قال الواحدي : «ومعنى القدر في اللغة : قطع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان».
وقال المفسرون في معنى «يقدر» ههنا : يضيق ، لقوله (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) [الطلاق : ٧] ومعناه : أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء.
وقرأ زيد (١) بن علي : «ويقدر» بضم العين.
قوله «وفرحوا» هذا استئناف إخبار. وقيل : بل هو عطف على صلة «الذين» قبل.
وفيه نظر ؛ من حيث الفصل بين أبعاض الصلة بالخبر ، وأيضا : فإن هذا ماض وما قبله مستقبل ولا يدعى التوافق في الزمان إلا أن يقال : المقصود استمرارهم بذلك أو أن الماضي متى وقع صلة صلح [للماضي](٢) والاستقبال. قوله «في الآخرة» ، أي في جنب الآخرة.
«إلّا متاع» وهذا الجار في موضع الحال تقديره : وما الحياة القريبة الكائنة في جنب الآخرة إلا متاع ولا يجوز تعلقه بالحياة ولا بالدنيا لأنهما لا يقعان إلا في الآخرة.
ومعنى الآية : أن [مشركي](٣) مكة أشروا وبطروا ، والفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام محال (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ) أي قليل ذاهب.
قوله : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) الآية اعلم أن كفار مكة قالوا : يا محمد إن كنت رسولا فأتنا بآية ومعجزة مثل معجزات موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ فأجابهم الله بقوله (قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ).
وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه :
أحدها : كأنه يقول : إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة ، لكن [الإضلال](٤) والهداية من الله فأضلهم عن تلك الآيات وهدى إليها آخرين ، فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات.
وثانيها : أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم ، وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل فلما طلبوا بعدها آيات أخر كان في موضع التعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم (إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ) من كان على صنيعكم من التصميم على الكفر فلا سبيل إلى هدايتكم وإن نزلت كل آية ، «ويهدي» من كان على خلاف صنيعكم.
__________________
(١) ينظر : البحر المحيط ٥ / ٣٧٩ والدر المصون ٤ / ٢٤٠.
(٢) في أ : للمضي.
(٣) في ب : أهل.
(٤) في أ : الضلال.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١١ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3104_allubab-fi-ulum-alkitab-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
