( بيان )
خمس آيات متحدة السياق ، متسقة الجمل ، ملتئمة المعاني ، يسوق أولها إلى آخرها ويرجع آخرها إلى أولها ، وهذا يكشف عن كونها نازلة دفعة غير متفرقة ، وسياقها ينادي بأنها نزلت قبيل الأمر بالقتال وتشريع حكم الجهاد ، ففيه ذكر من بلا سيقبل على المؤمنين ، ومصيبة ستصيبهم ، ولا كل بلاء ومصيبة ، بل البلاء العمومي الذي ليس بعادي الوقوع مستمر الحدوث ، فإن نوع الانسان كسائر الأنواع الموجودة في هذه النشأة الطبيعية لا يخلو في أفراده من حوادث جزئية يختل بها نظام الفرد في حيوته الشخصية : من موت ومرض وخوف وجوع وغم وحرمان ، سنّة الله التي جرت في عباده وخلقه ، فالدار دار التزاحم ، والنشأة نشأة التبدل والتحول ، ولن تجد لسنّة الله تحويلا ولن تجد لسنّة الله تبديلاً .
والبلاء الفردي وإن كان شاقاً على الشخص المبتلى بذلك ، مكروهاً ، لكن ليس مهولاً مهيباً تلك المهابة التي تتراءى بها البلايا والمحن العامة ، فإن الفرد يستمد في قوة تعقله وعزمه وثبات نفسه من قوى سائر الأفراد ، وأما البلايا العامة الشاملة فإنها تسلب الشعور العمومي وجملة الرأي والحزم والتدبير من الهيئة المجتمعة ، ويختل به نظام الحيوة منهم ، فيتضاعف الخوف وتتراكم الوحشة ويضطرب عندها العقل والشعور وتبطل العزيمة والثبات ، فالبلاء العام والمحنة الشاملة أشق وأمر ، وهو الذي تلوح له الآيات .
ولا كل بلاء عام كالوباء والقحط بل بلاءٌ
عام قربتهم منها أنفسهم ، فإنهم أخذوا دين التوحيد ، وأجابوا دعوة الحق ، وتخالفهم فيه الدنيا وخاصة قومهم ، وما لهؤلاء هم إلا إطفاء نور الله ، واستيصال كلمة العدل ، وإبطال دعوة الحق ، ولا وسيلة تحسم
مادة النزاع وتقطع الخلاف غير القتال ، فسائر الوسائل كإقامة الحجة وبث الفتنة ، وإلقاء الوسوسة والريبة وغيرها صارت بعد عقيمة غير منتجة ، فالحجة مع النبي والوسوسة والفتنة والدسيسة ما كانت تؤثر أثراً تطمئن إليه أعداء الدين فلم يكن
عندهم وسيلة إلا القتال والاستعانة به على سد سبيل الحق ، وإطفاء نور الدين اللامع
المشرق . هذا من جانب الكفر ، والأمر من جانب الدين أوضح ، فلم يكن إلى نشر كلمة التوحيد ،
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

