يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا » الفرقان ـ ٨ ، ووجه الإستدلال أن دعوى الرسالة توجب أن لا يكون بشراً مثلنا لكونه ذا احوال من الوحي وغيره ليس فينا فلِمَ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لإكتساب المعيشة ؟ بل يجب أن ينزل معه ملك يشاركه في الإنذار او يلقي اليه كنز فلا يحتاج الى مشي الاسواق للكسب او تكون له جنة فيأكل منها لا مما نأكل منه من طعام ، فرد الله تعالى عليهم بقوله : « انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا » إلى أن قال « وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا » الفرقان ـ ٢٠ ، ورد تعالى في موضع آخر مطالبتهم مباشرة الملك للإنذار بقوله : « وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ » الأنعام ـ ٩ .
وقريب من ذلك الإحتجاج أيضاً ما في قوله تعالى : « وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا » الفرقان ـ ٢١ ، فأبطلوا بزعمهم دعوى الرسالة بالوحي بمطالبة أن يشهدوا نزول الملك أو رؤية الرب سبحانه لمكان المماثلة مع النبي ، فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله : « يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا » الفرقان ـ ٢٢ ، فذكر أنهم والحال حالهم لا يرون الملائكة إلا مع حال الموت كما ذكره في موضع آخر بقوله تعالى : « وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ » الحجر ـ ٨ ، ويشتمل هذه الآيات الاخيرة على زيادة في وجه الإستدلال ، وهو تسليم صدق النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في دعواه إلا أنه مجنون وما يحكيه ويخبر به أمر يسوّله له الجنون غير مطابق للواقع كما في موضع آخر من قوله : « وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ » القمر ـ ٩ .
وبالجملة فأمثال هذه الآيات مسوقة لبيان إقامتهم الحجة على إبطال دعوى النبوة من طريق المماثلة .
وتارة اخري أقاموا أنفسهم مقام الإنكار
وسؤال الحجة والبينة على صدق
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

