صلف (١) واختيال باقتداره وقهره ، وما ألفه وضرى (٢) به من تعذيب الناس بأنواع العذاب ، وتوضيع لموسى وهزء به ، فإنّه لم يكن قطّ من التعذيب في شيء. وقيل : يريد ربّ موسى الّذي آمنوا به. (أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) وأدوم عقابا : أنا على إيمانكم ، أو موسى وربّه على ترككم الإيمان به.
(قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ) لن نختارك (عَلى ما جاءَنا) موسى به. ويجوز أن يكون الضمير فيه لـ «ما». (مِنَ الْبَيِّناتِ) من المعجزات الواضحات على صدق موسى وصحّة نبوّته (وَالَّذِي فَطَرَنا) عطف على «ما جاءنا» أو قسم ، أي : وعلى أنّه الّذي خلقنا ، أو نقسم به على أنّا لا نختارك على ما جاء به موسى وما ظهر لنا من الحقّ.
(فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ) قاضيه ، أي : صانعه على إتمام وإحكام ، فإنّا لا نرجع عن الإيمان (إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) إنّما تصنع ما تهواه ، أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا. وهو كالتعليل لما قبله ، والتمهيد لما بعده.
(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا) من الكفر والمعاصي (وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) من معارضة موسى.
روي أنّ السحرة ـ يعني : رؤوسهم ـ كانوا اثنين وسبعين ، اثنان من القبط ، وسائرهم من بني إسرائيل ، وكان فرعون أكرههم على تعلّم السحر. وكذا الملوك السالفين كانوا يجبرون الرعايا على تعلّم السحر ، لئلّا يخرج السحر من أيديهم.
روي أنّهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائما. ففعل فوجدوه تحرسه عصاه. فقالوا : ما هذا بسحر الساحر ، لأنّ الساحر إذا نام بطل سحره. فأبى فرعون إلّا أن يعارضوه ، فذلك إكراههم.
__________________
(١) صلف صلفا : تمدّح بما ليس فيه ، وادّعى فوق ذلك إعجابا وتكبّرا. والاختيال : التبختر والتكبّر.
(٢) ضرى بالشيء ، أي : تعوّده وأولع به.
![زبدة التّفاسير [ ج ٤ ] زبدة التّفاسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1714_zubdat-altafasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
