يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ » الانعام ـ ١٢٥ . وقوله : « ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ » الزمر ـ ٢٣ . وتعدية قوله تلين بالى لتضمين معنى مثل الميل والاطمينان ، فهو ايجاده تعالى وصفاً في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئن اليه ، وكما أن سبله تعالى مختلفة ، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف اليه فلكل سبيل هداية قبله تختص به .
والى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى : « وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » العنكبوت ـ ٦٩ . إذ فرق بين ان يجاهد العبد في سبيل الله ، وبين أن يجاهد في الله ، فالمجاهد في الاول يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثاني فانه إنما يريد وجه الله فيمده الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاص به ، وكذا يمده الله تعالى بالهداية الى السبيل بعد السبيل حتى يختصه بنفسه جلّت عظمته .
ورابعها : ان الصراط المستقيم لما كان أمراً محفوظاً في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها ودرجاتها ، صح ان يهدي الله الانسان اليه وهو مهدي فيهديه من الصراط الى الصراط ، بمعنى أن يهديه الى سبيل من سبله ثم يزيد في هدايته فيهتدي من ذلك السبيل الى ما هو فوقها درجة ، كما أن قوله تعالى : إهدنا الصراط ( وهو تعالى يحكيه عمن هداه بالعبادة ) من هذا القبيل ، ولا يرد عليه : ان سؤال الهداية ممن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل وهو محال ، وكذا ركوب الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل ولا يتعلق به سؤال ، والجواب ظاهر .
وكذا الايراد عليه : بأن شريعتنا أكمل
وأوسع من جميع الجهات من شرائع الامم السابقة ، فما معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا إلى صراط الذين أنعم
الله عليهم منهم ؟ وذلك ان كون شريعة اكمل من شريعة امرٌ ، وكون المتمسك بشريعة اكمل من المتمسك بشريعة امر آخر ورائه ، فان المؤمن المتعارف من مؤمني شريعة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم
( مع كون شريعته اكمل وأوسع ) ليس بأكمل من نوح وابراهيم عليهما السلام مع كون شريعتهما اقدم وأسبق ، وليس ذلك إلا ان حكم الشرائع والعمل بها غير حكم الولاية الحاصلة من التمكن فيها والتخلق بها ، فصاحب مقام التوحيد الخالص وان كان من اهل الشرائع السابقة أكمل وأفضل ممن لم يتمكن من مقام التوحيد ولم تستقر
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

