وإنما اكتفوا في ذلك بحجة للعقل والمخاطبة من طريق النظر والإستدلال كقوله تعالى : « قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » إبراهيم ـ ١٠ في الإحتجاج على التوحيد قوله تعالى : « وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ » ص ـ ٢٨ في الإحتجاج على البعث . وانما سئل الرسل المعجزة وأتوا بها لإثبات رسالتهم وتحقيق دعويها .
وذلك أنهم ادعوا الرسالة من الله بالوحي وأنه بتكليم إلهي أو نزول ملك ونحو ذلك وهذا شيء خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الإدراكات الظاهرة والباطنة التي يعرفها عامة الناس ويجدونها من أنفسهم ، بل إدراك مستور عن عامة النفوس لو صح وجوده لكان تصرفاً خاصاً من ما وراء الطبيعة في نفوس الانبياء فقط ، مع أن الأنبياء كغيرهم من افراد الناس في البشرية وقواها ، ولذلك صادفوا إنكاراً شديداً من الناس ومقاومة عنيفة في رده على أحد وجهين :
فتارة حاول الناس إبطال دعويهم بالحجة كقوله تعالى : « قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا » إبراهيم ـ ١٠ ، إستدلوا فيها على بطلان دعويهم الرسالة بأنهم مثل سائر الناس والناس لا يجدون شيئاً مما يدعونه من أنفسهم مع وجود المماثلة ، ولو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع هذا ، ولهذا اجاب الرسل عن حجتهم بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله : « قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ » إبراهيم ـ ١١ ، فردوا عليهم بتسليم المماثلة وان الرسالة من منن الله الخاصة ، والاختصاص ببعض النعم الخاصة لا ينافي المماثلة ، فللناس إختصاصات ، نعم لو شاء أن يمتن على من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع فالنبوة مختصة بالبعض وإن جاز على الكل .
ونظير هذا الإحتجاج قولهم في النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على ما حكاه الله تعالى : « أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا » ص ـ ٨ ، وقولهم كما حكاه الله : « لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » الزخرف ـ ٣١ .
ونظير هذا الإحتجاج أو قريب منه ما في
قوله تعالى : « وَقَالُوا
مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

