والطائر يخفض جناحه لأفراخه تلطفا بها وتعطفا ، فلا يطير عنها وإن في أحرج الحالات وأهرج المجالات ، فمعناه هنا : ألن كنفك لهم ، ودم على لطفك بهم ما دمت وداموا ، تعبير عبير يمثل لطف الدعاية والرعاية ، وحسن المعاملة ورقة الجانب في صورة محسوسة وسيرة مدروسة ، لا تلفّت منها ، ولا تفلّت عنها لأنها قضية الرسالة السامية الحانية.
(وَاخْفِضْ جَناحَكَ) ايّ جناح ، وباي خفض يطمئن إليك المؤمنين ، الخائفين من بأس الكافرين. فلا يطير طيرك ، ولا يهفو حلمك ، ولا يطيش وقارك وقرارك ، بل كن بهم لطيفا رؤوفا رحيما كما كان (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) (٩ : ١٢٨) مع ما كان يرى من بعضهم من جفاوة ، فلم يكن يجابههم إلّا بكل حفاوة ، وحتى بالنسبة لغير المؤمنين علّهم يؤمنوا (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ..) (٣ : ١٥٩).
وهكذا كان معهم طيلة الحياة الرسالية دون اية فظاظة وغلظة وحتى بالنسبة لمن يستحقها! فضلا عن (مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)!.
(وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ)(٨٩).
و «اني انا» تأكيد في بعدين ، و (النَّذِيرُ الْمُبِينُ) محلى باللام كحصر النذارة فيه ام حصره في النذارة ، تأكيد ثالث ، كأن لا شأن له إلّا النذارة وهو شأن الداعية أمام الكل ، ثم هو بشير للمؤمنين.
وقد يعني «المبين» هنا اضافة الى إبانة الحق كما يحق ، إبانته لنذارته بدعوة جاهرة باهرة دون تقية وستار ، وكما تلمح له (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) انه كان في تضييق وتقية في اصل الدعوة بداية الرسالة.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3033_alfurqan-fi-tafsir-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
