فللخلق غاية لا بد وان ينتهي إليها وهو الساعة (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) لا محالة وإلّا لبطل الخلق وكان لعبة جارفة ظالمة ، مجازفة غير هادفة ، وجملة القول هنا ان الصنع الحكيم وصنع الحكيم لزامه الغاية الحكيمة ، فليس خلق السماوات والأرض وما بينهما دون غاية حكيمة ، ولنأخذ مثالا ماثلا لنا أنفسنا فاننا خلقنا في احسن تقويم ، فليكن في خلقنا وما خلق من أجلنا غاية حكيمة ، وهي هنا بطبيعة الحال التكامل بالاختيار ، ثم ليكن هناك حياة اخرى (لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى) لولاها لبطلت الغاية الأولى من السعي للكمال ، واختلت العدالة الإلهية التي من قضاياها الجزاء العدل!.
وهنا تقرير غرير في تصميم الكون كله ، أن لم يصاحب ذلك التصميم بخداع ام باطل سواه ، فأي باطل في الكائنات طارىء بسوء الاختيار ممن يسيء منهم ، وليس عنصرا أصيلا من عناصر التصميم في الخلق الاوّل.
فهنالك «الحق» كله في اصل الخلق ، في قوامة العناصر المتألّف منها ، والنواميس التي تحكمها ، دون فوضى او تزعزع واضطراب.
و «الحق» في التدبير ، تكوينا وتشريعا ، والحق في المسير والمصير ، وكلّ يظهر عند الساعة المصير ، (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ..).
فمهما خلط حق الخلق بباطل من بعض الخلق ففي الساعة يخلص الحق من الباطل ويقتص من اهل الباطل.
ف (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) والجزاء فيها لا محالة آت (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) ولا تك في ضيق مما يمكرون ، فلولا الساعة بعد الدنيا لكانت المكافاة هنا فرضا لزاما ، وعراكا دواما ، فزعزعة في الحياة ، وغصة دائبة ، إذ لا يسطع المظلومون ان ينتصروا من الظالمين ، وإذا الظلم لا يطاق و (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) حيث يدمر الظالمين قبل الساعة ، فالعدل
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3033_alfurqan-fi-tafsir-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
