بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

الفصل الثانى

في ما تثبت به

الوثاقة أو الحُسن

أي درجات طرق التوثيق

١٢١
١٢٢

المقام الأوّل

مباني حجّية الطرق الرجاليّة

ولا بدّ من تمهيد مقدّمات :

المقدّمة الأولى

بعد ما تبيّن أنّ العمدة في باب التوثيقات الرجاليّة والتضعيفات هو تراكم القرائن ، ليتصاعد الاحتمال إلى درجة الوثوق والعلم العادي الاطمئناني ، فإنّه يتبيّن جلياً لا خفاء فيه إنّه لا تنحصر قرائن التوثيق بتلك التي تستقلّ في الدلالة ، بل يكفي في قرائن التوثيق أو التضعيف أدنى إشعار وكاشفيّة ، لأنّ المدار على تعاضد وتكاتف القرائن الكاشفة ، لترتفع درجة الكشف إلى درجة العلم ، فمن الغفلة بمكان ما اشتهر في هذا العصر من دأب النقاش في قرائن التوثيق على عدم دلالتها بنفسها على ذلك ، ومن ثمّ طرحها وعدم الاعتناء بها بالمرّة ، وهو ما يمكن التعبير عنه بالنظرة الفرديّة للمدارك.

وليس ذلك دعوى للتسامح في التوثيق والعفويّة في المفردات الرجاليّة ، بل هو بمقتضى قاعدة رياضية برهانيّة وهي حساب الاحتمال المتصاعد بالعامل الكيفي

١٢٣

والكمّي إلى درجة العلم ، نظير التواتر والاستفاضة ، إذ كلّ خبر خبر منها لا يولّد العلم بنفسه وإنّما بالتراكم.

وكما هو دأب العقلاء في علم التاريخ حيث ترى البحّاثة في الوصول إلى الوقائع التاريخية يستجمعون الشواهد والقرائن إلى أن يستشرفون العلم بالوقائع الماضية ، وهكذا الحال في الفنون والعلوم الأخرى وهو عين دليل الاستقراء في علم المنطق. وقد بيّنا الفوائد العلمية لهذا المسلك في المقام الأوّل فراجع.

وبالجملة فبحثنا في القرائن هو عن كلّ قرينة توجب أدنى درجات الظن بحال الراوي ، من الوثاقة أو الضعف وغيرها ، وتكون دالّة على أدنى درجات الكشف عن وصف المفردة الرجاليّة كحسنها لا عن خصوص القرائن العلميّة المستقلّة

المقدمة الثانية

بناءً على ما عرفت من مسلك القدماء من الاعتداد بحُسن الظاهر في إحراز العدالة أو الوثاقة ، فتتسع بذلك قرائن التوثيق بأكثر ممّا ذكرناه في المقدّمة الأولى ، بناءً على حجّية الاطمئنان والتوثيقات بتظافر تلك القرائن ، وذلك لأنّه على هذا المسلك يكفي فيه حصول القرائن بدرجة الظن غير الاطمئنان أيضاً المحقّقة لحسن الظاهر ، ويتبيّن على هذا المسلك أنّ الاعتداد هو بكلّ أمارات الحسن والمدح مع عدم وجود الطعن ،

وقد ذكرنا أنّ هذا هو سرّ عمل القدماء بخبر كلّ راوٍ لم يرد فيه طعن ، بعد تثبّتهم من نقاء ظاهر عشرته بين المعاصرين له وعدم غمزهم عليه بمغمز ورواية معاصريه عنه ونحو ذلك ممّا يأتي الحديث عنه مفصّلاً.

ومن ثمّ يتّضح اندفاع كثير من النقاشات في تلك القرائن ، لأنّها مبنيّة على نفي

١٢٤

دلالتها بدرجة القطع والاستقلال على الوثاقة ، إذ على هذا المسلك المطلوب من القرينة هو كشفها بدرجة الظنّ عن نقاء عشرته وصفاء سيرته ، نظير ما ذكر في روايات العدالة في أبواب الشهادات المتقدّمة ، كموثّقة ابن أبي يعفور حيث ذكرت قرائن حسن الظاهر من قبيل حضوره لصلاة الجماعة أو ستره لعيوبه من طعن طاعن وكفّه عن الغير ونحو ذلك

المقدمة الثالثة

ليعلم أنّ ما نذكره من تقييم لطرق التوثيق الخاصّة منها والعامّة هو عبارة عن بحث ودراسة للمعدّل المتوسّط النوعي لذلك الطريق في التوثيق ، أو عدمه ، أي إنّه لا بدّ من التنبّه إلى أنّ تلك الطرق في الغالب كلّ واحد منها بحسب الموارد والمصاديق تشكيكيّ ، يختلف باختلاف الملابسات في المورد ، فمثلاً شيخ الإجازة والرواية عند ما يبحث عنه حول كونه أمارة على الوثاقة ، فإنّه يجب الالتفات إلى أنّ هذه الصفة تشكيكية بحسب الموارد ، فقد يكون قد تتلمّذ عليه جمهرة من كبار الرواة ، أو تتلمّذ عليه من عُرّف بالتشدّد في النقل ، أو إنّ ذلك الشيخ قد التزم في رواياته لتلاميذه برواية خصوص ما تحمّله من الروايات في سن راشد ، كما يؤْثَر عن علي بن الحسن بن فضّال إنّه لم يرو مباشرة عن أبيه ما تحمّله من روايات في صغر سنّه إلّا بواسطة أخويه الذين يكبران عليه سنّاً.

وكذلك مثلاً الوكالة عن المعصوم عليه‌السلام فقد تكون في الأمور المالية فقط ، وأخرى في الأمور الشخصية ، وقد يكون وكيلاً في بيان الأحكام الشرعية وما يصدر عنه من أوامر خاصّة وغير ذلك ، فعند ما يوقع البحث عنها فإنّما هو حول المعدّل المتوسّط لها ، فلا يغفل عن خصوصيات الموارد في التطبيقات الجزئية

١٢٥

بعد كون طرق التوثيق في الغالب صفة تشكيكية.

ثمّ إنّه لا ينبغي الغفلة أنّنا لسنا في صدد تسوية قرائن التوثيق في درجة واحدة ، بل هي على درجات ، بعضها ضعيف في الغاية ، وبعضها متوسّط ، وبعضها قوي ، فضلاً عن الدرجات الأخرى في ما بين هذه المقاطع ، فليس المقصود من البحث كيل تلك القرائن بعيار واحد ، بل غاية ما نحن بصدده هو التنبيه على أنّ أيّ درجة من كاشفيّة القرينة هي ذات قيمة علميّة في حساب المجموع ، أي التأكيد على النظرة المجموعيّة في استنتاج حال المفردة الرجاليّة بعد التقسيم الآحادي لكلّ قرينة قائمة على تلك المفردة الرجاليّة.

١٢٦

في بيان طرق الوثاقة

أ ـ طرق التوثيق أو التحسين الخاصّة

الطريق الأوّل : نصّ أحد المعصومين عليهم‌السلام

وسند الرواية إلى المعصوم تارة يكون صحيحاً ، فلا ريب في الأخذ به ، وأخرى يكون ضعيفاً فقيل بعدم الاعتبار حينئذ من رأس ، لكنّك قد عرفت أنّ الرواية الضعيفة ودلالتها الظنّية وان لم يعتمد عليها بنفسها إلّا أنّها تكون كجزء الحجّة في تراكم الاحتمالات ، وهكذا الحال في الدلالة ، فقد تكون معتبرة كالنص والصريح والظهور ومفادها المطابقي بعنوان الوثاقة ، وقد يكون مفادها الإشارة إلى حُسن أو ترحّم منه عليه‌السلام ونحو ذلك كالترضّي وغيرها ، فإنّ ذلك وإن كان أعمّ من الوثاقة إلّا أنّا بيّنا أنّه يصلح كجزء للحجّية.

ومثال ذلك : ما ورد بسند صحيح من ترحّم الإمام الجواد عليه‌السلام على محمّد بن سنان وصفوان بن يحيى

الطريق الثاني : نصّ أحد الأعلام المتقدّمين

وقد تقدّم مفصّلاً أنّ تنصيص أحد الأعلام المتقدّمين كالعقيقي في رجاله ، أو ابن قولويه ، أو الكشّي ، أو الصدوق ، أو المفيد ، أو النجاشي ، أو الشيخ ، أو ابن عقدة ، أو ابن فضّال ، أو الغضائري ، وأضرابهم ليس المدار في حجّيته على الإخبار الحسّي ، فلاحظ.

١٢٧

الطريق الثالث : نصّ أحد الأعلام المتأخّرين

وقد بيّنا عدم اختصاص الاعتماد على قول الرجالي المتقدّم ، بل يعمّ المتأخّر حتّى عصرنا هذا ، من باب حجّية أهل الخبرة ، أو من باب تجميع القرائن وتحصيل الاطمئنان ، وإن كان لا يغفل عن تفاوت الدرجة في ذلك ، تارة بحسب تقدّم الزمن والقرب ، وأخرى بحسب الإحاطة ، وإن كانت للمتأخّر ولم يطّلع عليها المتقدّم.

فقد يحصل للمتأخّر إحاطة ما لم يحصل للمتقدّم ، كما وقع في موارد عديدة للسيّد ابن طاوس ، حيث يشير في كتب الأدعية إلى حال العديد من المفردات وموقعيتهم في الطائفة ، بانياً ذلك على ما ظهر له من تتبّع لموارد روايات تلك المفردة ، وإعمال نكات علم الطبقات.

وكذا ما وقع للمجلسي الأوّل ، فإنّه يذكر في مقدّمة شرحه الفارسي على الفقيه (١) إنّه حصل له التتبّع حول ابن أبي عمير في مدّة خمسين عاماً.

وما يذكر من شواهد وقرائن على انقطاع طرق المتأخّرين ، فضلاً عن متأخّري المتأخّرين في التوثيق ، لضياع كتب الرجال والفهارس وحصر طرقهم في الإجازات الصادرة عنهم كلّها إلى الشيخ ، وأنّ السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ ، وأنّ بعض المتأخّرين كالعلّامة الحلّي يبني على أصالة العدالة في المسلم ، كما ذكر ذلك في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن عبد الله لا طائل تحته ، لأنه ممنوع صغرى وكبرى.

أمّا الكبرى فلما تقدّم مفصّلاً من عدم ابتناء حجّية قول الرجالي على الإخبار

__________________

(١) المسمّى بكتاب لوامع صاحبقراني.

١٢٨

الحسّي ، بل لا مورد لها إلّا النزر القليل من أقوال الكشّي بل هي مبنية على المسلكين الأوّلين فراجع.

وأمّا الصغرى فلما ذكرنا في الجواب الرابع عن دعوى الأخباريّين ، وفي الدعوى الرابعة شواهد عديدة في كلمات المتقدّمين دالّة على وصول كثير من الأصول والكتب الروائية والفهارس وكتب الرجال إلى المتأخّرين ، فلاحظ (١).

بل إنّ الملاحظ لكتاب الخرائج والجرائح للقطب الراوندي ، وكذا ما في إجازة الشهيد الثاني ، حيث يذكر طرقه إلى بعض الكتب عبر العلّامة الحلّي وغيرهما ، يظهر له معنى وجود طرق إلى كتب الروايات والأصول من غير طريق الشيخ.

فمثلاً لاحظ الرواية الصحيحة التي رواها الراوندي ، والتي اعتمد عليها في الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة ، والترتيب بينهما ، والتي أخرجها صاحب الوسائل في باب (٩) من أبواب صفات القاضي ، فإنّ السند فيها هكذا (عن محمّد وعلي ابني علي بن عبد الصمد ، عن أبيهما ، عن أبي البركات علي بن الحسين ، عن أبي جعفر ابن بابويه ، عن أبيه ...) إلى آخر الرواية فإنّه لا يمرّ بالشيخ أصلاً.

ومثلاً كتاب الغضائري ، وإن اشتهر أنّه كان فقط عند العلّامة ، وابن داود ، والمولى القهبائي من متأخّري المتأخّرين ، إلّا أنّه غير سديد.

بل كان لدى التفريشي المعاصر للقهبائي أيضاً ، وكانت لديه نسخة مبسوطة مصحّحة قد صحّح بها على العلّامة وابن داود ، ونقل في كثير من المفردات ما لم ينقله القهبائي.

__________________

(١) تعرّضنا لذلك عند بيان الحاجة إلى علم الرجال.

١٢٩

وهذا الكتاب الذي هو للغضائري الابن ، أي أحمد بن الحسين بن عبيد الله ، كما في كلمات النجاشي والشيخ لم يصل إلى المتأخّرين عن طريق الشيخ ، وسيأتي الكلام عنه مفصّلاً.

وأمّا ما اشتهر في هذه الأعصار من بناء العلّامة الحلّي على أصالة العدالة ، كما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة بن عبد الله وغيره ، وقد تقدّم في الفصل السابق عدم تماميّتها

الطريق الرابع : دعوى الإجماع من قبل المتقدّمين أو المتأخّرين

فإنّ حكاية الإجماع على التوثيق بمنزلة الإخبار عن استفاضة التوثيق واشتهاره ، وهو كاف لحصول العلم العادي به.

وأمّا المتأخّرون فقد تبيّن لك ممّا تقدّم ، وممّا ذكرناه في حجّية مسلك الاطمئنان في التوثيقات إنّه يتمكّنون من العلم بحال المفردة الرجاليّة بتوسّط فنّ الطبقات وتجريد الأسانيد وتتبّع حال المفردة عبر ذلك وغيرها من مناهج البحث الرجالي ـ كما سيأتي شرحها في فصل لاحق ـ يوجب تبيّن موقعيّة تلك المفردة ، وموقعيّتها العلمية والاجتماعيّة في الطائفة ، كما قد مثّلنا في شواهد الطريق السابق.

١٣٠

ب ـ طرق التوثيق أو التحسين العامّة

ونمهّد مقدّمة : وهي إنّ العديد من القرائن العامّة للتوثيق سنرى أنّها تعتمد على مقدّمة حسّية وأخرى حدسيّة ، فمن ثمّ تكون النتيجة في التوثيق حدسيّة ظنّية وليست حسّية ، وهي وإن لم تكن ساقطة عن الاعتبار في الجملة على المسلك الأوّل في التوثيقات الرجاليّة وهو تحصيل الاطمينان بتراكم استقراء القرائن إلّا أنّها لا يعتمد عليها بناءً على المسلك الرابع وهو من باب الشهادة والإخبار الحسّي ، وهذا الذي ذكرناه هو مراد المتقدّمين من الرجاليين وأصحاب التراجم كما سيتّضح ، إلّا أنّ جماعة كثيرة من المتأخّرين إلى هذه الأعصار بنوا على أنّ هذه القرائن شهادات حسّية ، ومن ثمّ وقع الاختلاف بينهم في مفاد هذه القرائن كإخبارات ، فمثلاً في قاعدة الإجماع (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه) قد تعدّدت الآراء بكثرة ، وكذا في عبارة (لا يروي ولا يرسل إلّا عن ثقة) ، وعبارة (روى عن الثقات ورووا عنه) ، وعبارة (لا يروي عن الضعفاء) ، وعبارة (عملت الطائفة بمراسيله) ، ونحوها من العبائر وقرائن التوثيق العامّة ، وسنتعرض إلى بيان كلّ واحد منها تفصيلاً إن شاء الله تعالى.

ثمّ إنّه قد ذكرنا سابقاً إنّه على مسلك حجّية الاطمئنان لا ينحصر الكلام في القرائن المستقلّة الدالّة على التوثيق ، بل يكفي حتّى القرائن الدالّة على الحسن ، إذ بتراكمها يتولّد الوثوق ، بل قد ذكرنا أيضاً أنّ قرائن الحُسن تُحرز صغرى خبر الثقة ، وعلى هذا فيعتدّ بقرائن الحُسن بنفسها ، فتكون تلك القرائن محَقّقة لصغرى حُسن الظاهر ، وحُسن الظاهر يُحرز صغرى خبر الثقة.

١٣١

وبذلك يتبيّن لنا مدى أهمّية استقصاء مختلف القرائن ونوعيّاتها ، كما هو دأب الرجاليين في تراجم المفردات ، ودأب المؤرّخين في البحث التأريخي ، ليُعطوا صورة مرتَسمة مبسوطة عن الشخصية الرجاليّة الروائية أو التأريخية.

ثمّ إنّه هناك طرقاً لتحصيل التوثيق أو التحسين :

الطريق الأوّل

كونه من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام

لما ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد : «إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه عليه‌السلام من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات ، فكانوا أربعة آلاف» (١).

ونظيره ما ذكره ابن شهرآشوب وقال : «إنّ ابن عُقدة مصنّف كتاب (الرجال لأبي عبد الله عليه‌السلام) عدّدهم فيه ...» (٢).

وفي رجال الشيخ جميع من ذكره ابن عُقدة كما نبّه عليه في أوّل كتابه وقد زاد أحمد بن نوح على ما جمعه ابن عقدة كما ذكره النجاشي ، بل ذكر الشيخ إنّ الزيادة كثيرة ، وكذا الطبرسي في إعلام الورى.

مع أنّ المذكور في كتب الرجال (٣) لا يبلغون الثلاثة آلاف ، كما نبّه عليه الحرّ العاملي في أمل الآمل في ترجمة أبي الربيع الشامي.

__________________

(١) الإرشاد / ٢٨٩ ، طبعة النجف الأشرف.

(٢) المناقب ٢ / ٣٢٤.

(٣). قيل إنّ ما ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه‌السلام لا يزيد على الثلاثة آلاف إلّا بنزر يسير.

١٣٢

والمحكيّ عن المحدّث النوري أنّه نسب هذا التوثيق العامّ إلى ابن عُقدة ، لكنّه لم يذكر مأخذ هذه النسبة ، وليس في ما تقدّم نقله من الكلمات تلك النسبة ، وسواء كانت تلك النسبة محقّقة عن ابن عقدة أو أنّها عن المفيد المتأخّر عنه بطبقة فلا يختلف الحال في وجه الحجّية لذلك التوثيق أو عدمها ، وسواء بُني على حجّية التوثيق الرجالي على الإخبار الحسّي أو على المسالك الاخرى. والصحيح أنّه ليس من الإخبار الحسّي المحض كما عرفت ، أو ليس هو من الحجّة المستقلّة على تقدير كونه من الحسّي المحض ، لعدم كون المستند هو الاستفاضة أو التواتر لهذا القائل ، كما بيّناه فيكون حينئذ جزء الحجّة ، وهي قرينة على الحُسن ، والوجه في ذلك ما تقدّم إجمالاً ، من أنّ الغالب في هذه القرائن العامّة للتوثيق ليست مبنيّة على حسّ محض ، بل هي بضمائم حدسيّة ، فتفيد مفاد ظنّي على درجات تتعاضد مع غيرها.

فمثل المقام ما ورد في التعبير المتقدّم من أنّه روى عنه عليه‌السلام أربعة آلاف من الثقات ، فليس المراد منها ـ وان صدرت من ابن عُقدة ـ شهادة حسّية عامّة استغراقية بان يكون ابن عقدة أو الشيخ المفيد أخبر حسّاً عبر وسائط معاصرة لتلك الطبقات. كيف وأنّ هناك عدّة ممّن روى عنه عليه‌السلام هو ممّن عُرف بالضعف كوهب بن وهب البختري ، أو ممّن قد نُصّ على مجهوليّته أو إهماله ، بل المراد هو بيان أنّ هناك جملة عديدة كثيرة ممّن روى عنه عليه‌السلام هم من العيون والثقات وهم عمدة النقلة عنه عليه‌السلام ، وأنّ مستند هذه المقولة هو استقراء القائل ـ سواء كان المفيد أو ابن عُقدة ـ لكلّ مفردة رجالية ممّن روى عنه بحسب ما ورد في تلك المفردة بالخصوص من نصوص رجالية أو قرائن أخرى. ثمّ ذكر هذه المقولة كنتيجة غالبيّة في طول النصوص والقرائن الخاصّة ، وهذا معنى ما ذكرناه من

١٣٣

حدسيّة النتيجة ، كما هو الحال في صحبة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ صحبته صلى‌الله‌عليه‌وآله مُعِدّة للصلاح ، إلّا أنّه كم من مصاحب كان من أهل النفاق والريبة ، كما يحدّثنا القرآن الكريم في آيات النفاق الجمّة الكثيرة (١).

فالمحصّل : إنّ هذه القرينة هي ظنّية حدسيّة لا بدّ أن تنضمّ إليها قرائن أخرى

الطريق الثاني

قاعدة الإجماع الكبير أو الصغير أو حجّة مراسيل بعض الرواة (٢)

وهو الإجماع الذي نقله الكشّي في رجاله والشيخ في العُدّة.

قال الكشّي تحت عنوان : (في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر عليه‌السلام وأبي عبد الله عليه‌السلام) : «أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر عليه‌السلام وأبي عبد الله عليه‌السلام وانقادوا لهم بالفقه ، فقالوا : أفقه الأوّلين ستّة ... زرارة ومعروف بن خربوذ وبُريد وأبو بصير الأسدي والفضيل بن يسار ومحمّد بن مسلم الطائفي ، قالوا ... وأفقه الستّة زرارة ، وقال بعضهم مكان أبي

__________________

(١) وان كان بين الصحبتين فرق واضح ، من جهة ان الصحبة في صدر الإسلام هي في الدخول في الإسلام ، والصحبة في عهده عليه‌السلام كانت في الداخل في الايمان.

(٢) الكبير ، أي الإجماع في الثمانية عشر رجل أو الاثنين وعشرين ، والصغير هو الإجماع الذي ذكره الشيخ في (العُدّة) في محمّد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر الذي سيأتي ، والمراسيل هي حجّية مراسيل ابن أبي عمير بالخصوص أو الثلاثة أو بعض أصحاب الإجماع الممتاز منهم بالتثبت الشديد ، كما في عمل الطائفة بمرسلتي يونس بن عبد الرحمن الطويلة والقصيرة في أكثر أحكام باب الحيض.

١٣٤

بصير الأسدي أبو بصير المرادي وهو ليث بن البختري» (١).

ثمّ روى بعد ذلك روايات عن الصادق عليه‌السلام في مدح هؤلاء.

وقال أيضاً تحت عنوان (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام) : «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون وأقرّوا لهم بالفقه من دون اولئك الستّة الذين عددناهم وسمّيناهم ستّة نفر ... جميل بن درّاج وعبد الله بن مسكان وعبد الله بن بكير وحمّاد بن عيسى وحمّاد بن عثمان وأبان بن عثمان قالوا : وزعم أبو اسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون .. إنّ أفقه هؤلاء جميل بن دراج ، وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام» (٢).

وقال تحت عنوان (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم عليه‌السلام وأبي الحسن الرضا عليه‌السلام) : «أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم وأقرّوا لهم بالفقه والعلم وهم ستّة نفر آخر دون الستّة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام منهم : يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى بيّاع السابري ومحمّد بن أبي عمير وعبد الله بن المغيرة والحسن بن محبوب وأحمد بن محمّد بن أبي نصر وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب ، الحسن بن علي بن فضّال وفضالة بن أيّوب وقال بعضهم مكان ابن فضّال ، عثمان بن عيسى وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى» (٣).

وقال الشيخ الطوسي في العُدّة : «وإذا كان أحد الراويين أعلم وأفقه من الآخر

__________________

(١) الكشّي ٢ / ٥٠٧ ، رقم ٤٣١ ، طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

(٢) الكشّي ٢ / ٦٧٣ ، رقم ٧٠٥ ، طبعة آل البيت عليهم‌السلام.

(٣) المصدر المتقدّم / ٨٣٠ ، رقم ١٠٥٠.

١٣٥

فينبغي أن يُقدّم خبره على خبر الآخر ويرجّح عليه ولأجل ذلك قدّمت الطائفة ما يرويه زرارة ومحمّد بن مسلم وبُريد وأبو بصير والفضيل بن يسار ونضراؤهم من الحفّاظ الضابطين على رواية من ليس له تلك الحال» (١).

وقال أيضاً : «وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً نُظر في حال المرسل ، فإن كان ممّن يُعلم أنّه لا يُرسل إلّا عن ثقة موثوق به ، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عُرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عمّن يُوثق به وبين ما أسنده غيرهم ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم ... فأمّا إذا انفردت المراسيل يجوز العمل بها على الشرط الذي ذكرناه ودليلنا على ذلك الأدلّة التي قدّمناها على جواز العمل بأخبار الآحاد ، فإنّ الطائفة كما عملت بالمسانيد عملت بالمراسيل ، فبما يُطعن في واحد منهما يُطعن في الآخر وما أجاز أحدهما أجاز الآخر فلا فرق بينهما على حال» (٢).

وقد ذكر هذا الإجماع ابن شهرآشوب في أحوال الإمام الباقر عليه‌السلام.

وقال النجاشي في رجاله في ترجمة محمّد بن أبي عمير قال : «قيل إنّ اخته دفنت كتبه في حال استتارها وكونه في الحبس أربع سنين ، فهلكت الكتب ، وقيل : بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر ، فهلكت فحدّث من حفظه وممّا كان سلف له في أيدي الناس فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله» (٣).

__________________

(١) العُدّة ١ / ١٥٢.

(٢) المصدر المتقدّم / ١٥٤.

(٣) النجاشي / ٣٢٦ ، طبعة قم.

١٣٦

وقال عنه النجاشي أيضاً : «جليل القدر وعظيم المنزلة فينا وعند المخالفين». لكن بقرينة رواية أكثر كتبه بالطرق المختلفة عند أصحاب الكتب الأربعة وفي فهرست الشيخ والنجاشي ، فالظاهر إنّ المراد من العبارة المزبورة محو بعض صور أسانيد كتبه ومن ثمّ تعدّدت المراسيل في رواياته.

وأمّا الأقوال في مفاد هذا الإجماع

الأوّل : الاتّفاق على وثاقة هؤلاء من غير منازع ، أي لم يختلف أحد الرجاليين أو الرواة أو الفقهاء في وثاقتهم بخلاف غيرهم من الرواة.

الثاني : أضبطيّة هؤلاء وحفظهم وتثبّتهم وفقاهتهم ، أي إنّ هؤلاء وقع الاتّفاق على تفوّقهم على مَن سواهم في هذه الصفات.

الثالث : اعتماد مراسيلهم ، أي إنّهم إذا أرسلوا خبراً يُعامل كالخبر المُسند.

الرابع : تصحيح الخبر الذي يرويه هؤلاء واعتباره والاعتماد عليه ، وإن كان في السند الذي يرويه هؤلاء عن المعصوم ضعفاء أو مجاهيل ، فكلّ ما يصحّ عنهم وإليهم يُصحّح ما بعدهم إلى المعصوم.

الخامس : توثيق من يروي عنه هؤلاء مباشرة أو مع الواسطة ، فكلّ مجهول الحال يروي عنه أصحاب الإجماع مباشرة فقط أو بالواسطة على الاحتمال الآخر فإنّه يوثّق وكذا الضعيف ، فإنّ روايتهم عنه تكون بمثابة الشهادة على تعديله.

السادس : كون هذا الإجماع بالمعنى الذي اصطلح عليه علماء الأصول ـ تعبّدي ـ داخل فيه المعصوم عليه‌السلام وهو منعقد على لزوم الأخذ برواياتهم إذا صحّ الطريق عنهم ، وافتراق هذا الوجه عمّا سبق بدعوى دخول المعصوم عليه‌السلام.

السابع : إنّ المراد بهذا الإجماع هو الحكاية عن ديدن أصحاب الإجماع

١٣٧

ودأبهم ورويّتهم في التثبّت عمّن يروون عنه ، وفي الاضطلاع بقواعد المذهب في الرواية ومعرفة النقيّ من الحديث مضموناً وسنداً عن غيره ، فكلّ هذه الخبرة الفقهية والروائية والدرائية والرجاليّة جعلتهم مَهَرةَ الحديث والفقه ، وروّاداً في مجال خبرتهم ممّا يشكّل قرينة قويّة جدّاً إجمالية على سلامة ما يرونه ، وإن كان عن الضعفاء ، أو سلامة من يروون عنه إذا أكثروا النقل عنه.

فالمحصّل أنّها ليست شهادة حسّية بصحّة الخبر ولا بوثاقة من يروون عنه ، بل قرينة إجمالية قويّة ظنّية تفصيليّة تتعاضد مع قرائن أخرى توجب حصول الاطمئنان بالصحّة أو الوثاقة حسب الموارد.

ثمّ إنّ المعروف بين المتأخّرين لا سيّما متأخّري المتأخّرين هو اختيار الأقوال الأولى ، فقد قال الطبرسي في إعلام الورى ص ٢٧٦ قال : «وأمّا الذين وثّقهم الأئمّة عليهم‌السلام وأمروا بالرجوع إليهم والعمل بأخبارهم وجعلوا منهم الوكلاء والأمناء فكثيرون يُعرفون بالتتبّع في كتب أهل الفن ، وأمّا من عُرف بين الأصحاب بأنّه لا يروي إلّا عن ثقة فقد اشتهر بذلك جماعة منهم محمّد بن أبي عمير».

وقد قال السيّد بحر العلوم في رجاله في توثيق زيد النرسي : «إنّ رواية ابن أبي عمير لهذا الأصل تدلّ على صحّته واعتباره والوثوق بمن رواه ، فإنّ المستفاد من تتبّع الحديث وكتب الرجال بلوغه الغاية في الثقة والعدالة والورع والضبط والتحرّز عن التخليط والرواية عن الضعفاء والمجاهيل ، ولذا ترى أنّ الأصحاب يسكنون إلى روايته ويعتمدون مراسيله. وقد ذكر الشيخ في العُدّة أنّه لا يروي ولا يرسل إلّا عمّن يُوثق به وهذا توثيق عامّ لمن روى عنه ولا معارض له هاهنا ، وحكى الكشّي في رجاله إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه والإقرار له بالفقه والعلم ، ومقتضى ذلك صحّة الأصل المذكور لكونه ممّا صحّ عنه ، بل توثيق

١٣٨

راويه أيضاً لكونه العلّة في التصحيح غالباً ، والاستناد إلى القرائن وإن كان ممكناً إلّا أنّه بعيد في جميع روايات الأصل» (١).

وقال في منظومته :

قد أجمع الكلّ على تصحيح

ما يصحّ عن جماعة فليعلما

وهم اولو نجابة ورفعة

أربعة وخمسة وستّة

إلى أن يقول :

وما ذكرناه الأصحّ عندنا

وشذّ قول من به خالفنا

وذكر المحدّث الكاشاني في أوائل كتاب الوافي في المقدّمة الثانية : إنّ المتأخّرين ذهبوا إلى هذا المفاد ، وقال : أنت خبير بأنّ هذه العبارة ليست صريحة في ذلك ولا ظاهرة فيه ، فإنّ ما يصحّ عنهم إنّما هو الرواية لا المروي ، بل كما يحتمل ذلك يحتمل كونه كناية عن الإجماع على عدالتهم وصدقهم بخلاف غيرهم ممّن لم يُنقل الإجماع على عدالته.

وقال الوحيد البهبهاني في فوائده : «فالمشهور أنّ المراد صحّة كلّ ما رواه حيث تصحّ الرواية إليه ، فلا يلاحظ ما بعده إلى المعصوم عليه‌السلام ، وإن كان فيه ضعف ، وهذا هو الظاهر ، وقيل لا يفهم منه إلّا كونه ثقة فاعترض عليه أنّ كونه ثقة أمر مشترك فلا وجه لاختصاص الإجماع بالمذكورين به وهذا الاعتراض بظاهره في غاية السخافة إذ كون الرجل ثقة لا يستلزم وقوع الإجماع على وثاقته إلّا أن يكون المراد ما أورده بعض المحقّقين من أنّه ليس في التعبير بها لتلك الجماعة دون غيرهم ممّن لا خلاف في عدالته فائدة وفيه : أنّه إن أردت عدم

__________________

(١) رجال السيّد بحر العلوم ٢ / ٣٦٦.

١٣٩

خلاف من المعدّلين المعروفين في الرجال ففيه أولاً : إنّا لم نجد من وثّقه جميعهم ، وإن أردت عدم وجدان خلاف منهم ففيه : إنّ هذا غير ظهور الوفاق ... ربّما يتوهم بعض من عبارة (إجماع العصابة) وثاقة من روى عنه هؤلاء ، وفساده ظاهر ، وقد عرفت الوجه. نعم يمكن أن يُفهم منه اعتدادٌ ما بالنسبة إليه فتأمّل ، وعندي أنّ رواية هؤلاء إذا صحّت إليهم لا تقصر عن أكثر الصحاح ووجهه يظهر بالتأمّل في ما ذكرناه» (١).

أقول : قد أشار الوحيد في كلامه المتقدّم إلى وجود الأقوال المتقدّمة إجمالاً. فالعمدة التدبّر في متن عبارة الكشّي ، فإنّ العبارة الأولى قالبها أنّ مصبّ التصديق هم أصحاب الإجماع أنفسهم لإسناد التصديق إليهم لا لغيرهم ، ولا ريب أنّ الطبقة الأولى أعلى شأناً من الثانية والثالثة ، فتحمل عبارته بتصحيح ما يصحّ عنهم أي تصحيح الروايات التي صحّ الطريق إليهم ، تصحيحها سنداً من ناحية وقوعهم في السند أي إنّ السند بالإضافة إليهم صحيح معتبر لا بالإضافة إلى من بعدهم أياً من كان.

وحمل الصحّة عند المتقدّمين على خصوص سلامة المضمون وموافقته لأصول وقواعد المذهب ، فقد تقدّم ضعفها ، مضافاً إلى أنّ العبارة في المقام مشتملة على لفظة (ما يصحّ من هؤلاء) و (عن هؤلاء) وهو صريح في كون الصحّة وصفاً للسند ، نعم قد يقال بأنّ العبارة الأولى وهي التصديق بقرينة إردافها بالانقياد لهم بالفقه تُحمل على تصديق صدور الرواية بتصديقهم ، فتوافق ظاهر العبارتين الأخيرتين.

__________________

(١) فوائد الوحيد البهبهاني / ٢٩ ، في طبعة مجلد (رجال الخاقاني).

١٤٠