بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

الثاني : أبو سمينة محمّد بن علي الصيرفي

ويحسن بنا في المقام التعرّض إلى أبي سمينة محمّد بن علي الصيرفي الكوفي القرشي ، وإليك عرض لأهمّ ما قيل فيه :

أولاً : قد تقدّم أنّ الفضل بن شاذان قد عدّه من الكذّابين الستّة المشهورين ، وأضاف أبو سمينة أشهرهم.

ثانياً : قال الكشّي : «قال حمدويه عن بعض مشيخته : محمّد بن علي رُمي بالغلو ، قال نصر بن الصباح : محمّد بن علي الطاحي هو أبو سمينة».

ثالثاً : ما قال النجاشي : «محمّد بن علي بن إبراهيم بن موسى ، أبو جعفر القرشي ، مولاهم ، صيرفي ، ابن أخت خلّاد المُقري ، وهو خلّاد بن عيسى ، وكان يلقّب محمّد بن علي أبا سمينة ، ضعيف جدّاً ، فاسد الاعتقاد لا يُعتمد في شيء ، وكان ورد قم ، وقد اشتهر بالكذب بالكوفة ، ونزل على أحمد بن محمّد بن عيسى مدّة ، ثمّ تشهّر بالغلوّ ، فخفي وأخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قم ، وله قصة ، وله من الكتب كتاب الدلائل ، وكتاب الوصايا ، وكتاب العتق ، أخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد قال : حدثنا محمّد بن الحسن (الحسين) ، قال : قال حدثنا محمّد بن أبي القاسم ماجيلويه عنه في كتاب الدلائل ، وأخبرنا محمّد بن جعفر قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد قال : حدّثنا جعفر بن عبد الله المحمدي عنه بكتبه ، وكتاب تفسير (عمّ يتساءلون) وكتاب الآداب ، أخبرنا ابن شاذان قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى قال : حدّثنا أبي ، قال : حدّثنا محمّد بن أبي القاسم ماجيلويه عنه».

رابعاً : قال ابن الغضائري : «محمّد بن علي بن إبراهيم الصيرفي بن خلّاد

٣٠١

والمقري أبو جعفر ، الملقّب بأبي سمينة ، كوفي كذّاب غال ، دخل قم ، واشتهر أمره بها ، ونفاه أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري رحمه‌الله منها ، وكان شهيراً في الارتفاع لا يلتفت إليه ، ولا يكتب حديثه».

خامساً : ما قال الشيخ : «محمّد بن علي الصيرفي ، يكنّى أبا سمينة ، له كتب ، وقيل : إنّها مثل كتب الحسين بن سعيد ، أخبرنا بذلك جماعة عن أبي جعفر بن بابويه ، عن أبيه ومحمّد بن الحسن ومحمّد بن علي ماجيلويه ، عن محمّد بن أبي القاسم عنه ، إلّا ما كان فيها من تخليط ، أو غلوّ ، أو تدليس ، أو ينفرد به ولا يعرف من غير طريقه».

وعدّه كلّ من الشيخ والبرقي في أصحاب الإمام الرضا عليه‌السلام.

ثمّ إنّه يضاف على ما ذكرناه في محمّد بن سنان نقاط :

الأولى : إنّ أبا سمينة وقع في أربع طرق في مشيخة الصدوق ، واستدلّ في معجم الرجال بذلك على التغاير الواقع في تلك الطرق ، لأنّ الصدوق التزم أن لا يذكر في كتابه إلّا ما يعتمد عليه ويحكم بصحّته ، فلا يروي عمّن هو معروف بالكذب.

والصحيح هو ضعف دعوى التغاير جدّاً ، إذ قد أخرج الصدوق في الفقيه عن الضعفاء جدّاً ، أو عمّن طعن عليه بذلك ، مثل وهب بن وهب البختري ، وعمرو بن شمر ، وغيرهما ، أو بطريق فيه الضعفاء أو الضعفاء جداً ، مثل سلمة بن الخطّاب ، وأبي جميلة المفضّل بن صالح ، في طريقه إلى أبي اسامة زيد الشحّام وغيرهما.

وقد وقع أبو سمينة في طريق رواية إسحاق بن عمّار المعروفة (١) في من قصّر

__________________

(١). الوسائل : الباب ٣ من أبواب صلاة المسافر ، الحديث ١٠.

٣٠٢

ثمّ بدى له عدم السفر وقد اعتمدها الأصحاب.

وذكر المحقّق الحلّي في النكت أنّ الحديث حسن ، قد ذكره الشيخ الكليني وجماعة من أصحاب الحديث ، والتمسّك به ممكن ، وهو حجّة في نفسه.

الثانية : يظهر من طريق الشيخ في الفهرست تلقّي والرواية والقبول لكتب أبي سمينة من كلّ من الشيخ المفيد والصدوق ووالده وشيخه ابن الوليد ، وكذا بيت ماجيلويه ، حيث رووا كتبه عنه.

وكذا يظهر من طرق النجاشي قبول ورواية محمّد بن يحيى العطار ، شيخ الكليني لكتبه أيضاً.

وكذا يظهر القبول من الشيخ لتعبيره : «انّ كتبه قيل إنّها مثل كتب الحسين بن سعيد» وإن احتمل ارادته التشبيه من ناحية العدد.

الثالثة : يظهر من نزوله على أحمد بن محمّد بن عيسى في بداية أمره في قم مدّة ، وكذا من عدم قنوت ابن شاذان عليه ، وكذا من عدّ ابن شاذان له من الستة المشار إليهم ، أنّ وجه التضعيف هو ما رُمي به من الغلوّ والارتفاع ، كما صُرّح بذلك في الكلمات السابقة ، وقد تقدّم أنّه تَتَلْمَذ على محمّد بن سنان ، وكما عرفت في النقطة السابقة تلقّي بيت ماجيلويه القمّي ، وكبار محدّثي قم لكتبه ورواياته مع ذلك.

الرابعة : قد روى هو عن محمّد بن عيسى ، وإسماعيل بن مهران ، ويزيد بن إسحاق شعر ، ومحمّد بن الفضيل ، ومحسن بن أحمد ، وعثمان بن أحمد بن عبد الله أبي عمرو ، وعثمان بن عيسى ، وعلي بن حمّاد ، ومحمّد بن عبد الله الخراساني خادم الرضا عليه‌السلام ، وحمّاد بن عيسى ، وطاهر بن حاتم بن ماهويه ، الحكم بن مسكين ، وأبي جميلة المفضّل بن صالح.

٣٠٣

وروى عنه محمّد بن أبي القاسم (بُندار ماجيلويه) ، وأحمد بن أبي عبد الله (محمّد بن خالد) البرقي ، وأبي إسحاق إبراهيم بن سليمان الخزّاز ، وعبد الكريم بن عبد الرحيم ، وأحمد بن حمزة القمي ، ومحمّد بن أحمد بن داود ، ومحمّد بن أبي القاسم البرقي.

وقد وقع في عدّة طرق من مشيخة الفقيه :

١. إلى أبي الجارود ، روى محمّد بن أبي القاسم عنه ، عن محمّد بن سنان.

٢. إلى الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني ، فقد رواه الصدوق عن محمّد بن أبي القاسم عنه ، عن إسماعيل بن مهران.

٣. إلى أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال ، فقد رواه عن محمّد بن أبي القاسم عنه ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم ، عن أبي خديجة.

٤. إلى عبد الحميد الأزدي ، فقد رواه عن محمّد بن أبي القاسم عنه ، عن إسماعيل بن بشار.

٥. إلى هارون بن خارجة ، فقد رواه عن أحمد بن أبي عبد الله عنه ، عن عثمان بن عيسى.

٦. إلى إبراهيم بن سفيان ، وعلي بن محمّد الحضيني ، ومحمّد بن سنان ، فقد رواه عن محمّد بن أبي القاسم عنه ، عن محمّد بن سنان.

والحاصل : إنّ أبا سمينة ليس من الضعف بمكان كما هو معروف في الكلمات ، وإنّما فتح باب الطعن عليه ما ذكرناه في ترجمة محمّد بن سنان ، وإن لم يكن هو بمنزلته ، والمتتبّع لرواياته في كتاب توحيد الصدوق ، أو اصول الكافي في المعارف ، يراها أنّها اشتملت على أجلّ وأدقّ المطالب.

٣٠٤

وما ذكرناه في محمّد بن سنان وأبي سمينة ، يُعلم الحال في أمثالهم ممّن يُرمى بالضعف والكذب من جهة الغلوّ ، كسهل بن زياد ، والمفضّل بن عمر ، ومحمّد بن أورمة وغيرهم.

٣٠٥

الأمر السابع

حكم الروايات المضمرة

وهو أن يُضمر الراوي ولا يفصح عن اسم المعصوم عليه‌السلام فيسند القول إلى الضمير ، كأن يقول : قال ... ، أو سألته ... ، أو كتب إليّ .. ، ونحو ذلك.

واختلفت الكلمات في المضمرات ، فبين طارح لها عن الاعتبار حتّى في مثل سماعة بن مهران ، وعلي بن جعفر ونحوهما ، وبين مفصّل بين كبار الرواة كزرارة ، وأبي بصير ، ومحمّد بن مسلم ممّن لا يروي عن غير المعصوم عليه‌السلام إلّا نادراً ، ومن يروي تارة عن المعصوم عليه‌السلام وأخرى عن غيره ككثير من الرواة. والصحيح ما أشار إليه صاحب الحدائق رحمه‌الله ، من أنّ من الرواة يبتدأ في صدر كتابه بإسناد القول إلى المعصوم ، ثمّ يعطف بقية الروايات معتمداً على الإسناد الأوّل ، أو أنّه يبتدأ في صدر الفصل بذلك ، ثمّ يعطف عليه مضمراً في الروايات اللاحقة ، أو إنّه يصرّح باسمه عليه‌السلام بين كلّ مجموعة من الروايات ، لا سيّما إذا اختلف المعصوم الذي يروي عنه ، وعند ما يقع كتابه أو أصله عند أصحاب الكتب والمجاميع الروائية المتأخّرة ومَن في طبقتهم يقومون بتوزيع رواياته على الأبواب فتظهر بصورة المضمرة من دون مرجع الضمير ، ويتبيّن ذلك جليّاً لمن راجع كتاب مسائل علي بن جعفر وكذلك الحال في كثير من روايات سُماعة.

بل الذي يقف عليه المتتبّع في الروايات أنّ متوسّطي الرواة ممّن أدمن وأكثر الرواية فضلاً عن كبارهم لا يضمرون من دون قرينة ، بنحو يجعلون المرجع شيئاً

٣٠٦

مطلقاً ، إلّا ويريدون المعصوم عليه‌السلام منه ، وإن كانوا يروون عن المعصوم بالواسطة كثيراً ويروون عنه عليه‌السلام مباشرة قليلاً.

وعليه فما لم تكن هناك قرينة في البين على إرادة أحد الرواة فإنّ المتعيّن في استعمالهم إرادة المعصوم عليه‌السلام.

ثمّ إنّ تلك القرائن قد تكون تميّز أحد شيوخ الرواية بالفتوى في مسألة معيّنة كزرارة في الاستطاعة والقدرة والاختيار ، واشتهار المجادلة معه فيها ، أو التصريح في طرق أخرى بأنّ هذا رأيه وقوله الذي استنبطه كعبد الله بن بُكير في عدّة الطلاق ، أو انعدام رواية هذا الراوي عن المعصوم كعبد الله بن مسكان ، كما قيل ، واختصاص تلمّذه بأحد شيخ الرواية كما هو الحال في العلاء بن رزين مع شيخه محمّد بن مسلم ، فيكون شاهد حال على إرادة شيخه من الضمير ونحو ذلك من القرائن.

٣٠٧

الأمر الثامن

تحقيق الحال في رجال الغضائري

المعروف بكتاب الضعف وهو الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري أبي الحسين أحمد بن أبي عبد الله الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم الغضائري ، وقد حكى في قاموس الرجال (١) عن الشهيد الثاني قوله : «إنّه للحسين بن عبيد الله الغضائري دون ابنه أحمد» ، حاكياً له عن إجازة الشهيد الثاني لوالد الشيخ البهائي ، كما في البحار (٢).

وقد اختلفت كلمات الأصحاب فيه ، فمنهم من ينفي أصل نسبة الكتاب إليه ، ومنهم من يثبتها ، فذهب المحقّق الآغا بزرگ الطهراني إلى القول الأوّل (٣) وذكر ما ملخّصه : «إنّ أوّل من وجده هو السيّد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاوس الحسيني الحلّي ، المتوفّى سنة (٦٧٣) ، فأدرجه في كتابه حلّ الإشكال في معرفة الرجال) الذي ألّفه سنة (٦٤٤) وجمع فيه عبارات الكتب الخمسة الرجاليّة ، وأنّ له إلى الجميع روايات متّصلة عدا كتاب ابن الغضائري ، ثمّ تبعه في ذلك تلميذيه العلّامة في الخلاصة ، وابن داود في رجاله ، ثمّ قال : إنّ المتأخّرين عن العلّامة وابن داود ينقلون عنها ، إذ نُسخة الضعفاء التي وجدها السيّد

__________________

(١). قاموس الرجال ١ / ٤٥.

(٢) بحار الأنوار ١٠٨ / ١٦٠.

(٣). الذريعة ٤ / ٣٨٨ ، في ذيل ترجمة تفسير العسكري عليه‌السلام.

٣٠٨

ابن طاوس قد انقطع خبرها ، واستظهر هو من عبارة ابن طاوس أنّه يتبرّأ من عهدة صحّة نسبة الكتاب ، لا سيّما بضميمة القاعدة التي ذكرها في أوّل كتابه من الركون إلى التعديل من دون معارض ، وعدم السكون إلى الجرح من دون معارض ، وكتاب حلّ الإشكال بقي إلى سنة نيّف وألف ، فكان عند الشهيد الثاني ، كما في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد ، ثمّ انتقل إلى ابن صاحب المعالم فاستخرج منه كتابه الموسوم بالتحرير الطاووسي ، ثمّ وقعت تلك النسخة بعينها عند المولى عبد الله التستري المتوفّى (١٠٢١) فاستخرج منها خصوص عبارات كتاب الضعفاء ، ثمّ وزّع تلميذه المولى عناية الله القهبائي تمام ما استخرجه استاذه في كتابه مجمع الرجال المشتمل على الأصول الخمسة ـ إلى أن قال ـ إنّ ابن الغضائري وإن كان من الأجلّاء المعتمدين ، ومن نظراء شيخ الطائفة والنجاشي ، وكانا مصاحبين معه ومطّلعين على آرائه وأقواله ، وينقلان عنه أقواله في كتابيهما ، إلّا أنّ نسبة كتاب الضعفاء هذا إليه ممّا لم نجد له أصلاً ، ويحقّ لنا أن نُنزّه ابن الغضائري عن هذا الكتاب ، والاقتحام في هتك هؤلاء المشاهير بالعفاف والتقوى والصلاح ، المذكورين في الكتاب ، والمطعونين بأنواع الجراح ، بل جملة من جراحات سارية إلى المبرّئين من العيوب. ثمّ ذكر شواهد تخطئة الطعن في المفسّر الأسترابادي الراوي لتفسير العسكري عليه‌السلام.

ثمّ قال : كلّ ذلك قرائن تدلّنا على أنّ هذا الكتاب ليس من تأليفه ، وإنّما ألّفه بعض المعاندين للاثني عشريّة ، المحبّين لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، وأدرج فيه بعض الأقوال التي نسبها الشيخ والنجاشي في كتابيهما إلى ابن الغضائري ، ليتمكّن من النسبة إليه ، وليروّج منه ما أدرجه فيه من الأكاذيب والمفتريات. ـ الى أن قال ـ : وما ذكرناه هو الوجه للسيرة الجارية بين الأصحاب قديماً وحديثاً ،

٣٠٩

من عدم الاعتناء بما تفرّد به ابن الغضائري من الجرح ، فإنّ ذلك لعدم ثبوت الجرح منه ، لا لعدم قبول الجرح عنه ، كما ينسبق ذلك إلى بعض الأذهان» انتهى.

وتابعه على ذلك جماعة منهم السيّد الخوئي في مقدّمة معجم الرجال.

لكن الذي يظهر من تضاعيف كتاب المعجم أنّه يعتمد عليه في موارد ، سواء في تمييز المشتركات أو في جمع القرائن في ترجمة المفردات.

وممّن ذهب إلى اعتماد الكتاب المحقّق التستري في مقدّمة كتابه قاموس الرجال واعتبره من مَهَرة الجرح ، وقال عنه : «قد اختلف فيه : فقال الشهيد الثاني : إنّه للحسين بن عبيد الله الغضائري دون ابنه أحمد ، واستند في ذلك إلى قول الخلاصة في عنوان سهل الآدمي : ذكر ذلك أحمد بن علي بن نوح ، وأحمد بن الحسين.

وقال ابن الغضائري : إنّه كان ضعيفاً ، قال : عطفه ابن الغضائري على أحمد بن الحسين يدلّ على أنّه غيره.

قلت : إنّه لم يتفطّن لقاعدة العلّامة في كتابه ، فإنّ قوله : ذكر ذلك أحمد بن علي بن نوح ، وأحمد بن الحسين عين عبارة النجاشي ، عبّر به ، كما هو دأبه في تعبيره بعين عبارات أئمّة الرجال ، كما قلنا.

وقوله : وقال ابن الغضائري ، نقلٌ منه عن ذاك الكتاب ، سواء كان للأب أو الابن. ويشهد أنّ الكتاب للابن : إنّ فيه في عنوان المفضّل بن صالح حدّثنا أحمد بن عبد الواحد ، قال : حدّثنا علي بن محمّد بن الزبير ، قال : حدّثنا علي بن الحسين بن فضّال.

وقد قال النجاشي في عنوان علي بن فضّال : قرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة

٣١٠

والزكاة ومناسك الحج والصيام والطلاق والنكاح والزهد والجنائز والمواعظ والوصايا والفرائض والمتعة والرجال على أحمد بن عبد الواحد في مدّة سمعتها معه ، وأيضاً أحمد بن عبد الواحد ـ وهو ابن عبدون ـ في طبقة الحسين بن عبيد الله ، وكلاهما من مشايخ الشيخ والنجاشي ، فلا يروي الحسين عنه ، وإنّما تصحّ رواية أحمد ـ الذي في طبقة الشيخ والنجاشي ـ عنه ، كما عرفت من عبارة النجاشي» (١). انتهى.

وقال في موضع آخر من المقدّمة : «وأمّا كتاب ابن الغضائري وإن اشتهر من عصر المجلسي عدم العبرة به ، لأنّه يتسرّع إلى جرح الأجلّة ، إلّا أنّه كلام قشري ، ولم أر مثله في دقّة نظره ، ويكفيه اعتماد مثل النجاشي ـ الذي عندهم هو أضبط أهل الرجال ـ عليه ، وممّا استند إليه في (خيبري) ، وقد عرفت من الشيخ أنّه :

أوّل من ألّف فهرستاً كاملاً في مصنّفات الشيعة واصولهم.

فتقدُّمُ قول الشيخ والنجاشي عليه غير معلوم ، وقد كان العلّامة في الخلاصة ـ في مقام التعارض ـ يقدّم قول النجاشي لو لم يكن له تردّد ، وكان ابن الغضائري اقتصر على التضعيف بدون ذكر فساد المذهب ، كما في إبراهيم بن عمر اليماني ، وإلّا فيقدّم قول ابن الغضائري ، كما في عبد الله ابن أيّوب ، وقد دلّلنا في بكر بن صالح على سلامته بالقرائن ، وإن طعن فيه ابن الغضائري وتبعه فيه النجاشي» (٢).

وقال في موضع ثالث : «وأكثر القدماء طعناً بالغلوّ ابن الغضائري ، وشهّر المتأخّرون إنّه يتسرّع إلى الجرح ، فلا عدة بطعونه. مع أنّ الذي وجدنا بالسبر في

__________________

(١) قاموس الرجال ١ / ٤٥.

(٢) قاموس الرجال ١ / ٥٥.

٣١١

الذين وقفنا على كتبهم ممّن طعن فيهم ـ ككتاب استغاثة علي بن أحمد الكوفي ، وكتاب تفسير محمّد بن القاسم الأسترابادي ، وكذلك كتاب الحسن بن عباس بن حريش على نقل الكافي تسعة من أخباره في باب شأن (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) ـ أنّ الأمر كما ذكر ، والرجل نقّاد ، وقد قوّى ممّن ضعفه القميّون جمعاً ، كأحمد بن الحسين بن سعيد ، والحسين بن شاذويه ، والزيدين ـ الزرّاد والنرسي ـ ، ومحمّد بن اورمة ، بأنّه رأى كتبهم وأحاديثهم صحيحة» (١).

أقول : وفي تصحيحه لطعون ابن الغضائري بالغلوّ نظر ، كما عرفت في حال التفسير المنسوب للعسكري عليه‌السلام ، وما سيأتي في الأمر العاشر في مصطلح الغالي.

وممّن لم يعتدّ بطعونه بسبب التسرّع الوحيد البهبهاني في فوائده ، في الفائدة التي تعرّض فيها لألفاظ الجرح ، كالرمي بالغلوّ.

وممّن لم يعتمده في التضعيف أيضاً الميرداماد في الرواشح السماوية حيث قال بعد ذكر نبذة في ترجمة ابن الغضائري : «والسيّد المعظّم المكرّم جمال الدين أحمد بن محمّد بن طاوس قال في كتابه في الجمع بين كتب الرجال والاستطراف منها : وذكر بعض المتأخّرين أنّه رأى بخطّه عند نقله عن ابن الغضائري ما هذه عبارته : «من كتاب الحسين أحمد بن الحسين ابن عُبيد الله بن إبراهيم الغضائري ، المقصور على ذكر الضعفاء والمرتّب على حروف المعجم».

ثمّ في آخر ما استطرفه في كتابه قال : «أقول إنّ أحمد بن الحسين على ما يظهر لي هو ابن الحسين بن عُبيد الله الغضائري رحمه‌الله ، فهذا الكتاب المعروف لأبي الحسين أحمد.

__________________

(١) قاموس الرجال ١ / ٦٧.

٣١٢

وأمّا أبوه الحسين أبو عبد الله شيخ الطائفة فتلميذاه النجاشي والشيخ ذكرا كتبه وتصانيفه ، ولم ينسبا إليه كتاباً في الرجال ، وإنّما كلامهما وكلام غيرهما إنّه كثير السماع عارفاً بالرجال.

وبالجملة لم يبلغني إلى الآن عن أحد من الأصحاب أنّ له في الرجال كتاباً ، ثمّ إنّ أحمد بن الحسين ابن الغضائري صاحب كتاب الرجال هذا مع أنّه في الأكثر مسارع إلى التضعيف بأدنى سبب» (١).

أقول : قد تقدّم أنّ المحقّق الطهراني قد نسب مقولة بعض المتأخّرين إلى المولى عبد الله التستري ، ولكن عبارة الميرداماد توهم أنّ الحاكي عن بعض المتأخّرين هو ابن طاوس ، فتدبّر.

وممّن لم يعتدّ به أيضاً صاحب المعالم ، الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني ، حيث قال في مقدّمة كتاب التحرير الطاووسي المستخرج في كتاب حلّ الإشكال في معرفة الرجال للسيّد أحمد بن طاوس «ورأيت بعد التأمّل أنّ المهمّ منه هو تحرير كتاب الاختيار ، حيث إنّ السيّد رحمه‌الله جمع في الكتاب عدّة كتب من كتب الرجال بعد تلخيصه لها ، ولمّا كان أكثر تلك الكتب منقّحاً محرّراً اقتصر فيها على مجرّد الجمع فيمكن الاستغناء عنها بأصل الكتب ، لأنّ ما عدا كتاب ابن الغضائري منها موجود في هذا الزمان ، بلطف الله سبحانه ومنّه ، والحاجة إلى كتاب ابن الغضائري قليلة ، لأنّه مقصود على ذكر الضعفاء».

ثمّ قال : «قال السيّد رحمه‌الله في أثناء خطبة الكتاب : وقد عزمت على أن أجمع في كتابي هذا أسماء الرجال المصنّفين وغيرهم ممّن قيل فيه مدح أو قدح ، وقد ألمّ

__________________

(١) الرواشح السماوية / السيّد الميرداماد : الراشحة الخامسة والثلاثون.

٣١٣

بغير ذلك من كتب خمسة ، كتاب الرجال لشيخنا أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي رضى الله عنه ، وكتاب فهرست المصنّفين له ، وكتاب اختيار الرجال من كتاب الكشّي أبي عمرو محمّد بن عبد العزيز له ، وكتاب أبي الحسين أحمد بن العبّاس النجاشي الأسدي ، وكتاب أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري في ذكر الضعفاء خاصّة ، رحمهم‌الله تعالى جميعاً ... ولي بالجميع روايات متّصلة ، عدا كتاب ابن الغضائري» (١).

وللخروج بصورة واضحة عن الكتاب والمؤلّف نشير إلى النقاط التالية :

النقطة الأولى : قال الشيخ في مقدّمة الفهرست : «أمّا بعد ، فإنّي لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرست كتب أصحابنا ، وما صنّفوه من التصانيف ، ورووه من الأصول ، لم أجد أحداً استوفى ذلك ، ولا ذكر أكثره ، بل كلّ منهم كان غرضه أن يذكر ما اختصّ بروايته ، وأحاطت به خزانته من الكتب ، ولم يتعرّض أحد منهم لاستيفاء جميعه ، إلّا ما قصده أبو الحسن أحمد بن الحسين بن عبيد الله رحمه‌الله ، فإنّه عمل كتابين أحدهما ذكر فيه المصنّفات ، والآخر ذكر فيه الأصول واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه ، غير أنّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا ، واخترم هو رحمه‌الله ، وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين ، وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه».

واستظهر البعض كالمحقّق الطهراني من عبارة الشيخ هذه فقدان كتبه ، وأنّ ما عثر عليه ابن طاوس من نسخة الكتاب موضوعة على المؤلّف ، لا سيّما وأنّ ابن طاوس صرّح إنّه ليس له رواية متّصلة به.

__________________

(١) التحرير الطاووسي : ٢٣ ـ ٢٥ ، طبعة دار الذخائر.

٣١٤

أقول : إنّ ذيل عبارة الشيخ ظاهرة في تمريض ذلك ، حيث نسبه إلى الحكاية ، كما أنّه يظهر من عبارة الشيخ أنّ أحمد بن الحسين من شيوخ الطائفة وأصحاب التصانيف ، كما يظهر منها أنّ وفاته قبل سنّ الأربعين ، لأنّه معنى الاخترام ، كما في الحديث ، ويظهر من عبارته كذلك أنّ كون ابن الغضائري قد عمل بتصنيف كتابين أمرٌ محقّق.

النقطة الثانية : إنّ النجاشي قد ذكر ابن الغضائري في مواضع من كتابه :

منها : في عنوان أحمد بن الحسين ابن عمر حيث ذكر فيه : «له كتب لا يُعرف منها إلّا النوادر ، قرأته أنا وأحمد بن الحسين رحمه‌الله على أبيه ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ... وقال : أحمد بن الحسين رحمه‌الله : له كتاب في الإمامة ، أخبرنا به أبي عن العطّار ، عن أبيه ، عن أحمد بن أبي زاهر ، عن أحمد بن الحسين به».

ومؤدّى عبارته هذه أنّ ابن الغضائري شريكه في القراءة على أبيه ، وهو أيضاً شيخ الرواية له في طرق لكتب أخرى.

ومنها : ما ذكره في عنوان خيبريّ بن علي ، حيث قال : «الطحّان كوفي ، ضعيف في مذهبه ، ذكر ذلك أحمد بن الحسين ، يقال في مذهبه ارتفاع».

ومؤدّى هذه العبارة أنّ ابن الغضائري يُنقل عنه في باب الجرح والتعديل في الرجال ، وإن نقل النجاشي عنه يدلّ على تتلمذه عليه ، ويحتمل نقله عن كتابه أيضاً ، لأنّ ديدن النجاشي في كتابه النقل عن مشايخه في الجرح والتعديل.

ومنها : ما ذكره في عنوان علي بن الحسن بن فضّال ، حيث قال : «وذكر أحمد بن الحسين رحمه‌الله أنّه رأى نسخة أخرجها أبو جعفر ابن بابويه ، وقال : حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن اسحاق الطالقاني ، قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد ،

٣١٥

قال : حدّثنا علي بن الحسن بن فضّال ، عن أبيه عن الرضا عليه‌السلام ، ولا يعرف الكوفيّون هذه النسخة ، ولا رويت من غير هذا الطريق».

وقال في العنوان نفسه : «وقرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة والزكاة ... والرجال على أحمد بن عبد الواحد في مدّة سمعتها معه».

ويظهر من هاتين العبارتين اشتراك النجاشي معه في القراءة على والده وعلى ابن عبدون.

ومنها : ما في عنوان علي بن محمّد بن شيران أبو الحسن الأبلّي ، كان أصله من كازرون ، سكن أبوه ابلّة ، شيخ من أصحابنا ، ثقة صدوق ، له كتاب الأشربة ، وذكر ما حُلّل منها وما حُرّم ، مات سنة (٤١٠) رحمه‌الله وكنّا نجتمع معه عند أحمد بن الحسين».

واستظهر من هذه العبارة أنّ أبا الحسين أحمد من مشايخ النجاشي ، إذ اجتماعهما عنده ليس إلّا للاستفادة ، ومن ثَمّ عدّه العلّامة بحر العلوم في الفوائد الرجاليّة أنّه في مشايخ النجاشي كوالده ، ولكنّه يشكل هنا الاستظهار بأنّ مجرّد الاجتماع عنده لا يدلّ على ذلك ، بل الأحرى ضمّ ذلك مع ما نقلناه عنه في ترجمة علي بن الحسن بن فضّال (العبارة الأولى المتقدّمة) حيث إنّ صريحها أنّه كان من مشايخ الرواية للنجاشي.

النقطة الثالثة : المعروف من تاريخ نُسخ هذا الكتاب هو ما قدّمنا نقله من عبارة المحقّق الطهراني في الذريعة ، ولكن الذي يظهر من تصفّح كتاب نقد الرجال للسيد التفريشي أنّه ينقل من رجال الغضائري متوناً ليست موجودة في الخلاصة ، ورجال ابن داود ، وفي بعض الموارد تراه يُخطّئ ما ينقله ابن داود

٣١٦

عن كتاب الغضائري ، بل في موارد عديدة يزيد على ما يذكره القهبائي المعاصر له في مجمع الرجال ، ويظهر من ذلك ومن موارد أخرى أنّ النسخة التي كانت بحوزة السيّد التفريشي أصحّ وأوسع ممّا كانت لدى القهبائي ، لا سيّما وأنّ التفريشي متقدّم رتبة على القهبائي وإن عاصره ، وقد تقدّمت عبارة الميرداماد في الرواشح ، حيث حكى عبارة السيّد ابن طاوس عن نسخة كتاب الرجال لابن الغضائري ، وكذا تقدّمت عبارة صاحب العالم في التحرير الطاووسي ، حيث حكى عبارة أخرى للسيّد ابن طاوس ، وهي التي أشار إليها الآغا بزرگ المحقّق الطهراني رحمه‌الله.

النقطة الرابعة : لم نعثر بحسب التتبّع المحدود غير المستقصى على ذكر لكتاب الرجال لابن الغضائري في إجازات المتأخّرين ، ولا متأخّري المتأخّرين ، كما لم يُشر أحد إلى عثوره على ذلك ، وقد عرفتَ أنّ السيّد ابن طاوس قد صرّح بعدم الرواية المتّصلة له بذلك.

وخلاصة ما تقدّم : إنّ نسخة الكتاب ليس لها سند متّصل ، وهذا ممّا يضعف الوثوق بها ، إلّا أنّه بحسب التتبّع يظهر منه إحاطة المؤلّف بأحوال الرجال وخصوصياتهم ، وان كانت آراؤه الرجاليّة فيها نحو تسرّع ، كما ذكر ذلك الميرداماد ، إلّا أنّ الموادّ التي يذكرها في التراجم لا تخلو من فائدة ، ولو بحسب مسلك تجميع القرائن لتحصيل الاطمئنان ، ومن ثمّ أولاها الرجاليّون من متأخّري الأعصار نحو اهتمام ، وأدمنوا ذكر أقواله.

٣١٧

الأمر التاسع

الفرق بين فهرست ورجال الشيخ ورجال النجاشي

وممّا لا شكّ فيه أهميّة هذه التفرقة في مقام الجرح والتعديل ، وفي مقام الترجيح عند التعارض في القرائن المستفادة من كلام كلّ منهما.

وقد ذكرت عدّة فروق بينهما :

الأوّل : إنّ فهرست الشيخ متقدّم في التصنيف زمناً ، ومن ثمّ لم يتعرض إلى كتاب النجاشي ، بينما تعرض النجاشي لفهرست كتاب الشيخ ، ولذا قيل : إنّ التتبّع والمقارنة بينهما في كثير من المفردات يستفاد منه أنّ النجاشي قد وضع كتابه استدراكاً لفهرست الشيخ.

الثاني : إنّ كتاب النجاشي اشتمل على كلّ مِن ترجمة كتب صاحب العنوان ، وعلى ذكر طرف من كنيته ولقبه ومنزله ونسبه وما قاله مشايخه فيه ، بينما اقتصر الشيخ على ترجمة كتب صاحب العنوان ، وذكر ما قيل فيه من التعديل والترجيح من دون إبرام.

الثالث : إنّ النجاشي قد اختصّ بهذا الفن ، ومن ثمّ كانت له كتب أخرى في الأنساب ونحوها ، بخلاف الشيخ فقد يقع منه وهم في النسب ، كما في أبي غالب الزراري.

الرابع : إنّ الشيخ قد اعتمد على فهرست ابن النديم كثيراً ، وكذا اعتمد على

٣١٨

رجال الكشّي ، بخلاف النجاشي ، فلم يعتمد على الأوّل ، وأقلّ الأخذ من الثاني ، وقد قال هو في ترجمة الكشّي : له كتاب الرجال ، كثير العلم ، فيه أغلاط كثيرة.

الخامس : إنّ الشيخ قد يكرّر في ترجمة بعض المفردات ، لا سيّما في كتاب الرجال ، بخلاف النجاشي فإنّه قلّما يُكرّر.

السادس : إنّ الشيخ حيث كان ملمّاً بعلوم متعدّدة من الفقه والكلام والحديث والتفسير وأصول الفقه وغيرها ، بل وكان صاحب فُتيا واجتهاد ، بخلاف النجاشي فإنّه كان دون مستوى الشيخ في ذلك ، فسبّب ذلك عدم متابعة الشيخ لآراء مشايخه في الجرح والتعديل ، بل أعمل اجتهاده في مناشئ الجرح والتعديل بخلاف النجاشي.

السابع : المعروف في الكلمات تقديم قول النجاشي ، معلّلين بأنّه أضبط وأعرف وأثبت (١) ، وقد قال السيّد العلّامة بحر العلوم في رجاله عن النجاشي : «أحد المشايخ الثقات ، والعدول والإثبات ، من أعظم أركان الجرح والتعديل ، وأعلم علماء هذا السبيل ، أجمع علماؤنا على الاعتماد عليه ، وأطبقوا على الاستناد في الأحوال الرجاليّة إليه ، وبتقديمه صرّح جماعة من الأصحاب ، نظراً إلى كتابه الذي لا نظير له في هذا الباب» (٢).

وقال المحقّق التستري : «بل قد يقدّم قول الشيخ بشهادة القرائن على قول النجاشي والكشّي معاً ، كما في إسماعيل بن جابر فوصفاه بالجُعفي ، ووصفه بالخثعمي ، وهو الصواب ، وإنّما الجُعفي إسماعيل بن عبد الرحمن».

__________________

(١). مسالك الأفهام ٧ / ٤٦٧ ، الطبعة الحديثة.

(٢) الفوائد الرجاليّة ٢ / ٢٥٠.

٣١٩

ومع أنّ النجاشي متخصّص في الأنساب ، وقد ألّف كتاباً في أنساب بني نصر بن قعين ، وأيّامهم وأشعارهم ، ليس أيضاً قوله مقدّماً على قول الشيخ مطلقاً ، فسيأتي في أبان بن تغلب أنّ الصواب قول الشيخ : «إنّه مولى بني جرير بن عباد بن ضبيعة» دون قول النجاشي : «ابن عبادة بن ضبيعة» ، وفي أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع أنّ الصواب قول الشيخ : «من ولد عُبيد بن عازب» ، دون قول النجاشي : «ابن عبيد بن عازب» ، وسيأتي في إسماعيل بن الفضل أنّ الصواب قول الشيخ في نسبه ، دون قول النجاشي» (١).

إلّا أنّه قال مع ذلك : «إنّ النجاشي أضبط من الشيخ نوعاً ، إلّا أنّه لا يحكم بتقدّم قوله على قول الشيخ مطلقاً بل يجب رعاية القرائن» (٢).

أقول : والحاصل من النقاط السابقة أنّ المدار في تقديم قول أحدهما على الآخر هو إمّا الترجيح بالقرائن ، وهو يعني مسلك الاستنباط والاجتهاد الرجالي ، والذي عبّرنا عنه في الفصل الأوّل عند استعراض وجوه حجّية قول الرجالي بمسلك تحصيل الاطمينان بتراكم القرائن ، وتعيين درجتها كمّاً وكيفاً ، مع ملاحظة الكسر والانكسار بينها ، أي جهات التضعيف والتقوية ، وهو عمدة وديدن روّاد هذا الفن. وإمّا التفصيل في التقديم.

فوجهه : أنّ النجاشي قد امتاز بموارد هو أضبط فيها ، كالنسب وتميز المشتركات ولواحقها ، وهكذا الشيخ في جهات أخرى ، لأجل امتيازات هو مقدّم فيها كمباني الجرح والتعديل ، وهذا التفصيل في التقديم مبنيّ على الأخذ بقول الرجالي من باب أهل الخبرة.

__________________

(١) قاموس الرجال ١ / ٥٤.

(٢) قاموس الرجال / التستري ١ / ٥٣.

٣٢٠