بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

نفي الشك في نفسه الشريفة ، ثمّ في من يقوم مقامه بأمره ، والتمعّن والتدبّر في ذلك يعطي أنّ الشك في الوكيل يرجع لُبّاً في سداد توكيل الموكّل ، وكذلك الحال في وكلاء من يكون وكيلاً عن ذي وجاهة ، ولذلك ورد في مضمون الرواية ، وهو مطابق لما في المثل الحكمي من قولهم (الرسول دليل عقل المُرسِل) ، ومن ثمّ يظهر قرينيّة الوكالة في الأمور العادية أو الشخصية أو النوّاب على الحُسن ، ولذلك ترى ركون الرواة الأجلّاء أو الثقات إلى ما يذكره موالي الأئمّة عليهم‌السلام تذييلاً لأقوالهم عليهم‌السلام ، كأن يكون قد خفي شيء على الراوي فيسائل «مصادف» مولى الإمام الصادق عليه‌السلام عنه ، حتّى أنّه قد روي أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام قد خيّر بعض مواليه بالإقامة عنده بإزاء عظم الثواب في الآخرة أو بالرجوع إلى أهله ، بعد ما بذل أحد التجار الشيعة مالاً على أن يحلّ محلّه في قبال أن يأتي هو في خدمته عليه‌السلام.

وأمّا الطعن في دلالة الوكالة بعدم اشتراطها بالعدالة ، فقد تقدّم أنّه وجه الملازمة والدلالة ليس هو للاشتراط الشرعي ، بل وجهها هو الاشتراط بحسب حكم الآداب ومنشئيتها للإضافة والإسناد إلى الموكّل.

وبعبارة أخرى : إنّ مطلق الوكالة وإن لم تشترط العدالة فيها شرعاً ، كما هو الحال في العاديّات ، بخلاف الشرعيات ، إلّا أنّه من باب الآداب الشرعية ، مضافاً الى أنّ التوكيل يحسب على الموكِّل ويضاف إلى اسمه.

وأمّا كون التوكيل في ما يرجع إلى الأمور الشخصية فليس مورد البحث في الوكالة مقصوراً عليه.

وأمّا وقوع الذم على عدّة من الوكلاء ، كالذين ذكرهم الشيخ في الغيبة وغيرهم كرؤساء الوقف.

١٦١

ففيه : إنّ المذمومين لم يكونوا وكلاء حين صدور الذمّ في حقّهم ، بل وكالتهم كانت في فترة استقامتهم ، مع أنّ المدّعى ليس هو التلازم التكويني بين الوكالة والعدالة أو الوثاقة ، بل المدّعى هو الأمارية والكاشفية ، فليس التخلّف بممتنع بالإمكان العقلي.

تنبيه : قد حُكي عن الشيخ البهائي والوحيد البهبهاني أنّ إطلاق التوصيف بوكيل في اصطلاح علماء الرجال يراد به أنّه وكيل لأحدهم عليهم‌السلام (١).

وأمّا الروايتين في «معتّب» بناءً على ثبوت نسخة الذمّ في الرواية الثانية فليس بنقض لما ذكرناه ، بل هما دليل على المطلوب ، والوجه في ذلك إنّ نفس تصدّيه عليه‌السلام ـ على فرض صدور تلك الروايتين ـ لبيان حال مواليه ولدفع توهم وثاقتهم هو دليل على أنّ الإضافة إليهم مقتضية للوثاقة ، وإلّا لما تعرّض عليه‌السلام لدفع ذلك الوهم ، حيث إنّ الوهم يحدث لمنشإ في البين ، ولذلك ترى في مفاد الرواية الأولى أنّه عليه‌السلام يُعيّن من هو المذموم عن غيره لأصحابه.

مع احتمال أن يكون الإمام عليه‌السلام قد أخبر عن ذلك بعد أن سرّحهم ، كي لا يطمعوا ـ مواليه ـ في النقل عنه كذباً

الطريق التاسع

مصاحبة المعصوم عليه‌السلام

حيث قد جعلها البعض من أمارات الوثاقة ، وأشكل عليه : إنّه لا دلالة للمصاحبة على الحُسن فضلاً عن الوثاقة ، إذ قد صحب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وسائر

__________________

(١) أقول : وهذا نظير لفظة الكاتب فهو منصرف إلى كاتب الديوان في السلطة القائمة آنذاك.

١٦٢

المعصومين عليهم‌السلام من كان فاسد السيرة وسيّئ الفعل.

والصحيح أنّ للصحبة معاني وأقساماً ، فتارة بمعنى مطلق من أدرك أو رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو أحد المعصومين عليهم‌السلام ، وأخرى بمعنى مطلق من حدّث وسمع عنهم ، وثالثة بمعنى من أدمن الرفقة والنشأة العلمية ، ويكون قد ترعرع على يديهم مدّة من الزمان ، ورابعة بمعنى صاحب السرّ كأمثال سلمان الفارسي ، وميثم التمّار ، ورشيد الهجري ، وجابر بن يزيد الجعفي ، وأمثالهم.

فأمّا القسم الرابع فمن الواضح إنّه دالّ على ما هو فوق العدالة الوثاقة ، وإن لم تكن بمعنى العصمة كما قد يُتخيل ، إذ هناك من حظي ببعض هذه المرتبة لكنّه زاغ عن الطريق كمحمّد بن أبي زينب أبي الخطّاب ويونس بن ظبيان وأمثالهما (١).

وأمّا حال القسم الثالث فكذلك يدلّ على الوثاقة والعدالة بما يزيد على حسن الظاهر ، كما لو تتلمّذ واختصّ بأحد الأعلام في العلم والأدب والتربية ، وحضى بالتلمّذ مع حسن سمته وهديه عنده ، فإنّ ذلك يُعدّ عند المتشرّعة فوق ما هو حسن الظاهر.

وأمّا القسم الثاني ، فضلاً عن الأوّل فلا يدلّ على شيء مع قلّة الرواية ، وأمّا كثرة الرواية فهي طريق آخر مستقلّ سيأتي الحديث عنه.

__________________

(١) كما هو الحال في من صحب النبي موسى عليه‌السلام وهو من أنبياء اولي العزم وهو (بلعم بن باعورا) ، حتّى قال فيه القرآن الكريم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ...) (الاعراف ١٧٥) ، وكان قد أعطي الاسم الأعظم.

١٦٣

الطريق العاشر

كثرة الرواية عن المعصوم عليه‌السلام

وقد يكون ذلك بالمباشرة وأخرى بغير المباشرة ، وقد يعنون هذا تحت عنوان كثرة من روى عن الراوي ، أو يعبّرون عنه بكثرة الرواية عنه ، والصحيح أنّهما طريقان متقاربان. والدليل على أماريّته على الوثاقة هو ما روي بطرق متعدّدة عنهم عليهم‌السلام.

نها : ما رواه الكشّي عن أبي عبد الله عليه‌السلام بسنده عن حمدويه بن نصير الكشّي ، قال : حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي حذيفة بن منصور ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال :

«اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر روايتهم عنّا» (١) وسند هذه الرواية ليس فيها من يُتوقّف فيه إلّا محمّد بن سنان (٢).

وما رواه عن إبراهيم بن محمّد بن العبّاس الختلي ، قال : حدّثنا أحمد بن إدريس القمي المعلّم ، قال : حدّثنا أحمد بن يحيى بن عمران ، قال : حدّثنا سليمان الخطاب ، قال : حدّثني محمّد بن محمّد ، عن بعض رجاله عن محمّد بن حمران العجلي ، عن علي بن حنظلة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «اعرفوا منازل الناس منّا على قدر رواياتهم عنّا» (٣).

__________________

(١). الكشّي : باب معرفة قدر الرواة.

(٢) وسيأتي في الفوائد بيان حاله ووثاقته.

(٣) الكشّي باب معرفة قدر الرواة.

١٦٤

ومنها وما رواه أيضاً عن محمّد بن سعيد الكشّي بن مزيد ، وأبو جعفر محمّد بن عوف البخاري ، قالا : حدّثنا أبو علي محمّد بن أحمد بن حمّاد المروزي المحمودي ، يرفعه قال : قال الصادق عليه‌السلام :

«اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا ، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتّى يكون محدّثاً. فقيل له : أو يكون المؤمن محدّثا؟ قال : يكون مفهّماً والمفهّم محدّث» (١).

ومنها ما رواه الكليني عن الحسين بن محمّد ، عن أحمد بن اسحاق ، عن سعدان بن مسلم ، عن معاوية بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويسدّده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ، ولعلّ عابداً من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيّهما أفضل؟ قال :

«الراوية لحديثنا يشدّ به (يسدّده فيه) قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد» (٢).

وأيضاً ما رواه الكليني عن محمّد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، عن ابن سنان ، عن محمّد بن مروان ، عن علي بن حنظلة ، مثل الذي تقدّم عنه بطريق الكشّي (٣).

ومنها ما رواه المجلسي في كتاب العلم ، في فضل كتابة الحديث وروايته ، روايات عديدة دالّة على فضل رواة الحديث ورواة السُنّة ، وإنّهم موصوفون بخلفاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ الأخذ بالحديث عن صادق خير من الدنيا وما فيها ، وإنّ من أدّى إلى أمّته صلى‌الله‌عليه‌وآله حديثاً يقام به سُنّة أو يثلم به بدعة فله الجنّة (٤).

__________________

(١) الكشّي باب معرفة قدر الرواة.

(٢) الكافي ١ / ٣٣ ، ح ٩. ورواه الصفّار في بصائر الدرجات ٧ / ٦.

(٣) الكافي ١ / ٥٠ ، ح ١٣.

(٤) بحار الأنوار ٢ / ١٤٤ ، باب ١٩.

١٦٥

وفي باب بعده أورد الأحاديث التي وردت في فضل حفظ الحديث ، وأنّ من حفظ أربعين حديثاً ممّا تحتاج الأمّة إليه من أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ، ولم يعذّبه ويُشفّع له (١).

وغيرها ممّا يجد المتتبّع كثيراً منها في مديح هذا المقام من العلم والدين.

ثمّ لا يخفى أنّ في ما تقدّم من الروايات التمييز بين دراية الحديث وروايته ، وأنّ المقام الأوّل أعظم شأنا من الثاني ، نظير ما روي من أنّ «حديثاً تدريه خير من ألف حديث ترويه» (٢).

لكن لا يخفى أنّ الدراية للحديث والذي بمعنى الفقاهة طريق آخر غير كثرة الرواية وإن كانت النسبة بينهما من وجه.

وأشكل على ذلك : بأنّ هذه الروايات ضعيفة سنداً ، بل ودلالة ، حيث إنّ المراد من «على قدر رواياتهم عنّا» هو كثرة الرواية بعد ثبوت حجيّة قول الراوي ، لكي يثبت لدينا كثرة روايته عنهم في الواقع ، فتكون مدحاً له ، وأمّا بدون ثبوت حجّية قوله فلا يُعلم إنّ الروايات الكثيرة عنهم ، أو أنّها من وضع الراوي عنهم.

وفيه : إنّ كثرة الرواية ـ كما قد سبق في صدر البحث ـ لها حيثيتان في الكاشفية عن الحسن أو الوثاقة ، فالأولى من جهة كثرة رواية الراوي عن المعصوم عليه‌السلام بواسطة أو بدونها ، وظاهر الإشكال في مدلول هذه الروايات ناظر إليه ، والثانية في كثرة رواية الرواة عن الراوي ، لا سيّما إذا كانوا أجلّاء ومن وجهاء وكبار الرواة.

__________________

(١) بحار الأنوار ٢ / ١٥٣ ، باب ٢٠.

(٢) الخصال.

١٦٦

ولكنّه على الحيثية الأولى غير وارد أيضاً ، لأنّ كثرة الرواية عنهم قبل ثبوت حجّية قول الراوي من طريق آخر وإن كانت بحسب الظاهر غير معلومة التحقّق أنّها روايات عنهم ، أو إنّها وضعت عليهم ، إلّا أنّ الظن بكون الروايات عنهم وإن لم يكن معتبراً بنفسه متحقّق ، كما إذا لم تكن الروايات معارضة لأصول المذهب وقواعده ، ولم تكن غريبة وشاذة المضمون بضميمة إنّه لا يعرف عن الراوي فسق ظاهر أو اشتهار بكذب ، فإنّه بذلك يحصل الظن بالرواية عنهم ، فتكون حينئذ جزء القرينة ومن قرائن الحُسن أو الوثاقة ، هذا في حين أنّا لا ننكر شمول الرواية للمصداق البارز ، وهو الراوي الذي قد ثبت حجّية قوله عن طريق آخر وأكثر في الرواية عنهم ، فتكون حينئذ أحد مرجّحات باب الترجيح.

وأمّا الحيثية الثانية ، فأيضاً هي دالّة على الحسن بل الوثاقة ، لعدم صمود وتوجه واعتماد الرواة لا سيّما الأجلّاء وكبارهم بكثرة إلّا إلى من يعتمد عليه في الرواية ويوثق به ، وهذا أمر يجده الإنسان في الأعراف العقلائية ، فضلاً عن المتشرّعة ، فضلاً عن نقّاد الحديث ومهرة الرواية.

وأمّا ضعف السند فممنوع ، بعد ما أشرنا إلى استفاضة الروايات في هذا الباب ، وكأنّه لتخيّل اقتصار المدرك على الروايات الثلاث الأولى ، وهو في غير محلّه ، لأنّ بقية الروايات دالّة بالالتزام على نفس المطلوب.

ومثال كثرة الرواية إكثار الكليني للرواية عن سهل بن زياد في الكافي في ما يربو على الألف والخمسمائة مورد.

وما يقال من أنّ إيراد الكليني لتلك الروايات في الكافي انّما هي في مقام التأييد لروايات أخرى بنفس المضمون فلا يدلّ على الاعتماد عليه مستقلّاً ، مندفع بأنّه ما يرويه عنه بانفراد كثير جدّاً ، كما لا يخفى على المتتبّع.

١٦٧

الطريق الحادي عشر

كونه صاحب كتاب أو أصل

فقد حكى ابن شهرآشوب في معالم العلماء (١) عن المفيد : إنّ الإماميّة صنّفوا من عهد أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى زمان العسكري عليه‌السلام أربعمائة كتاب تُسمّى الأصول.

وقال الوحيد في فوائده : لا يخفى أنّ مصنفاتهم أزيد من الأصول ، فلا بدّ من وجه تسمية بعضها أصولاً دون الباقي ، ثمّ ذكر احتمالات عديدة :

منها كون معناه الكتاب الذي يقتصر فيه على كلام المعصوم فقط ، ثمّ حكى عن خاله وجدّه المجلسيين اعتدادهما بكون الرجل صاحب أصل أنّه من أسباب الحسن ، ثمّ اعترض على ذلك بأنّ الحسن بن صالح بن حي الثوري البتري صاحب أصل ، إلّا أنّه متروك العمل بما يختصّ بروايته كما في التهذيب وكذلك علي بن ابن أبي حمزة البطائني.

ثمّ حكى عن الشيخ المفيد في رسالته في الردّ على الصدوق (٢) قال : وهم أصحاب الأصول المدوّنة ، ثمّ أشكل على عبارة المفيد بأنّ الجماعة الذين امتدحهم المفيد من جملتهم أبا الجارود ، وعمّار الساباطي ، وسماعة.

ثمّ ذكر أنّ كون الرجل ذا كتاب أضعف دلالة على الحُسن ، وحكى عن صاحب المعراج المحقّق البحراني نظير ذلك ، إلّا أنّه حكى عنه في كتاب البُلغة اعتداده به ، وقال : إنّه من قبيل ذلك قولهم : إنّه كثير التصنيف ، وجيّد التصنيف.

__________________

(١). معالم العلماء / ٣.

(٢). الظاهر ان مراده الرسالة العددية.

١٦٨

هذا وقد اعترض بعض الأجلّة أيضاً على دلالة هذا الطريق : بأنّ رُبّ مؤلِّف كذّاب وضّاع.

أقول : إنّ ظاهر مرادهم من الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه المصنّف الروايات التي رواها عن المعصوم مباشرة ، وإن وُجد موارد للنقض على هذا الحدّ ، وأمّا الكتب فهي التي يجمع فيها مؤلّفها ما رواه مباشرة أو بواسطة عن المعصوم ، وقد يُضمّ إلى هذه التفرقة أنّ الأوّل موضوع من دون تبويب ، ولا موضوع في باب خاصّ ، بينما الكتاب هو الذي يكون مبوّباً أو موضوعاً في عنوان خاص.

وأمّا الطعون التي ذكرها في الفوائد فغير واردة ، حيث إنّ تقييدهم بترك العمل بروايات الثوري بما ينفرد به دالّ على اعتمادهم على رواياته كضميمة مؤيّدة أو معاضدة لبقيّة الروايات ، مع أنّ ذلك لخصوصية في الثوري كما هو معلوم من ترجمته ، بل إنّ تنبيههم على ذلك عند ذكر أصله دالّ على أنّ عنوان الأصل مقتض للمدح ، فمن ثمّ صرّحوا بترك العمل برواياته تنبيهاً على أنّ حاله ليس كحال بقية أصحاب الأصول.

وأمّا نقضه بالبطائني فغير وارد أيضاً ، لأنّ ديدن المتقدّمين خلافاً لما اشتهر عند متأخّري الطبقات هو العمل بروايات ابن أبي حمزة البطائني أيّام استقامته ، كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي في العُدّة ، وتمييز الرواية عنه يحصل بكون الراوي عنه من الإماميّة والأجلّاء ، بخلاف ما إذا كان من الواقفية ، وذلك لأنّ الكشّي قد حكى في ترجمة رؤساء الواقفة أنّ الطائفة قد قاطعتهم إلى درجة أنّ يونس بن عبد الرحمن حيث لم يقاطعهم بُغية استتابتهم ، خاف على نفسه من الاتّهام بأنّه منهم ، فترك حينئذ الارتباط بهم (١).

__________________

(١) سيأتي البحث عن علي بن حمزة البطائني.

١٦٩

وأمّا النقض بابن أبي الجارود فإنّ هناك جماعة تذهب إلى توثيقه ، وإن كان زيدياً سرحوبياً ، قد ورد منهم عليهم‌السلام ذمّه حيث أنّ ذلك بلحاظ رأيه ومعتقده وانحرافه عنهم عليهم‌السلام ، ومن ثمّ حمّله الإمام الباقر عليه‌السلام رواية تفسير أغلب السور القرآنية.

وأمّا الطعن بعمّار بن موسى الساباطي فهو وإن كان فطحياً ، إلّا أنّه من كبار الفقهاء الثقات ، وهكذا الحال في سماعة مع أنّ نفس الوحيد البهبهاني قد تأمّل في وقفه ، لأنّه قد كانت وفاته في حياة الإمام الكاظم عليه‌السلام.

وبجانب ذلك كلّه إذا انضمّ إليه تلقّي الطائفة للأصل أو الكتاب أو الروايات ، ووجد المتتبّع بثّ رواياته في الأبواب ، ووجود الطرق إليه في كتب الفهارس والمشيخة ، فإنّ ذلك يعني اعتماد الطائفة عليه وتلقّيه بالقبول ، وقد اعتمد الشيخ الطوسي في العُدّة كثيراً على مثل هذه القرائن ، فلاحظ ما قدّمنا ذكره في الفصول المتقدّمة ، نعم قد فرّق بعضهم بين كونه ذا أصل أو كتاب ، وبين زيادة وصفه بالمعتمد ، وهو وإن كان في محلّه ، إلّا أنّه يمكن تحرّي وجود هذا الوصف وإن لم يصرّح به في التراجم الرجاليّة بالتتبّع الذي أشرنا إليه آنفاً.

ثمّ إنّه دون ذلك في الدلالة على الحُسن كونه ذا تصانيف ، وكتب في غير الرواية ، كالتاريخ والسير ونحو ذلك ، فانّه دالّ على المكانة العلمية

الطريق الثاني عشر

كونه من مشيخة الكتب الأربعة ، وذكر طريق إليه

فقد جعله غير واحد من طرق المدح ، باعتبار ما ذكره كلّ من المشايخ الثلاثة في أوّل كتبهم ، من أنّهم استخرجوا أحاديث كتبهم من الكتب المشهورة المعوّل

١٧٠

عليها ، والآثار الصحيحة ، أو المقترنة بقرائن تدلّ على صحّتها ، وأنّ طرقهم إلى تلك الكتب لم يقتصر فيها على التي ذكروها في المشيخة ، بل عقد كلّ من الصدوق والشيخ كتاب فهرست يجمع فيه طرقه ، إلّا أنّ الأوّل منهما لم يصل إلينا ، فهذا ممّا يدلّ على أنّ من يذكرون الطريق إليه في المشيخة معتمد الرواية والكتاب ومركون الى كتابه ، بل إنّ المتدبّر يلتفت إلى أنّ المشيخة المذكورة في التهذيبين والفقيه هي عبارة أخرى عن كتاب فهرست ، ولعلّ نمط كتابة الفهرست هي تطور في تدوين المشيخة عند الرواة ، التي هي أسبق زمناً في التدوين كمشيخة الحسن بن محبوب ، إلّا أنّه على ذلك فمن الحريّ توسعة هذا الطريق إلى المذكورين في فهرست الشيخ والنجاشي ، وإن كان للكتب الأربعة امتياز ، هذا ويقرب هذا الطريق مع عدّة من الطرق الاخرى المذكورة من شيخوخة الإجازة ، أو كونه صاحب كتاب ، أو إكثار الكليني والفقيه الرواية من أحد ، أو كون كتابه مرويّاً عند الأصحاب بطرق خاصّة لديه.

هذا وقد أشكل على هذا الطريق بأنّ الصدوق قد ذكر طرق إلى مثل إبراهيم بن سفيان ، وإسماعيل بن عيسى ، وأنس بن محمّد ، وجعفر بن قاسم ، والحسن بن قارن ، وغيرهم ، مع أنّ النجاشي والشيخ لم يذكراهم في فهرستيهما الموضوعين لذكر ذلك ، بل لم يذكرهم الشيخ في رجاله ، فكيف يكونون أرباب كتب مشهورة.

وبأنّ الصدوق ذكر طريقاً إلى أسماء بنت عميس مع أنّها ليست صاحبة كتاب معروف ، وبأنّه قد ذكر طريقاً إلى نفس الرواية ، مثل تلك التي «جاء نفر من اليهود ..» ، وبأنّ الصدوق لم يروِ عن بعض من ذكر طريقه إليه في المشيخة إلّا رواية واحدة ، مثل الذي تقدّمت أسماؤهم ، ومثل بزيع المؤذن ، وأيوب بن نوح ، وبحر السقا ، وبكّار بن كردم ، فكيف يمكن أن يكون لهم كتاب معروف ولم يخرج

١٧١

لهم إلّا رواية واحدة.

والحاصل : إنّ الروايات التي رواها الصدوق في كتابه لم يخرجها حسب الظاهر من كتب المشيخة التي ذكر الطرق إليها وبدأ بهم السند في الفقيه ، وإنّما هي من كتب غيرهم من الأعلام المتأخّرين المشهورين كرسالة والده إليه ، وكتاب شيخه ابن الوليد ونحوهما ، بخلاف الشيخ الطوسي في التهذيب ، فلا بدّ حينئذ من ملاحظة طريق الصدوق إلى ذلك الكتاب في المشيخة ، بعد ما اتضح أنّ الشهرة ليست هي وصف لكتب المشيخة ، بل لكتب أخرى غيرها ، فلا يُستغنى عن ملاحظة الطريق إلى كتب المشيخة.

وفيه : إنّه على تقدير إرادة الصدوق ذلك ، فإنّه يكون تدليساً في الكلام ، حيث إنّ صريح عبارته في أوّل المشيخة هو تكرار هذا التعبير (كلّما كان في هذا الكتاب عن فلان فقد رويته عن) ، ثمّ يذكر طريق شيوخ الإجازة إلى ذلك الكتاب ، وقد يذكر إلى الكتاب الواحد عدّة طرق ، بل إنّه يؤكّد في عدّة من الكتب بتعبيره (وكذلك جميع كتاب فلان) ، وكذلك مؤدّى عبارته في أوّل الفقيه «جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع ، مثل كتاب حريز ... ، وكتاب الحلبي ، وعلي بن مهزيار ، وجامع شيخنا محمّد بن الحسن بن الوليد رضى الله عنه ، ونوادر محمّد بن عمير ، وكتب البرقي ، ورسالة أبي رضى الله عنه وغيرها من الأصول والمصنّفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضي‌الله‌عنهم».

بل إنّها صريحة في تعداد كتب مشايخه كابن الوليد ورسالة والده في عرض بقيّة كتب المشيخة ، وإنّه يستخرج منها وينقل عنها في عرض تلك الكتب.

كما أنّ كلامه صريح في أنّ له كتاب فهرست ـ لم يصل إلينا ـ قد جمع فيه كافّة

١٧٢

طرقه إلى أصول مصنّفات الأصحاب قد تضمّن طرقاً مشهورة معروفة.

وكيف تصل كتب الأصول إلى الشيخ بل إلى ابن إدريس بل إلى المحقّق والشهيدين ولا تصل إلى الصدوق ، والذي يتقدّم على الشيخ بطبقتين ويتأخّر عن الكليني بطبقة.

وأمّا النقوض المذكورة من عدم ذكر النجاشي والشيخ لبعض من ذكرهم الصدوق في المشيخة ، فغير بعيد أن تكون تلك الكتب لم تصل إلى النجاشي والشيخ ، أو وصلت بغير طرق مسندة ، أو وصلت إليهم بطرق ولكن لم يذكروها ، كما هو مشاهد عند المقابلة بين فهرست الشيخ ومشيخته مع أماليه ، بل إنّه عند المقابلة بين فهرست الشيخ وفهرست النجاشي كذلك يُشاهد إنّ هناك كتباً التي ذكرها أحدهما دون الآخر ، فنرى الشيخ يترجم لثمانمائة وثمانية وثمانين (٨٨٨) رجلاً ، بينما ترجم النجاشي لألف ومائتين وتسع وستون (١٢٦٩) ، مع أنّ بعض من ذكره الشيخ لم يذكره النجاشي ، والصدوق في المشيخة قد ذكر ما يقرب من أربعمائة وأحد عشر عنواناً.

بل إنّ عدم ذكر الشيخ في رجاله لأسماء هؤلاء التي ذكرها المستشكل شاهد على أنّ إسقاط ذكرهم في الفهرست ليس لعدم كونهم أصحاب كتب ، وإلّا لكان إسقاط ذكرهم في رجاله أيضاً دالّ على أنّهم ليسوا برواة أصلاً.

وأمّا النقض بما أخرجه عن أسماء بنت عميس وخبر «النفر من اليهود» ففيه : إنّه قد نصّ في المشيخة إنّ هذا الطريق طريق إلى الخبر لا إلى كتاب ، بل قد نصّ في موارد أخرى على ذلك ، كما في جويرية بن مسهر ، وما كان فيه من حديث سليمان بن داود في معنى قول الله عزوجل (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ)(١).

__________________

(١) ص / ٣٣.

١٧٣

وأمّا إخراجه لرواية واحدة عن بعض الكتب فلا دلالة له على عدم كون الراوي صاحب كتاب ، وذلك لأنّ إخراج الرواية من كتاب معتبر وراوي جليل شهير أولى من إخراجها من كتاب دونه في المرتبة بكثير.

هذا وملخّص الوجه في هذا الطريق يتساوى في درجة الدلالة مع ما ذكرناه في ما يقاربه من الطرق

الطريق الثالث عشر

وقوعه في طريق المشيخة

بأن يقع في الطريق الذي وصل عبره الكتاب إلى أصحاب الكتب الأربعة ، إمّا مناولة ، أو قراءة ، وغير ذلك من طرق الرواية ، لا سيّما إذا كان الكتاب معتمداً قد نقل عنه أصحاب الكتب الأربعة واستخرجوا منه الروايات في أكثر الأبواب ممّا يدلّل على اعتمادهم عليه ، ولا سيّما إذا كان الطريق منفرداً بالذي وقع فيه ذلك الشخص ، فإنّ ذلك كلّه يشكّل قرينة على الاعتماد على ذلك الراوي ، وإنّه مأمون الجانب من الدسّ والوضع وإنّه مأمون في التثبت والضبط.

وبعبارة أخرى : إنّ الاعتماد في كثير من الروايات المستخرجة في كتبهم تؤول في الاعتماد على ذلك الراوي ، فتنطبق عليه عدّة من القرائن السابقة ، ككثرة الرواية ، أو شيخوخة الإجازة ، وغيرهما من القرائن المتقدّمة ممّا يتفطّن إليها المتدبّر ، فكيف إذا اعتمد على راوٍ في العديد من الكتب المشهورة ، كما هو الحال في اعتماد الشيخ على أبي المفضّل الشيباني محمّد بن عبد الله بن محمّد ، فإنّه قد وقع في أكثر طرق الشيخ إلى العديد من الكتب في الفهرست وفي الأمالي.

١٧٤

الطريق الرابع عشر

ترحّم أحد الأعلام

كترحّم الشيخ والصدوق والكليني والمفيد وابن قولويه وغيرهم من الأعلام ، وقيل : بأنّه فيه عناية خاصّة ، فلا أقلّ من الدلالة على الحُسن.

وأشكل بأنّ الدعاء والاستغفار مستحبّ لكلّ مؤمن ، وقد ترحّم الصادق عليه‌السلام على عدّة أشخاص عُرفوا بالفسق كالسيّد إسماعيل الحميري وغيره ، وذلك لوجود ما يقتضي الترحّم ، فكيف بترحم أحد الأعلام ، فهذا الصدوق قد روى عن شيخه أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبّي أبو نصر وقال عنه : «ما لقيت أنصب منه ، وبلغ من نصبه أنّه كان يقول : اللهمّ صلّ على محمّد فرداً ، ويمتنع عن الصلاة على آله» ، وهذا النجاشي يترحّم على محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عبيد الله بن البهلول ، مع أنّه ذكر أنّه تجنب الرواية عنه لتضعيف شيوخه إيّاه.

وفيه : إنّ ما نقض به في مورد السيّد الحميري دالّ على المدّعى لا العكس ، حيث إنّ في تلك الروايات المشار إليها من ترحّم الإمام الصادق عليه‌السلام عليه قد تضمّنت استغراب الرواة وتعجّبهم من ترحّمه عليه‌السلام عليه ، مع أنّه كان شارباً للخمر ، فأجاب عليه‌السلام بأنّ الترحّم هو لفعله المشكور عليه من شدّة تولّيه ومناصرته لأهل البيت عليه‌السلام مع كون ذلك الزمن مخطوراً ، لا سيّما الشاعر الذي يعتبر شعره أفضل وسيلة إعلام لنصرة الدين ، فهذا الاستغراب والإجابة منه عليه‌السلام دالّ على أنّ الترحّم بنفسه له دلالة على الحُسن ، وبعبارة أخرى أنّ الترحّم منشؤه وجود حُسن في المترحّم عليه ، أمّا نفي وجود السوء فيه فيكفي فيه عدم الإحراز ، كما بيّنا مفصّلاً في حُسن الظاهر فراجع.

هذا مع أنّ الروايات الواردة في الحميري متعدّدة ، فظاهر بعضها إقلاعه

١٧٥

عن الخمر عند بدء انتمائه إلى المذهب بعد أن كان كيسانياً ، كما يظهر ذلك من رواية محمّد بن نعمان التي أوردها الكشّي في ترجمته ، ولا يعارضها بقية الروايات التي يظهر منها بقاؤه على شرب الخمر ، فإنّها قد تحمل على فعله السابق الذي قد تاب منه.

وأمّا ترحّم النجاشي على من ضعّفه الأصحاب فالكلام فيه عين ما تقدّم ، من كون الترحّم منشؤه حُسنٌ ما ، وهو في أبي المفضّل الشيباني المعروف لمجاهدته في طلب الرواية وإكثار الرواية وكثرة الكتب التي ألّفها في الذبّ عن المذهب ، وهذا كلّه مقتض للترحّم والحُسن ، غاية الأمر أنّ النجاشي قد استدرك ذلك بلفظة (إلّا) الدالّة على وجود المقتضي مع مصاحبة المانع.

وأمّا رواية الصدوق فهو من جهة تلمّذه عليه في الرواية ، فهو وإن كان من القرائن ـ ومن ثمّ استدرك بالطعن عليه بذكر النصب فيه لدفع تلك القرينة ـ إلّا أنّه ليس ممّا نحن فيه ، إذ لم نعثر على مورد ترضّى فيه عليه ، نعم لا يخفى أنّ غرضنا من الاعتماد على هذه القرينة ليس هو الاعتماد عليها منفردة مستقلّة ، كما في سابقاتها ، بل الغرض هو التدليل على وجود نسبة من الكاشفية والظن الحاصل منها كجزء من مجموع قرائن حُسن الظاهر.

ويعضد ما استظهرناه ما قاله الصدوق في الفقيه في كتاب الصوم في باب صوم يوم الشك ، قال في ذيل رواية رواها عن عبد العظيم الحسني : «وهذا حديث غريب لا أعرفه إلّا من طريق عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، وكان مرضيّاً رضى الله عنه».

ووجه الدلالة هو أنّه مع غرابة مضمون الحديث فقد أورده الصدوق اعتماداً على الراوي لكون حاله مرضيّاً وإنشاء الترضي عليه عقيب ذلك الوصف بنفس المادّة الواحدة مشعر بأنّ المنشأ لذلك واحد ، أي إنّ الترضّي لكونه مرضيّاً.

١٧٦

الفصل الثالث

في المناهج

وأنماط البحث الرجالي

١٧٧
١٧٨

ولا بدّ أن لا يغيب عن الأذهان كون علم الرجال مقتطعاً من علم التاريخ ، فله وثيق الصلة في كيفية البحث التاريخي ، وبالأحرى أنّ التعرّف على المفردة الرجاليّة في رجال سند الروايات ، وكذا أحوال أصحاب الكتب ومشاربهم ومدارسهم أشبه شيء بمعرفة مفردة من الشخصيات في التاريخ ، فكما أنّ الباحث التاريخي لا يوطّن نفسه على انسداد الطريق للوصول إلى الوقائع وحقيقة المجريات السالفة ، بل تراه يتحمّل العناء في جمع القصاصات وكلّ شاردة وواردة مرتبطة بالمفردة والشخصية التي يحاول التعرّف عليها ، إلى أن يصل إلى الوضوح في حال المفردة وقد يفوق عن تقدّمه ، بل من قد عاصر تلك المفردة ، حيث قد تخفى عليه جوانب لا يلمّ بها المعاصر ، وهذه مقارنة موجزة تنطوي على بيان عمدة المنهج في البحث الرجالي ، فكما أنّ في البحث التاريخي توجد أصول ومناهج ومدارس فكذلك الحال في البحث الرجالي ، ومن ثمّ قال السيّد البروجردي ـ على ما نُسب إليه ـ : «إنّه لا انسداد في علم الرجال» ولو افترض ضياع الأصول الرجاليّة الخمسة لما وقع لدى الباحث انسداد في التنقيب عن

١٧٩

المفردة ، وذلك لما اتضح من مقارنة البحث الرجالي مع البحث التاريخي ، ولما يأتي من ذكر النظريات الأخرى ، وعلى ضوء هذه المقارنة أنّه لا بدّ من الالتفات إلى أن هذه المناهج الآتية في حين كونها أساليب وطرق عمليّة في علم الرجال فهي أيضاً تعتبر في الوقت نفسه منابع للبحث الرجالي ، والغرض من عقد هذا الفصل هو التنبيه على سعة منابع البحث الرجالي وتعدّدها ، وعدم الاقتصار فيها على النصوص الرجاليّة كما هو الرائج في العصر الحاضر.

مضافاً إلى التنبيه إلى مظانّ تلك المنابع المختلفة. وينبغي الالتفات أيضاً إلى أنّ الكتاب الرجالي قد يعتمد على منهج واحد فقط ، وقد يعتمد على منهجين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك ، وذلك حسب غرض المؤلّف أو مبناه في علم الرجال ، أو طبيعة ممارسته في هذا العلم.

وإليك تفصيل المناهج المعتمدة من قبل الرجاليين :

المنهج الأوّل : المنهج التحليلي

وهو أوثق صلة من بقيّة المناهج بالمقارنة المتقدّمة ، وفيه عدّة مراحل تتّضح من خلال النقاط التالية :

الأولى : جمع كلمات الرجاليين حول المفردة ، وهي بمنزلة الفتاوى الرجاليّة.

الثانية : تعيين طبقة الراوي ، من حيث الراويين عنه والراوي هو عنهم ، وهو بداية لمعرفة البيئة العلمية ، والوسط الذي كان يعيش فيه.

الثالثة : ملاحظة مضامين ما يرويه ، والأبواب الذي يكثر الرواية فيها ، فإنّها تعكس المستوى العلمي للراوي كما في قولهم عليهم‌السلام :

١٨٠