في القلب بعروض شك أو اضطراب أو اعتراض أو سخط في شيء مما يصيبه مما لا ترتضيه النفس ، ولا في خلق ولا في عمل ، والدليل على أن المراد به ذلك قوله في ذيل الاية ( أُولئك الذين صدقوا ) فقد أطلق الصدق ولم يقيده بشيء من أعمال القلب والجوارح فهم مؤمنون حقاً صادقون في إيمانهم كما قال تعالى : « فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا » النساء ـ ٦٥ ، وحينئذ ينطبق حالهم على المرتبة الربعة من مراتب الإيمان التي مر بيانها في ذيل قوله تعالى : « إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ » البقرة ـ ١٣١ .
ثم ذكر تعالى نبذاً من أعمالهم بقوله : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلوة وآتى الزكوة ، فذكر الصلوة ـ وهي حكم عبادي ـ وقد قال تعالى : « إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ » العنكبوت ـ ٤٥ ، وقال : « وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي » طه ـ ١٤ ، وذكر الزكوة ـ وهي حكم مالي فيه صلاح المعاش ـ وذكر قبلهما إيتاء المال وهو بث الخير ونشر الإحسان غير الواجب لرفع حوائج المحتاجين وإقامة صلبهم .
ثم ذكر سبحانه نبذاً من جمل أخلاقهم بقوله : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ، فالعهد هو الالتزام بشيء والعقد له ـ وقد أطلقه تعالى ـ وهو مع ذلك لا يشمل الإيمان والالتزام بأحكامه كما توهمه بعضهم ـ لمكان قوله إذا عاهدوا ، فان الالتزام بالإيمان ولوازمه لا يقبل التقيد بوقت دون وقت ـ كما هو ظاهر ـ ولكنه يشتمل بإطلاقه كل وعد وعده الإنسان وكل قول قاله التزاماً كقولنا : لأفعلن كذا ولأتركن ، وكل عقد عقد به في المعاملات والمعاشرات ونحوها ، والصبر هو الثبات على الشدائد حين تهاجم المصائب أو مقارعة الأقران ، وهذان الخلقان وإن لم يستوفيا جميع الأخلاق الفاضلة غير أنهما إذا تحققا تحقق ما دونهما ، والوفاء بالعهد والصبر عند الشدائد خلقان يتعلق أحدهما بالسكون والاخر بالحركة وهو الوفاء فالاتيان بهذين الوصفين من أوصافهم بمنزلة أن يقال : إنهم إذا قالوا قولاً أقدموا عليه ولم يتجافوا عنه بالزوال .
وأما ما عرّفهم به ثانياً بقوله : أُولئك
الذين صدقوا ، فهو وصف جامع لجمل فضائل العلم والعمل فان الصدق خلق يصاحب جميع الأخلاق من العفة والشجاعة
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

