ولذلك كانوا خير البريّة ، لأن قمّة الخير هي أن ينقاد الإنسان لربه لتكون حياته العقلية والعملية مرتبطة بربه ، كما كان وجوده في بدايته واستمراره مربوطا به. وهذا هو الخير ، كل الخير ، الذي يتمايز الناس به.
(جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) لأن ذلك هو وعد الله لعباده المؤمنين العاملين بالصالحات ، الذين عاشوا الجهد كله الذي واجهوه بالصبر القاسي الشديد في نتائجه السلبية على حياتهم ونوازعهم الذاتية ، طلبا لما عند الله ، وهذا هو المظهر الحيّ لرضى الله الذي يناله الذين يعيشون في حياتهم الخضوع المطلق له ، والانفتاح الروحي والعملي عليه ، (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) بإيمانهم به وطاعتهم له ، (وَرَضُوا عَنْهُ) في ما أفاض عليهم من نعمة الوجود وفي ما منحهم من نعمه الظاهرة والباطنة في كل تفاصيل حياتهم.
(ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) الذي هو التجسيد الحيّ للروح الخاشعة الواعية المطمئنة إلى ربها من خلال معرفتها به ، المتحركة في خط الطاعة. وبذلك ، لا يكون الخوف من الله حالة انفعالية ، بل هي حالة عقلانية تدرس كل شيء في نطاق ارتباط الوجود كله بالله ، في جميع الأمور ، كما تدرس النتائج المصيريّة في ثواب الله وعقابه في موقف الحساب في الدار الآخرة.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3289_tafsir-men-wahi-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
