بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

«اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر روايتهم عنّا» ، وفي رواية أخرى : «منازل الرجال على قدر دراية الرواية ...».

الرابعة : نتاجه العلمي من الكتب المؤلفة ، ونحو تلقّي الأصحاب لها ، واشتهارها بينهم ، ويندرج في هذه النقطة إحصاء عدد رواياته في كتب الحديث.

الخامسة : مراجعة حال المفردة في كتب العامّة الرجاليّة ، فإنّه يلقى كثيراً من الضوء على الموقع العلمي ، وحال المفردة في الانتماء إلى المذهب ، مضافاً إلى مراجعة وقوع تلك المفردة في طرقهم أيضاً ، وكذا مراجعة كتب التراجم كتاريخ بغداد للخطيب وتاريخ دمشق لابن عساكر ونحو ذلك.

السادسة : مراجعة سائر المصادر الرجاليّة الأخرى لدى الأصحاب ، واستقصائها ، وكذا ما كتب بيراعاتهم الشريفة بعنوان الفوائد الرجاليّة الرجاليّة ، فإنّ فيها من التحقيقات الجمّة ما لو جُمعت في كتاب مبوّب بحسب المفردات لكان حافلاً بالشوارد والنكات المتعدّدة حول المفردة الواحدة ، ولا يخفى في صدارة هذه الفوائد كتاب الميرزا النوري في خاتمة المستدرك ، وكذلك ما هو المبثوث من التحقيقات في المفردات من كتاب الذريعة.

السابعة : إعمال سلسلة من التحليلات حول المفردة ، من خلال ضبط ومقارنة التاريخ الذي عاشت فيه ، والانتماء المدرسي ، سواء في المدارس الفقهية داخل الطائفة ، أو الكلامية أو التفسيرية وغيرها ، ومن خلال علائق شيوخ الرواية ، ومن يُدمِن معاشرتهم علمياً ، والأبواب الروائية التي يُدمن روايتها ، ومواقف المفردة المنعكسة من خلال بعض الأجوبة المأثورة عنها في أحداث ووقائع معيّنة ، فإنّ رسم المفاد التحليلي للمواد المجموعة عن المفردة من خلال النقاط السابقة بنحو منسجم ملائم كفيل بإعطاء الصورة الواضحة عنها.

١٨١

كما أنّه لا يخفى أنّ عناصر التوثيق العامّة والخاصّة التي ذكرناها في الفصل السابق لا بدّ من ضمّها وإعطاء المفاد التحليلي لها المؤثّر في الاطّلاع على الدرجة العلميّة والاجتماعيّة وموقع المفردة في الطائفة ، وبهذه الرويّة التحليلية يكون الباحث الرجالي قد أعمل المنهج التحليلي لدى الباحث التاريخي ، وهذا في غاية الأهمّية بعد تجميع المواد حول المفردة ، وإلّا لعادت الموادّ والقرائن المجموعة عنها نكات مبعثرة متوزّعة كقصاصات مقتطعة ، غير مجتمعة فلا ترسم صورة واضحة عن المفردة.

وبهذه النقطة تندفع كثير من الإشكالات التي طابعها الجمود وعدم استنطاق القرائن والموادّ المختصّة بالمفردة ، يستشرف الباحث على حقيقة الجرح والتعديل والطعون المثارة حول المفردة ، وترجيح أيّ منها وموضوعيّتها.

وقد اعتمد هذا المنهج كتاب تنقيح المقال ، وقاموس الرجال ، حيث غلب عليهما هذا المنهج

المنهج الثاني : نظرية الطبقات

وهي كما قدّمنا في الفصول السابقة تشترك مع نظرية تجريد الأسانيد ، إلّا أنّ بينهما نحواً من الفوارق ، وقد اعتمد هذا المنهج مشهور الرجاليين ، إلّا أنّ الذي برع فيه صاحب كتاب جامع الرواة المحقّق الشيخ محمّد بن علي الأردبيلي.

وتعريفه : هو تحرّي معرفة طبقة الراوي ، عن طريق الراوي والمروي عنه ، ومن ثمّ يشخّص الفترة الزمنية التي بدأ بتحمّل الرواية ، كما يُشخّص بذلك فترة بروزه كنجم في سماء الرواية والتحديث وانتهاءً إلى آخر فترة عاش فيها الراوي ، وبتشخيص ذلك ينجم منه معرفة عدّة جهات في شخصية الراوي.

١٨٢

منها حقبة عمر الراوي ، ومنها : المكان الذي عاش فيه ، ومنها : أساتذته وشيوخه في الرواية وتلامذته الراوون عنه ، ومنها : انتماءاته للمدارس العلمية ، ومنها : تمييز المفردات المشتركة مع الراوي في الاسم وهو من المسائل الهامّة جداً في علم الرجال والحديث.

وقد قال صاحب جامع الرواة في الخاتمة ، في الفائدة التي عقدها لشرح مشيخة التهذيب ، عند شرحه لطريق الشيخ إلى يونس بن عبد الرحمن ، وحكمه بأنّه صحيح ما ملخّصه : «إنّي لما نظرت إلى أقوال علماء الرجال رضى الله عنه في هذه الفائدة رايت أنّهم لم يذكروا طرق الشيخ قدس‌سره جميعاً ، بل ذكروا منها قليلاً في غاية القلّة وما ذكروه لم يكن مفيداً في أداء المطلوب من هذه الفائدة ، أردت تأليف رسالة على حدّ موسومة بتصحيح الأسانيد ، حيث إنّ الشيخ أراد من ذكر المشيخة وطرقه في الفهرست إخراج الروايات عن الإرسال ، إذ هو يطرح ابتداء السند في داخل الكتاب ويبتدأ بأصحاب الكتب والأصول وحيث كان في كثير من تلك الطرق في المشيخة من هو معلول على المشهور بضعف أو جهالة أو إرسال ، بل قد يروي الشيخ عن اناس آخرين معلّقاً مع عدم ذكره طريقاً إليهم لا في المشيخة ولا الفهرس اتّكالاً منه على كون الأصول والكتب مشهورة بل متواترة ، ولذا لا تراه يقدح في أوائل السند بل إنّما يقدح فيمن يُذكر بعد أصحاب الأصول ، وحيث إنّ المتأخّرين لم تثبت عندهم هذه الشهرة ، فأسقطوا كثيراً من أخبار الكتابين عن الاعتبار ، وقد خطر لديّ عند تصفّحي للكتابين أن وجدت لكلّ من الأصول والكتب طرقاً كثيرة أكثرها موصوفة بالصحّة والاعتبار فأردت أن أجمعها ، واكتفيت في ذلك على ضبط قدر قليل لأنّ المنظور هو الاختصار ، فجعلت لما رأيت في المشيخة علامة المشيخة ولما في الفهرست (ست) ،

١٨٣

وفي التهذيب (يب) ، وفي الاستبصار (بص) ، وكتبتُ تحت كلّ واحد من الطرق الضعيفة والمرسلة والمجهولة والطرق الصحيحة والحسنة والموثّقة التي وجدتها في هذين الكتابين ، وأشرت إلى أنّها في أي باب وأيّ حديث من هذا الباب حتّى يكون للناظر مبرهناً مدلّلاً وسمّيته بتصحيح الأسانيد أو مجمل الفهارست أو مجمعها».

وقال السيّد البروجردي في مقدّمة كتابه في شرح عبارته ما ملخّصها : «إنّ رسالته هذه هي لاستدراك ما سقط من قلم السيّدين الأسترابادي والتفريشي ، عند تعرّضهم لبيان ما هو معتبر من طرق الشيخ للكتب التي لم يذكر طرقه إليها ، حيث إنّ الطرق التي ذكرها الشيخ في المشيخة هم تسعة وثلاثون شيخاً ، والسيّد الأسترابادي لم يذكر من هؤلاء المشيخة سوى خمسة وعشرين ، وظاهرهما إنّ الطرق الباقية غير معتبرة.

وأمّا التفريشي فزاد على مشيخة التهذيبين أحداً وثلاثين شيخاً ، وذكر طرق الشيخ إليها أخذاً من الفهرست ، وأمّا المصنّف الأردبيلي فزاد على مشيخة الشيخ طرقاً أنهاها إلى خمسين وثمانمائة تقريباً ، والمعتبر منها قريب خمسمائة طريق ، والذي دعاه إلى هذا التكثير هو ما ذكره ـ ثمّ حكى عنه كلامه المتقدّم ـ ثمّ شرح مبنى المصنّف بقوله : إنه إذا رأى في سند من أسانيد التهذيبين صاحب كتاب أو أصل استظهر أنّ الحديث المروي بذلك السند مأخوذ من كتاب هذا الرجل ، وإنّ الرواة الذين توسّطوا في سنده بين الشيخ وبينه رووا هذا الحديث عنه بسبب روايتهم لجميع ما في كتابه من روايات ، فهؤلاء الرواة طريق للشيخ إلى ذلك الكتاب ، وإن لم يذكره في المشيخة أو الفهرست أو ذكر طريقاً آخر ضعيفاً على المشهور ، فبذلك تصحّح كثير من طرق الشيخ للكتب ، مثلاً روى الشيخ

١٨٤

عن علي بن الحسن الطاطري قريباً من ثلاثين حديثاً ، وطريق الشيخ إلى الطاطري هو عن أحمد بن عبدون عن علي بن محمّد بن الزبير عن أبي الملك أحمد بن عمر بن كيسبة عن علي بن الحسن الطاطري ، وهذا الطريق مجهول بابن كيسبة وبابن الزبير ، ولكن الشيخ في كتاب الحج روى أربع روايات عن موسى بن القاسم عن علي بن الحسن الطاطري عن دُرُسْت بن أبي منصور ومحمّد بن أبي حمزة عن ابن مسكان وطريق الشيخ إلى موسى بن القاسم صحيح ، فصحّح المصنّف طريق الشيخ إلى الطاطري بذلك في مختصر رسالته ، حيث قال : وإلى علي بن الحسن الطاطري فيه علي بن محمّد بن الزبير في المشيخة والفهرست ، وإلى الطاطري صحيح في التهذيب في باب الطواف قريباً من الآخر في ستّة عشر حديثاً ، وفي الحديث الستين ، وفي باب الخروج إلى الصفا في الحديث الحادي والستين ، وإلى علي الجرمي صحيح في باب ما يجب على المحرم اجتنابه في الحديث السادس.

المثال الثاني : قال في مختصر الرسالة : وإلى علي بن الحسن بن فضّال فيه علي بن محمّد بن الزبير في المشيخة والفهرست ، وإليه صحيح في التهذيب في باب الأحداث الموجبة للطهارة في الحديث السادس ، وفي باب حكم الجنابة في الحديث الحادي والأربعين وفي باب حكم الحيض في الحديث الخامس والسادس والسابع» ، انتهى.

والطريق في باب الطهارة هكذا : عن أبي محمّد هارون بن موسى عن أحمد بن محمّد بن سعيد عن علي بن الحسن وأحمد بن عبدون عن علي بن محمّد بن الزبير عن علي بن الحسن عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن حمّاد بن عيسى ، والطريق في الحديث الثالث ينتهي عن صفوان وقد وصف علي بن الحسن في واحد من الطرق الثلاثة بابن فضّال ، وفي آخر علي بن الحسن عن اخيه أحمد بن الحسن عن أبيه.

١٨٥

ثمّ أشكل السيّد قدس‌سره على المصنّف بما حاصله : «إنّه كما يحتمل ما استظهره يحتمل أن تكون هذه الروايات مأخوذة من كتاب دُرُسْت بن أبي منصور ومحمّد بن أبي حمزة أو من فوقهما لا من كتاب الطاطري ، والطاطري إنّما وقع كطريق إلى تلك الكتب ، هذا في المثال الأوّل ، وكذا في المثال الثاني يحتمل أنّ الأحاديث مأخوذة من كتاب عبد الرحمن بن أبي نجران وكان ابن فضال واقعاً في طريق ذلك الكتاب ، إذ ليس كلّ من روى كتاب شيخ يلزم أن يذكر أخبار كتاب ذلك الشيخ في كتاب نفسه ، وعلى فرض أنّها مذكورة في كتاب الطاطري مثلاً كما هو في المثال الأوّل لا يلزم حينئذ أن يكون موسى بن قاسم روى عنه غيرها ممّا لم يكن في كتاب دُرُسْت بن أبي منصور.

وبالجملة هذا الاحتمال قائم في جميع ما استنبطه من أسانيد التهذيبين ، فلم أرى في تلك الرسالة كثير فائدة ، وإنّما الامتياز القيّم الذي هو لكتابه باعتبار ما فيه من جمع رواة الكتب الأربعة ، وذكر من رووا عنه ومن روى عنهم ، وتعيين مقدار رواياتهم ورفعه بذلك بعض النقص عن كتب الرجال ، وإنّي كنت عند مراجعتي لأسانيد الروايات وتصانيف الفهارس والرجال والمشتركات تفطّنت لما تفطّن هذا الشيخ الجليل ولغيره من النقص في تلك الكتب ، ولكنّي سلكت في رفعها مسلكاً آخر ، إلّا أنّي استعظمت ما تحمّله هذا الشيخ قدس‌سره من المشقّة في طريقة هذا التصنيف ، فندبت إلى طبعه». انتهى.

أقول : نقلنا كلاميهما ٠ بطوله مع تلخيص منّا لما فيه من تبيان منهج الطبقات ، وهو الذي ذكره أخيراً السيّد شرحاً لامتياز كتاب جامع الرواة ، ومغايرته لمنهج تجريد الأسانيد الذي تضمّنه صدر كلاميهما ، والذي يأتي الكلام عنه ، وعمّا أورده السيّد على المصنّف في ما بعد ، وقد فتح جامع الرواة الباب

١٨٦

للعديد من التصنيفات الرجاليّة المتأخّرة عنه احتذاءً بمنهجه ، فمثلاً معجم الرجال للسيّد الخوئي قدس‌سره حيث يغلب عليه طابع هذا المنهج بخلاف كتاب تنقيح المقال وقاموس الرجال فالذي يغلب عليهما المنهج الأوّل

المنهج الثالث : تجريد الأسانيد

وملخّصها : هو المقابلة بين الطرق الموجودة في الكتب الروائية ، مع غضّ النظر عن المتن ، وتتمّ المقابلة بترتيب حسب إعجام الاسم ، أو بحسب الكتاب المستخرج منه أو الأصل ، وبهذه المقابلة يتمّ كشف بعض الوسائط الساقطة ، أو بعض إختلاف واشتباه النسخ ، كما يتمّ به كشف المشتركات ، ومعرفة الروايات المأخوذة من الكتب عن المأخوذة سماعاً ، وكذلك يتمّ به اكتشاف طرق مثل الشيخ والصدوق في كتبه الأخرى على أصحاب الكتب كما تبيّن مثاله في صدر العبارة التي نقلناها عن جامع الرواة.

وبالجملة إنّ المقابلة بين سلسلة الأسانيد يستخرج منها علم جمّ ، ويتزوّد الباحث الرجالي من بحره ما لا يُحصى من الفوائد والنكات ، ويظهر ذلك بأدنى ممارسة ، فمن تلك الفوائد أيضاً معرفة أسماء الراوي المتعدّدة وألقابه وكناه ، وكذا تلاميذه الرّاوين عنه ، ومن يكثر منهم عنه ممّن يقلّ ، ومن يكثر هو عنهم ومن يُقلّ ، كما يظهر منه مدى عمر الراوي وأسفاره وتنقلاته في الحواظر العلمية الروائية ، كما يظهر مشربه ومرامه من خلال من يطالسهم ، كما يظهر منه رتبته العلمية ، كما لو شوهد رواية بعض من عاصره من الأكابر عنه.

وبكلمة موجزة ، إنّ سلاسل السند والطرق المعنعنة فيها بمنزلة النسب العلمي والاجتماعي الذي عاش فيه الراوي.

١٨٧

وممّن اعتمد هذا المنهج السيّد البروجردي رحمه‌الله في كتبه تجريد الأسانيد للكتب الأربعة وغيرها

المنهج الرابع : النصوص الرجاليّة

ويُعتمد فيه الاقتصار على أقوال الرجاليين المتقدّمين كالأُصول الخمسة ، وقد يلحق بهم أقوال المتأخّرين كخلاصة العلّامة ورجال ابن داود ، وقد يضاف إليهم أقوال متأخّري المتأخّرين ، ممّن له الريادة في التحقيقات الرجاليّة ، وذلك حسب المبنى المعتمد في حجّية قول الرجالي وتوثيق المفردات.

ومن الكتب الرجاليّة المؤلّفة على هذا النمط كتاب خلاصة العلّامة الحلّي ، وابن داود ، وكتاب مجمع الرجال للقهبائي ، ونقد الرجال للتفريشي ، وإن اشتمل الأخير في خاتمته على تبيان مناهج أخرى بنحو مختزل.

ويؤاخذ على هذا المنهج ما تقدّم في البحث عن حجّية قول الرجالي ، من عدم اقتصار باب التوثيقات عليه ، وأنّ الاقتصار عليه مخلّ بمعرفة كثير من المفردات الرجاليّة ، بل لا يؤدّي إلى معرفة المفردات المذكورة في أقوالهم معرفة حقيقية ، إذ فكم من جرح معلّل ، وكم من توثيق مقيّد بجهات معيّنة ، وإن أوهمت عبائر الرجاليين أنّهما مطلقين ، إذ لا بدّ في الراوي من توفّره على صفات عملية كالوثاقة أو العدالة ، وصفات علميّة كالضبط والحفظ ونحو ذلك.

مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّ الوثاقة أو العدالة لا تنحصر ولا يقتصر في إثباتها على ألفاظ محصورة وموادّ معدودة بعينها ، فليس مثبتات التوثيق قوالب لفظية ، كلفظة ثقة ، أو ثبت ، أو صدوق ، ونحوها من الألفاظ المعدودة ، والاختصار على هذا المنهج يُدرج علم الرجال بالعلوم الرياضية أو العقلية المؤطّرة بقضايا

١٨٨

مقولبة ، بينما علم الرجال علم استقرائي يعتمد على التتبّع ، وجمع قصاصات الآثار وتصيّد كلّ شاردة وواردة كفصل من فصول علم التاريخ ، نعم أصول علم الرجال وقواعد الفوائد العامّة فيه وحجّية المنهج المتّبع الذي يتبع في أبحاث المفردات لا بدّ أن ينضبط بقواعد رصينة وضوابط معيّنة ، أمّا جانب التطبيق والفحص والاستقراء فليس يتقيّد بقضايا وموادّ محصورة ، وهذا الخلط في الجانبين تفشّى داؤه في نمط البحث الرجالي في العصر الحاضر

المنهج الخامس : تراجم البيوتات والأسر الروائية

وقد اعتمد هذا المنهج في مصنّفات العديد من الرجاليين ، كما صنّف أبو غالب الزراري رسالة في آل زرارة بن أعين ، وعن بعض آخر في آل نجاشي ، وبعض في النوبختية ، وقد وضع العلّامة بحر العلوم كتابه في الرجال على هذا المنهج حيث ترجم لكثير من البيوتات الشيعية.

ويمتاز هذا المنهج بتسليط الضوء على الراوي من جهة التربية الأسرية وقراءة ترجمة المفردة من جهة النشأة التي نشأ فيها ، والمهد الذي ترعرع فيه المؤثّر في انصباغ سلوكه به ، وهذه الجهة تمهّد لتفسير كثير من الحالات والجوانب في المفردة ممّا قد يستعصي على المناهج الاخرى قراءة خلفيتها من دون ذلك.

ويمكن أن يعدّ ما أُلف في نسب الطالبيين من مؤلّفات عديدة من هذا القبيل ، ككتاب مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الأصفهاني وكتاب العُمدة ، وكتاب الفخري والمجدي وأمثالها ، بل هناك من التأليفات التاريخية في القبائل وبطونها وأفخاذها ، وسيأتي أنّ أحد طرق توثيق النسخة الموجودة لعلي بن إبراهيم هو بالاستفادة عبر هذا المنهج في ترجمة الحسن بن حمزة بن علي بن

١٨٩

عبد الله الواقع في سلسلة سند النسخة ، ولكن الأصحّ والأحرى عدّها في المنهج الآتي من علم الأنساب ، إذ لا يخفى وثاقة الصلة بين هذا المنهج وعلم الأنساب

المنهج السادس : تاريخ المدن

بترجمة كلّ مَن دخل المدينة أو سكن فيها وأقام ، ممّن وقع في سلسلة الرواة ، أو كان له شأن في الوقائع التأريخية ، ويتحرّى في هذا المنهج التطرّق لذكر الوقائع التي جرت لصاحب الترجمة في تلك المدينة ، ولسلسلة رواة تلك المدينة الراويين عنه ، وللمحافل والأندية العلمية وغيرها التي وقعت له أو كانت مقامة حين وجوده.

كما قد يركّز في هذا المنهج على ذكر الروايات التي تبدأ طرقها من الرواة المنتسبين إلى تلك المدينة ، المتضمّنة لتعرفة حال المفردة.

ويتميّز هذا المنهج أيضاً بتعرفة الكتب وأصحابها والطرق الروائية التي تجتمع سلاسل سندها إلى رواة من أصحاب تلك المدينة.

وبعبارة أخرى : إنّ في هذا المنهج يتمّ التركيز على الحواضر العلمية والروائية وغيرها ، التي نشأت في تلك المدينة ، والرواة الذين فيها ممّا قد لا توجد ترجمتهم لدى أرباب التراجم والكتب الرجاليّة بسبب كون مؤلّفيها يقطنون في حواضر علمية في مدن أخرى لم يكن بينهم صلات علمية حديثية ، كما سيأتي مثال ذلك في فصل أحوال الكتب في تفسير الإمام العسكري عليه‌السلام ، حيث إنّ نسخته مرويّة بطرق رواة الحواظر الروائية في أسترآباد وجرجان ، وهذا أمر بالغ الأهمّية حيث إنّه قد ضُعّف العديد من الكتب بسبب عدم الالتفات إلى هذا المنهج ، كما هو الحال في كتب أصحابنا التي دُوّنت في مصر ، كما يذكر ذلك

١٩٠

في الأشعثيات ودعائم الإسلام ، أو في نيشابور وما يقربها من المدن ، ولذلك اعتنى كبار المحدّثين في أواخر الغيبة الصغرى وأوائل الغيبة الكبرى بالسفر إلى المدن العديدة لتحمّل الروايات ، حتّى إنّه عُدّ من خصائص المحدّث الراوي وامتيازاته الجليلة هو كثرة أسفاره لتحمّل الحديث ، كما هو الحال في الشيخ الصدوق فإنّ أكثر أو كثير ما في كتبه من الروايات قد تحمّلها في أسفاره ، وهكذا الحال في أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري شيخ الطائفة في زمانه ، وأبي المفضّل الشيباني ، والذي سافر طيلة عمره في طلب الحديث ، وغيرهم.

وممّن اعتمد هذا المنهج كتاب تاريخ قم ، وكتاب تاريخ الكوفة ، والخطيب في تاريخ بغداد ، وابن عساكر في تأريخه أيضاً ، وابن شُبّة في تاريخ المدينة ، والأزرقي في تاريخ مكّة

المنهج السابع : المنهج الروائي

ويعتمد فيه على خصوص الروايات الواردة بمضمون مدح أو قدح أو ما يلازمهما حول الترجمة ، وقد اعتمد على هذا المنهج كثيراً الشيخ الكشّي في رجاله ، حيث ذكر في كلّ ترجمةٍ الروايات الواردة حولها ، وقد استدرك عليه أصحابنا في كتبهم الرجاليّة إلى عصرنا هذا الكثير من الروايات ، إذ هي مبثوثة في الأبواب الروائية ، وتحتاج إلى فطنة والتفاتة من المتتبّع ، حيث إنّ الكثير من الروايات ليس فيه التصريح بالمدح أو القدح ، وإنّما يُفهم ذلك بإمعان التدبّر واقتناص المغزى من مضمون الرواية ، فمثلاً كون الراوي صاحب سرّ الإمام يتوصّل إليه عبر اطّلاعه عليه‌السلام الكثير من الأمور ذات الشأن في مجالٍ ما للراوي وايقافه عليها ، وكذا معرفة كون الراوي إمامياً من خلال روايته لمضامين

١٩١

في معارف الإمامة.

وبعبارة أخرى : فإنّ هذا المنهج يوضح منزلة الراوي العلمية ودرجة أمانته لدى الإمام عليه‌السلام ، ومرتبة وثاقته منه ، وهذا ما عبّر الأئمّة عليهم‌السلام عنه بمنازل الرجال ، فإنّه لا شك يعطي صورة واضحة عن دوائر الرواة المحيطة بالمعصوم الأقرب فالأقرب

المنهج الثامن : أصحاب كلّ إمام

ويعتمد فيه على ذكر أصحاب كلّ إمام ، الشيوخ منهم والمتوسّطين والأحداث ، وقد يشترك بعض الرواة في صحبة أكثر من إمام ، وبهذا يمتاز هذا المنهج عن منهج الطبقات الذي سبق ، وقد اعتمده الشيخ الطوسي في رجاله ، كما قد ألّف الرجاليّ الكبير ابن عقدة محمّد بن سعيد كتاباً في أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ، وقد الّف على هذا المنوال العديد من الكتب ، لا سيّما في هذه الأعصار المتأخّرة ، وكما قد ألّف في صحابة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كثيراً كالإصابة في معرفة الصحابة ، والطبقات ، واسد الغابة وغيرها

المنهج التاسع : الفهرسة وتراجم الكتب

وهذا المنهج وإن كان بالأحرى اعتبار مصنّفاته في ضمن علم الدراية ، إلّا أنّه قد اصطلح عليه قديماً وحديثاً إدراجه في علم الرجال ، ولعلّه من أقدم مناهج التصنيف في علم الرجال ، ويعتمد فيه على ذكر الكتب التي ألّفها المفردة المترجمة ، ومن روى تلك الكتب عنه ، والطرق إلى تلك الكتب ، مع ترجمة مختصرة لحال الكتب ، ومدى شهرتها واعتماد الطائفة عليها ، واختلاف النُّسخ وتوثيقها ، وينجلي بذلك مكانة الراوي العلمية ، حيث إنّ الكتاب ومؤلّفه

١٩٢

ـ الراوي ـ يقوم اعتبار أحدهما بالآخر.

وبعبارة آخرة : إنّ سلاسل الأسانيد والطرق حيث إنّ غالبها عبارة عن تلفيق من الطريق إلى أصحاب الكتب مع الطريق من صاحب الكتاب إلى المعصوم عليه‌السلام ، فيكون البحث في الطرق إلى الكتب بحث رجالي في توثيق الأسانيد ، ومن ثمّ أدرج مثل هذا المنهج في علم الرجال ، وربّما يؤلّف المحدّث الكبير فهرستاً خاصاً بطرقه إلى الكتب التي يروي عنها ، كما صنع الصدوق فلاحظ عبارته في أوّل كتاب الفقيه ، وكذلك الشيخ الطوسي حيث وضع كتابه الفهرست ، وقد لا يكون محدّثاً بالمعنى الأخصّ كما هو الحال في النجاشي.

وقد تطوّر هذا المنهج إلى ذروته عند المحقّق الكبير والرجالي الشهير الآغا بزرگ الطهراني ، حيث قد أدخل في هذا المنهج العديد من ضوابط البحث في أحوال الكتب والنسخ وطريقة توثيقها ، ممّا سنشير إليها في فصل أحوال الكتب ، والناظر المتتبّع في كتابه الذريعة يرى جدوى هذا المنهج ، وغاية فائدته في الوقوف على شخصية المفردة الرجاليّة من خلال تصانيفها ، ويعتبر ابن النديم في فهرسته من روّاد من خاض هذا الغمار.

وممّن اعتمد هذا المنهج أيضاً الشيخ منتجب الدين في فهرسته ، وابن شهرآشوب في معالم العلماء ، والميرزا النوري في الفائدة الأولى من الخاتمة ، والحاج عبد الله الأفندي في رياض العلماء

المنهج العاشر : المشيخة

وهو منهج يكاد يكون كسابقه ، إلّا أنّ الصحيح إنّه يتميّز عنه في كون المشيخة أسلوب في التدوين يُرفق بكتاب الحديث لتوضيح طرق صاحب الكتاب إلى

١٩٣

الكتب التي استخرج روايات كتابه عنها مقتصراً عليها ، بخلاف كتب الفهرست ، فإنّها أعمّ من ذلك ، وأعمّ من أن يكون مؤلّف الفهرست محدّثاً وصاحب مدوّنات حديثية ، كما هو الحال في الشيخ النجاشي ، مضافاً إلى أنّه في المشيخة يقتصر فقط على ذكر الطرق إلى الكتب المستخرجة منها الروايات من دون تعريف زائد بأحوال الكتب والنسخ والتعريف بخصوصيات أخرى ، وهذا بخلاف كتب الفهرست.

ومن ثمّ توسّع هذا المنهج ببزوغ كتب شرح المشيخة ، وقد تبارى الرجاليون في هذه الشروح وقد بدأت بنحو مقتضب كالّذي صنعه العلّامة ـ في خاتمة الخلاصة ـ في بيان حكم طرق كتاب الفقيه والتهذيبين من حيث الصحّة والضعف مقتصراً على ذكر النتيجة فقط ، وتوالت من بعده شروح بنفس الاقتضاب والاقتصار على ذكر النتيجة وحكم الطرق ، ثمّ زيد على ذلك بشرح مفردات الطرق من حيث الضعف والوثاقة.

وقد تحرّى من كتب في ذلك إبداء حلول عامّة أو خاصّة لانتشال الطريق إلى الكتاب من الضعف ، فبدت نظريّة تبديل الأسانيد وتزويجها ـ تعويض السند ـ كما مرّت الإشارة إليها في الفصول السابقة ، وهي ذات أقسام عديدة آخذة في الازدياد حسب ما يجده المتتبّع من شواهد يُخرّج بها القسم الذي ابتكره وعثر عليه.

كما ابديت نظريّة شهرة الكتب والاصول المعروفة المستخرج عنها الروايات وتواترها ، وكون الطرق إليها ليست إلّا كزينة وحيطة عن توهّم إرسالها ، أو الخشية من انتهائها إلى ذلك ، وقد التزم بها المرحوم المجلسي في كتابه الأربعين والحرّ العاملي في خاتمة الوسائل ، وتبعهم على ذلك الميرزا القمي في القوانين ومرّت الإشارة إلى ذلك مفصّلاً ، كما قد مرّت عبارة صاحب جامع الرواة في منهج

١٩٤

الطبقات المتقدّم ، وقد بسط الميرزا النوري في الفائدتين اللّتين عقدهما في الخاتمة لشرح مشيخة الفقيه والتهذيبين بشرح وافر بالنكات والفوائد.

ويعدّ أوّل من ألّف في المشيخة الراوي الجليل الحسن بن محبوب الزرّاد في كتابه المعروف بالمشيخة ، ومن ثمّ عدّه بعض الرجاليين أوّل من كتب في الرجال من الإماميّة

المنهج الحادي عشر : منهج الفوائد

وهو يعتمد على ذكر الفوائد العامّة في التوثيق أو الجرح أو المبيِّنة لحال الطرق وإعلالها وبيان الاصطلاحات الرجاليّة ، كما قد يتعرّض فيها إلى الترجمات المسهبة عن بعض المفردات بتقصّ وافٍ ، كما قد يُتعرّض إلى فوائد عامّة في التوثيق مبتكرة جديدة ، وأيضاً قد يبحث فيها عن أصول علم الرجال ، وهو بحث يتناول المنهج المعتمد في التوثيق والتضعيف وتطبيق المباني الأصولية بمداقّة ، كي تنضبط طريقة الاستنتاج الرجالي وفق أصول ومباني منقّحة.

كما أنّ هذا المنهج يعتبر كالبنية التحتية لمباحث علم الرجال وللسير الرجالي في نقضه وإبرامه وجرحه وتوثيقه في آحاد المفردات ، ومن ثمّ ترى كلّ كتاب يوضع في الرجال ـ عند المتأخّرين ـ لا بدّ أن يشتمل على الفوائد في مقدّمته أو خاتمته ، وهي تعكس مبنى المؤلِّف في المنهج الرجالي ، وبعض هذه الفوائد قد توضع مستقلّة كما في الرواشح السماوية للميرداماد ، أو فوائد الشيخ علي الخاقاني وفوائد الخاجوئي ، وبعضها تلحق بكتاب الحديث ، كما صنع صاحب المعالم في منتقى الجمان ، ولو قُدّر أن تُجمع هذه الفوائد لكانت موسوعة تربو على عشرات المجلّدات ، بل إنّ في مجموع الفوائد نفسهما ما يجتمع منه قرابة دورة

١٩٥

كاملة في المفردات الرجاليّة

المنهج الثاني عشر : منهج تراجم الأعيان

وهو يعتمد على ترجمة طبقات علماء الطائفة من ابتداء عصر الغيبتين ، ويكون لهذا المنهج دور مهمّ في توثيق سلاسل الطرق في كتب الأصحاب ، سواء في المجاميع الأربعة الأولى أو الكتب الروائية التي الّفت بعدهم ، كالطرق التي اعتمد عليها الراوندي في الخرائج والجرائح ، وفي مستطرفات السرائر لابن إدريس ، وطرق الطبرسي في الاحتجاج والطبري في دلائل الإمامة ، والمسعودي في إثبات الوصيّة ، والشيخ سليمان الحلّي في مختصر بصائر الدرجات ، وكذا طرق المحمدون الثلاثة في المجامع الروائية الثلاثة المتأخّرة.

ولا يخفى أهمّيتها لتصحيحها النسخ التي اعتمدوا عليها في استخراج روايات كتبهم ، وكذا السيّد هاشم البحراني في طرق الكتب التي اعتمد عليها ، ومن ذلك يظهر أهمّية هذا المنهج في تصحيح نُسخ الكتب الروائية غير المشهورة الواصلة إلى متأخّري الأعصار ، فمثلاً نرى أنّ صاحب الوسائل قد أخرج أكثر روايات كتاب علي بن جعفر في كتابه الوسائل ، وكتابه وإن كان من الكتب المشهورة ، إلّا أنّ خصوصيات النسخة وألفاظها تكون حينئذ مسندة بالطريق الصحيح.

وسيأتي في فصل أحوال الكتب أنّ أحد طرق تصحيح النسخة الموجودة لكتاب تفسير علي بن إبراهيم ـ وإن كانت النسخة من الكتب المشهورة ـ هو طريق صاحب الوسائل لتلك النسخة الممزوجة بتفسير الجارودي.

ومثل رواية الترتيب في المرجّحات بين الأخبار المتعارضة ، فإنّ رواية الترتيب هذه قد رواها صاحب الوسائل عن كتاب الراوندي وتصحيحها بتوثيق

١٩٦

طبقات السلسلة التي يروي بتوسّطها صاحب الوسائل نسخة كتاب الراوندي ، وإن كان هو في الكتب المشهورة في الجملة.

ومن ثمّ فقد سمّى بعض هذا المنهج بمشيخة المتأخّرين ، ومنهج المشيخة السابق بمشيخة المتقدّمين.

وممّن كتب في هذا المنهج المحقّق الرجالي الكبير الآغا بزرگ الطهراني في كتابه المعروف طبقات أعلام الشيعة ، وكذا العلّامة السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة ، والعلّامة الشيخ عبد الحسين الأميني في شهداء الفضيلة ، وكذا السيّد محمّد باقر الخونساري في روضات الجنّات ، والمحدّث القمي في الكنى والألقاب ، وغيرهم.

ولا يخفى أنّه قد يستفاد من كتب أخرى موضوعة على مناهج أخرى ما يصبّ في هذا المنهج كفهرست منتجب الدين ، ومثل رياض العلماء للأفندي ، وهما بالدقّة من منهج فهرسة كتب المتأخّرين في قبال منهج فهرسة كتب المتقدّمين

المنهج الثالث عشر : منهج الإجازات

وهو يتعرّض لسلاسل الإجازة في الرواية لطبقات المشايخ ، وكذا إجازة رواية الكتب أعمّ من كونها كتب الحديث أو من علوم وفنون أخرى ، وهذا المنهج وإن كان أحد أبواب علم الدراية ، إلّا أنّه يتبع علم الرجال ، لما فيه من الفوائد والثمرات الرجاليّة ، وقد كتب فيه العديد من العلماء ، حيث ترى في كلّ قرن وطبقة هناك من وضع رسائل وكتب في ذلك ، نظير إجازتي العلّامة الحلّي لبني زهرة الطويلة والقصيرة ، وإجازات الشهيد الثاني لتلاميذه ، وإجازات المرحوم المجلسي واستجازاته ، وكذا إجازات السيّد هاشم البحراني والحرّ

١٩٧

العاملي التي ذكروها في كتبهم ، وكتاب لؤلؤة البحرين للشيخ يوسف البحراني ، وما جمعه الميرزا النوري في الخاتمة من شجرة الإجازات الكبيرة ، وقد تعرّض الميرزا لترجمة كثير ممّن وقع في سلسلة الإجازات تلك ، وهناك الكثير ممّن كتب إجازاته واستجازاته كفائدة ملحقة ببعض كتبه.

وهذا المنهج يقرب من المنهج السابق مورداً وفائدة ، إلّا إنّه يختلف عنه في الحيثيّة والجهة ، إذ هو يقتصر على من وقع في سلسلة الإجازة وإن لم يكن من الأعيان ، بخلاف المنهج السابق ، فإنّه يعمّ من لم يكن من مشايخ الإجازة ولكنّه يختص بأعيان الأعلام ، كما أنّ هذا المنهج يعني بالكتب والروايات المستجاز فيها بينما المنهج السابق يركّز فيه حول ترجمة المفردة في نفسها.

وقد مرّ سابقاً إنّه ببركة هذا المنهج أخرجنا روايات مستطرفات السرائر عن الإرسال ، حيث علم من طرق إجازات الشهيد الثاني وغيره من أعلام متأخّري المتأخّرين بتوسّط وقوع ابن إدريس في تلك السلسلة المنتهية إلى الشيخ الطوسي ، فعلم منها طرق ابن إدريس إلى تلك الكتب.

ومن ثمّ يتبيّن أنّ التسمية بمشيخة متأخّري المتأخّرين الأولى أن تكون تسمية لهذا المنهج من سابقه. ومنه يعلم أهمّية ضبط كتب الإجازات وجمعها والتعرّف عليها

المنهج الرابع عشر : علم الأنساب

وهو العلم الباحث عن أنساب القبائل وبطونها وأفخاذها ومواطن سكناها وأحوالها وصفاتها وقرونها التي عاشت فيها وانتهاء شجراتها إلى الأفراد ، وحيث أنّ النسب النبويّ والعلويّ قد اختص ببالغ الشرف فقد وضعت فيه كتب خاصّة به

١٩٨

قد أشرنا إليها في المنهج الخامس ، كما قد بيّنا بعض الثمرات هاهناك فلاحظ.

ودخالة علم الأنساب في الكشف عن هويّة المفردة هو من الأوّليات الضرورية لمعرفة ترجمة المفردة ، فكلّما كان الرجالي محيطاً بهذه الكتب كان أقدر على تمييز المشتركات بتوسّط اللقب أو الكنية أو موطن السكنى أو تاريخها وغير ذلك ممّا له دخل في هويّة المفردة الرجاليّة ، وقد كان الشيخ النجاشي يتميّز بالإلمام بهذا العلم.

وهذا العلم وإن كان في بدايات نشوئه مدرج في كتب التاريخ تارة ، وأخرى في كتب اللغة القديمة باعتبار أسماء القبائل ، إلّا أنّه ألحق بأحد الأبواب الرجاليّة أيضاً ، بل انتهى الأمر إلى جعله علماً براسه ، وعلى كلّ تقدير فإنّ فائدته تصبّ في علم الرجال بنحو بالغ الخطورة ، وإن استفيد منه في علوم أخرى.

١٩٩
٢٠٠