ملامحه في شكله تبعا لما هو المألوف عندهم من صفات المخلوقات في تفاصيل الجسد ونحوه. قل لهم : هو الله ، المتفرد في كل صفاته ، الأحد في ذاته ، العالي عن كل ما يتصل بالمادة من صلة ، فلا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به العقول ، ولا تقترب منه عناصر التركيب والتجزئة.
وقد قيل : «إن الأحد إنما يطلق على ما لا يقبل الكثرة لا خارجا ولا ذهنا ، ولذلك لا يقبل العدّ ولا يدخل في العدد ، بخلاف الواحد ، فإن كل واحد له ثان وثالث إمّا خارجا وإمّا ذهنا ، بتوهّم أو بفرض العقل ، فيصير بانضمامه كثيرا ، وأمّا الأحد ، فكلّما فرض له ثان كان هو هو لم يزد عليه شيء.
واعتبر ذلك في قولك : ما جاءني من القوم أحد ، فإنك تنفي به مجيء اثنين منهم أو أكثر ، كما تنفي مجيء واحد منهم ، بخلاف ما لو قلت : ما جاءني واحد منهم فإنك إنما تنفي به مجيء واحد منهم بالعدد ولا ينافيه مجيء اثنين منهم ، أو أكثر ، ولإفادته هذا المعنى لا يستعمل في الإيجاب مطلقا إلّا فيه تعالى» (١).
وعلى ضوء ذلك ، فإن الله يريد من الخلق أن يعرفوه بأحديته التي تجمع كل صفاته المطلقة التي لا حدّ لها ، فلا يبلغ شأوها أو يحيط بامتدادها أحد ، بعيدا عن كل تعمّق في الذات ، لأن الإنسان كلما تعمّق أكثر كلما غرق في بحار الظنون ، لأن الفكر لا يصل إليه في سرّه الغامض الخفيّ.
(اللهُ الصَّمَدُ) أي السيّد المقصود في كل الحوائج ، الذي يحتاج الخلق كلهم إليه في كل أمورهم ، فيقصدونه بها ، ولا يقصدون غيره فيها إلّا من حيث إنه أداة من أدواته ، ووسيلة من وسائله ، لأنه الخالق لهم ولما يحتاجون إليه ، والمدبّر لهم ولما يتطلبونه منه ، ولأنه المهيمن على الأمر كله
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٢٠ ، ص : ٤٤٩.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3289_tafsir-men-wahi-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
