ذهب الميرزا النائيني قدسسره (١) إلى الأوّل وأنّ الإشكال عامّ فالحكم في الجميع واحد ؛ لأنّ حديث الرفع (٢) إنّما رفع العقاب ، أمّا المفسدة فهي باقية على حالها غير مرتفعة ، ومع تحقّق المفسدة كيف يمكن أن يكون العمل مشمولا لإطلاق الأمر؟
والجواب : أنّ حديث الرفع وإن كان لم يرفع المفسدة وإلّا لم يكن مقتضى للحكم حينئذ فلا يناسبه التعبير بالرفع إلّا أنّا نسأل أنّ الحكم بالتحريم لمّا ارتفع واقعا في صورة الإكراه والاضطرار والنسيان كما مرّ في حديث الرفع فهل صار العمل مباحا واقعا أم لا؟ فإنّ مقتضى ارتفاع حرمته صيرورته مباحا واقعا ، بل ويقتضيه قوله : ما من محرّم إلّا وقد أحلّه الله في حال الاضطرار (٣). وإذا ثبتت الإباحة الواقعيّة فلا مقتضي لتقييد إطلاق الأمر الوجوبي ؛ لأن المقتضي لتقييده إنّما كان التحريم المفروض ارتفاعه واقعا في هذه الصور فلا مقتضي حينئذ لتقييده.
لا يقال : إنّ العمل لمّا كان مشتملا على المفسدة لم يكن صالحا للتقرّب به.
لأنّا نقول : إنّ المفسدة المغلوبة بمصلحة أقوى اقتضت دفع تأثيرها لا ترفع صلاحيّة العمل للتقرّب ، فحيث يرتفع التحريم الواقعي في صورة الإكراه والاضطرار والنسيان لا مانع حينئذ من الإطلاق في دليل الأمر. وهذا بخلاف الجهل فإنّ الرفع فيه ظاهري ، فالحكم الواقعي بالتحريم فيه موجود ، وبوجوده كيف يعقل الترخيص في تطبيق المأمور به على هذا الفرد؟ فافهم.
وإن شئت فطبّقه على مثال عرفي : إذا أمر المولى عبده بكتابة كتاب إلى بلد ونهاه أن يتصرّف بالحبر الفلاني مثلا حال اختياره أمّا إذا اكره فهو مرخّص بالتصرّف
__________________
(١) انظر فوائد الأصول ١ و ٢ : ٤٤٣.
(٢) الوسائل ١١ : ٢٩٥ ، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ، الحديث الأوّل.
(٣) لم نقف عليه بعينه ولكن ما ورد عنهم عليهمالسلام هكذا : ليس شيء ممّا حرّم الله إلّا وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه. الوسائل ١٦ : ١٣٧ ، الباب ١٢ من كتاب الايمان ، الحديث ١٨.
![غاية المأمول من علم الأصول [ ج ١ ] غاية المأمول من علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4433_ghayat-almamul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
