🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
ISBN: 964-94553-6-1
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

٢ ـ وكذلك يقول عليه‌السلام : « أعظم الجهل ، جهل الإِنسان أمر نفسه » (١) .

٣ ـ وقد ورد عنه عليه‌السلام : « أفضل العقل معرفة المرء نفسه . فمن عرف نفسه عقل . ومن جهلها ضل » (٢) .

٤ ـ وكذلك يقول عليه‌السلام : « من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم » (٣) .

٥ ـ وقد ورد عنه : « من لم يعرف نفسه ، بعد عن سبيل النجاة وخبط في الضلال والجهالات » (٤) .

وهكذا نرى في هذه الروايات أن أساس السعادة قائم على معرفة النفس ، فمن لم يعرف نفسه ولم يدرك قيمتها الواقعية لا يصل إلى الكمال الإِنساني اللائق به أبداً ، والذين يجهلون كل شيء عن الثروات الفطرية المودعة في نفوسهم لا يتمكنون من العمل على إحيائها واستثمار المواهب الكامنة عندهم .

« روي عن كميل بن زياد ، قال : سألت مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام قلت : يا أمير المؤمنين : أريد أن تعرفني نفسي ، فقال : يا كميل : أي النفس تريد أن أعرفك ؟ قلت : يا مولاي هل هي إلا نفس واحدة ؟ فقال : يا كميل إنما هي أربعة : النامية النباتية والحسية الحيوانية ، والناطقة القدسية ، والملكية الإِلهية . . . » (٥) .

إحياء الميول المعنوية :

إن الإِنسان يملك غير الطبع النباتي ، والشهوة الحيوانية ، ثروة عقلية

____________________

(١) المصدر نفسه ص ٨٨ .

(٢) المصدر نفسه ص ٩٤ .

(٣) المصدر نفسه ص ٢٩٣ .

(٤) المصدر نفسه ص ٢٩٦ .

(٥) آداب النفس للسيد محمد العيتاني ج ١ ص ١١ ط . طهران . وللحديث تفصيل طويل مذكور في ( مجمع البحرين للطريحي ، مادة نفس ) .

١٦١

بشرية وروحاً ملكوتية إلهية ، فالسعيد من إعتنى بجميع ذخائره وثرواته المادية والمعنوية ، وحاول استغلالها والإِستجابة لها حسب قياس صحيح وهكذا فالإِنسان في الوقت الذي يهتم بجلب اللذائذ الجسمانية ويستجيب للميول الحيوانية يجب أن يهتم بصفاء باطنه . وإحياء الميول المعنوية التي تعد جزءاً من فطرته ، ويحاول استخدام مواهبه كلها في سبيل الوصول إلى التكامل ، منقاداً في ذلك للفطرة بإخلاص تام ، لكي لا يلقى عقابه على يد الطبيعة التي تخلف عن قوانينها.

الانحراف عن طريق الفطرة :

إن من المؤسف أن الحياة العصرية قد إنحرفت بالبشر عن طريق الفطرة وقصرت إهتمامها على الجوانب المادية فقط . إن أكثر الأفراد اليوم يرون البشرية من خلف منظار اللذائذ والشهوات ، فيتناسون أهمية الجوانب المعنوية . وعلى هذا الأسلوب من التفكير يربون أبناءهم أيضاً فيعطفون جل إهتمامهم على العيش الرغيد والالتذاذ أكثر في حين أن إهتمامهم بتربية الإِيمان الفطري والسجايا الخلقية والواجبات الروحية . . . لا يبلغ الواحد في المائة من العناية بالجوانب المادية ، ولا شك في أن الإِنحراف عن طريق الفطرة لا يبقى بلا عقاب .

إن المدنية الحديثة تسيطر على العالم منذ مدة ، والعلماء يقفون كل يوم على حل رمز جديد من كتاب الكون ، ويخطون خطوة جديدة في طريق العلم ، ويحرزون إنتصارات عظيمة في هذا السبيل . ولذلك فإن أسلوب المعيشة قد تغير والحياة ملأت جمالاً ، وخضع البر والبحر والجو لسيطرة البشر فالأكواخ المرطوبة المظلمة قد استبدلت بالقصور الضخمة الفاخرة المجهزة بجميع وسائل الراحة . وهكذا حلت النفاثات الجميلة القوية محل الفرس والجمل حيث توصل المسافر في أتم الراحة وأسرع الوقت إلى مقصده . ولا غرابة إذا رأينا أن المغازل اليدوية للعجائز وأدوات الحياكة اليدوية للشيوخ تخلي مكانها لمعامل الغزل والنسيج الأوتوماتيكية ، وهكذا خرجت الزراعة عن شكلها القديم ، وبدأ المزارعون العمل في الحقول بأحدث المكائن الزراعية وفقاً

١٦٢

لأحدث النظريات العلمية . . . وبصورة موجزة : نرى أن العلم قد أخذ طريقه إلى جميع مظاهر الحياة ، مضيئاً ـ كالشمس ـ كل مكان ، ومنظماً وسائل الراحة المادية والرفاه في العيش .

المدنية والأمراض الروحية :

. . . ولكن هذه الانتصارات التي أحرزها الإِنسان في مختلف الميادين لم تقدر على إيجاد التضامن الفكري والارتياح الروحي للبشر ، بل نجد الأمر على عكس ذلك ، فبنفس النسبة التي تتقدم فيها المدنية وتهيء وسائل جلب اللذة والشهوات للبشر نجد أن إضطرابه وانزجاره ، شقاءه وبؤسه يزداد . إن الأمراض الروحية والعصبية والاختلالات العقلية والجنون أضحت مثل سحب سوداء وخطيرة قد سيطرت على أفق الدول المتمدنة بصورة فظيعة مخيفة .

« لقد كتبت الجرائد الرسمية الأمريكية ، في مطلع هذا العام أن في العام الماضي بلغ مصروف الأقراص المنومة والمهدئة للأعصاب ، والخاصة للأمراض الروحية المستعملة في أمريكا مائتي مليون دولار . هذا الرقم الهائل إنما هو للأدوية المستعملة في حالات ضعف الأعصاب والقلق الفكري ، أما الأقراص المسكنة للأوجاع أمثال الأسبرين فأنها تشمل مبالغ طائلة أُخرى من ميزانية الدولة » (١) .

إن الدول العظمىٰ في العالم تعمل على استئصال جذور الأمراض المختلفة بمختلف الوسائل العلمية والتطبيقية ، لتخلص شعوبها من شر التيفوئيد والهيضة والملاريا ونحوها . ولكنها بدلاً عن ذلك قد ملأت المستشفيات بالمصابين بالأمراض الروحية والعقلية ، وتزيد من عددهم الهائل يوماً بعد يوم .

« ومن العجيب أن الأمراض العقلية أكثر عدداً من جميع الأمراض الأُخرى مجتمعة . ولهذا فإن مستشفيات المجاذيب تعج بنزلائها

____________________

(١) جريدة (إطلاعات) الإِيرانية العدد ١٠١٦٣ .

١٦٣

وتعجز عن استقبال جميع الذين يجب حجزهم . . . ويقول س . و . بيرسي إن شخصاً من كل ٢٢ شخصاً من سكان نيويورك يجب إدخاله أحد مستشفيات الأمراض العقلية بين حين وحين ، وفي الولايات المتحدة تبدي المستشفيات عنايتها لعدد من ضعاف العقول يعادل أكثر من ثمانية أمثال عدد المصدورين. ففي كل عام يدخل مصحات الأمراض العقلية وما يماثلها من المؤسسات نحو ٨٦٠٠٠ حالة جديدة » .

« إن أمراض العقل خطر داهم . إنها أكثر خطورة من السل والسرطان وأمراض القلب والكلى ، بل التيفوس والطاعون والكوليرا . . . ولا شك في أن كثرة عدد مرضى الأعصاب والنفوس دليل حاسم على النقص الخطير الذي تعاني منه المدنية العصرية ، وعلى أن عادات الحياة الجديدة لم تؤد مطلقاً إلى تحسين صحتنا العقلية » (١) .

هذه النصوص ترينا أن حالات الجنون والأمراض الروحية تأخذ بالازدياد بسرعة هائلة في الدول العظمىٰ والمتمدنة ، فالدكتور كارل إنما يكتب هذه الفقرات عن الوضع الروحي في أمريكا قبل ٣٠ سنة تقريباً ولكن النشرة الإِحصائية الرسمية في أمريكا للعالم ١٩٦٠ ميلادية ، تشير إلى أرقام أعلىٰ من الأرقام السابقة . فمثلاً بينما نجد أن النشرة المذكورة تذكر عدد المصابين روحياً في المستشفيات العقلية الأمريكية ٣٤٠٠٠٠ سنة ١٩٣٢ ميلادية ، نجد أن هذا الرقم يرتفع إلى الضعف سنة ١٩٥٩ .

إزدياد الجرائم والجنايات :

تلك النشرة نفسها تذكر في ( ص ٣١١ ) أرقام الجرائم المختلفة التي تلقتها من محاضر محاكمات القضاة . وتكتب أرقام ثلاث سنوات بهذه الصورة :

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ١٢٣ .

١٦٤

عام ١٩٥٥

٢٢٦٢٤٥٠ جريمة

عام ١٩٥٦

٢٥٦٣١٥٠ جريمة

عام ١٩٥٧

٢٧٩٤٤٠٠ جريمة . . .

وهكذا تلاحظون أن الجرائم أيضاً في طريقها إلى الإِزدياد يوماً بعد يوم . والأن لنذكر بعض الإِحصائيات الطريفة حول الموضوع :

« الجناية في فرنسا ، إسم كتاب ألفه رجلان من علماء الإِجتماع في فرنسا أحدهما هو ( بول شولو ) ، والآخر ( جان سوزنين ) ، بعد أن استفادا من الإِحصائيات والملفات الجنائية بمعونة البوليس . لقد ورد في إحدى تلك الإِحصائيات ما يلي : ـ تقع في فرنسا سرقة واحدة في كل دقيقتين ، وعملية اختطاف واحدة في كل عشر دقائق ، وسرقة سيارة في كل ثلاثين دقيقة ، واتصال جنسي غير مشروع في كل ثلاث ساعات ، وجناية واحدة في كل أربع ساعات . . . . » (١) .

« لندن ـ أعلنت مؤسسة التحقيقات في الصحة النفسية : إن خمسة آلاف رجل وامرأة بريطانيين ينتحرون كل عام . وهذا العدد يساوي حالات الموت الناشئة من إصطدام السيارات في هذه البلاد . وفي مدينة لندن التي لا تزيد سكانها على التسع ملايين ، يكون معدل الإِنتحارات في كل يوم ٣ إنتحارات » (٢) .

إن ما لا شك فيه هو أن هذه المصائب هي وليدة التخلف عن قوانين الخلقة ، فالتمدن الحديث قد صرف كل جهوده في سبيل توسعة اللذائذ المادية وإيجاد الرفاه المعيشي للبشر ، وغفل ـ تمام الغفلة ـ عن الجوانب الروحية في النفس الإِنسانية .

____________________

(١) جريدة ( إطلاعات ) الإِيرانية العدد ١٠٢٢٣ .

(٢) جريدة ( كيهان ) الإِيرانية العدد ٥٦٤٥ .

١٦٥

الافراط في الشهوة :

والمدنية الحديثة قد سدت على الناس أبصارهم ومسامعهم وصورت لهم أن معنى ( الإِنسانية ) ليس إلا العمل على إيجاد حياة أفضل ، والانتفاع من اللذة أكثر وكأن ليس للإِنسان هدف غير ذاك ، فالكل يفكرون في كيفية الحصول على مسكن أحسن ، ومركب أجمل ، ومقام أرفع ، ويجدّون في أن يعرفوا أي السبل تدرّ عليهم ثروة أكثر كي يتمكنوا من ممارسة شهواتهم بصورة أوسع . . .

وتسعى شركات الأفلام السينمائية دوماً في سبيل إخراج أفلام أكثر تهييجاً ، ورقصات أشد إثارة ، لتتمكن من إرضاء شهوات الناس إلى أبعد مدى ممكن وبذلك لتحصل على أرباح أكثر . . .

واجتماعات المساجد والكنائس آخذة في الضعف والتأخر . أما حانات الخمور ودور السينما والمراقص والملاهي فأنها مليئة بالحاضرين ومكتظة بالشباب . . .

الرجل الثري يُحترم ويعتنى به عناية بالغة لثروته ، أما الفرد المؤمن التقي الذي يعتبر ثروته الإِيمان والفضيلة ، فلا يملك واحداً بالمائة من إحترام ذلك الرجل .

إن نجمة سينمائية تمكنت ـ بخروجها بجسد نصف عريان وإتيانها حركات مهيجة ـ من إرضاء ميول المتفرجين وعندما دخلت بلدة أخذ الآلاف من الناس يتنافسون في الخروج لاستقبالها معتبرين النظر إليها فوزاً عظيماً وسعادة كبرى ، ولكن إذا دخل عالم في الأخلاق والتربية أو رجل مؤمن ورع يكون كلامه وأفعاله قدوة للعفة والصلاح إلى تلك البلدة فلا يخرج لاستقباله سوى أفراد قليلين يعدون بالأصابع . . .

ومحنة الكتب أشد ، فالكتب التربوية المفيدة والعلمية الصالحة لا تلقى إقبالاً من القراء ، بينما نجد أن القصص المهيجة والأشعار المغرية تنفد في فترة قصيرة ويعاد طبعها عدة مرات .

١٦٦

اختلال التوازن :

هذه الشواهد وعشرات من أمثالها ترينا أن التوازن بين الروح والبدن قد إختل في المدنية الحديثة . فالميول المادية والشهوانية تراعى ويدافع عنها ولذلك فقد اتسعت دائرتها ، وفي قبال ذلك نجد أن العواطف الإِنسانية والميول الروحية مفقودة ولا يبحث عنها أصلاً . هذا العمل إنما هو حرب صريح مع الفطرة ، ومخالفة مباشرة لقانون خلقة البشر . . . ومن البديهي إن الخروج على قوانين الكون لا يبقى خالياً من عقاب.

« إننا فقدنا جميع مقرراتنا الداخلية كما فقدنا تعاليمنا الدينية ، والأجيال الحاضرة تجهل حتى وجود مثل هذه القيم في الماضي . وهكذا فالعدالة ، الشرف ، الإِستقامة ، المسؤولية ، الطهارة ، العطف على الناس ، الشهامة . . . قد أضحت عبارات فارغة لا معنى لها ، وكلمات تقابل بالسخرية من قبل الشباب ، وإذا اتفق وأن رأينا منهم شوقاً نحو العقائد الدينية فذلك كاحترامهم للأشياء النادرة في المتاحف . إن الإِنسان الحديث لا يعرف لغير اللذة أساساً آخر لحياته وسلوكه » (١) .

إن الإِنسان لا يستطيع الاستمرار في حياته من دون أن يؤمن وسائل الحياة المادية ، فهو محتاج إلى الطعام واللباس والمأوى ، وإرضاء الميول الجسدية بحكم القضاء القطعي الإِلهي ، وعليه أن يسعى في سبيلها . . ولكن يجب أن لا ينسى أن المطاليب الفطرية للبشر ليست منحصرة في ميوله المادية فقط ، فإن ما يسبب الفضيلة والكمال للإِنسان ويفصله عن سائر الحيوانات هو ثرواته المعنوية وفضائله الروحية فمن أهمل الذخائر الروحية المودعة لديه فهو ( حيوان ) في لباس ( إنسان ) .

« لا يستطيع أحد أن ينكر أن البشرية تخضع لقوى منبثقة من الفكر

____________________

(١) راه ورسم زندگى ص ٦ .

١٦٧

والعقائد . وكانت نتائج بعض الفكر المجردة أن غيرت محيطنا وقلبته رأساً على عقب ( وهي العلوم التجريبية والميكانيكية ) ، وتركت أثراً كبيراً في حياتنا الفردية والاجتماعية . ولكن يجب البحث عن العواطف الباطنية والإِلهامات الفطرية في ضمن الفكر التي يمكن تسميتها بـ ( الفكر العَتَليّة ) (١) كالعقائد الأولية للطموح وحب الكمال والعقائد الدينية . وكل نظرية تغفل النظر إلى هذه الفكر ، وتسعى في سبيل « إيجاد الراحة المادية للبشر كما تفعل بقطيع من الأغنام فإن تلك النظرية تكون ناقصة ومنحرفة » (٢) .

حيوان في لباس إنسان :

ومن هنا يتضح أن المبادىء التي تبشر بها المدنية الحديثة لا ترمي إلا إلى خلق قطيع من الأغنام المتلبسة بلباس الآدميين .

والإِمام علي عليه‌السلام يشير إلى هذه النكتة في ضمن حديث له مع كميل بن زياد حول بعض الناس المنحرفين ، فيقول « . . . أو منهوماً باللذة سلس القياد للشهوة ، أو مغرماً بالجمع والإِدخار . . . ليسا من رعاة الدين في شيء ، أقرب شيء شبهاً بهما : الأنعام السائمة » (٣) .

فنرى كيف يشبه الإِمام هاتين الطائفتين ( المطيعون للشهوات ـ والمفتونون

____________________

(١) هكذا ورد في تعبير المؤلف . ولعل ذلك يرجع إلى العتلة . والمراد بالعتلات في بحوث الميكانيك من علم الفيزياء ، هو الآلات التي تستعمل لرفع وتحريك أجسام عظيمة بصرف جهود بسيطة . كما لو رفعنا صخرة كبيرة بواسطة وضع قضيب حديدي تحت ركن من أركانها وأسندنا ذراع القضيب إلى صخرة صغيرة مثلاً . ويجري قانون العتلات في البكرات المتسلسلة التي تخفض ثقل الأجسام إلى النصف بعدد البكرات ، وكثيراً ما نشاهد أمثلة ذلك في الرافعات ( السلينكات ) التي ترفع أجساماً ثقالاً بصرف جهود بسيطة . وعلى أي حال فالمراد من ( الفكر العتلية ) هنا هو الفكر التي يستعان بها في تيسير الحياة الهانئة السعيدة والصفاء الفكري بمجهود بسيط .

(٢) سرنوشت بشر ص ١٤٧ .

(٣) شرح نهج البلاغة للملا فتح الله ص ٥٥٠ ـ

١٦٨

بجمع المال ) بالحيوانات والبهائم حيث لا تظهر لهم عواطف دينية والتزامات عقيدية .

« إن الرقي الحقيقي للإِنسان الذي يوصل إلى الكمال ينحصر في العمل على تكميل النفس الإِنسانية وصقلها وتهذيبها ، لا في تطوير الوسائل والأدوات التي يستخدمها في ضمان راحته المادية . هذا المذهب الأخير هو مذهب الماديين الذي يجلب الخزي والعار للإِنسانية ، لأنه يبعد عن نظره أشرف الصفات في الإِنسان . وهذه الصفات فقط بإمكانها أن تضمن سعادته التي هو أرقىٰ من سعادة الأبقار المجترة . . . » (١) .

إحياء الانسانية :

إن هدف الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تعاليمه الدينية العالية هو إحياء الإِنسانية . إن الإِسلام يريد أن يحرك المواهب الباطنية والميول الفطرية في البشر ، وفي الوقت الذي يضمن له اللذائذ الجسدية يرشده إلى الكمالات الروحية والإِيمانية . فالإِنسانية لا تكمن في رغد العيش وضمان اللذائذ الدنيوية ، والإِنسان الذي ينسى نفسه ، ويغفل عن إمتيازاته المعنوية ، ويحاول أن يحصر نفسه بين جدران الشهوات الحيوانية . . . لا شك في أنه آخذ طريقه نحو التسافل مهما كانت حياته رغيدة وعيشته مطمئنة والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة في ضمن الآية التي إفتتحنا بها البحث فيقول : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . . . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) .

ديوان الفطرة :

إن الإِنسان خلق بحسب هذه الآية على أحسن صوره من الكمال الطبيعي ، فمن اتبع كتاب الخلقة وديوان الفطرة وعاش بثروة الإِيمان وطهارة

____________________

(١) سرنوشت بشر ص ١٧٣ .

١٦٩

العمل فعاقبته أنه يصل إلى أعلىٰ درجات الإِنسانية ، ومن حاد عن طريق الفطرة السليمة يتردى إلى أسفل سافلين .

وما أكثر أولئك الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً ، يعيشون في بيوت حقيرة ، ومع ذلك فإن حبَّ الله القدير يعمر قلوبهم وتحيا فيهم السجايا الخلقية ، ويعيشون مثل ملائكة الجنة في غاية الطمأنينة والرفاه والاستقرار الروحي . . . . هؤلاء هم البشر الواقعيون الذين لا يفكرون في شيء غير الطهارة والفضيلة .

وعلى العكس فما أكثر أُولئك الذين يعيشون في القصور الضخمة لكن فقدانهم لعنصر الإِيمان وإنشغالهم بالرذائل يجعل قصورهم تلك جحيماً لا يطاق ، حيث نار الحسد والحقد والتشاؤم والأنانية تحرق أرواحهم ، والحرص والطمع والخيانة والجناية ترديهم إلى هوة سحيقة من الفساد والشقاء والبؤس .

ملجأ البشرية :

في مد الحياة وجزرها ، وفي إضطراباتها الروحية . . . يعتبر الإِتجاه إلى الله والإِيمان بالتعاليم الدينية أحسن ملجأ للبشرية . ومما يؤسف له أن المدنية الحديثة لا تقيم وزناً لهذه القيم والمثل ، وكثير من الشبان والشابات يلجأون إلى الخمر في يوم إندحارهم ورسوبهم ؛ أو ينتحرون .

« عزلت المادة نهائياً عن الروح . وحينئذ إتخذت التركيبات العضوية والآليات الفسيولوجية حقيقة أكبر كثيراً من التفكير والسرور والحزن والجمال . ولقد دفعت هذه الغلطة الحضارة إلى سلوك طريق أدىٰ إلى فوز العلم وإنحلال الإِنسان » .

« فإذا كان على الحضارة العلمية أن تتخلى عن الطريق الذي سارت فيه منذ عصر النهضة وتعود إلى ملاحظة المادة الجامدة ببساطة فسوف تقع أحداث عجيبة على الفور ستفقد المادة سيادتها ، ويصبح النشاط العقلي مهما كالنشاط الفسيولوجي ، وسيبدو أن لا مفر من دراسة الوظائف الأدبية والجمالية والدينية كدراسة

١٧٠

الرياضيات والطبيعة والكيمياء . وسوف تبدو وسائل التعليم الراهنة سخيفة . وسيسأل علماء الصحة عن السبب الذي يحدوهم إلى الإِهتمام فقط بمنع الأمراض العضوية دون الأمراض العقلية والاضطرابات العصبية ، كما سيسألون عما يجعلهم لا يبذلون إهتماماً بالصحة الروحية ولماذا يعزلون المرضى بالأمراض المعدية ، ولا يعزلون أولئك الذين ينشرون الأمراض العقلية والأدبية ، ولماذا يعتبرون العادات المتولدة عن الأمراض العضوية عادات ضارة دون العادات التي قد تؤدي إلى الفساد والإِجرام والجنون ؟ ! » (١) .

جسد الطفل وروحه :

إن الإِنسان عبارة عن الجسد والروح ، والمادة والمعنى . فالتربية الصحيحة والتامة عبارة عن إحياء جميع الميول المادية والمعنوية ، والمربي القدير هو الذي يلاحظ التوازن بين مطاليب الجسد ومطاليب الروح . فكما يعتني بسلامة جسد الطفل ، يجب أن يعتني بسلامة نفسه أيضاً . فيحاول أن يبذر في نفسه بذور الفضيلة والإِيمان من أولى أدوار حياته ليتربى تربية طاهرة صحيحة .

فكثير من العوارض النفسية والمآسي التي تؤدي إلى الأمراض الروحية والعقلية ، وقد تجر إلى الجنون أو الإِنتحار أحياناً . . إنما هي معلومة للإِنحطاط الخلقي والإِنحراف عن السجايا الإِنسانية . ومن المؤمل أن نبحث ـ بتوفيق من الله ـ في قسم منها في المحاضرات القادمة .

قلنا : إن الأساس الثاني لبحثنا في هذه المحاضرة هو أن المربي القدير يجب أن يسعى لدحر الميول المنحرفة والصفات البذيئة التي ورثها الطفل من أبويه ( كتربة مساعدة ) ، فيعمل على قمعها وإخفاء آثارها ، ويزرع مكانها ، البذور الصالحة للسلوك المفضل . فبعض الأطفال قد ورثوا الجبن ، البخل ،

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ٢١٤ ـ ٢١٦ .

١٧١

الكسل ، الخسة ونحوها من الصفات من أبويهم ، وهذه الصفات ليست من قبيل القضاء الحتمي والمصير القطعي الذي لا يقبل التغيير ـ كما سبق آنفاً ـ بل بإمكان التربية الناجحة والبيئة الصالحة أن تبعد الطفل عن المفاسد ، وترشده إلى طريق الفضيلة والطهارة .

كانت الجزيرة العربية قبل الإِسلام مصابة بأنواع الإِنحرافات الروحية والخلقية طيلة قرون متمادية ، حيث الرذائل متأصلة في جذور ذلك المجتمع كالخيانة والسرقة ، والعصبية والإِفساد ، والجبن والحمق ، وما أشبه ذلك . ومن البديهي أن أطفالهم يتولدون مع إستعدادات للسلوك غير المرضي مضافاً إلى أن البيئة الفاسدة كانت تساعد على نمو تلك الصفات الرذيلة وظهور الإِستعدادات الفاسدة إلى عالم التنفيذ .

أعظم مربي للبشر :

. . . ومع ذلك فإن الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمل بفضل أساليبه التربوية الصالحة وتعاليمه الدينية العظيمة على قمع الصفات الرذيلة في نفوس أولئك الذين خضعوا لتربيته ، وزرع مكانها الصفات الحميدة والملكات الفاضلة .

يروي لنا التاريخ قصة الجيش البسيط الذي قدم به أبرهة من الحبشة إلى مكة لهدم بيت الله الحرام . ورأينا كيف أن أهالي مكة الجبناء خرجوا منها من فرط خوفهم ووحشتهم ولجأوا إلى سفوح الجبال ، ولم يجرأوا على المقاومة يوماً واحداً . ولكن الأساليب التربوية الدقيقة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غيرت أسلوب حياتهم تماماً . . . فنفس أولئك الناس الذين كانوا ضعفاء قبل مجيء الإِسلام ، أظهروا من الشجاعة والإِقدام والشهامة في ظل إرشادات النبي وفي كنف مدرسته التربوية العظيمة حيث صمدوا لأقوى دول العالم آنذاك ، واستطاعوا من أن يخوضوا أعظم الحروب ويفتحوا البلدان العظيمة ويرجعوا إلى أوطانهم فاتحين غانمين . . . وهكذا شأن جميع الصفات الرذيلة فقد إختفت من نفوسهم بفضل تعاليم الإِسلام وحلت محلها الصفات الحميدة والسجايا الخلقية الفاضلة .

١٧٢

أجل ! فالمربي القدير ـ يستطيع بفضل الأساليب الدقيقة ـ من قمع الصفات الشريرة وإحلال الصفات الخيرة محلها .

ولا يخفى أن الطفل كالنبتة الصغيرة ، حيث يمكن تصحيح سلوكه حسب البرامج الصالحة ، ولكن الذين اعتادوا على السلوك الفاسد طيلة سنوات عديدة ، إصلاحهم صعب جداً ، ويجب أن يتحمل المربي في سبيل ذلك أساليب متقنة وجهوداً عظيمة .

يقول الإِمام الحسن العسكري عليه‌السلام : « رد المعتاد عن عادته كالمعجز » (١) .

فالذي إعتاد الكذب طيلة أربعين سنة مثلاً يكون إصلاحة أصعب بكثير من الطفل الذي لا يزيد عمره على ثلاث سنوات . . . وإذا استطاع النبي الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من إصلاح كبار العرب وهدايتهم إلى الطريق الصحيح فإن مقدرته ( ومقدرة تعاليمه الرصينة ) على تربية الأطفال الذين يملكون عوامل مساعدة للفساد ، قد ورثوها من أبويهم تكون أسهل ، ونجاح تلك الأساليب أضمن .

____________________

(١) بحار الأنوار للمجلسي ج ١٧ ص ١٧ . ط طهران .

١٧٣

المحاضرة السابعة

العقل والحرية ـ تنمية المشاعر

قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (١) .

لقد تعرضنا في المحاضرة السابقة إلى بيان أن جميع الموجودات الحية في العالم تسير في طريقها المرسوم لها على أكمل وجه ، وذلك بفضل الهداية الفطرية الغريزية التي أودعها الله تعالى فيها ، حتى أن الخلية الصغيرة قد شملها هذا الفيض الإِلهي العظيم . والحيوانات لا تحتاج في وصولها إلى الكمال اللائق بها إلى معلم مربّ ، فهي في غنى عن التعليم والتربية .

والإِنسان ، وإن كان شطر مهم من نشاطاته المختلفة ثابتاً على أساس الهداية الفطرية ويسلك طريقة في ظلها . . . لكنه في شطر آخر منها محروم من هذه الهداية ، بل يجب عليه إكتساب المعرفة . فلو سئلنا عما يقوم مقام الهداية الغريزية بالنسبة إلى الشطر الثاني من نشاطات الإِنسان وجهوده ، فيجب أن نقول في الجواب : « العقل ! » .

____________________

(١) سورة الأنفال الآية : ٢٤ .

١٧٤

العقل بدل الغريزة :

فالإِنسان وإن كان أقل نصيباً من الحيوانات بالنسبة إلى الهداية الفطرية لكنه بدلاً عن ذلك يملك عقلاً يرشده إلى سبل السعادة ويوصله إلى الكمال اللائق به .

١ ـ يقول الإِمام علي عليه‌السلام : « كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيّك من رشدك » (١) .

أي أنه يكفي في قيمة العقل وعظمته أنه يميز للإِنسان طريق الضلال والشقاء عن طريق النجاة والسعادة . فبينما نجد في عالم الحيوانات أن المرشد لها إلى طريق سعادتها وكمالها هو الغريزة . يكون المرشد عند الإِنسان هو العقل .

٢ ـ قيل له عليه‌السلام : « صف لنا العاقل » قال : « هو الذي يضع الشيء مواضعه » (٢) . إن الحيوانات تضع كل شيء يرتبط بحياتها في موضعه دون أن تخطىء . ولكنها تقوم بذلك بدافع الهداية الفطرية أما الإِنسان فيقوم بهذا العمل بهداية العقل .

٣ ـ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لكل شيء مطية ، ومطية المرء : العقل » (٣) . والمراد من المطية هو المركب الذي يصل به الراكب إلى أهدافه . فالحيوانات تطوي طريق سعادته بمركب القدرة الغريزية وتصل إلى غايتها أي كمالها اللائق بها ، أما الإِنسان فأنه يطوي طريق سعادته بواسطة مركب العقل .

٤ ـ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « قوام المرء عقله » . إن نظام حياة الإِنسان قائم على العقل . بينما نجد نظام الحيوانات قائماً على الغرائز .

____________________

(١) نهج البلاغة ص ٦٠٦ .

(٢) المصدر السابق ص ٥٦٥ .

(٣) بحار الأنوار للمجلسي ج ١ ص ٣٢ .

١٧٥

المقارنة بين العقل والغريزة :

يختلف العقل والغريزة من جهات عديدة . ولكننا سنقارن بين هاتين القوتين العظيمتين الإِلهيتين من جوانب أربعة فقط : المناهج العملية والأساليب الغريزية في كل من الحيوانات تكون على نمط واحد ولا يوجد بينها إختلاف في ذلك . أما الإِنسان فأنه يملك أساليب مختلفة ومناحي متعددة في أفكاره ونشاطاته . فمثلاً نجد النحلة تعيش في مناطق عديدة من الكرة الأرضية ، وتعتبر الخلية بمنزلة دولة مستقلة لها ، فيوجد في كل منها ما يوجد في دولة منظمة من تنظيمات وقوانين . ولكنها متشابهة من حيث أن الأساس في تلك التنظيمات قائم على الهداية الفطرية والغرائز التي أودعها الله تعالى فيها . تتعين الملكة في جميع المناطق حسب شروط معينة متساوية والواجبات المقدرة لكل طائفة من النحل معينة حسب قانون الغريزة ، وكذلك الغرف فانها تبنى في جميع الخلايا على شكل سداسي . أما الحكومات البشرية فانها تدار حسب أنظمة مختلفة ، ولها منظمات خاصة وقد وضعت كل حكومة قانوناً معيناً لها ، والسر في ذلك هو أن الإِنسان لا يستند إلى الغريزية في نشاطاته ، بل يعتمد على العقل والتفكير . ومعلوم أن لكل شخص أو أمة أسلوبها الخاص في التفكير .

الغريزة وإدراكها للواقع :

لما كانت الغريزة عبارة عن الهداية الفطرية التي أودعها الله العالم الحكيم في الإِحياء فأنها لا تخطىء أبداً ، بل تعمل بعين البصيرة النافذة . أما العقل فأنه يجب أن يستعين بالمقدمات لاستخراج النتائج فقد يخطىء في المقدمات وقد يخطىء في كيفية الاستنتاج منها . وهناك العشرات من المؤثرات التي تترك آثارها على العقل ، مثل : الغضب والشهوة والعادات الإِجتماعية التقاليد العائلية . . . وهذه تنحرف بالعقل عن طريقه المستقيم فيحرم من إدراك الواقع والحقيقة في النهاية .

فما أكثر السيئات الحقيقية التي تضر بالسعادة الإِنسانية ومع ذلك فهي محبذة ومحبوبة لدى بعض الأمم . وعلى العكس فما أكثر الحسنات التي تعين

١٧٦

الإِنسان في وصوله إلى السعادة والكمال ومع ذلك فهي مذمومة ومهجورة عند بعض الأمم . وإذا كان العقل وحده كافياً في معرفة الحقائق وأراءة طريق السعادة والشقاء لما كانت هناك حاجة لإِرسال الأنبياء لهداية البشر وتكليف الناس بإطاعتهم (١) .

يقول الإِمام موسى بن جعفر عليه‌السلام لهشام بن الحكم ضمن حديث طويل « يا هشام ، إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة . فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ، وأما الباطنة فالعقول . . . » (٢) .

اختلاف البشر :

إن عدم نضج العقل البشري طوال القرون المتمادية هو الذي سبب إختلاف الناس في كيفية تعيين مناهج حياتهم ومعرفة طريق سعادتهم . وقد تؤدي هذه الإِختلافات إلى مطاحنات ومشاحنات عظيمة . ومفاسد لا تجبر .

والعالم المتحضر ـ بالرغم من النجاحات العلمية والعملية الباهرة التي أحرزها ـ لم يكن بعيداً عن هذا البؤس ، فهو لا يزال يحترق في نار الاختلافات العقيدية وبذلك يعرض السلام العالمي والأمن العام إلى أعظم الأخطار في كل آن . ومن أبسط الأمثلة على ذلك أننا نرى اليوم أن الشيوعية قد صارت سبباً في أعظم وأخطر الانشقاقات الفكرية ، فهناك الملايين من العقلاء والمثقفين والجامعيين يعتقدون بأن طريق السعادة الإِنسانية منحصر في تطبق النظام الشيوعي ، وأنه إذا قدر لهذا النظام أن يسود العالم يوماً وتطبقه جميع الأمم والقوميات في العالم فإن البشرية ستصل إلى أوج عظمتها ، وستضمن لها سعادتها وكمالها اللائق بها . وللوصول إلى هذا الهدف يجب السعي بكل جهد لإِزالة الموانع ـ الواحدة بعد الأُخرى ـ وكذلك يجب العمل لبث الفكرة بمختلف وسائل الدعاية والإِعلان ، فلربما يشمل هذا الفيض العظيم العالم كله ، وتكون

____________________

(١) للتفصيل في هذا الموضوع يراجع فصل ( ما حاجتنا إلى الأنبياء مع وجود العقل ؟ ! ) من كتاب ( دفاع عن العقيدة ) للمترجم .

(٢) الكافي لثقة الإِسلام الكليني ج ١ ص ١٦ ، ط طهران .

١٧٧

النتيجة تطبيق السعادة على الناس كلهم في أرجاء المعمورة ! ! ! .

. . . وفي قبال هؤلاء يوجد ملايين العقلاء والعلماء والمثقفين والجامعيين يعتقدون بأن الشقاء والبؤس والإِنحطاط يتمثل في النظام الشيوعي ، والنسبة طردية بين إنتشار هذا النظام في العالم وفقدان الراحة والسعادة من الإِنسانية ، فالشيوعية تعني دمار الإِنسانية كلّها ، والنظام الشيوعي معناه خنق الحرية وكبتها ، والمذهب الشيوعي يعني قتل الأخلاق والفضيلة . . ويجب العمل بكل الجهود لإِحباط مساعي الشيوعيين ولمحاربة هذا النظام الخبيث ، وقلع جذوره التي تعمل على هدم الإِنسانية وخنق الحرية وقتل الأخلاق . ويجب إستخدام جميع أجهزة الدعاية والإِعلان لمحو هذا المبدأ الهدام ، والداء الوبيل الذي يكمن الخطر فيه أكثر مما هو في الطاعون والهيضة ، وبذلك ينجو البشر من هذه الفكرة الفاسدة القذرة . . . وفي ذلك اليوم فقط يمكن الإِطمئنان إلى سعادة البشرية ! ! ! .

قصور العقل :

لا مجال للشك في وجود هذا الإِختلاف الفكري بين عقلاء البشر كماهو واضح لأدنىٰ متتبّع . . . ومرد ذلك كلّه إلى قصور العقل عن إدراك الواقع . فإذا كان العقل في الإِنسان ينفذ إلى الحقائق ويدرك الواقعيات كما هو الحال بالنسبة إلى الغريزة في الحيوانات ، كان يستحيل وقوع البشرية في أمثال هذه الإِختلافات والمطاحنات . . . وهذا هو السر في إرسال الأنبياء من قبل الله ، فأنهم جاؤا لجبران قصور العقل ، ليقولوا الكلمة الحقة في موارد الاختلاف ، ويثبتوا الحقيقة الساطعة في المنازعات وبذلك ليخلصوا البشرية من ورطة الجهل وحيرة الضلال :

( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . . . ) (١) .

____________________

(١) سورة البقرة ؛ الآية : ٢١٣ .

١٧٨

لقد رأينا كيف أن الحيوانات تدرك الواقعيات المرتبطة بها عن طريق الغرائز التي تمثل الهداية الفطرية لله تعالى إياها ، لكن الإِنسان لا يستطيع أن يدرك الواقعيات التي توصله إلى السعادة عن طريق العقل دائماً ، بل عليه أن يعتمد على الهداية التشريعية ـ التي تتمثل في تعاليم الأنبياء ـ ليتمكن من إدراك الطريق المستقيم والمنهج الحقيقي للسعادة . . .

هذا هو أول أوجه الفرق بين العقل والغريزة ! .

حرية العقل :

٢ ـ أما النقطة الثانية التي يختلف فيها العقل عن الغريزة فهي أن الغريزة تعمل بصورة جبرية ولا يملك صاحب الغريزة في الأفعال الغريزية أية إرادة أو إختيار ، فالنحلة مجبرة على أن تبني بيتها بشكل سداسي ، مستخدمة في ذلك الشمع كمادة إنشائية . ولا يحق لها أن تحدث أي تغيير في هذا العمل كما نجد أن الإِنسان ـ بحكم غريزته ـ يبلغ في وقت معين وتبدو الرغبة الجنسية فيه من دون إرادته وإختياره . . . لكن الأحكام العقلية تجري بإرادة الإِنسان وإختياره ، وهو حر في تنفيذ أوامر العقل أو عصيانها . وهذه الحرية هي أعظم مائز للبشر بالنسبة إلى جميع الموجودات في عالم الأحياء .

إن القرآن الكريم يشير إلى حرية الإِنسان في مواضع عديدة ويعتبرها من الودائع الفطرية في بناء الإِنسان . وهنا لا بأس من الإِستشهاد ببعض تلك الآيات في ضمن الفقرات التالية : ـ

الحرية الفطرية :

يقول تعالى : ( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ . . . ) (١) .

أي أننا خلقنا الإِنسان من نطفة خليطة من الرجل والمرأة ، ثم نمتحنه . . .

____________________

(١) سورة الدهر ؛ الآية : ٢ .

١٧٩

وإذا نظرنا إلى الحيوانات ، وجدنا أنها هي أيضاً تتكون من خليط من نطفة الذكر والأنثى . فالخلية الأولى للخروف أو الأرنب إنما هي خليطة ( أمشاج ) ، وبذلك تشبه الإِنسان . . . إلا أنه ألحق كلمة ( نبتليه ) بعد كلمة ( أمشاج ) بالنسبة إلى الإِنسان ، وهذه عبارة عن فصل مميز بين الإِنسان وسائر الحيوانات ، وذلك لأن الإِختبار إنما يصح عندما يكون الشخص المختبرَ مالكاً للحرية والاختيار . فمثلاً لا يمكن أن يقال بالنسبة إلى الشخص المسجون في سجن لوحده والمراقبة مشددة عليه : أنه يُمتحن ليرى هل يسرق أم لا ؟ . لأنه غير قادر على السرقة في محيط السجن فيجب أن يخرج من محيط السجن الضيق ويتجول بين المجتمع بحرية كي يعرف أنه سارق أم لا .

إن الخروف والأرنب وغيرهما من الحيوانات ، قد تكونوا من نطفة أمشاج أيضاً ، ولكن لا يوجد إمتحان بالنسبة إليهم ، لأنهم مسجونون في سجن الغرائز ، ولا يملكون إختياراً من أنفسهم ، والإِنسان هو الذي تخلق خليته الأولى ونطفته الأصلية منذ اللحظة الأولى على أساس قابليته للاختبار والحرية وأوجد مع ملاحظة إحتوائه على الإِرادة والاختيار .

وبهذا الصدد يقول الله تعالى : ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ، إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) (١) .

فالإِنسان فقط هو الذي يستطيع أن يشكر نعمة الهداية الإِلٰهية بحرية ويؤدي واجبه على أحسن صورة أو يكفر بالنعمة وينحرف عن طريق الحق والإِستقامة .

وبالرغم من أن الحيوانات تملك أيضاً نصيباً وافراً من نعمة الهداية الإِلهية ، فلم يرد في حقها ( إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) . . . وهي علامة الحرية وسمة الإِختيار . فأنها مجبرة على إتباع المنهج الفطري الإِلهي دون زيادة أو نقصان ، ولذلك يقول الله تعالى : ( مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي

____________________

(١) سورة الدهر ؛ الآية : ٣ .

١٨٠