🚖

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

الشيخ محمد تقي فلسفي

الطفل بين الوراثة والتربية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد تقي فلسفي


المحقق: فاضل الحسيني الميلاني
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار سبط النبي للبطاعة والنشر والتوزيع
ISBN: 964-94553-6-1
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

هذا الشاب لا بد وأن تكون تغذيته الروحية ناقصة ، فلم يعلَّم في طفولته على التحمل والصلابة والصبر ، فسقوطه أحدث إختلالات كبيرة في فكره وقضى عليه أخيراً .

وكما يعجز الجسم الذي نشأ على التغذية الناقصة من مكافحة الأمراض السارية ، تعجز الروح التي ترتّب على التغذية الروحية الناقصة عن مجابهة الحوادث المؤلمة في الحياة .

إن من يصل إلى منزلة إجتماعية لائقة ولا يقدر على أن يتمالك على نفسه من الظلم والتعدي ، ومن يخسر شخصيته في مقابل الرشوة ويحكم على خلاف الحق والإِنصاف ، ومن يسحق جميع مظاهر الشرف والأخلاق في سبيل إرضاء ميوله الجنسية ، ومن يؤدي به الغنى والثروة إلى التكبر والأنانية . . . وبصورة موجزة : من ينحرف عن طريق الفضيلة والأخلاق في مقابل عامل روحي واحد . . . فذلك لأن روحه قد نشأت على التغذية الناقصة ولم تتغذ من جميع المواد الغذائية الروحية بصورة كاملة وسليمة .

قابلية المقاومة :

إن قابلية مقاومة الجسم تظهر في هجوم الأمراض السارية ، وقابلية كمقاومة الروح تظهر في الحوادث والمصائب التي تلاقي البشر في مختلف مراحل حياتهم . يقول الإِمام علي عليه‌السلام : « في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال » (١) .

وعلى سبيل الشاهد ، ننقل القصة التالية :

« . . . بينما المنصور بن أبي عامر في بعض غزواته ، إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع ، فرأى جيوش المسلمين من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله قد ملأوا السهل والجبل . فالتفت إلى مقدم العسكر وهو رجل يعرف بابن المضجعي ، فقال له : كيف ترى هذا العسكر أيها الوزير ؟ قال : أرى

____________________

(١) نهج البلاغة ص ٥٦٢ .

٢٢١

جمعاً كبيراً وجيشاً واسعاً كبيراً ، فقال له المنصور : ترى هل يكون في هذا الجيش ألف مقاتل من أهل الشجاعة والنجدة والبسالة ؟ فسكت ابن المضجعي فقال له المنصور : ما سكوتك أليس في هذا الجيش ألف مقاتل ؟ قال : لا ، فتعجب المنصور . ثم قال : فهل خمسمائة مقاتل من الأبطال المعدودين ؟ قال : لا فحنق المنصور ثم قال : أفيهم مائة رجل من الأبطال ؟ قال : لا ، قال : أفيهم خمسون رجلاً من الأبطال ؟ قال : لا ، فسبه المنصور وأغلظ عليه وأمر به ، فأخرج على أسوأ حال . فلما توسطوا بلاد الروم إجتمعت الروم وتصادف الجمعان ، فبرز علج من الروم بين الصفين شاكي السلاح وجعل يكر ويفر ويقول : هل من مبارز ؟ ! فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة ، فقتله العلج . ففرح المشركون وصاحوا واضطرب المسلمون لها . ثم جعل العلج يموج بين الصفين وينادي : هل من مبارز ؟ ! إثنين لواحد فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج ، وجعل يكر ويحمل وينادي ويقول : هل من مبارز ؟ ! ثلاثة لواحد ! ! . فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله العلج ، فصاح المشركون وذل المسلمون وكادت أن تكون كسرة فقيل للمنصور : ما لها إلا ابن المضجعي . فبعث إليه فحضر فقال له المنصور : ألا ترى ما صنع هذا العلج الكلب منذ هذا اليوم فقال : لقد رأيته فما الذي تريد ؟ قال : أن تكفي المسلمين شره . قال : الآن يكفي المسلمون شره إن شاء الله تعالى . ثم قصد إلى رجال يعرفهم ، فاستقبله رجل من أهل الثغور على فرس قد تهرت أوراكها هزالاً وهو حامل قربة ماء بين يديه على الفرس والرجل في حليته ونفسه غير متصنع فقال له ابن المضجعي : ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم . قال : قد رأيته فما الذي تريد ؟ . . . أن تكفي المسلمين شره ؟ قال : حباً وكرامة . ثم أنه وضع القربة الأرض وبرز إليه غير مكترث به فتجاولا ساعة فلم ير الناس إلا المسلم خارجاً إليهم يركض ولا يدرون ما هناك ، وإذا برأس العلج يلعب بها في يده . ثم ألقى الرأس بين يدي المنصور فقال له ابن المضجعي : عن هؤلاء الرجال أخبرتك . . . ثم رد إلى ابن المضجعي منزلته وأكرمه ونصر الله جيوش المسلمين وعساكر

٢٢٢

الموحدين » (١) .

والخلاصة : إن كلا من الروح والجسد يحتاج في تأمين سعادته ووصوله إلى كماله اللائق به إلى الغذاء الكامل والجامع وإن فقدان أي عنصر من الغذاء يهيىء تربة مساعدة للإِنحراف أو الضعف في الروح أو الجسد .

النمو السريع للطفل :

وبالرغم من ضرورة المراقبة الغذائية اللازمة في جميع مراحل الحياة ، لكن مرحلة الطفولة تحتاج إلى مراقبة أشد ، ذلك أن الطفل ينمو في الأعوام الأولى من حياته بصورة أسرع ، ويتكامل بناؤه الفكري أكثر سرعة .

« إن الجزء الوحيد من البدن الذي يستثنى من قانون التكاثر بالانشطار هو الجهاز العصبي أي المخ وشبكة الأعصاب ، ذلك أن الوليد يأتي إلى الحياة مع الخلايا العصبية الكاملة ، ولا يصنع الجهاز طيلة أيام حياته حتى خلية مخية أو عصبية واحدة ، ولذلك فإن إنعدام هذه الخلايا نتيجة لصدمة أو مرض لا يمكن أن يجبر . ومع هذا كله فإن المخ ينمو على الرغم من ثبات عدد خلاياه وهذا النمو يحصل في الأعوام الثلاثة الأولى بسرعة عجيبة بحيث يمكن إرجاع ٩٥ % من نمو الدماغ عند الإِنسان إلى تلك الأعوام الثلاثة » (٢) .

مسؤولية الوالدين :

إن عبء مسؤولية الوالدين في هذه المراحل ثقيل جداً . فإن الغفلة عن سلامة الغذاء المادي والروحي للطفل وكمالهما تؤدي إلى عوارض غير قابلة

____________________

(١) المستطرف من كل فن مستظرف للابشيهي ج ١ ص ٢١٨ .

(٢) هورمونها ص ١١ .

٢٢٣

للتدارك . فالطفل يكتمل بناؤه في الأعوام الأولى من حياته ، ولا بد من الاعتناء بجميع جوانبه المادية والمعنوية . إن نقص التغذية الروحية أو الجسدية في هذه الأيام تتضمن نتائج وخيمة ، إن خطأة صغيرة يمكن أن تؤدي إلى مشكلة عظيمة يستمر الطفل يئن منها إلى نهاية عمره .

« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته . فالأمير على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع عن أهل بيته وهو مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على أهل بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » (١) .

فعلى الوالدين المسلمين أن يتنبها إلى المسؤولية الدينية العظيمة عليهما في تربية أطفالها . وليعلما أن الأطفال ودائع الله في أيديهما فالوالدان اللذان يؤديان واجبهما الديني في تربية الأولاد بصورة صحيحة يكونان قد أديا الأمانة كاملاً . ويستحقان الأجر والثواب عند الله على ذلك . أما الوالدان اللذان يتخلفان عن ذلك فهما خائنان . . . لأنفسهما ولأطفالهما ، وللمجتمع الذي يعيشون فيه ، وهما يستحقان العقاب والحساب العسير أمام الله تعالى.

ليست المسؤولية العظمى للآباء في أن يجمعوا في حياتهم ثروة ضخمة يورثوها إلى أولادهم . ذلك أن الولد إذا لم يحصل على تربية صحيحة فإن الثروة تبعثه على الفساد والشقاء . . . إن مسؤولية الوالد تعني أن يربي ابنه على الملكات الفاضلة والقيم العليا والإِيمان الصحيح وإعداده لخوض معركة الحياة بطهارة ونبل . . . وولد كهذا يستطيع أن يحيا حياة عزيزة وسعيدة وفي نفس الوقت يستطيع أن يكتسب ثروة كبيرة عن طريق مشروع .

يقول الإِمام علي عليه‌السلام : « خير ما ورَّث الآباءُ الأبناءَ الأدب » (٢) .

ونعمة كبيرة يمتاز بها الأولاد الذين تحدروا عن آباء مؤمنين قاموا بتربيتهم تربية صحيحة ومن نتائج تلك التربية أنهم يعيشون حياة مطمئنة محبوبين لدى

____________________

(١) مجموعة ورام ج ١ ص ٦ .

(٢) غرر الحكم ودرر الكلم ص ١٧٣ طبعة دار الثقافة .

٢٢٤

الجميع . . . إنهم يجب أن يشكروا الله تعالى على تلك النعمة ويترحموا على والديهم ، ويحافظوا على الملكات الفاضلة التي تربوا عليها ، فلا يفقدوها بمعاشرة الفساد ومجالسة الأشرار .

أما الأولاد الذين لم يتلقوا تربية صحيحة من آبائهم ، فإن عليهم أن يبادروا إلى إصلاح أنفسهم ، ليكونوا واثقين من أنهم قادرون على تدارك تقصير والديهم بحقهم إذا تمسكوا بالأساليب العلمية والدينية الصحيحة ، وبذلك يستطيعون أن يسلكوا الطريق إلى السعادة والطهارة والعفة .

٢٢٥

المحاضرة التاسعة

دور الأسرة في التربية

قال الله تعالى : ( مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ) (١) .

تكون الميول المودعة في باطن الإِنسان رصيد سعادته وأساس تقدمه . . . فإن كل تلك الميول والمتطلبات قد أوجدت حسب نظام دقيق ، وبمقادير صحيحة : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) (٢) .

والسعيد هو الذي يتبع قوانين الخلقة المتقنة ، ويستجيب لجميع ميوله الروحية والجسدية باتزان وتعقل . فمن يفرط في الإِستجابة لنداء أحد ميوله أكثر من الحد اللازم ، أو على العكس من ذلك يكبت في نفسه بعض ميوله الطبيعية ولا يفسح المجال لاروائها يكون خارجاً على المنهج الفطري ومصاباً بالإِنحراف والشقاء بنفس النسبة .

ميول الروح والجسد :

إن الميول والرغبات الموجودة عند الإِنسان تكون تارة : واضحة وظاهرة

____________________

(١) سورة نوح ؛ الآيتان : ١٣ ـ ١٤ ـ.

(٢) سورة الرعد ؛ الآية : ٨ .

٢٢٦

ويسعى جميع الناس في سبيل إرضائها . . . فمثلاً ليست حاجة الإِنسان إلى الطعام والهواء والماء والنوم ، والميل الطبيعي للّعب عند الأطفال والغريزة الجنسية عند الشبان والشابات أمراً خافياً على أحد . هذا النوع من الميول يدركها جميع الناس . . . وبديهي أن مدى الإِستجابة لهذه الميول يرتبط بالإِرشادات الدينية والعلمية ، ولكن توجد في الإِنسان ميول أُخرى تكون مستترة وغير ظاهرة وحيث أنها كذلك فقلما يلتفت إليها . إن جميع الناس يعلمون أن الطفل يحتاج إلى الماء والغذاء ، ولكن القليل منهم يدرك ضرورة تنمية شخصية الطفل . إن الوالدين يدركان حاجة الطفل إلى اللعب والنوم ، ولكن قلما يدرك الوالدان حاجة الطفل إلى العطف والحنان إلى درجة ما أيضاً . إن أولياء الأطفال يتنبهون إلى سلامة القلب والكبد والكلية وسائر أعضاء جسد الطفل تنبهاً كاملاً ، ولكنهم لا يهتمون إلى السلامة الروحية والأخلاقية للأطفال بنفس الدرجة .

إن العناية بالميول الباطنية والرغبات النفسية للطفل وتوجيهها الوجهة الصحيحة تعد من المسائل الاساسية في التربية ، وإن رصيد القائمين على تربية الأطفال في هذا السبيل هو التعاليم الدينية والأساليب العلمية الصحيحة وإن إندحار وكبت أي واحد من هذه الميول الفطرية يؤدي إلى إيجاد عقدة في روح الطفل ، يظهر رد فعلها طيلة العمر في جميع مجالات الحياة ، ويسبب مئات الإِنحرافات والمآسي .

*  *  *

ونظراً لأهمية الميول الباطنية للطفل في موضوع التربية فسنحاول أن نفصل القول فيها في المحاضرات القادمة مع تضمين ذلك بذكر التعاليم الإِسلامية العظيمة في هذا الصدد ، وبيان دور الوالدين في القيام بهذه المهمة .

أما بحثنا في هذه المحاضرة فينحصر في بيان أن الإِرضاء الكامل للميول الباطنية عند الطفل ، والإِهتمام بجميع جوانب شخصيته لا يحصل إلا في

٢٢٧

محيط الأسرة . فإن حجر الأم وحضن الأب فقط قادران على أداء هذا الدور الفعال في حياة الطفل.

إرضاء جميع الميول :

إن دار الحضانة عاجزة عن أن تحل محل الأسرة ، وإن مرشدة الأطفال لا تستطيع أن تقوم مقام الأم في إرضاء عواطف الطفل ومشاعره . إن حنان الأم قوي في الإِنسان والحيوان إلى درجة أنه لا يوجد بعد غريزة حب الذات عاطفة أُخرى تعادل عاطفة الأمومة . إن قلب الأم يطفح بحب الطفل ، ولذلك فهي لا تتوانى عن القيام بأكبر التضحية في سبيل رشده ونموه . وحين تبتسم الأم بوجه الطفل وحين تضمه إلى صدرها ، وحين تشمه وتقبله من فرط الحنان والعطف . . . تسري موجة من النشاط واللذة في أعماق روح الطفل وتبدو على ملامحه وعينيه آثار الفرح والرضا . وقد يبكي الطفل أحياناً من دون أن يشكو ألماً أو جوعاً لكن بكاءه لكي يناغي ، إنه جائع إلى الحنان والعطف ، يبكي لغذائه النفسي ، فبمجرد أن الأم تحتضنه وتضمه إلى صدرها ، أو تمرر يدها على رأسه فهو يهدأ ، إن ملاطفة الطفل ومناغاته غذاء نفسي للطفل ، ويجب أن يتغذى من هذا الغذاء النفسي بالمقدار اللازم .

دقات قلب الأم :

من القضايا المشاهدة لدى الجميع إرتياح الطفل وهدوءه عندما تضمه الأم إلى صدرها ، لقد أثبتت التجارب العلمية الحديثة : أن دقات قلب الأم أوقع في نفس الطفل وآنس له من أي لحن آخر ، ولذلك فإن دور الحضانة تسجل صوت هذه الدقات على شريط ، وعندما يبكي الطفل يفتح الشريط بالقرب من أذنه ويهدأ بهذه الصورة .

فالفتاة التي قد تلقت قدراً كافياً من الحنان من محيط الأسرة في أيام طفولتها ، وتغذت روحها من عطف الوالدين ، لا تحتاج في دور المراهقة إلى الحنان ولا تلين بسماع بضع كلمات دافئة معسولة من هذا وذاك ، ولا تستجيب لتلك الإِنفعالات بسرعة .

٢٢٨

وعلى العكس فإن الفتاة التي لن تتلق قدراً كافياً من الحنان في طفولتها ولم تشبع غريزتها الباطنية بحب الوالدين ، تملك روحاً ضعيفة جداً ، وبإمكان شاب مراوغ لبق أن يحرفها عن الطريق بإهدائه إليها باقة من الزهور ، وببضع كلمات دافئة . . . وبذلك يجني على عفتها وطهارتها وتسقط الفتاة إلى الأبد في هوة سحيقة من الفساد والإِنحراف ، أو تغسل العار بالإِنتحار .

نقص التربية في رياض الأطفال :

لقد إنتشرت رياض الأطفال في المدن الأوروبية منذ عهد قريب ، وتقوم تلك المؤسسات برعاية الأطفال ، فالأمهات الموظفات وكذلك النساء اللاهيات اللاتي لا يردن أن يجدن مزاحمة من أطفالهن في مجالس الرقص والقمار والفساد ، يستغللن هذه الفرصة ، ويودعن أطفالهن في ( رياض الأطفال ) .

إن حياة الطفل في روضة الأطفال جميلة جداً بحسب الظاهر ، فهو يلبس الملابس النظيفة والأنيقة ويمشط شعره ، وقوامه رشيق ، إن روضة الأطفال تجهز بالوسائل الصحية اللازمة بالغرف مبنية على الأساليب الفنية والأسرّة مغطاة بالشراشف والطعام يحضر حسب المناهج الصحيحة ، والطفل يلعب بالمقدار الكافي ، وينام في الوقت المقرر ، وبصورة موجزة فإن جانباً مهماً من ميول الطفل ورغباته الروحية والجسدية يكون مضموناً.

لكنه توجد في أعماق الطفل عواطف ومشاعر لا تشبع في المحيط الإِجتماعي لروضة الأطفال ، فهناك فرق كبير بين علاقة إمرأة واحدة تشرف على مائة طفل ـ لغرض الإِنتفاع المادي فقط ـ بالطفل ، ولهيب الحب السماوي المودع في قلب الأم ، فلا توجد المناغاة الحارة التي تبعث الطفل على الرضا والإِنشراح إلا في حجر الأم ، أما في روضة الأطفال فلا .

إن الطفل الذي يعيش بين مائة طفل حياة غير مستقلة ، لا يدرك معنى للشخصية والاستقلال الفردي ، وهما من أبرز الخصائص الإِنسانية (١) إن

____________________

(١) ومن المناسب أن ندرج هنا ما أوردته مجلة ( العربي ) في فصل ( دردشة ) تحت عنوان :

٢٢٩

حركات الطفل وسكناته يمكن أن تراعى بدقة في الأسرة بينما تضيع أفعاله وسط أفعال مائة طفل كموجة بين مئات الأمواج في البحر حيث تصطدم بعضها ببعض ، وتزول كلها .

« يجب ألا يكون التعليم مانعاً من التوجيه الصائب . . . مثل هذا التوجيه يعود إلى الوالدين ، فهما وحدهما وبصفة أخص الأم ، قد لاحظا منذ شبّا الصفات الفسيولوجية والعقلية التي يهدف التعليم إلى تنظيمها وتوجيهها . . . . لقد ارتكب المجتمع العصري غلطة جسيمة حينما استبدل المدرسة بتدريب الأسرة إستبدالاً تاماً . . . ولهذا تترك الأمهات أطفالهم لدور الحضانة حتى يستطعن الأنصراف إلى أعمالهن ، أو مطامعهن الإِجتماعية ، أو مباذلهن ، أو هوايتهن الأدبية أو الفنية أو للعب البريدج ، أو إرتياد دور السينما ، وهكذا يضيعن أوقاتهن في الكسل . . . إنهن مسؤولات عن إختفاء وحدة الأسرة واجتماعاتها التي يتصل فيها الطفل بالكبار فيتعلم منهم أموراً كثيرة . . . إن الكلاب الصغيرة التي تنشأ مع كلاب أُخرى من عمرها نفسه في حظيرة واحدة لا تنمو نمواً مكتملاً كالكلاب الحرة التي تستطيع أن تمشي في أثر والديها . . . والحال كذلك بالنسبة للأطفال الذين يعيشون وسط جمهرة من الأطفال الآخرين ، وأُولئك الذين يعيشون بصحبة راشدين أذكياء لأن الطفل يشكل

____________________

( الأم هي المعلمة الأولى ) : « تستطيع الأم الفاضلة أن تؤدي مهمة مائة أُستاذ من أساتذة المدارس . هذا ما قاله الشاعر الإِنجليزي جورج هربرت وهذا ما أثبته التاريخ .فجورج واشنطون أول رئيس للجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية . كان قد فقد أباه وهو في الحادية عشرة من عمره ، وما كان ليشب على نحو ما شب عليه من رصانة الخلق وقوة الشخصية لو تكن أمه على جانب كبير من الحكمة والإِقتدار . وقد تولت تربيته ، منفردة ، بعد وفاة أبيه . ويصدق ذلك كثيراً أو قليلاً على عدد من أعلام الأدب والعلم والشعر عبر التاريخ نذكر منهم على سبيل المثال : جوته ، وجري ، وشيللر ، وبيكون ، وأرسكني . فلولا تربية أمهاتهم لهم لما احتل هؤلاء مكانتهم بين الأعلام المبدعين » .

عن مجلة العربي العدد ٩٥ ص : ٥٩ .

٢٣٠

نشاطه الفسيولوجي والعقلي والعاطفي طبقاً للقوالب الموجودة في محيطه . . إذ أنه لا يتعلم إلا قليلاً من الأطفال الذين هم في مثل سنه . وحينما يكون وحده فقط في المدرسة فإنه يظل غير متكمل . . . . »

« إن إهمال مؤسساتنا الإِجتماعية للفردية مسؤول أيضاً عن تقمص الراشدين . . . كما أن الإِنسان وحيد وكأنما هو يضيع في المدن العصرية الضخمه . . . إنه خلاصة اقتصادية . . . وحدة في القطيع ، إنه يتخلى عن فرديته » (١) .

تربية اليتيم :

وعلى أننا سنبحث عن أهمية الأسرة في مناغاة الطفل في محاضرة خاصة ونبيّن وجهة نظر الإِسلام فيها . . . سنعرض هنا لقضية تربية اليتيم وموقف التعاليم الإِسلامية العظيمة منه ، لكي يتضح موضوعنا في هذا اليوم ، ثم ننتقل إلى دور الأسرة في تربية الطفل.

كثيراً ما يصادف أن يموت الآباء أو الأمهات في أيام الحروب أو في الحالات الاعتيادية ، ويخلفون أطفالاً صغاراً يجب أن يحافظ عليهم في المجتمع وليصيروا رجال الغد بفضل التربية الصحيحة ، وإن الدول وضعت للأيتام نظماً معينة تكفل لهم حقوقهم .

والإِسلام أيضاً يتضمن التعاليم القانونية والخلقية الخاصة به في حل هذه المشكلة . فإذا كان الطفل اليتيم قد ورث من أبويه مالاً فإن القيم ( وهو الشخص الذي يعين من قبل الحاكم الإِسلامي العادل لإِدارة شؤون اليتيم ) يقوم بتهيئة ما يحتاج إليه من طعام ولباس ومسكن من ماله الخاص أما إذا لم يملك اليتيم مالاً ، فإن بيت المال هو المسؤول عن مصارفه فحياة اليتيم إذن مؤمنَّة طبقاً للنظام المالي في الإِسلام . ولكن النكتة الجديرة بالدقة هي : إن الإِسلام لا يرى

____________________

(١) الإِنسان ذلك المجهول ص ٢٠٨ .

٢٣١

إنحصار سعادة اليتيم في توفير وسائل الحياة المادية من الطعام واللباس والمسكن فقط .

اليتيم إنسان قبل كل شيء ، ويجب أن تحيى فيه جميع الجوانب المعنوية والفردية ، وله الحق في الاستفادة من الحنان والعطف والأدب والتوجيه ، وكل ما يستفيد منه الطفل في حجر أبويه . اليتيم ليس مثل شاة في القطيع يذهب صباحاً إلى المرعى معهم ويرجع في المساء . إنه إنسان ويجب الإِهتمام بميوله الروحية وغذائه النفسي مضافاً إلى الرعاية الجسدية والغذاء البدني .

اليتيم في أحضان الأسرة :

إن الرويات الكثيرة تصر على معاملة اليتيم معاملة بقية الأطفال في الأسرة ، وأن يقوم الرجال والنساء مقام الوالدين في رعاية اليتيم . لقد كان بإمكان الحكومة الإِسلامية في عصر الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الناحية المادية أن تنشىء في كل مدينة داراً لرعاية الأيتام وتصرف عليهم من بيت المال ، ولكن الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يفعل ذلك . لأن هذه المؤسسات والدور ناقصة من وجهة نظر التربية الكاملة من الناحيتين الروحية والمادية . فالأسرة فقط هي التي تستطيع أن تلبي نداء عواطف الطفل ، ولذلك فقد ظل يوصي الآباء والأمهات وأولياء الأسر بمنطق الدين والإِيمان بالمحافظة على اليتيم ، وأخذه إلى بيوتهم وإجلاسه على موائدهم ، ومعاملته كأحد أولادهم ، والسعي في تأديبه وإدخال السرور على قلبه بالعطف والحنان والمحبة .

لا شك أن تأسيس دور للأيتام وإكسائهم وإشباعهم ، عبادة إسلامية كبيرة ، ولكن مناغاة اليتيم والعطف عليه ، وتأديبه وتربيته عبادة أُخرى وقد خص الله لذلك أجراً وثواباً خاصاً .

وها نحن نعرض النصوص الواردة في حق اليتيم :

١ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « خير بيوتكم بيت فيه يتيم يُحسَنُ إليه ، وشرّ بيوتكم بيت يُساء إليه » (١) .

____________________

(١) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ١ ص ١٤٨ .

٢٣٢

٢ ـ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من عال يتيماً حتى يستغني ، أوجب الله له بذلك الجنة » (١) .

٣ ـ وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من كفل يتيماً من المسلمين ، فأدخله إلى طعامه وشرابه ، أدخله الله الجنة البتة ، إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر » (٢) .

٤ ـ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : « من مسح رأس يتيم ، كانت له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات » (٣) .

٥ ـ « من أقعد اليتيم على خوانه ، ويمسح رأسه يلين قلبه » (٤) .

٦ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من أنكر منكم قساوة قلبه ، فليُدْنِ يتيماً فيلاطفه وليمسح رأسه يلين قلبه بإذن الله ، فإن لليتيم حقاً » (٥) .

٧ ـ عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال : « جيىء بمقدار من العسل إلى بيت المال ، فأمر الإِمام علي عليه‌السلام بإحضار الأيتام ، وفي الحين الذي كان يقسم العسل على المستحقين كان بنفسه يطعم الأيتام من العسل ، فقيل له يا أمير المؤمنين ما لهم يلعقونها ؟ فقال : إن الإِمام أبو اليتامى وإنما ألعقتهم هذا برعاية الآباء » (٦) .

٨ ـ قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : « أدِّب اليتيم مما تؤدب منه ولدك واضربه مما تضرب منه ولدك » (٧) .

٩ ـ من وصية الإِمام أمير المؤمنين إلى أولاده : « الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم ، ولا يضيعوا بحضرتكم » (٨) .

____________________

(١) تحف العقول ص ١٩٨ .

(٢) مستندرك الوسائل ج ١ ص ١٤٨ .

(٣) المصدر السابق ج ٢ ص ٦١٦ .

(٤) سفينة البحار مادة ( يتم ) ص ٧٣١ .

(٥) الوسائل ج ١ ص ١٥٧ .

(٦) البحار ج ٩ ص ٥٣٦ .

(٧) الوسائل ج ٥ ص ١٢٥ .

(٨) نهج البلاغة ص ٤٧٠ .

٢٣٣

١٠ ـ عن فقه الرضا عليه‌السلام : « وإن كان المعزّى يتيماً فامسح يديك على رأسه » (١) .

١١ ـ « لما أصيب جعفر بن أبي طالب ، أتىٰ رسول الله أسماء فقال لها : أخرجي لي ولد جعفر فاخرجوا إليه فضمهم وشمهم ، قال عبد الله بن جعفر : أحفظ حين دخل رسول الله على أمي ، فنعى لها أبي ونظرت إليه وهو يمسح على رأسي ، ورأس أخي » (٢) .

*  *  *

يستفاد من مجموع النصوص الإِسلامية ضرورة تربية الأيتام كسائر الأطفال في المجتمع ، ولهم الحق في الإِستفادة من جميع المزايا والعواطف الإِنسانية ، إن الأيتام في الدول الإِسلامية يمتازون برعاية كاملة من حيث الطعام واللباس والحنان والأدب بحيث لا يحسون بأي فرق بينهم وبين سائر الأطفال . وطبيعي أن تربية كهذه تكون مصونة من الإِنحراف والخطأ . وإن طفلاً كهذا لا يصاب بعقدة الحقارة والذلة ، فينمو بصورة معتدلة وتشبع رغباته الباطنية جميعها بشكل صحيح ، ولكن القيام بمثل هذا الواجب المقدس والعبء الثقيل يتطلب إيماناً قوياً وعقيدة مستقيمة .

لقد إهتم الإِسلام بتعليم أتباعه هذا الدرس المقدس والآن حيث يطوي هذا الدين السماوي قرنه الرابع عشر نجد في أطراف العالم الإِسلامي الرجال والنساء الكثيرين الذين يفتحون صدورهم ـ بكل رضى واعتزاز ـ للقيام بهذه المهمة ، ويتوروعون عن إتيان أصغر عمل يسبب الأذى لليتيم وجرح عواطفه .

« وحين يحرم الموت المبكر طفلاً من ملجئه الطبيعي يشدد الآخرون في رعايتهم له والإِستجابة لاحتياجاته لكن هذا العمل لا بد وأنه منبثق من كنز عظيم يفيض بالحنان والعاطفة . وإن كنزاً كهذا لا يوجد إلا في باطن ثلة قليلة من البشر الممتازين » (٣) .

____________________

(١) مستدرك الوسائل ج ١ ص ١٤٧ .

(٢) بحار الأنوار ج ١٨ ص ٢١٢ .

(٣) ما وفرزندان ما ص ٣ .

٢٣٤

وإذا كان قائد الإِسلام العظيم يوصي الأسرة الخيرة باحتضان الأطفال اليتامى لتربيتهم التربية الصحيحة ومعاملتهم كأطفالهم كي يحصلوا على المقدار الكافي من الحب والحنان ، ويتلقوا الأدب والسلوك المستقيم ، ويصبحوا أفراداً كاملين ، فهل يمكن أن يرضى الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأمهات أن يتركن أطفالهن لأعذار يعرفنها ويحرمهم من التربية الصحيحة ، والفوائد المهمة التي يستطيعون أن يحصلوا عليها في محيط الأسرة فقط ؟ !

« إن حرارة الأسرة تسبب تفتح جميع المشاعر والعواطف الراقية الكامنة في نفس الطفل بنفسها ، وبذلك يتطبع الطفل منذ حداثته على الصدق والأمانة والشهامة . إن الأسرة هي الميدان العملي لتطبيق تعاليم الشعور بالمسؤولية والوجدان ، وإظهار ذلك كله بصورة بارزة ظاهرة أمام عين الطفل » .

« إن الأسرة التي ينتشر فيها الوفاء والتضحية ، الصدق والشهامة في الأقوال والأفعال ، والأمانة والشجاعة في العمل ، الإِيثار والتواضع . . . ترسم نموذجاً صالحاً للأطفال » .

« إن جميع هذه العوامل تتجلى لعيني الطفل بالتدريج خلال حياته ، وفي الحين الذي يتلقاها بصورة تلقائية يتطبع عليها بدوره » (١) .

المدرسة الأولى :

إن محيط الأسرة مدرسة تستطيع أن تنمي المواهب الكامنة في نفس الطفل ، وتعلمه دروساً في العزة والشخصية ، الشهامة والنبل ، التسامح والسخاء . . . . وغير ذلك من القيم الإِنسانية العليا ، لروضة الأطفال .

كان الإِمام علي عليه‌السلام ـ دون أية مبالغة ـ إنساناً كاملاً ، وشخصية مثالية في العالم كله ، فلقد ظهرت جميع الصفات الإِنسانية والملكات الفاضلة على

____________________

(١) المصدر السابق ص ٤ .

٢٣٥

أكمل وجه في هذا الرجل الإِلهي . إنه معلم مدرسة الإِنسانية ومثلها الأعلى . فلقد خضع له الصديق ، والعدو المسلم وغير المسلم ، وكل من أطلع على تاريخه المشرق النير .

هذه الشخصية الإِلهية الكبيرة نجده يفخر بكل صراحة بالتربية التي تلقاها في أيام طفولته ويتحدث لنا عن الثروة المعنوية الضخمة التي حصل عليها في تلك المرحلة من حياته الشريفة ، ويتباهى بمربيه العظيم نبي الإِسلام القدير فيقول : « وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، ووضعي في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه » (١) .

. . . ثم يستطرد فيقول : « يرفع لي في كل يوم علماً من أخلاقه ويأمرني بالإِقتداء به » (٢) .

لقد تشبعت جميع الميول العقلية والعاطفية للإِمام علي عليه‌السلام في فترة الطفولة في حجر النبي الحنون ، فلقد أروى عواطفه بالمقدار الكافي من ينبوع محبته وعطفه من جهة ولقد أعطاه دروساً في الأخلاق وأمره باتباعها من جهة أُخرى .

ومن كان في طفولته واجداً لأثمن الذخائر الروحية والمادية من الوجهة الوارثية ، ومن ناحية التربية قد تلقى المثل في أطهر أسرة وكان مربيه الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جدير بأن يكون في الكبر قائد السعادة البشرية وأمير جيش الإِيمان والتقوى . . .

إن الأساليب التربوية العميقة الحكيمة التي إتخذها الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع علي عليه‌السلام قد أحيت جميع مواهبه الكامنة وأوصلته في مدة قصيرة إلى أعلى مدارج الكمال ، فلقد تقبل الإِسلام في العاشرة من عمره عن وعي وإدراك

____________________

(١) نهج البلاغة ص ٤٠٦ .

(١) نهج البلاغة ص ٤٠٦ .

٢٣٦

وعمل على نشر تعاليمه متبعاً في ذلك سيرة النبي ولم ينحرف عن الصراط المستقيم قدر شعرة إلى آخر حياته .

ونموذج آخر للتربية الصالحة نجده في التاريخ المشرق للإِمام الحسين ابن علي (ع) فهو غير خفي على أحد . فلقد خلدت القرون المتمادية شهامة الحسين وتضحيته ، إيثاره وعظمته في إعلان كلمة الحق والعدالة ، ولم يغب ذلك كله عن أذهان البشرية على مر الأجيال . ولقد تباهى ذلك الإِمام العظيم كوالده بطهارة أسرته العريقة في أحرج المواقف ، وتحدث عن تربية عائلته له آنذاك قائلاً : « ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين إثنتين : بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت » (١) .

أجل ! فلقد قال الله تعالى : ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (٢) والإِمام الحسين عليه‌السلام هو نفسه من المؤمنين وهو قائد المؤمنين وعليه يجب أن لا ينصاع لقوى الظلم والبغي . وأما دليله الثاني فهو أنه من أسرة أنفت الذل وأبت الضيم . وكأنه يقول : إني تربيت في حجر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي بن أبي طالب والصديقة الزهراء ، لقد نشأت على الشرف والإِباء . . . كان بيتنا الصغير منبع الفضيلة والشهامة ، ولم تجد الحقارة طريقاً لها إلى أُسرتنا . . . لقد تربيت في أحضان من عاشوا حياة ملؤها العز والحرية ، فكيف أرضىٰ بالذلة والخضوع متناسياً ثروتي العائلية ؟ ! هذا مستحيل ، فلن أُبايع يزيد أبداً ولا أخضع لأوامره . . .

هذه الشهامة والعزة ، وهذا الإِباء والشرف . . . نتيجة التربية الأصيلة في الأسرة ، التربية النابعة من حنان الوالدين وحبهما ، ذلك الحب الممزوج بالإِيمان ، التربية التي ملؤها الصفاء والإِخلاص والطهارة والواقعية .

. . . إن رياض الأطفال أعجز من أن تربي أولاداً كهؤلاء . فهي مؤسسة

____________________

(١) نفس المهموم ص ٤٩ ـ ١٤٩ .

(٢) سورة المنافقين ؛ الآية : ٨ .

٢٣٧

تجارية قبل أن تكون مركزاً ثقافياً وتربوياً ، فإن مؤسسي رياض الأطفال يهدفون في الدرجة الأولى إلى الحصول على مال من وراء الأجور الشهرية للأطفال ؛ ويهتمون بالتربية في الدرجة الثانية ، مع أن التربية أيضاً سطحية وبسيطة . إن الآباء والأمهات الذين لا يملكون هدفاً بغير التربية يجدون لذتهم في أن يربوا أولادهم تربية صحيحة ويجعلوهم أفراداً جديرين أكفاء في المجتمع ، وإن مركز هذا النشاط هو الأسرة فقط .

ثم إن الميزة الأُخرى التي تضفي أهمية كبيرة على قيمة الأسرة هي إحياء الخصائص الفردية . فالأفراد ليسوا متفاوتين فيما بينهم من ناحية المنظر والبناء الخارجي فقط ، بل يختلفون من حيث معنوياتهم ونفسياتهم أيضاً . وهذا نفسه أحد مظاهر القدرة الإِلهية . . . « ما لكم لا ترجون لله وقاراً ، وقد خلقكم أطواراً » .

قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الناس معادن ، كمعادن الذهب والفضة » (١) .

الأطفال الممتازون :

وهكذا نجد أن بعض الأطفال يولدون مع صفات وخصائص معينة لا توجد عند الأفراد الإِعتياديين . فربما يوجد العقل والإِدراك والذكاء والفطنة ، الحافظة وسرعة الإِنتقال ، الشهامة والسيطرة على النفس وقسم آخر من الصفات في بعض الأفراد بصورة أكثر من المعتاد . ويختلف العظماء والنوابغ في العالم من حيث البناء الطبيعي عن بقية الأفراد . وإن النجاح الذي أحرزه كل منهم في ميدانه في أثناء حياته يعزى إلى الدقة المعمولة في خلقهم وبنائهم . وعلى سبيل الشاهد ننقل قصة أبي زكريا التبريزي تلميذ أبي العلاء المعري وقد تلمذ على يده سنوات عديدة . ولما كان أبو العلاء مكفوف البصر فلقد كان لا يستطيع القراءة . وفي أحد الأيام كان أبو زكريا يقرأ لأبي العلاء كتاباً له في مسجد المعرة وفي الأثناء حضر مسافر من تبريز إلى الجامع ليصلي ، فسر أبو زكريا لرؤيته كثيراً وتوقف عن قراءة الكتاب لعدة لحظات فسأله الأستاذ عن

____________________

(١) البحار ج ١٤ ص ٤٠٥ .

٢٣٨

السبب ، فأخبره بمجيىء صاحبه . فأمره أبو العلاء بأن يذهب إليه ويتحدث معه فقال له : أمهلني أكمل الصفحة ، فقال : لا وسأنتظرك حتى تنهي حديثك . فجلس أبو زكريا مع صاحبه على بعد خطوات من أبي العلاء وأخذ يتحدث معه باللغة المحلية ويسأله عن بعض القضايا فيجيبه . وعندما رجع إلى أُستاذه سأله : أي لغة هذه ؟ قال : لغة آذربايجان ! فقال : إني لم أفهم ما تداول بينكما من حديث ، ولكني حفظت ما قلتماه ، وأعاد جميع الألفاظ بلا زيادة أو نقصان . فتعجب صاحب أبي زكريا من حافظة أُستاذه بشدة ، وكيف أنه حفظ تلك الألفاظ بسرعة دون أن يفهم معانيها (١) .

نوابغ العالم :

لقد وجد على مر القرون المتصرمة نوابغ عظماء لا يقاسون مع سائر الأفراد من حيث إدراك الحقائق العلمية ، والذكاء ، الخارق . وإن الترقيات التي نالت البشر في الحياة المادية مدينة إلى مواهب هؤلاء الرجال البارزين فهم الذين أدركوا الحقائق العلمية بفضل مواهبهم الخاصة ، وقادوا ركب الإِنسانية إلى الإِمام .

« إننا نختار من بين الملايين أفراداً معدودين في تلك الدولة حيث خدموا التقدم العام ، واستطاعوا بفضل مواهبهم أو دهائهم أن يجعلوا لأنفسهم فوق مستوى الآخرين ، وأن يكونوا قائدي زمام التمدن » .

« إننا نلاحظ الإِنسانية على أنها مجموعة حية في حالة دائمة من التغيّر والذكاء ، ونعلم أن تطورات هذه المجموعة تبدأ بواسطة أُناس نادرين ومتفردين في الغالب ! » .

« هذه الأدمغة البارزة هي مركز الأمواج التي تشبه الأمواج الحادثة عند سقوط قطعة من الحجر في الماء . هؤلاء يمكن أن يوجدوا في

____________________

(١) ينقل القصة بكاملها صاحب ( قاموس دهخدا ) الفارسي عند ترجمة ( أبي العلاء المعري ) ص ٦٣٦ .

٢٣٩

آسيا ، أو أمريكا ، أو أي طبقة أُخرى من البشر . هؤلاء ليسوا صينيين ، أو أمريكان ، أو إنكليز ، أو فرنسيين ، أو هنود . . . انهم بشر » (١) .

رسل السماء :

إن تكامل الإِنسان في المدارج المعنوية ، وخلاصة من عبادة الأصنام والنار ، ونجاته من الأوهام والخرافات مدين لجهود الأنبياء والرسل . فلقد كانوا أناساً غير إعتياديين في بنائهم ومواهبهم الباطنية . وبالرغم من أن تعاليم الأنبياء والقوانين التي يسنها الرسل إنما هي من السماء وهو يقومون بإيصالها إلى البشر فقط ، يجب أن لا ننسى أن هذه المنزلة لا يستطيع إحرازها كل فرد ، وليس بإمكان كل فرد أن يصير نبياً . ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (٢) .

لم يكن نبوغ نبي الإِسلام العظيم قبل نزول الوحي عليه ، وكمال عقله وذكائه الخارق أمراً مخفياً على الناس ، فإنه كان فريداً في بابه قبل أن يختاره الله لهذا المنصب العظيم . فالأفكار العالية والقريحة الفريدة التي كان يمتاز بها كانت قد رشحته لأن يكون أوحدياً ، وقدوة للبشرية أجمع ، ذلك الرجل العظيم ، والشخصية المثالية كان جديراً بمقام النبوة ، ولذلك فقد إختاره الله تعالى لهذه المهمة .

الخصائص الفردية :

الخلاصة : إنه يوجد في باطن بعض الأطفال من المواهب الخاصة ما ليست موجودة عند باقي الأفراد . وإن ظهور تلك الخصائص يسبب تقدم البشرية ورقيها ، فأنهم يجب أن يخضعوا منذ الصغر إلى رقابة تربوية صحيحة ، وتهيج لهم ظروف وبيئة صالحة ، وإن البيئة الوحيدة التي تستطيع أن تنمي القابليات الخاصة وتستغل الطاقات الكامنة وتخرجها إلى حيز الوجود هي الأسرة .

____________________

(١) سرنوشت بشر ص ١٩٠ .

(٢) سورة الأنعام ؛ الآية : ١٢٤ .

٢٤٠