وكان يصيح : لا مساس. وصار في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم ، ومن الوحشيّ النافر في البرّيّة. ويقال : إنّ قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم ، إن مسّ واحد من غيرهم واحدا منهم حمّ كلاهما في الوقت.
(وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً) في الآخرة (لَنْ تُخْلَفَهُ) لن يخلفك الله موعده الّذي وعدك على جزاء الشرك والفساد في الأرض ، ينجّزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا. فأنت ممّن خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين.
وقرأ ابن كثير والبصريّان بكسر اللام ، أي : لن تخلف الواعد إيّاه ، وسيأتيك لا محالة. فحذف المفعول الأوّل ، لأنّ المقصود هو الموعد. ويجوز أن يكون من : أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا.
(وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً) ظللت على عبادته مقيما. فحذف اللام الأولى تخفيفا. (لَنُحَرِّقَنَّهُ) أي : بالنار. وهذا يدلّ على أنّه كان حيوانا : لحما ودما.
أو لنبردنّه بالمبرد (١) ، من : حرق إذا برد. وهذا يدلّ على أنّه كان ذهبا وفضّة ، ولم يصر حيوانا. (ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ) لنذرينّه رمادا أو مبرودا (فِي الْيَمِّ نَسْفاً) ذريّا ، فلا يبقى منه شيء. من : نسفت الريح إذا ذرت (٢). وهذه عقوبة ثالثة. وهي إبطال ما افتتن (٣) به وفتن ، وإهدار سعيه. والمقصود من ذلك زيادة عقوبته ، وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر.
ثمّ أقبل موسى عليهالسلام على قومه فقال : (إِنَّما إِلهُكُمُ) المستحقّ لعبادتكم (اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) إذ لا أحد يماثله أو يدانيه في كمال العلم والقدرة (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً)
__________________
(١) المبرد : آلة البرد. وبرد الحديد : أخذ منه بالمبرد. وحرقه بالمبرد : برده.
(٢) ذرت الريح التراب : أطارته وفرّقته.
(٣) في هامش النسخة الخطّية : «افتتن الرجل : إذا اصابته فتنة ، فذهب ماله أو عقله. وكذلك : فتن. منه».
![زبدة التّفاسير [ ج ٤ ] زبدة التّفاسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1714_zubdat-altafasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
