ومنشأ هذا التكذيب في الظاهر : هو العناد والجحود ، إذ إنهم لا يتّهمونك بالكذب في الواقع ، فأنت الصادق الأمين في نظرهم ، فما جرّبوا عليك كذبا ولا خيانة ، ولكنهم يعاندون الحق ، ويجحدون بآيات الله أي علاماته وشواهد نبيّه محمد صلىاللهعليهوسلم ، ويصدّون عنها ، فالقضية محاربة لدعوة الله لا لشخص نبيّه ، فلست بكاذب في حقيقتك ، وتكذيبك لا يعد تكذيبا. لهذا فلا تحزن أيها الرسول عليهم ، واصبر على تكذيبهم وإيذائهم ، كما صبر رسل قبلك وكما أوذوا ، حتى ينصرك الله عليهم ، وينتقم من أعدائك المكذّبين ، كما نصر رسله الكرام. وهذا الوعد بالنصر أمر حتمي محقق ، فلا تغيير ولا خلف في وعد الله ووعيده ، ولا مكذّب لما أخبر به ، فوعد الله بنصر رسله والمؤمنين نافذ في الدنيا والآخرة ، وكذا وعيده لاحق بالكافرين ، وتلك هي أنباء أو أخبار الرّسل المرسلين قبل نبيّنا عليهم الصّلاة والسّلام ، لقد أنزلناها عليك أيّها النّبي وقصصناها عليك ، ومفادها ما أخبرناك به من تكذيب الناس لهم وصبرهم ثم نصرهم.
وقوله تعالى : (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ..) آية فيها إلزام الحجة للنّبي صلىاللهعليهوسلم وتقسيم الأحوال عليه ، حتى يتبيّن أنه لا وجه إلا الصبر والمضي لأمر الله تعالى. والمعنى : إن كنت أيها النّبي تعظّم تكذيبهم وكفرهم على نفسك وتحزن عليه ، فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعماق الأرض ، أو على ارتقاء سلّم إلى السماء ، فدونك وشأنك به ، أي إنك لا تقدر على شيء من هذا ، ولا بدّ لك من التزام الصبر واحتمال المشقة ومعارضتهم بالآيات التي أقامها الله تعالى للناظرين المتأملين. فالله لا إله إلا هو لم يرد أن يجمعهم على الهدى ، وإنما أراد ترك الحرّية للناس في النظر والتأمل في آياته ، ليهتدي بها الأسوياء العقلاء ، ويضل آخرون. وهناك عوامل تساعدهم على الوصول إلى الحق ، فقد خلقهم الله على الفطرة الإسلامية النقية وهي
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3931_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
