بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

بل كانت تظاهرهم بالعداوة لهم أشدّ من تظاهرهم بها للعامّة ، فإنّهم كانوا يُتاقون العامّة ، ويجالسونهم ، وينقلون عنهم ، ويظهرون لهم أنّهم منهم ، خوفاً من شوكتهم ، لأنّ حكّام الضلال منهم ، وأمّا هؤلاء المخذلون فلم يكن لأصحابنا الإمامية ضرورةٌ داعية إلى أن يسلكوا معهم على ذلك المنوال ، وخصوصاً الواقفية فإنّ الإمامية كانوا في غاية الاجتناب لهم والتباعد عنهم ، حتّى أنّهم كانوا يسمّونهم الممطورة ، أي الكلاب التي أصابها المطر.

وأئمّتنا عليهم‌السلام كانوا ينهون شيعتهم من مجالستهم ومخالطتهم ، ويأمرونهم بالدعاء عليهم في الصلاة ويقولون إنّهم كفّار مشركون زنادقة ، وإنّهم شرّ من النواصب وإنّ مَن خالطهم فهو منهم وكُتُب أصحابنا مملوءة بذلك ، كما يظهر لمن تصفّح كتاب الكشّي وغيره ، فإذا قبل علماؤنا ـ وسيّما المتأخّرون منهم ـ رواية رواها رجل من ثقات الإمامية عن أحد من هؤلاء وعوّلوا عليها وقالوا بصحّتها مع علمهم بحاله ، فقبولهم لها وقولهم بصحّتها لا بدّ من ابتنائه على وجه صحيح لا يتطرّق به القدح إليهم ، ولا إلى ذلك الرجل الثقة الراوي عن من هذا حاله ، كأن يكون سماعه منه قبل عدوله عن الحق وقوله بالوقف ، أو بعد توبته ورجوعه إلى الحق ، أو إنّ النقل إنّما وقع من أصله الذي ألّفه واشتهر عنه قبل الوقف ، أو من كتابه الذي الّفه بعد الوقف ، ولكنّه أخذ ذلك الكتاب عن شيوخ أصحابنا الذين عليهم الاعتماد ، ككتاب علي بن الحسن الطاطريّ ـ فإنّه وإن كان من أشدّ الواقفة عناداً للإمامية ـ فإنّ الشيخ شهد له في الفهرست بأنّه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم ، إلى غير ذلك من المحامل الصحيحة ، والظاهر أنّ قبول المحقّق رواية علي بن أبي حمزة ـ مع تعصّبه في مذهبه الفاسد ـ مبنيّ على ما هو الظاهر من كونها منقولة من أصله ، وتعليله يُشعر بذلك فإنّ الرجل من أصحاب

٢٨١

الأصول ، وكذلك قول العلّامة بصحّة رواية إسحاق بن جرير عن الصادق عليه‌السلام ، فإنّه ثقة من أصحاب الأصول أيضاً ، وتأليف هؤلاء اصولهم كان قبل الوقف ، وأنّه وقع في زمن الصادق عليه‌السلام فقد بلغت عن مشايخنا (قدّس الله أرواحهم) أنّه قد كان من دأب أصحاب الأصول أنّهم إذا سمعوا من أحد الأئمّة عليهم‌السلام حديثاً بادروا إلى إثباته في اصولهم ، لئلّا يعرض لهم نسيان بعضه أو كلّه بتمادي الأيّام وتوالي الشهور والأعوام ، والله أعلم بحقائق الأمور» (١).

__________________

(١) مشرق الشمسين : ٢٧٣ ، الطبعة الحجرية.

٢٨٢

الأمر الخامس

أقسام المراسيل في الاعتبار أو درجات الضعف في الخبر

فإنّه جرى وشاع في عصرنا النظرة إلى استتمام الخبر لشرائط الحجّية في نفسه ، فإن تمّت فهو ، وإلّا فإن اختلّ منه شرط من الشرائط فيُعزب عنه بالمرّة ، تحت مقولة أنّه غير واجد لشرائط الحجّية ، فيستوي مع غيره ممّا هو فاقد للشرائط في عدم الحجّية.

والصحيح هو تمييز الناقد لشرائط الحجّية على أقسام ودرجات ، وذلك لأهمّيته القصوى في النظرة المجموعيّة للأخبار ، وكيفيّة حصول الاستفاضة والمعاضدة بين الأخبار ببعضها البعض ، وعلى ذلك يجب التفرقة بين أنواع الإرسال في الخبر ، فتارة إرسال في طبقة وأخرى في طبقات ، كما أنّه تارة بلفظة (عن رجل) وأخرى بلفظة (روي عن فلان) وثالثة بلفظ (عمّن ذكره) ورابعة بلفظ (بعض أصحابنا) ، وخامسة بلفظ (عن غير واحد من أصحابنا) أو (عن جماعة)

كما أنّ الخبر المرسل أو المرفوع تارة بوجد في الكتب الأربعة وما يقرب منها ، كبقيّة كتب الصدوق والشيخ والمحاسن والبرقي وقرب الإسناد ونحوها ، وأخرى يوجد في كتب دونها في الشهرة ككتاب الدعائم والأشعثيّات والفقه الرضوي والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام ونحوها.

كما أنّه تارة يكون متكرّراً وأخرى معنىً ومضموناً ، كما أنّ مجموعة الأخبار

٢٨٣

تارة تكون حسان ـ بناء على عدم حجّية الخبر الحسن ـ أو القويّة ، وأخرى طرقاً مجهولة أو غير موثّقة من غير الإمامية لكنّها ممدوحة ، فإنّ هذه الأقسام تختلف في كيفيّة التعاضد وتوليد الوثوق بالصدور من جهة الكيف والكمّ ، وعليه فكيلها بمكيال واحد بدعوى فقدها لشرائط الحجّية غفلة عن هذا الجانب.

مضافاً إلى أنّ بعضها وإن كان من حيث الصورة فاقداً لشرائط الحجّية ، إلّا أنّه حقيقة واجد لها بالتدبّر ، وذلك مثل التعبير بمثل أصحابنا ، أو من غير واحد ، أو عن جماعة ، فإنّ الدارج عند الرواة إرادة الثقات الإماميّة من هذا التعبير ، وان كان الجمود على اللفظ بلحاظ مؤداه اللغوي أعمّ من ذلك ، بل الظاهر أنّهم يميّزون بين التعبير عن قولهم (عن بعض أصحابنا) و (عن رجل من بعض أصحابنا) ، لا سيّما إذا كان المرسِل مثل جميل بن دراج ، وابن أبي عمير ، وصفوان بن يحيى ، والحسن بن محبوب ، ونحوهم من فقهاء الرواة.

ولذلك قال الشيخ الطوسي في العدّة : «وإذا كان احد الراويين معروفاً والآخر مجهولاً ، قدّم خبر المعروف على خبر المجهول ، لأنّه لا يؤمن أن يكون المجهول على صفة لا يجوز معها قبول خبره ... وإذا كان أحد الراويين مُسنداً والآخر مرسلاً نُظر في حال المُرسل ، فإن كان ممّن يُعلم أنّه لا يُرسل إلّا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ، ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عُرفوا بأنّهم لا يروون ولا يُرسلون إلّا عمّن يوثق به ، وبين ما أسنده غيرهم ، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم ..

فأما إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل به على الشرط الذي ذكرناه ، ودليلنا على ذلك الأدلّة التي قدّمناها على جواز العمل بأخبار الآحاد ، فإنّ الطائفة

٢٨٤

كما عملت بالمسانيد عملت بالمراسيل ، فبما يُطعن في واحد منهما يطعن في الآخر ، وما أجاز أحدهما أجاز الآخر ، فلا فرق بينهما على حال» (١).

وقد تقدّم في فصل التوثيقات العامّة البحث في خصوص مراسيل ابن أبي عمير فلاحظ.

__________________

(١) العدة ١ / ١٥٤ ، الفصل الخامس من باب الأخبار ، الطبعة الحديثة.

٢٨٥

الأمر السادس

بيان حال من رُمي بالغلوّ

الأوّل : محمّد بن سنان

وقد وقع في إسناد كثير من الروايات ، قيل إنّها تبلغ سبعمائة وسبعة وتسعون (٧٩٧) مورداً ، فمن ثمّ كان تنقيح الحال فيه جديراً بالاهتمام ، وقد روى هو عن خلق كثير ، فقيل إنّ روايته عن ابن مُسكان تبلغ واحد وستين ومائة (١٦١) ، وهو كما قد روى عن أصحاب الإجماع والثقات الكبار روى أيضاً عن الزيدية وغيرهم من رُمي بالغلوّ كأبي الجارود زياد بن منذر العبدي الكوفي ، وعن يونس بن ظبيان ، والمفضل بن صالح ، والمفضّل بن عمر الجعفي الكوفي ، وعن علي بن أبي حمزة البطائني ، وعن عمرو بن شمر ، وفرات بن الأحنف ، وداوود بن كثير الرقّي وغيرهم ، كما قد روى عن جماعة من المتكلّمين من أمثال أبي جعفر الأحول ، وابن الطيار ، والحمزة بن الطيار ، وعمر بن قيس الماصر.

كما قد روى عنه جملة كثيرة من الثقات الأجلّاء وأصحاب الإجماع ، كصفوان ، والحسن بن محبوب ، والحسين بن سعيد ، والبرقي ، وابن أبي نجران ، وإبراهيم بن هاشم ، ويونس ، والفضل بن شاذان ، وزكريا ، ومحمّد بن إسماعيل بن بزيع ، والحسين بن أبي الخطاب ، وعلي بن أسباط ، وابن الحكم ، وابن النعمان ، والعبّاس بن معروف ، وأيّوب بن نوح ، ومحمّد بن عبد الجبّار ، ومحمّد بن عيسى بن عبيد ، ويعقوب بن يزيد ، والوشّاء ، وأحمد بن محمّد بن عيسى

٢٨٦

الأشعري ، والحسن بن فضال ، والحسن بن علي بن يقطين ، كما قد روى عنه من رُمي بالغلوّ كسهل بن زياد ، وبكر بن صالح محمّد بن جمهور العمي ، ومحمّد بن علي الكوفي أبو سمينة الصيرفي.

وإليك عرض لأهمّ ما قيل فيه :

١. قال عنه النجاشي : «محمّد بن سنان أبو جعفر الزاهري من ولد زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي ، كان أبو عبد الله بن العياش يقول : حدّثنا أبو عيسى محمّد بن أحمد بن محمّد بن سنان ، قال : هو محمّد بن الحسن بن سنان مولى زاهر توفّي أبوه الحسن وهو طفل ، وكفّله جدّه سنان فنسب إليه ، وقال أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد إنّه روى عن الرضا عليه‌السلام ، قال وله مسائل عنه معروفة ، وهو رجل ضعيف جدّاً لا يُعوّل عليه ولا يلتفت إلى ما تفرّد به ، وقد ذكر أبو عمرو في رجاله : أبو الحسن علي بن محمّد بن قُتيبة النيشابوري قال : قال أبو محمّد بن الفضل شاذان : لا احلّ لكم أن ترووا أحاديث محمّد بن سنان ، وذكر أيضاً أنّه وجد بخطّ أبي عبد الله الشاذاني انّي سمعت القاضي (العاصمي) يقول :

إنّ عبد الله بن محمّد بن عيسى الملقّب ببنان قال : كنت مع صفوان بن يحيى بالكوفة في منزل إذ دخل علينا محمّد بن سنان ، وقال صفوان : إنّ هذا ابن سنان لقد همّ أن يطير غير مرّة فقصصناه حتّى ثبت معنا.

وهذا يدلّ على اضطراب كان وزال ، وقد صنّف كتباً منها كتاب الطرائف ، ثمّ ذكر مسنده إليه عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عنه. وكتاب الأضلة وكتاب المكاسب وكتاب الحجّ وكتاب الصيد والذبائح وكتاب الشراء والبيع وكتاب الوصيّة وكتاب النوادر وذكر سنده إلى محمّد بن الحسين ابن أبي الخطّاب عنه.

٢٨٧

هذا وقد ضعّفه النجاشي أيضاً في ترجمة ميّاح المدائني.

٢. ما قاله الشيخ في الفهرست : «محمّد بن سنان له كتب ، وقد طعن عليه وضعّف ، وكتبه مثل كتب الحسين بن سعيد على عددها ، وله كتاب النوادر وجميع ما رواه إلّا ما كان فيها من تخليط أو غلوّ ، أخبرنا بكتبه ورواياته جماعة عن أبي جعفر بن بابويه عن أبيه ومحمّد بن الحسن جميعاً عن سعد والحميري ومحمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين وأحمد بن محمّد عنه ، ورواها ابن بابويه عن محمّد بن علي ماجيلويه عن محمّد بن أبي القاسم عمّه عن محمّد بن علي الصيرفي عنه».

وترجم له الشيخ في موضع آخر في الفهرست قائلاً : «له رسالة أبي جعفر الجواد عليه‌السلام إلى أهل البصرة ، أخبرنا بها ابن أبي جيّد ، عن ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن أحمد بن محمّد المدائني ، عن الحسن بن شمّون ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي جعفر الثاني عليه‌السلام».

وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم عليه‌السلام ومن أصحاب الرضا عليه‌السلام ومن أصحاب الجواد عليه‌السلام أيضاً ، إلّا أنّه قال عند عدّه من أصحاب الرضا عليه‌السلام : «محمّد بن سنان ضعيف».

٣. قد عدّه البرقي من أصحاب الأئمّة الثلاثة.

٤. ما رواه الكشّي (١) :

الأولى : عن حمدويه بن نصير أنّ أيّوب بن نوح دفع إليه دفتراً فيه أحاديث محمّد بن سنان ، فقال لنا : إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا ، فإنّي كتبت عن

__________________

(١) الكشّي : الحديث ٩٧٦ ، طبعة آل البيت.

٢٨٨

محمّد بن سنان ولكن لا أروي لكم أنا عنه شيئاً ، فإنّه قال قبل موته : كلّما حدّثتكم به لم يكن لي سماع ولا رواية وانّما وجدته.

الثانية : وروى أيضاً (١) عن محمّد بن مسعود قال : حدّثني علي بن محمّد القمي ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، قال : كُنّا عند صفوان بن يحيى فذكر محمّد بن سنان ، فقال : إنّ محمّد بن سنان كان من الطيّارة فقصصناه.

الثالثة : وروى أيضاً عن محمّد بن مسعود عن عبد الله بن حمدويه قال : سمعت الفضل بن شاذان يقول : لا أستحلّ أن أروي أحاديث محمّد بن سنان.

الرابعة : وذكر الفضل في بعض كتبه إنّ من الكذّابين المشهورين ابن سنان وليس بعبد الله ، وقال في ترجمة أبي سمينة محمّد بن علي الصيرفي : وذكر الفضل في بعض كتبه الكذابون المشهورون أبو الخطاب ، ويونس بن ضبيان ، ويزيد الصائغ ، ومحمّد بن سنان ، وأبو سمينة أشهرهم.

الخامسة : وروى أيضاً عن ابن قتيبة النيشابوري ، عن الفضل أنّه قال : «ردّوا أحاديث محمّد بن سنان وقال : لا أحلّ لكم أن ترووا أحاديث محمّد بن سنان عنّي ما دمت حيّاً ، وأذن في الرواية بعد موته» (٢).

السادسة : وروى أيضاً ما تقدّم من حكاية النجاشي عنه.

السابعة : وقال : قد روى عنه الفضل ، وأبوه ، ويونس ، ومحمّد بن عيسى العبيدي ، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، والحسن والحسين ابنا سعيد الأهوازيان وأبناء دندان ، وأيّوب بن نوح ، وغيرهم من العدول والثقات من

__________________

(١). الكشّي : الحديث ٩٧٧.

(٢) الكشّي : الحديث ٩٧٩.

٢٨٩

أهل العلم ، وكان محمّد بن سنان مكفوف البصر أعمى في ما بلغني.

الثامنة : وروى أيضاً أنّه وجد بخط أبي عبد الله الشاذاني قال (١) : سمعت العاصمي قال : كُنّا ندخل مسجد الكوفة فكان ينظر إلينا محمّد بن سنان ويقول : من أراد المعضلات فإنّي ، ومن أراد الحلال والحرام فعليه بالشيخ.

التاسعة : وروى أيضاً في موضع آخر (٢) تحت عنوان ما روي في صفوان بن يحيى بيّاع السابري ، ومحمّد بن سنان ، وزكريا بن آدم ، وسعد بن سعد القمي ، روى عن محمّد بن قولويه ، قال : حدثني سعد بن عبد الله قال : حدثني أبو جعفر أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن رجل ، عن علي بن الحسين بن داود القمي ، قال : سمعت أبا جعفر الثاني عليه‌السلام يذكر صفوان بن يحيى ، ومحمّد بن سنان بخير ، وقال : «رضي‌الله‌عنهما برضاي عنهما فما خالفاني قطّ» هذا بعد ما جاء عنه فيهما ما قد سمعته من أصحابنا.

العاشرة : ورُوي عن أبي طالب عبد الله بن الصلت القمي قال : دخلت على أبي جعفر الثاني عليه‌السلام في آخر عمره فسمعته يقول : «جزى الله صفوان بن يحيى ومحمّد بن سنان وزكريا بن آدم عنّي خيراً ، فقد وفوا لي» ولم يذكر سعد بن سعد ، قال : فخرجت فلقيت موفّقاً ، فقلت له : إنّ مولاي ذكر صفوان ، ومحمّد بن سنان ، وزكريا بن آدم ، وجزاهم خيراً ، ولم يذكر سعد بن سعد ، قال : فعدت إليه فقال : «جزى الله صفوان بن يحيى ومحمّد بن سنان وزكريا ابن آدم وسعد بن سعد عنّي خيراً فقد وفوا لي».

__________________

(١). ولعل الضمير يرجع إلى العاصم عن بنان عبد الله بن محمّد بن عيسى.

(٢). الكشّي ، الحديث ٩٦٢ ، وما بعده.

٢٩٠

الحادية عشر : وروى أيضاً ، عن محمّد بن قولويه ، قال : حدثني سعد عن أحمد بن هلال ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، إنّ أبا جعفر عليه‌السلام ، كان لعن صفوان بن يحيى ، ومحمّد بن سنان ، فقال : «إنّهما خالفا أمري» قال : فلما كان من قابل ، قال أبو جعفر عليه‌السلام لمحمد بن سهل البحراني : «تولّى صفوان بن يحيى ، ومحمّد بن سنان ، فقد رضيت عنهما».

أقول : إنّ في أغلب أسانيد هذا الترضّي أو في جميعها نظراً ، وإن قال في المعجم إنّ اثنين منها صحيح ، وذلك لأنّ في الرواية الأولى المشتملة على الترضّي إرسالاً ، وهو قوله (عن رجل) ، والرواية الثانية معلّق إسنادها على الأولى ، ويحتمل أن يكون تعليقاً على ما في السند الأوّل من الإرسال ، والرواية الثالثة المشتملة على أحمد بن هلال وإن ذكرنا الاعتماد على رواياته بلحاظ حال الاستقامة ، الذي هو ظاهر رواية سعد عنه ، إلّا أنّ في خصوص هذا الموضع لا يمكن الاعتماد عليه ، حيث إنّ رواية اللعن ثمّ الترضّي لعلّها تكون في نفع أحمد بن هلال ، حيث إنّه قد صدر فيه اللعن أيضاً من الإمام العسكري عليه‌السلام ، أو الحجّة المنتظر عجّل الله فرجه ، ومثل هذا المضمون ينفعه ، وذلك ليُخيّل أنّ ما صدر فيه من اللعن قد يتعقّبه الرضا.

بل إنّ ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى عن رجل يحتمل قويّاً أن يكون أحمد بن هلال أيضاً ، لأنّ المتتبّع يرى أنّ ديدن كبار الرواة إذا رووا عن ضعيف الحال فإنّهم يتحاشون ذكر اسمه.

ولكن هذه الروايات على أسوأ الاحتمالات في السند دالّة على أنّه من قرناء هؤلاء الثلاثة الآخرين من الطائفة ، وهذا يدلّل على المكانة المرموقة والوجاهة وأنّه من الوجهاء والأعيان فيهم.

٢٩١

الثانية عشر : وروى عن حمدويه ، قال : حدّثني الحسن بن موسى ، قال : حدّثني محمّد بن سنان ، قال : دخلت على أبي الحسن موسى عليه‌السلام قبل أن يحمل إلى العراق بسنة ، وعليٌّ ابنه عليه‌السلام بين يديه ، فقال لي : يا محمّد ، قلت : لبّيك ، قال : «إنّه سيكون في هذه السنة حركة ، ولا تخرج منها» ، ثمّ أطرق ونكت الأرض بيده ، ثمّ رفع رأسه إليّ وهو يقول : «ويضلّ الله الظالمين ويفعل ما يشاء» ، قلت : وما ذاك جُعلت فداك؟ قال : «من ظلم ابني هذا حقّه ، وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب حقّه وإمامته من بعد محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله» ، فعلمت أنّه قد نعى إليّ نفسه ، ودلّ على ابنه ، فقلت : والله لأن مدّ الله في عمري ولأسلّمنّ له حقّه ، ولُاقرّن له بالإمامة ، أشهد أنّه من بعدك حجة الله على خلقه ، والداعي إلى دينه ، فقال لي : «يا محمّد يمدّ الله في عمرك وتدعو إلى إمامته ، وإمامة من يقوم مقامه مِن بعده». فقلت : ومن ذاك جعلت فداك؟ قال : «محمّد ابنه» ، قلت : بالرضا والتسليم ، فقال : «كذلك قد وجدتك في صحيفة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، أما إنّك في شيعتنا أبين من البرق في الليلة الظلماء» ، ثمّ قال : «يا محمّد إنّ المفضّل انسي ومستراحي ، وأنت أنسهما ومستراحهما ، حرام على النار أن تمسك أبداً» ، يعني أبا الحسن وأبا جعفر عليهما‌السلام ، وقد رواه الكليني في الكافي في باب الإشارة والنص على أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ، إلّا أنّه ليس فيه قوله عليه‌السلام : فقلت ومن ذاك جعلت فداك ... إلى آخر الحديث (١).

الثالثة عشر : وروى أيضاً عن حمدويه قال : حدّثنا أبو سعيد الآدمي ، عن محمّد بن مرزبان ، عن محمّد بن سنان ، قال : شكوت إلى الرضا عليه‌السلام وجع العين

__________________

(١) الكشّي : الحديث ٩٨٢. الكافي ١ / ٣١٩ ، الحديث ١٦.

٢٩٢

فأخذ قرطاساً فكتب إلى أبي جعفر عليه‌السلام وهو أقلّ من نيتي (١) ، فدفع الكتاب إلى الخادم وأمرني أن أذهب معه ، وقال : «أكتم» فأتيناه وخادم قد حمله ، قال : ففتح الخادم الكتاب بين يدي أبي جعفر عليه‌السلام ، فجعل أبو جعفر عليه‌السلام ينظر في الكتاب ويرفع رأسه إلى السماء ، ويقول : «ناج» ، ففعل ذلك مراراً ، فذهب كلّ وجع في عيني ، وأبصرت بصراً لا يبصره أحد ، قال : فقلت لأبي جعفر عليه‌السلام : جعلك الله شيخاً على هذه الأمة ، كما جعل عيسى ابن مريم شيخاً على بني إسرائيل ، قال : ثمّ قلت له : يا شبيه صاحب فطرس ، قال : وانصرفت وقد أمرني الرضا عليه‌السلام أن أكتم ، فما زلت صحيح البصر حتّى اذعت ما كان من أبي جعفر عليه‌السلام في أمر عيني ، فعاودني الوجع.

قال ، قلت لمحمّد بن سنان : ما عنيت بقولك يا شبيه صاحب فطرس؟ فقال : إنّ الله تعالى قد غضب على ملك من الملائكة يدعى فطرس ، فدقّ جناحه ورمي في جزيرة من جزائر البحر ، فلمّا ولد الحسين عليه‌السلام بعث الله عزوجل جبرئيل إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ليهنّئه بولده الحسين عليه‌السلام ، وكان جبرئيل صديقاً لفطرس فمرّ به وهو في الجزيرة مطروح ، فخبّره بولادة الحسين عليه‌السلام وما أمر الله به ، فقال له : هل لك أن أحملك على جناح من أجنحتي وأمضي بك إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ليشفع لك؟ فقال فطرس : نعم. فحمله على جناح من أجنحته حتّى أتى به محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فبلّغه تهنئة ربّه تعالى ثمّ حدّثه بقصّة فطرس ، فقال محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله لفطرس : «امسح جناحك على مهد الحسين وتمسّح به» ، ففعل ذلك فطرس ، فجبر الله جناحه وردّه إلى منزله مع الملائكة (٢).

__________________

(١). في نسخة : «أوّل ما بدى» ، وفي اخرى : «أول شيء».

(٢) الكشّي : الحديث ١٠٩٢.

٢٩٣

الرابعة عشر : وروى أيضاً : وجدت بخطّ جبرئيل بن أحمد ، حدّثني محمّد بن عبد الله بن مهران ، قال : أخبرني عبد الله بن عامر ، عن شاذويه بن الحسين بن داود القمّي ، قال : دخلت على أبي جعفر عليه‌السلام وبأهلي حبل ، فقلت : جعلت فداك أدع الله أن يرزقني ولداً ذكراً ، فأطرق مليّاً ، ثمّ رفع رأسه ، قال : «اذهب فإنّ الله يرزقك غلاماً ذكراً» ثلاث مرات ، قال : وقدمت مكّة فصرت إلى المسجد فأتى محمّد بن الحسن بن صباح برسالة من جماعة من أصحابنا ، منهم صفوان بن يحيى ، ومحمّد بن سنان ، وابن أبي عمير ، وغيرهم ، فأتيتهم ، فسألوني فخبّرتهم بما قال ، فقالوا لي : فهمت عنه ذكى أو زكي؟ فقلت : ذكي قد فهمته؟

قال ابن سنان : أمّا أنت سترزق ولداً ذكراً ، أمّا أنّه يموت على المكان ، أو يكون ميتاً ، فقال بعض أصحابنا لمحمّد بن سنان : أسأت ، قد علمنا الذي علمت ، فأتى غلام في المسجد ، فقال : أدرك فقد مات أهلك ، فذهبت مسرعاً فوجدتها على شرف الموت ، ثمّ لم تلبث أن ولدت غلاماً ذكراً ميتاً».

٥. وقال العلّامة في خلاصته عن ابن الغضائري : «محمّد بن سنان أبو جعفر الهمداني مولاهم ، هذا أصحّ ما يُنسب إليه ، ضعيف ، ضالّ ، يضع ، لا يُلتفت إليه».

وقال أيضاً في ترجمة زياد بن منذر أبي الجارود : «وأصحابنا يكرهون ما رواه محمّد بن سنان عنه ، ويعتمدون ما رواه محمّد بن بكر الأرجني».

٦. وقال الشيخ في التهذيب (١) في باب المهور : «محمّد بن سنان مطعون عليه ، ضعيف جدّاً ، وما يستبدّ بروايته ولا يشركه فيه غيره لا يُعمل عليه».

__________________

(١). التهذيب : ج ٧ ، ذيل الحديث ١٤٦٤.

٢٩٤

٧. والشيخ المفيد قد ضعّفه في الرسالة العدديّة ، ووثّقه في الإرشاد.

وتنقيح الحال فيه يتمّ بذكر نقاط من سيرته الروائية والعلمية ، وتحليل أقوال الآخرين عنه.

النقطة الأولى : إنّه ممّن أدمن المعاشرة والرواية عن أصحاب روايات المعارف والتفسير ، ممّن كانوا من الفرق الضالّة ، كأبي الجارود زياد بن منذر ، ويونس بن ظبيان ، وعلي بن أبي حمزة ، وإن كان يحتمل في الأخيرين أنّه روى عنهما في حالة استقامتهما.

وهكذا قد أدمن الرواية عمّن اختصّ بروايات المعارف من الأصحاب ، كالمفضّل بن عمر ، والمفضّل بن صالح ، ونحوهما ممّا تقدّمت الإشارة إليه ، كما أنّه أدمن في الرواية عمّن رمي بالغلوّ ـ كما أسلفنا ـ مثل بكر بن صالح ، ومحمّد بن جمهور ، وأبي سمينة محمّد بن علي الكوفي.

فيظهر من هذه النقطة ولعه وشغفه بروايات المعارف ، كما صرّح هو بنفسه بقوله : «من أراد المعضلات فإليّ» ويشهد لذلك أيضاً تتبّع الروايات التي رواها هو ، أو وقع في طريقها في مجلّدي اصول الكافي ، والعيون والتوحيد وغيرها من الكتب المؤلّفة في باب المعارف ، كما أنّه يظهر حرصه على هذا الباب ، وإن استلزم ذلك خلطته للطيّارة والغُلاة ، وهذا يفتح باب الطعن عليه لأنّه يؤدّي إلى التأثّر به بدرجةٍ ما.

بل إنّ ظاهرة الحرص والولع في هذا الباب ملحوظة في عدّة من الرواة ، ممّن طعن عليه بالضعف أو الغلو ، كما هو الحال في أبي سمينة ، وسهل بن زياد ، والمفضّل بن صالح ، ولا يستبعد أنّهم في بدء نشأتهم العلمية قد حرصوا على

٢٩٥

رواية الغثّ والسمين في ذلك الباب ، فأورث ذلك عليهم الطعن أو التخليط.

ولعلّ بعضهم كان يحرص على بلوغ مرتبة أصحاب المعارف الغامضة ، والعلوم الخفيّة ، احتذاءً بجابر بن يزيد الجُعفي ، وميثم ، ورشيد الهجري وأضرابهم.

بل إنّ هذا التطلّع والحرص مع عدم القابلية قد شطّ بالبعض الآخر إلى الشذوذ والانحراف ، كأبي الخطاب محمّد بن مقلاص ، ويونس بن ظبيان ، ونحوهما ممّن كانت له فترة استقامة ثمّ انحراف ، ويشير إلى ذلك ما رواه في تحف العقول عن أبي جعفر محمّد بن النعمان الأحول ، قال : قال لي الصادق عليه‌السلام : «إنّ الله جلّ وعزّ قد عيّر أقواماً في القرآن بالإذاعة» ، فقلت له : جُعلت فداك أين قال؟ قال : «قوله : (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ)(١).

ثمّ قال : «المُذيع علينا سرّنا كالشاهر بسيفه علينا ، رحم الله عبداً سمع بمكنون علمنا فدفنه تحت قدميه. يا ابن النعمان ، إني لأحدث الرجل منكم بحديث ، فيتحدّث به عنّي ، فاستحل بذلك لعنته والبرائة منه ، فإنّ أبي كان يقول : وأيّ شيء أقرّ للعين من التقيّة ، إنّ التقيّة جُنّة المؤمن ، ولو لا التقيّة ما عبد الله ، وقال الله عزوجل : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ ...) (٢) الآية. يا ابن النعمان ، إنّ المُذيع ليس كقاتلنا بسيفه ، بل هو أعظم وزراً ، بل هو أعظم وزراً ، بل هو أعظم وزراً. يا ابن النعمان : إنّ العالم لا يقدر أن يخبرك بكلّ ما يعلم ، لأنّه سرّ الله الذي سرّه إلى جبرئيل ، وأسرّه جبرئيل إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأسرّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ ، وأسرّه علي عليه‌السلام إلى الحسن ، وأسرّه الحسن عليه‌السلام إلى الحسين ، وأسرّه الحسين عليه‌السلام إلى عليّ ، وأسرّه عليّ عليه‌السلام إلى محمّد ، وأسرّه محمّد عليه‌السلام إلى مَن أسرّه عليه‌السلام ، فلا تعجلوا فو الله لقد قرب هذا الأمر ثلاث مرات فأذَعْتُموه ، فأخّره

__________________

(١) النساء / ٨٣.

(٢). آل عمران / ٢٨.

٢٩٦

الله والله ما لكم سرّ إلّا وعَدُوُّكم أعلم به منكم.

يا ابن النعمان ، ابقِ على نفسك ، فقد عصيتني ، لا تذع سرّي ، فإنّ المغيرة ابن سعيد كذب على أبي وأذاع سرّه ، فأذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ أبا الخطاب كذب عليّ وأذاع سرّي ، فأذاقه الله حرّ الحديد ، ومن كتم أمرنا زيّنه الله به في الدنيا والآخرة ، وأعطاه ، ووقاه حرّ الحديد ، وضيق المحابس» الحديث (١).

فإنّ هذه الرواية تشير إلى أنّ عدّة من رواة أسرار المعارف حيث لم تكن لهم القابليّة على صون تلك الأمور ، مضافاً إلى حدّة العجلة التي فيهم حرصاً على بلوغ المراتب العالية ، أدّى بهم إلى الزيغ عن الجادّة.

ولعلّ هذا يفسّر تشدّد الأصحاب حول أمثال هؤلاء الرواة ، ردعاً لهم عن الشطط والتطرّف.

النقطة الثانية : إنّ كتبه كما عرفت بعضها في المعارف ، وأكثرها في الفروع ،

وقد وصفها الشيخ بأنّها مثل كتب الحسين بن سعيد على عددها ، وأنّ كبار الأصحاب كالصدوق ، وأبيه ، وشيخه ابن الوليد ، وسعد بن عبد الله ، والحميري ، ومحمّد بن يحيى العطار شيخ الكليني ، ومحمّد بن الحسين ابن أبي الخطّاب الكوفي ، وأحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري ، قد رووا كتبه وتلقّوها بالقبول.

وأمّا عبارة أيّوب بن نوح المتقدّمة فهي نحو من التستّر عن الاشتهار بالرواية عنه ، وإلّا فمناولته تلامذته الراويين عنه روايات محمّد بن سنان نحوٌ من الرواية وهي الرواية بالمناولة ، مع أنّ في كلامه نحو من الترغيب لهم في روايتها بشيء من الخفاء ، وذلك في قوله : «إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا» وأمّا تعليله عدم

__________________

(١) رواه في المستدرك أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، باب ٣٢.

٢٩٧

الرواية لهم تحديثاً من أنّ روايات محمّد بن سنان كلّها وجادة ، فهذا ما لا يصدّق ، حيث إنّ محمّد بن سنان قد التقى بالجمع الغفير من كبار الرواة ، والظاهر أنّ هذا التعليل خارج مخرج التورية ونحوها.

وكذا الحال في ما قاله الفضل بن شاذان ، فإنّ تقييده لتلامذته الراويين عنه روايات محمّد بن سنان ببعد الموت دالّ على أنّ ذلك ليس لأجل الخدشة في رواياته ، وإنّما هو خشية الاشتهار المشار إليه ، بل إنّ تقييده هذا يدفع ما نقل عن بعض كتب الفضل من عدّ ابن سنان من الكذّابين المشهورين ، لا سيّما وأنّ الستّة الذين وصفهم الفضل بذلك كلّهم قد اشتركوا في إدمان نقل روايات المعارف الغامضة ، وإن كان بعضهم شطّ وزاغ بعد استقامته.

ولا يخفى أنّ مدارس المعارف في أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام الرواة كان بِتَتَلْمُذِهم عند الأئمّة عليهم‌السلام على أنحاء ، فمنهم من ينهج علم الكلام كهشام بن الحكم ، والفضل بن شاذان ، ومؤمن الطاق أبو جعفر محمّد بن النعمان ، وحمزة الطيّار ، وغيرهم ، ومنهم من ينهج علوم الولاية ، كعلم المنايا والبلايا ونحوها ، كسلمان الفارسي ، وميثم التمّار ورشيد الهجري ، وكميل بن يزيد النخعي ، وجابر بن يزيد الجعفي ، وغيرهم ، وبعضهم في علم الفقه ، كزرارة ، وأبي بصير ، وبُريد ، ومحمّد بن مسلم ، وقد يجمع بعضهم أكثر من جانب ، وبعضهم في علوم القرآن والتفسير ، وبعضهم في بقية العلوم الاخرى ، وينجم عن هذا في بعض الموارد طعن بعضهم على البعض الآخر ، ومن ثمّ يجب دراسة تلك الطعون بالالتفات إلى مثل هذه الأمور التي أشرنا إليها ، بعيداً عن الإفراط والتفريط.

كما أنّ تعبير صفوان بن يحيى : «بأنّه هَمّ أن يطير غير مرّة فقصصناه حتّى ثبت معنا» دالّ على أيّ تقدير على عدم الشطط ولو بسبب التشدّد الذي

٢٩٨

أولاه الأصحاب تجاهه.

النقطة الثالثة : إنّ في عدّة من الروايات المتقدّمة سواء التي رواها هو أو التي رواها غيره فيه دالّة على شدّة حرص منه في هذا الباب ، تكاد تؤدّي به إلى العجلة والتسرّع المذمومة في مثل هذا الباب الخطير ، نظير ما ذكره هو عن نفسه من إذاعة شفاء عينه بمسح الإمام الجواد عليه‌السلام ، وقد أمر بكتمانه ، ومثل أنباء صاحب المولود بأن ولده سيموت ، ومؤاخذة الأصحاب على تسرّعه في الكشف عن ذلك ، وكذا ما ذكره الراوي من أنّه كنّا ندخل مسجد الكوفة وكان ينظر إلينا محمّد بن سنان وقوله : «من أراد المعضلات فإليّ» فإنّ البروز إلى العلن في مثل ذلك ليس من حكمة هذا الباب ، مضافاً إلى ما عرفت في أنّ المخالطة لكلّ من يطرق هذا الباب لمن هبّ ودبّ وممّن كان له شذوذ يفتح باب الطعن على الإنسان ، ويخشى من معرضيّة الزلل ، ولعلّ من هذا القبيل ما روى الكشّي إنّه رأى في بعض كتب الغلاة وهو كتاب الدور عن الحسن بن علي ، عن الحسن بن شعيب ، عن محمّد بن سنان ، قال : دخلت على أبي جعفر عليه‌السلام فقال لي :

«يا محمّد ، كيف أنت إذا لعنتك وبرئت منك وجعلتك محنة للعالمين أهدي بك من أشاء وأضلّ بك من أشاء» قال : قلت له : تفعل بعبدك ما تشاء إنّك على كلّ شيء قدير.

ثمّ قال : «يا محمّد ، أنت عبد قد أخلصت لله إنّي ناجيت الله فيك فأبى إلّا أن يضلّ بك كثيراً ويهدي بك كثيراً» (١) ، وإن كان قد يُحمل هذا الكلام على محمل آخر صحيح.

__________________

(١). الكشّي : الحديث ١٠٩١.

٢٩٩

النقطة الرابعة : قد عرفت أنّه قد روى عن أبي الحسن ، وأبي الحسن الرضا ، وأبي جعفر الثاني عليهم‌السلام ، بل وروى الكليني في الكافي في رواية يظهر منها روايته عن الإمام الهادي عليه‌السلام (١) ، وقد عرفت أنّه روى هو عن جمّ غفير ، فقد روى عمّا يربو على مائة وأربعين راوٍ ، وروى عنه ما يربو عن ستّين راوٍ.

كما أنّ في طبقته أو ما يقرب منها محمّد بن سنان بن عبد الرحمن ، الظاهر أنّه أخ لعبد الله بن سنان ، وكذا محمّد بن سنان الحنظلي الذي روى عنه الصدوق في التوحيد في بعض الطرق ، ولكن الظاهر أنّه عند الإطلاق ينصرف إليه كما هو الدأب في علم الحديث.

وقد ذكر الشيخ ، محمّد بن سنان بن طريف الهاشمي في رجاله في أصحاب الصادق وزاد قوله «وأخوه عبد الله».

وذكر صاحب تنقيح المقال أنّ محمّد بن سنان بن عبد الرحمن الهاشمي قد ذكر في كلام غير واحد من علماء الرجال ، ولكنه مجهول الحال.

وخلاصة ما تقدّم : إنّه ثقة في نفسه ، ومن أصحاب روايات المعارف ، وإن صدرت فيه طعن مِن بعض معاصريه ، إلّا أنّها محمولة على غير ظاهرها ، وإن اعتدّ بها في باب تعارض الروايات في مقام الترجيح بالصفات الموهنة للراوي ، كما تقدّمت الإشارة إليه.

وقد حرّرنا في بحث ألفاظ الجرح والتعديل أنّ الطعن بالكذب والوضع المعطوف على الغلو يراد به رواياته المحمولة على الغلوّ.

__________________

(١). الكافي ١ / ٤٩٦ ، الحديث ٩ ، باب مولد أبي جعفر محمّد بن علي الثاني.

٣٠٠