجهود الجسمانية تترك آثاراً عميقة في الروح الإِنسانية ، كذلك الأفكار والمعنويات فأنها تؤثر على بدنه ، وهذه القاعدة كانت من جملة المسلمات عند الفلاسفة والعلماء في القرون الماضية.

لنفرض إنساناً لا يملك أبسط المعلومات عن الخط أو الرسم ، ومع ذلك يأخذ القلم أو الفرشاة بيده ويتمرن أشهراً وسنين طوالاً وبالتدريج نجد أن روحه تقع تحت تأثير هذا التمرين الجسماني حتى يصير فن الخط أو الرسم في النهاية ملكة نفسانية له . وما هي إلا أيام حتى يكون في عداد خطاطي أو رسامي العالم . هذا تأثير الجسم في الروح .

٩٨

ولنفرض إنساناً يخجل أو يخاف من شيء ما . وبالرغم من أن الخوف أو الخجل شعور نفساني ومن الأمور المتعلقة بالروح ، نجد أن هذه الحالة النفسية تؤثر في بدنه ، فالمصاب بالخوف يصفر لونه ، أما المصاب بالخجل فيحمر وجهه ، وهذا تأثير الروح في الجسم .

ولم يفت العلم الحديث التنبه إلى هذه النكتة ، وهي تأثير كل من الروح والجسد في بعضهما البعض . بل أثبت العلماء ذلك ، وذكروا هذه القاعدة بأسلوب أوضح في كتبهم :

ولنستمع إلى ( الكسيس كارل ) يقول :

« من الواضح إن النشاط العقلي يتوقف على وجوه النشاط الفسيولوجي فقد لوحظ أن التعديلات العضوية تتصل بتعاقب حالات الشعور وعلى العكس من ذلك فإن حالات وظيفية معينة للأعضاء هي التي تقرر الظواهر السيكولوجية. وليدل الكل المكون من الجسم والشعور بالعوامل العضوية والعقلية أيضاً . . . فالعقل والجسم يشتركان معاً في الإِنسان » (١) .

تأثير الجسم في الروح :

 « وحقيقة الأمر ، أن المراكز المخية لا تتكون من المادة العصبية فحسب . إذ إنها تشتمل أيضاً على سوائل غطست فيها الخلايا وينظم تأليفها بواسطة مصل الدم . ويحتوى مصل الدم على إفرازات الغدة ، والنسيج التي تنتشر في الجسم كله ، ولما كان كل عضو موجوداً في النخاع الشوكي بوساطة الدم والليمفا ، فمن ثم فإن حالاتنا الشعورية مرتبطة بالتركيب الكيميائي لأخلاط العقل مثل ارتباطها بالحالة التركيبية لخلاياه . وحينما يحرم الوسيط العضوي من إفرازات غدد ( السوبر ارينال ) فأن المريض يسقط

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١١٤ .

٩٩

فريسة للإِنقباض الشديد ، ويشبه حيواناً شرساً ، وتؤدي الاضطرابات الوظيفية لغدة الثايارويد إما إلى الهياج العصبي والعقلي أو إلى البلادة وفقد الإِحساس ، وقد وجد معتوهون وضعاف عقول ومجرمون في أسر ، أصبح تغير تركيب هذه الغدة فيها بسبب إصابتها بجروح أو بأمراض ، مسألة وراثية » (١) .

« ولضياع أرقى التجليات الروحية . يكفي حرمان بلازما الدم من بعض المواد . فحين تتوقف غدة الثايارويد عن إفراز الثايروكسين في الدم مثلاً يضيع الشعور بالأخلاق وتذوق الجمال والإِحساس الديني . وكذا إزدياد أو نقصان نسبة الكالسيوم يؤدي إلى إختلالات روحية كثيرة . ولهذا فالشخصية الإِنسانية تأخذ طريقها إلى الاضمحلال في الإِنسان المدمن على الخمرة » .

« إن مما لا شك فيه أن الحالة النفسية ترتبط بالحالة الجسمانية تماماً ، وبصورة موجزة : فإن الجهود الفكرية والنشاط العاطفي ينشأ من العوامل الفيزياوية والكيمياوية والفسيولوجية المرتبطة بالبدن » (٢) .

من خلال هذه النصوص إتضح لنا تأثير الجسم والقوى البدنية في الأجهزة المعنوية والنفسية . والآن لنبحث عن كيفية تأثير الأفكار والعوامل النفسية في شؤون الإِنسان الجسدية .

تأثير الروح في الجسم :

« فالعواطف ـ كما هو معروف جيداً ـ هي التي تقرر تمدد أو تقلص الأوردة الصغيرة عن طريق الأعصاب المحركة ، فهي إذن تقترن بتغيرات في دورة الدم في الخلايا والأعضاء . فالفرح يجعل جلد الوجه يتوهج في حين يكسبه الغضب والخوف لوناً أبيض . . . وقد

____________________

(١) المصدر السابق ص ١١٥ .

(٢) راه ورسم زندگى ص ٢٦ .

١٠٠