مسألة قوله تعالى : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ...) الآية [آل عمران : ٢٦].
الكلام في ذلك ومن الله نستمد التوفيق : أن الله تعالى مالك الملك على الحقيقة ، إذ هو الغني الذي لا يفتقر ، والعادل الذي لا يجوز عليه العجز ولا يغلبه غالب ، ولا يفوته هارب ؛ وهذا هو الملك على الحقيقة ، فهو مالك الملك ، يؤتي الملك من يشاء بالحكم والأمر إن كان محقا ، وبالتخلية والتمكين وتهيئة الأسباب إن كان مبطلا لتكمل عليه الحجة ، ويطالبه بموجب شكر النعمة ، فإن عمل بالملك بما أمره أعطاه خير الدنيا وثواب الآخرة ، وإن خالف ذلك أنزل به عقوبة الكافرين في الدنيا والآخرة أو في الآخرة ، ولا يمتنع ذلك في الحكمة ، ولا تلحقه بالجور ، إذ الباري سبحانه قد أعطى الكفار ابتداء ما يمثل لك الدنيا جميعا لو خيّره أهل العقول من العاقبة والجوارح السليمة ، والعقل الذي به كمال النعمة ؛ فإذا جاز فعل ذلك لمن لا يستحقه لتكمل عليه الحجة ، فإضافة ما هو دونه إليه لا مانع منه في الحكمة لمثل ذلك ؛ ولأنّا قد شاهدنا الملك منتظم لإنسان دون إنسان ممن طلبه ، وربما أن المحروم أحرم وأكمل ممن ناله وأدركه بمساعدة المقادير وتهيئة الأسباب.
والكلام في قوله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله : (تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ) على نحو ذلك ، ومعناه ظاهر جعل بعض خلقه ملكا ، وبعضهم سوقة ، وبعضهم مالكا ، وبعضهم مملوكا ، وبعضها ذكرا في موضع العزة والتصرف ، وبعضهم أنثى في موضع الذلة والانقياد ، وكل هذا لحكمة ومصلحة تعود على العباد ؛ فأراد سبحانه من الغني والملك والعزيز الشكر ، وأراد من الرعية والفقير والضعيف الصبر والشكر ، تكليف وتعبّد يعود نفعه على العبد ؛ لأن التكليف نصفان نصف صبر ، ونصف شكر ؛ والصبر أفضلهما فهذا ما يتوجه عندنا في معنى هذه الآية ، والله أعلم.
![مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزه [ ج ٢ ] مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3420_majmu-rasail-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
