حمل الأثقال! وهناك بلاد أبعد منه ، ثم وليست مكة بعيدة إلّا للنائين عنها ، و «كم» في «أثقالكم» تعم كل الناس ، الذين خلقوا من نطفة وخلقت لهم الأنعام! ولا سيما اهل مكة حيث السورة مكية فكيف لا تشمل أهلها ، وتخص النائين عنها!
«الى بلد» هي «الى مكة والمدينة وجميع البلدان» (١) للنائين عنها ، وقد تختص مكة من بينها مصداقا ل «بلد» لأنها أصدق مصاديق «بلد» دون البلوغ إليها فريضة على من استطاع إليها سبيلا ، فقد سهّل الله ـ فيما سهلّ ـ بالأنعام ، البلوغ الى هذا البلد ، والاكثرية الساحقة من المكلفين بعيدون عنها ، لا يبلغونها إلّا بشق الأنفس ، لو لا الرواحل الماشية ، ولأن قاصديها فرضا وندبا كثير فقصدها غير يسير إلّا بشق الأنفس حتى للقريبين منها ، ثم القاطنون فيها قلة أمام الكثير الكثير من قاصديها ، وهم لهم شق الأنفس حين يقصدون الحج في رحلات الى منى وعرفات ، فالسفرات الشاقة الى هذا البلد اكثر من غيرها وأشد عودا وعددا لفرضها او ندبها دون سواها.
و «أثقالكم» هنا تعم الراكبين عليها بأثقالهم التي يحملونها زادا لأسفارهم ، وشق الأنفس هي إنصافها من عظم المشقة وبعد الشّقة ، حيث الشّق هو احد قسمي الشيء ، وكأن الأنفس تنشق منقسمة إلى شقين ، ام تنشق عن الأبدان كأنها ميتة ، استعارة لطيفة لعظم المشقة وبعد الشّقة ، او انه المشقة نفسها حيث تنصب وتدأب لبلوغ ذلك البلد.
وهنا لمحة لامعة ان ركوب الأنعام ليست إلا للرّكوب وحمل أثقال في السير ، ام أكل غير مرغوب كما يستفاد من آيات حلّه عموما وإطلاقا ف «إياكم ان تتخذوا ظهور دوابكم منابر فان الله إنما سخرها لكم لتبلغوا الى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ، وجعل لكم الأرض
__________________
(١) نور الثقلين ٣ : ٤٠ عن تفسير القمي في الآية قال : الى مكة و...
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3033_alfurqan-fi-tafsir-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
