قل أيها النّبي : الله تعالى هو الذي ينجيكم مرارا من هذه الأهوال ، ومن كل كرب أي غم وشدة ، ثم مع ذلك أنتم بعدئذ تشركون بالله غيره ، فتخلفون وعدكم بالإيمان ، وتخونون العهد مع الله سبحانه ، وتحنثون بالقسم الذي حلفتموه. وهذا مع الأسف الشديد طبع أغلب الناس ، يلجأ الإنسان عادة إلى الله في الشّدة والمكروه ، ثم بعد النّجاة ينسى العهد ، ويعود إلى الجهل والكفر ، فلا يقدر الله حقّ قدره ، ولا يعظم جناب ربّه.
قل أيها النّبي لهؤلاء المشركين على سبيل التهديد والوعيد والإنذار : الله هو القادر على أن ينزل عليكم ألوان العذاب المختلفة ، كالرّجم بالحجارة أو الصواعق ، أو البراكين والزلازل ، أو الطوفان أو أعاصير الريح أو الخسف المعهود في الأمم السابقة ، أو إيقاع الفرقة والفتن والاختلاط والاختلاف والاضطراب ، حتى تصير الأمة شيعا وأحزابا وجماعات ، كل فرقة لها اتجاه ومنهاج ، فيقع التقاتل والتحارب ، ويذيق بعض الناس بأس بعض وشدته ، حتى يقتل بعضهم بعضا. والتّفرق والاقتتال أهون وأخفّ من عذاب الاستئصال.
انظر أيها النّبي على سبيل التعجيب كيف ننوّع أساليب الكلام ، وكيف نبيّن الدلائل بوجوه مختلفة ، إما بطريق محسوس أو بطريق معقول ، لعلهم يفهمون الإنذارات ويتدبرون عن الله الحجج والبيّنات ، فتحدث عندهم العبرة والعظة وتصحيح الأحوال. والمراد بذلك صرف أولئك الغواة المشركين عن غيّهم ، وتوجيههم نحو ما يسعدهم وينجيهم.
ولكن أولئك المشركين من قريش وأمثالهم كذّبوا بالقرآن الذي جاء به محمد رسول الله ، وبالهدى والبيان وبالعذاب الذي هدّدوا به ، والحال أن القرآن وإنذاراته حق
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3931_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
