الكعبة : بيت مكة ، وهو أول بيت وضع للعبادة في الأرض ، وسمي كعبة لتربيعه ، قال أهل اللغة : كل بيت مربع فهو مكعب وكعبة ، وقال قوم : سميت كعبة لنتوئها ونشوزها على الأرض. وقد بناها إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام بمكّة المكرمة.
والله سبحانه عظّم الكعبة وجعلها مقرّا موحّدا للعبادة ، وصيّرها محطة يقوم بها أمر الناس وإصلاح شأنهم في أمر دينهم بالحج إليها ، وفي أمر دنياهم بتوفير الأمن فيه لداخله ، وتحقيق المنافع وجباية الثمرات المختلفة من كل شيء إليها ، وهي تشبه الملك الذي هو قوام الرّعية وقيامهم ، ورمز تفوقهم وعزّتهم ، وأساس قوتهم ومنعتهم.
وجعل الله الكعبة مثابة للناس وأمنا ، فيه يأمن الخائف ، وينجو اللاجئ كما قال تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت : ٢٩ / ٦٧]. وصيّر الله الكعبة مهوى الأفئدة والقلوب ، فهي في كل مكان وزمان تهوي القلوب إليها. وهي أيضا سبب لزيادة الرزق والثمرات ، فيقوم أمر العباد ويصلح شأنهم في الدنيا والآخرة ، وهكذا يجد كل من حج حاجته أو مطلبه ، إجابة لدعاء إبراهيم عليهالسلام : (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)) [إبراهيم : ١٤ / ٣٧].
والله سبحانه جعل الكعبة أيضا مقرّا لالتفاف المسلمين حولها ، والقيام بأداء المناسك والتّعبدات ، وتهذيب الأخلاق وضبط النفوس وتزكيتها ، وتوحيد وجهات نظر المسلمين في شؤونهم العامة والخاصة ، وتأكيد رابطة الأخوة الإيمانية ، وبعث القوة في النفوس ، وإحياء روح الجهاد ، وتذكير الوحي الإلهي ، وتجديد الإسلام في الأعماق.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3931_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
