احتجّ الخصم (١) : بآية التثبّت (٢) ؛ حيث جعل وجوبه مشروطا بالفسق ، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط (٣).
وجوابه : منع انتفاء الشرط ، بل انتفى العلم به. وانتفاء العلم بالشيء لا يستلزم انتفاءه في الواقع ، وهو الشرط.
فإن قيل : الظاهر أنّ الشرط هو معلوميّة الفسق وظهوره ، ومجهول الحال ليس فسقه معلوما.
قلت : الحقّ أنّ المراد بالفاسق هو الفاسق (٤) بحسب الواقع ونفس الأمر ، لا من سبق علم المخاطب بفسقه ؛ فإنّ الشروط والصفات التي تعتبر في مواضع الحاجة هي الواقعيّة والنفس الأمريّة ، لا المعلومة عند المخاطب. مثلا إذا قال أحد : « فلان عالم فاضل » ، يكون مراده أنّه كذلك في الواقع لا بحسب اعتقاد المخاطب. وإذا قال : « أكرم كلّ عالم » يكون أمرا بالمخاطب (٥) بإكرام من كان كذلك في الواقع ، لا من تعلّق علمه السابق بأنّه كذلك ، فيجب على المخاطب الفحص في مجهول الحال حتّى يظهر حاله. ولا يقدح عدم تطابق ما علم بالفحص مع الواقع في بعض الأحيان ؛ لأنّ المراد بواقعيّة كلّ شيء ما اقتضاه الدليل الذي بإزائه.
وأيضا لو لم يكن كذلك ، لما صحّ أن يطلب المخاطب الدليل على شيء ممّا يخبره المتكلّم ؛ لأنّ ما يخبره على وفق اعتقاده ، ولا يجوز لأحد طلب الدليل (٦) على شيء يلقى إليه على أنّه معتقده. فالشرط في الآية هو الفسق الواقعي ، وانتفاء العدالة الواقعيّة ، ولا يتحقّق واسطة بينهما ؛ فإنّ كلّ فرد من الإنسان في الواقع إمّا عادل أو فاسق ، وتوسّط مجهول الحال بين من يعلم فسقه و [ من يعلم ](٧) عدالته.
__________________
(١) في هامش « أ » : « الذاهب إلى قبول خبر المجهول ».
(٢) هي آية النبأ من سورة الحجرات (٤٩) : ٦.
(٣) ذكره ابن الحاجب في منتهى الوصول : ٧٨.
(٤) لم يرد في « ب » : « هو الفاسق ».
(٥) كذا في النسختين. والأولى : أمرا للمخاطب.
(٦) هذا بالنسبة إلى وجود الاعتقاد كذلك. وأمّا طلب الدليل على حدوث الاعتقاد ، فهو جائز.
(٧) أضيف بمقتضى السياق. والمراد بين من يعلم فسقه ومن يعلم عدالته ، لا بين العادل والفاسق.
![أنيس المجتهدين [ ج ١ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F999_anis-almojtahedin-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
