بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

الفصل الرّابعِ

في أحوال الكتب :

٢٠١
٢٠٢

ولكيفيّة تحقيق الكتب الروائية والمصادر لا بدّ من اعتماد منهج معيّن ، وضوابط مشخصة ، إذ لم يبلور ذلك بصورة مفرزة في كتب الدراية ، ولا في كتب الفهارس ، كفهرست النجاشي رجال ، وفهرست الشيخ الطوسي ، أو كتاب الذريعة ، أو خاتمة المستدرك للنوري.

وقد بزغت ظاهرة غير علمية في الأوساط المختلفة من الإقدام على نفي صحّة الكتب ، أو التشكيك في نسبتها إلى أصحابها بمجرّد احتمال عدم مطابقة النسخ الموجودة للكتاب الأصلي للمؤلّف ، أو احتمال عدم صحّة أصل نسبته للمؤلّف.

وتحقيق صحّة النسخة وصحّة النسبة للمؤلّف وان كان لا بدّ منه ، إلّا أنّ النفي أيضاً متوقّف على الفحص والتثبّت ، ولا يكتفى فيه على مجرّد الاحتمال وعدم الاطّلاع ، فكل من النفي والإثبات محتاج إلى الدليل والشواهد والقرائن.

كما أنّه من المحبّذ بل اللازم على المحقّقين للكتب الروائية مراعات المنهج العلمي لتوثيق النسخ ـ الآتي في النقاط التالية لا سيّما في النقطة السابعة ـ ونسبتها الى أصحابها ، فإنّ هذا أهمّ ما يجب ذكره في مقدّمة تحقيق الكتاب ، لا الاقتصار

٢٠٣

على ما هو الدارج في هذا العصر من ذكر النكات الفنّية فحسب من ذكر طول النسخة وكون الورق أبيض أو أصفر ، وكون الخط باللون الأحمر أو الأسود ، وذكر نوع الخط ، وغيرها ممّا له فائدةٌ ما ، إلّا أنّ المدار المهم في تصحيح النسخ ليس إلّا إثبات صحّتها وصحّة انتسابها إلى مؤلّفها وتوثيقها ، فإذا أنجز هذا المطلب حفظت الكتاب قيمته كمدرك ومستند للأدلة الشرعية ، فكم هو الفارق بين ما يصنعه المحقّق الكبير الآغا بزرگ الطهراني في الذريعة واستاذه المحقّق النوري في الخاتمة وبين ما هو متّبع الآن في مقدّمات التصحيح للكتب ، وسيتّضح ذلك عن قريب.

ضوابط المنهج

الأولى : مراجعة هويّة الكتاب ، من خلال كتب الفهرست ، أو كتب التراجم ، ولا يخفى هنا أنّ من النافع هو الإحاطة بالفهارس الموجودة ، كفهرس النجاشي ، والشيخ وابن النديم ، والشيخ منتجب الدين ، وكذا الفهارس المتأخّرة ، ككتاب الذريعة ، ورياض العلماء للأفندي ، وخاتمة المستدرك للنوري ، ومصفّى المقال في مصنّفي علم الرجال للآغا بزرگ الطهراني ، وكذا كتب التراجم والرجال كبقية الأصول الرجاليّة الخمسة وكتب الرجال للمتأخّرين ، كالعلّامة وابن داود ، وكتب التراجم كأعيان الشيعة ، وكتاب طبقات أعلام الشيعة لآغا بزرگ الطهراني ، وكتاب روضات الجنّات للخوانساري وغيرها.

الثانية : معرفة أسانيد أصحاب الفهارس إلى ذلك الكتاب ، ولا ريب أنّ كثرة تلك الأسانيد ووفرة نسخه الواصلة إليهم يفيد استفاضة الكتاب ، أو تواتر نسخه ، ويثبت اشتهاره ، وهو في غاية الأهمّية.

٢٠٤

الثالثة : معرفة أسانيد أصحاب المجاميع الروائية المتأخّرة إلى ذلك الكتاب ، وذلك بتوسّط اتصال سندهم إلى أصحاب الفهارس ، كإجازات المرحوم المجلسي في البحار وطرقه إلى الكتب التي استخرج منها روايات كتابه ، وكذا الحال بالإضافة إلى الحرّ العاملي في خاتمة الوسائل ومفتتح كتاب إثبات الهداة ، وكذا طرق الفيض الكاشاني في الوافي ، وطرق السيّد هاشم البحراني ، وذلك عبر وقوعه في سلسلة إجازات عدّة من المحدّثين التي ذكروها عنه ، كما يمكن استخراج أسانيدهم من السلسلة المذكورة في كتب الإجازات ، كإجازة العلّامة الحلّي لابن زهرة وإجازة الشهيد الثاني إلى الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني العاملي ، وغيرها من الإجازات التي يُعثر عليها.

الرابعة : التعرّف على اشتهار الكتاب في الطبقات المتلاحقة ، وهي خطوة هامّة للغاية ، إذ معرفة اشتهار الكتاب عند الأصحاب وفي أنديتهم العلمية والحوزات الروائية دالّ على شهرة الكتاب ونُسخه ، ويتمّ ذلك بملاحظة الاستناد إلى استخراج الروايات من ذلك الكتاب في الكتب الفقهيّة الاستدلاليّة ، ككتب الراوندي ، وابن إدريس ، والمحقّق والعلّامة والشهيدين والمحقّق الكركي ، ومن أتى بعدهم ، وفي المصنّفات الروائيّة ، ككتب ابن طاوس ، ومزار الشهيد الأوّل ، وكتب الطبرسي ، وغيرها ، وكذا الكتب الاعتقاديّة ، كإرشاد الشيخ المفيد ، وأمالي المرتضى وإعلام الورى والاحتجاج للطبرسيّين ، وإثبات الهداة للحرّ العاملي.

والحاصل : إنّ تتبّع المدوّنات الفقهية وغيرها لأعلام الطائفة للقدماء والمتأخّرين ومتأخّري المتأخّرين حيث إنّهم كثيراً ما يستخرجون الرواية من الكتب المشهورة ، وهي شهادة بوجود النسخة المعتمدة لدى ذلك الفقيه والمؤلّف ، كما هو الحال في العلّامة الحلّي ، حيث أودع في كتابه منتهى المطلب

٢٠٥

روايات عديدة استخرجها من الكتاب المفقود مدينة العلم للشيخ الصدوق ، وعبّر عن الكثير منها بالصحيح ، وكذا ما نصّ عليه المحقّق الحلّي في المقدّمة الرابعة من كتاب المعتبر ، حيث ذكر فيها أسماء الكتب التي استخرج منها روايات الكتاب غير الكتب الأربعة ، وكذا الشهيد الثاني في تسلية الفؤاد.

الخامسة : ملاحظة الخطوط والتوقيعات المتعدّدة على النسخ المختلفة الواصلة إلينا ، فإنّها تشير إلى أيدي متعاقبة متناولة لها ، وإلى الحواضر والحوزات العلمية التي تناقلتها ، ويسعف في هذا المجال كثيراً الكتب المعجميّة المتكفّلة بأحوال النسخ ، كالذريعة ، ورياض العلماء ، وخاتمة المستدرك ، وكذا فهرست النسخ الموجودة في المكتبات المخطوطة ، المحتفظة بكميّات كبيرة من النسخ الخطية ، فإنّها بأجمعها تنفع في تحصيل موسوعة عن الكتب الروائية ، وفي التعرّف على النسخ العديدة ممّا يوجب معرفة إسناد طرق الكتب ، فمن المهمّ الالتفات إلى لزوم الإشارة إلى كلّ النسخ الموجودة ، فإنّ إغفال ذكر نسخة قد يؤدّي إلى إغفال قرينة عامّة على سند ذلك الكتاب الواصل إلينا.

السادسة : التعرّف على خط نسخة الكتاب ، واسم الناسخ ، وعمّن نسخ ، ومطابقة العدد المذكور فيه ، مع العدد المذكور في كتب النقل ، وكذا المطابقة بين ما في تلك النسخة وبين الروايات الواردة عنه في كتب أخرى.

وبعبارة أخرى : لا بدّ في تصحيح وتحقيق نسخة الكتاب الروائي الأخذ بالقرائن الرجاليّة ، والحديثية الدرائية التي يحتجّ بها ، لا الأخذ بقرائن الاطر الفنيّة الشكليّة.

السابعة : الرجوع والاستعانة بأهل الاختصاص في علم النسخ ، فإنّ التعرّف على النُّسخ عاد اليوم علماً برأسه اختصاصيّاً أكاديميّاً ، أو حاصل بالتجربة والتلمذ

٢٠٦

على يد أهل الخبرة من هذا الفن ، فإنّ في العصر الحديث قد فتح باب تزوير النسخ لتظهر كأنّها نُسخ أثريّة قديمة من القرون المتطاولة السابقة ، خصوصاً في الكتب الفريدة لتباع بأعلى الأثمان تحت عنوان النفائس القديمة ، وبسبب ذلك بزغ أرشفة ووضع عِلمان مختصّان بتحقيق صحّة النُّسخ ، وهو علم تصحيح النُّسخ ، وعلم فهارس الكتب والمكتبات.

أمّا الأوّل : فهو يبحث فيه عن كلّ من مادّة الورق بتوسّط المختبرات المختصّة وأنّ تركيبته راجعة إلى أيّ قرن من القرون الماضية ، حيث إنّ التركيبة في كلّ قرن كانت آخذة في التطور والتغيّر ، وكذلك يبحث فيه عن مركّب الخط أي الحبر المنقوش فيه رسم الخط ، فإنّ نسبة الكاربون المركّبة أيضاً هي مختلفة بحسب تطوّر صناعة الحبر ومادّة المركّب ، ويقع البحث فيه أيضاً عن الجانب الأدبي في صياغة الكتاب ، فإنّ المفردات ونمط التراكيب والأمثلة المستخدمة إلى غير ذلك من الخصائص الثقافية لأدب كلّ قرن ، بل وكلّ مكان وقوم وبيئة لها خصائص تفترق عن المورد والزمن الآخر ، فمثلاً يقع الفحص عن مفردات مستعملة في السابق مهجورة في القرون اللاحقة ، فإذا وقع العكس عُلم تزوير النسخة ، إذ ظاهرة النَّحْت في اللغة ، أو النقل ، أو هجر المعنى من لفظ إلى معنى آخر ، وهو ما يسمّى بالارتجال المنشرة في اللغات المختلفة ، وكذا الأمثلة ، فإنّها تعكس عن المستوى الثقافي لذلك الزمن ، فتحدّد بذلك زمن النسخة ، ويقع فيه البحث أيضاً عن نمط ديباجة الكتاب ، وتوقيع الخاتمة ، فإنّه بحسب الأزمنة يختلف نمط الاستهلال في الديباجة ، ونمط التوقيع في الخاتمة ، بل إنّه من خلال أسماء الناسخين أيضاً يُتعرّف على الحقبة الزمنية لها ، إذ كلّ حقبة تشتهر بأسماء معيّنة ، وهكذا رسم الخط ، فإنّ نوعية الرسم والنقش تختلف بحسب الأزمنة في أنواع

٢٠٧

الخطوط والنقوش ، وكذلك حجم الكتاب ، وحجم الورق ، وعدد الصحائف ، وكيفيّة التجليد.

وأمّا علم فهارس الكتب والمكتبات ، فإنّه يقع البحث فيه عن تاريخ المكتبات في القرون المتقدّمة وعدد ما تحويه من الكتب ، والمواضع التي انتقلت إليها الكتب في القرون اللاحقة ، وأصناف الكتب التي حوتها تلك المكتبات ، كما يقع البحث فيه عن التمييز بين النسخ الأصلية ، التي فيها خطوط مؤلّفيها والنسخ المستنسخة عنها ، وتبويب الكتب وتفصيلها بفصول ومقالات ، أي ما يشتمل عليه الكتاب من الأبواب والفصول فإنّ لكلّ فنّ في كلّ زمن نمط خاص من الفهرسة والتبويب ، وكذا يقع البحث فيه عن نمط تخريج الأقوال والأحاديث ، وطريقة الاستدلال ، والاصطلاحات المستخدمة في كلّ فنّ ، لكلّ زمن ، فمثلاً صاحب تخصّص الفهرسة إذا أراد التعرّف على النسخة كان اللازم عليه الإحاطة بالأدوار الزمانية لتطوّر ذلك الفنّ ، كي يتعرّف على كلّ ذلك ، وعلى الاسلوب الذي كتب به ، فانّه بذلك يستطيع الاطّلاع على صحّة النسخة ، وواقعيّتها المنسوبة لذلك الزمن ، إلى غير ذلك من الأمور.

والحاصل : إنّ الاستعانة بهذين العلمين ولو عبر المتخصّصين فيها يشرف الباحث والمصحّح للنسخة على الجزم والوثوق بسلامة النسخة ، وصحّة انتسابها إلى مؤلّفها.

الثامنة : التعرّف على أسلوب المؤلّف من خلال بقيّة كتبه ، فإنّ لكلّ مؤلّف من الرواة رويّة معينة في كيفيّة التأليف ، مضافاً إلى مبانيه الخاصّة به في الفقه ، أو المعارف ، فإنّ ذلك يُطلع المتتبّع على الوثوق بكون هذا التصنيف لذلك المؤلّف ، فمثلاً الصدوق رحمه‌الله الذي لا يرى نقص شهر رمضان ، ونحو ذلك من مبانيه

٢٠٨

الخاصّة به ، إذا شوهد في نسخة كتاب روائي ما يعاكس ذلك تماماً في المباني الذي عرف تشدّده فيها ، فإنّ ذلك يدلّ على خطأ النسخة ، والعكس يفيد في توليد الظن في صحّة النسخة ، الظنّ الذي لا بدّ أن يعتضد بقرائن أخرى.

التاسعة : مطابقة مضامين الروايات في نسخة ذلك الكتاب مع ما ينقل عنه في كتب أخرى ، وكذا مقابلة مضامين تلك الروايات مع مضامين روايات الكتب المشهورة الاخرى ، فإنّ هذين القسمين من المقابلة لو تمّا على نحو مستوعب كامل لَأورث اطّلاعاً دقيقاً على درجة سلامة النسخة ، وضبطها ، ومدى قوّة انتسابها إلى مؤلّفها.

العاشرة : استقصاء أكبر عدد من النُّسخ الموجودة في المكتبات المختصّة بالمخطوطات في المدن والدول المختلفة ، فإنّه كلّما ازداد عدد النُّسخ زادت الموادّ التي هي منبع لتطبيق الضوابط السابقة

ثمّ إنّ هاهنا اعتراضين على طريق تحقيق الكتب

الاعتراض الأوّل : وهو ما ينسب إلى السيّد البروجردي قدس‌سره ، من أنّ غير الكتب الأربعة لا يمكن الاعتماد على الروايات الواردة في نسخها منفردة وذلك لأنّ الطائفة قد اهتمّت ببالغ الأهمّية بالكتب الأربعة ، قراءة ، ومداولة ، وإملاءً ، واستنساخاً ، دون غيرها.

الاعتراض الثاني : ويتولّد اعتراض آخر ، وهو أنّ أسانيد وطرق الكتب التي يذكرها أصحاب المجاميع المتأخّرة كالمحمّدون الثلاثة ، والفيض الكاشاني في الوافي ، والمجلسي في البحار ، والحرّ في الوسائل ، وغيرها ، والسيّد هاشم البحراني في كتبه ، وغيرهم في جوامعهم الروائية عبر سلسلة الإجازات ليست

٢٠٩

طرقاً اصطلاحيّة لاعتماد النسخ ، بحيث تخرجها عن الإرسال ، بل هي عبارة عن صورة إجازات تبركيّة كي تتّصل صورة السند بالمعصومين عليهم‌السلام ، كما هو شأن الإجازات في العصر الحاضر. فمثلاً : ترى الحرّ العاملي قد استجاز من المجلسي وكذا العكس ، وكذا السيّد هاشم البحراني ، قد حصلت له استجازة متقابلة مع غيره من الأعلام لكلّ ما يرويه كلّ منهما من الكتب الروائية للآخر ، فهل يُظنّ من هذه الإجازة مناولة كلّ للآخر جميع الكتب.

فلا ريب أنّها دعوى مجازفة ، فضلاً من قراءته كلّ نُسخ الكتب على الآخر ، وعلى ذلك لا يعوّل على الروايات المستخرجة في جوامعهم من تلك النسخ لتلك الكتب غير المشهورة بمفردها.

ولا يخفى إختلاف الثمرة بين هذين الاعتراضين ، فإنّه على الأوّل لا يُعتمد على روايات غير الكتب الأربعة ، وإن كانت مشهورة بمفردها ، وأمّا على الاعتراض الثاني فإنّه لا يُعتمد على روايات الكتب النُّسخ غير المشهورة ـ المستفيضة ـ بمفردها.

ويندفع هذان الاعتراضان ببيان عدّة أمور :

الأمر الأوّل : إنّ ما افيد في الاعتراض الأوّل من التفرقة بين إجازة الكتاب بالقراءة والسماع والإملاء والمقابلة من جانب وبين إجازة الكتاب بالمناولة من حجّية النقل بالطرق الأولى دون النقل بالطريق الثاني ممنوع ومردود ، كما هو مقرّر في علمي الدراية والأصول ، وإن كان النقل بالطرق الأولى أقوى حجّة وضبطاً وتثبّتاً ، لا أنّ الطريق الثاني ليس بحجّة.

وبيان ذلك : إنّ النسخة إذا كانت معتمدة لدى شيخ الإجازة مصحّحة ومقابلة ، وناولها يداً بيد للمستجيز منه ، فيكون ذلك بمنزلة إخبار جُمَلي مجموعي من

٢١٠

المجيز للمجاز بروايات ذلك الكتاب ، لا سيّما مع ديدن شيوخ الإجازة في المناولة من قراءة مقتطف من أحاديث الكتاب من مواضع متفرقة في ذلك الكتاب ، مع إخبار المجيز بعدد الروايات المتضمّن لها النسخة ، وخصوصيّات تلك النسخة ، وأهمّها عدد روايات ذلك الكتاب ، فالمناولة بهذه الصورة نحو توثيق معتمد عليه بين العقلاء في سيرهم ، فضلاً عن المتشرّعة وبين المسلمين أجمع.

ومن ثمّ نُسب الاعتراض الأوّل إليه قدس‌سره بصياغة أخرى ، وهو التوقّف في الاعتماد على الدلالة والتركيب اللفظي في متون أحاديث تلك الكتب ، لعدم الوثوق بضبط ألفاظ المتون ، وإن اطمئنّ بالنسخة والكتاب إجمالاً.

وإلى ذلك يشير مفاد رواية محمّد بن الحسن بن أبي خالد شينولة ، قال : قلت لأبي جعفر الثاني عليه‌السلام : جعلت فداك إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهم‌السلام وكانت التقيّة شديدة ، فكتموا كتبهم فلم تروا عنهم ، فلمّا ماتوا صارت تلك الكتب إلينا ، فقال : «حدّثوا بها فإنّها حقّ» (١).

ولكنّ الاعتراض بصياغته الثانية هذه أيضاً مدفوع بنفس الجواب السالف ، وغاية هذه الصياغة الثانية هو أرجحيّة متون روايات الكتب الأربعة ودلالتها اللفظية على متون الكتب المشهورة الاخرى عند الاختلاف ، لا الإسقاط عن الحجّية التفصيلية ابتداءً ، والوجه في ذلك إنّ الإجازات عن طريق المناولة لا محالة تؤول بالنهاية إلى أخذها عن طريق السماع ، أو الإملاء والمقابلة ، إذ المناولة إمّا تكون بتمليك المجيز نسخة كتابه للمستجيز مع كون المجيز قد

__________________

(١) الوسائل : باب ٨ ، أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٧.

٢١١

حاز عليها بنفس النمط قبل ذلك وهلم جراً إلى أن تصل إلى الإجازة بالقراءة والسماع والإملاء ، وإمّا أن يكون المجيز بمناولته للمجاز آذن له بالاستنساخ والقيام بالمقابلة بمفرده ، وهكذا الأمر في المجيزين مترامية حتّى تقف وتنتهي إلى ما انتهت إليه الصورة الأولى والفرض الأوّل.

وقد ذكر علماء الدراية أنّ المناولة مع الإجازة أخصّ من الإجازة ، لأنّها إجازة مخصوصة في كتاب بعينه ، وقالوا : «إنّ منها أن يدفع الشيخ إلى الطالب تمليكاً أو عارية النسخة ويقول له هذا سماعي من فلان أو روايتي عنه فاروه عنّي أو أجزت لك روايته عنّي أو يقول خذه وانسخه وقابل به ، ثمّ ردّه إليّ ويسمّى عرض المناولة في مقابل عرض القراءة» (١).

وله تفاصيل كثيرة ذكروها في أقسام المناولة والإجازة والأداء فلاحظها (٢).

والعمدة أنّه مع تحفّظ المجيز والمجاز بشرائط الضبط والتي تعتبر في النقل بالسماع أيضاً فحجية النقل متحقّقة في الطريق (٣).

الأمر الثاني : وأمّا ما أفيد في الاعتراض الثاني فهي دعوى مدلّل عليها بمجرّد الاستئناس ، والقياس على الإجازات في عصرنا الحاضر التي يقصد بها التبرّك بالاتصال بسلسلة السند المتّصلة بالمعصومين عليهم‌السلام ، مع أنّ الإجازات الحاليّة إنّما هي في الكتب المتواترة المشهورة ، والتي لا تحتاج إلى المناولة أو القراءة

__________________

(١) مقباس الهداية ٣ / ١٣٧.

(٢) مثل نهاية الدراية للشهيد الثاني ، ومقباس الهداية للمامقاني ، والنووي في التقريب.

(٣) سيأتي عند تحقيق الحال في تفسير القمّي نقل عبارة المجلسي من انّ كتب الصدوق لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الأربعة التي عليها المدار في هذه الأعصار وانّها داخلة في اجازاته.

٢١٢

والسماع والمقابلة ، أمّا لو كان موردها النُّسخ غير المتواترة فالمشاهد منهم في العصر الحاضر أيضاً مراعاتهم لشرائط النقل بالمناولة والسماع ، ويشهد لذلك ملاحظة ديدن المحقّق الطهراني في الذريعة في مثل تلك النسخ ، واستاذه الميرزا النوري في خاتمة المستدرك في فائدة الكتب ، والأفندي في الرياض ، وكذا الفقهاء بالنسبة إلى التدقيق في نسخ الكتب المتواترة ، كالوسائل والكتب الأربعة ، فإنّهم يتناولونها يداً بيد عن نُسخ أكثر إتقاناً ودقّة إلى الطبقات المتقدّمة من الأعلام ، نسخوها عن نُسخ منسوخة من خطّ المؤلّف.

وبعبارة أخرى : إنّ الإجازات الحالية المعاصرة على نمطين ، أحدهما ما اصطلح عليه في علم الدراية في باب أقسام النقل عندهم بما يسمّى بالإجازة المطلقة ، وهي التي لا يُطلع المجيز المجاز على الكتب التي يرويها من دون مناولة ولا سماع ولا قراءة ، والغرض منها في العادة يكون الإذن في إسناد أيّ حديث يقع للمجاز من قبل المجيز ، وهذا الطريق من النقل قد استشكل في حجّيته ، أمّا النمط الثاني وهي الإجازة الخاصّة المنطبقة على المناولة أو المقابلة أو السماع والإملاء ونحوها من طرق النقل والتي يتحفظ فيها على الضبط تفصيلاً أو مجموعياً ، فلا ريب في حجّيتها.

والحاصل : إنّ الدعوى المزبورة استئناسيّة ، لأنّ الإجازات المذكورة في كتب المحمّدين الثلاثة وغيرهم من أصحاب المجاميع المتأخّرة ليست هي إلّا طرق مناولة لتلك الكتب ، بشهادة إنّهم يميّزون بين مجموع الكتب المشهورة بعضها عن البعض ، فعند ما يستعرضون طرقهم إلى الكتب تراهم يخصّون بعضها الأوّل مثلاً بمجموعة من الطرق ، وبعضها الآخر بمجموعة أخرى من الطرق ، وهكذا بل يميّزون بعضها الثالث بطريق أو طريقين ، وكذا يميّزون بعض الكتب غير

٢١٣

المشهورة بطريق غير طريق الكتب المشهورة.

وكذا تراهم يصرّحون بأنّ بعض الكتب لم تصل إليهم عن طريق وإنّما عثروا عليها وجادة ، فلاحظ خاتمة الوسائل ومفتَتح كتاب إثبات الهداة ، وقد صرّح الحُرّ في هامش الوسائل في كتاب الأطعمة في تحريم العصير الزبيبي والتمري إنّه يتوقّف عن إخراج روايات من اصْلَي زيد الزرّاد والنرسي ، لأنّ النسخة التي عنده بالوجادة لا بطريق مسند ، وكذا المجلسي في باب الإجازات من كتاب البحار وقد صرّح في بحاره في مواضع عديدة بأنّ النسخة الكذائيّة من كتاب معيّن لم تصل إليه بطريق مسند ، بل عثر عليها وجادة ، فما يستخرجه من رواية منها لمجرّد التأييد كلّ ذلك تحفّظاً عن التدليس والايهام ، وهكذا السيّد هاشم البحراني في كتابه ترتيب التهذيب (١) في الخاتمة حيث يذكر طرقه للكتب ، وكذا غيرهم من الأعلام.

وهذا شاهد جليّ واضح على أنّ سلسلة الإجازات هي طرق مناولة ، وليست طرق اتّصال تبركيّة ، مع أنّ تكثّر نُسخ الكتب في الحواضر العلمية كما هو معهود ومتعارف لم يكن بنحو الطباعة الحديثة ، بل بالاستنساخ ، والكتب المشهورة كانت متكثّرة الوجود في الحواضر والحوزات العلمية ، فكان تحصيل جيل من العلماء على النُّسخ من الجيل المتقدّم إنّما هو بالاستعارة ونحوها ، وإذا ما حصل المستجيز على نُسخة من أحد الكتب من المجيز فكان ديدنهم على المقابلة بالعارية ، وغير ذلك ممّا يطمئنّ بتوافق النسختين عموماً ، ولذا تراهم يذكرون العدد المسلسل لمجموع أحاديث كلّ كتاب وأوّل وآخر حديث فيه وعدد فصوله وأبوابه تحفّظاً منهم عن تطرّق التخليط أو الزيادة والنقصان.

__________________

(١). ترتيب التهذيب ـ الطبعة الحجرية ٣ / ٣٨٩ ، في الفصل الثالث من الخاتمة.

٢١٤

تحقيق الحال في

كتاب تفسير علي بن إبراهيم القمّي

حيث قد وقع التساؤل عن هذه النسخة الواصلة بأيدينا أنّها هي تفسير القمّي أبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي الشيخ المعتمد للكليني الذي بقي إلى سنة ٣٠٧ (١) ، أم إنّه تفسير تلميذه الراوي عنه ، حيث قد دمج بين تفسير القمّي وتفسير الجارودي وروايات أخرى له في التفسير ، وهو أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن قاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليه‌السلام.

وعلى فرض كونه لتلميذه فيقع التردّد في إسناد النسخة الموجودة بأيدينا ، ولا سيّما وأنّه لا يوجد لأبي الفضل العبّاس هذا ذكر في الأصول الرجاليّة ، بل المذكور فيها ترجمة والده المعروف بمحمّد الأعرابي ، وجدّه القاسم ، حيث ذكر الأوّل الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام الهادي عليه‌السلام وذكر الثاني الكشّي.

نعم ، قد ذكر هو في أكثر كتب الأنساب ، وكذا أحفاده عند تعرّضهم لذكر أعقاب الحمزة ابن الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام ، كما ذكر ذلك المحقّق الطهراني ، وحُكى عن أحدها وهو كتاب النسب المسطّر إنّه قال : «وأمّا العبّاس بطبرستان ابن محمّد الأعرابي فله أولاد بها منهم جعفر وزيد والحسين ومنهم أعقاب» ، وظاهره إنّه نزل بطبرستان وقد كانت حينئذ مركزاً للزيدية ، واحتمل صاحب

__________________

(١). كما يشير إلى ذلك الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة ٤ / ٣٠٢.

٢١٥

الذريعة أنّ نزول العبّاس كان لترويج الحقّ بها ، فتوسّل بنشر تفسير علي بن إبراهيم ، جامعاً له مع تفسير أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، إذ هو مرغوب عند الفرقة الجاروديّة الزيديّة ، والذي هو لا يقصر في الاعتبار عن تفسير القمّي ، لكون طريق الرواية عن أبي الجارود غير منحصر بكثير بن عيّاش ، إذ يرويه عنه جماعة من الثقات تقرب إلى العشرة.

وللعباس هذا إسناد إلى تفسير أبي الجارود ، يرويه عن أحمد بن محمّد الهمداني ، عن جعفر بن عبد الله ، عن كثير بن عيّاش ، عن زياد بن منذر أبي جارود ، عن أبي جعفر محمّد بن علي عليه‌السلام ، قد ذكره في أوائل سورة آل عمران في تفسير آية (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ)(١).

والحاصل : إنّ النسخة التي بأيدينا ـ بل في عامّة النُّسخ الصحيحة ـ قد وقع في صدرها التصدير باسم العبّاس ، فإنّ فيها بعد الديباجة والفراغ عن بيان أنواع علوم القرآن ما لفظه : «حدّثني أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليه‌السلام قال : حدّثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم قال : حدّثني أبي رحمه‌الله عن محمّد بن أبي عمير عن حمّاد بن عيسى ...».

وقد وقع التصرّف من التلميذ ـ العبّاس ـ في التفسير من أوائل سورة آل عمران فما بعد ، إلّا أنّه قد فصّل وميّز بين روايات علي بن إبراهيم وروايات تفسير أبي جارود بنحو لا يشتبه على الناظرين في الكتاب ، ولا يخفى على من ألمّ بتمييز طبقات مشايخ القمّي عن مشايخ تلميذه أبي الفضل.

والذي يظهر من كلام المحقّق الطهراني في الذريعة اعتماده على هذه النسخة

__________________

(١) آل عمران / ٤٩.

٢١٦

نظراً لتواتر تفسير عليّ بن إبراهيم في الطبقات ، بنحو لا يضرّ عدم تجرّد نسخته عن نسخة تفسير التلميذ أبي الفضل ، ولا سيّما وأنّ هذا التلميذ الجامع بين تفسير القمّي وتفسير الجارودي ليس إلّا جمع بين تفسيرين مشهورين متواتري النسخ في الطبقات ، وإن أضاف إليهما بعض روايات أخرى في التفسير بطرق أخرى لا تشتبه على الناظر التمييز بينهما ، لأنّه يروي تفسير الجارودي بالسند المشهور إليه إلى التفسير ، أي نفس السند الذي يروي كلّ من الشيخ الطوسي والنجاشي تفسير أبي الجارود عنه بسندهما إلى أحمد بن محمّد الهمداني ، المعروف بابن عقدة المتوفي سنة (٣٣٣)

أقول : إنّ ما ذكره المحقّق الطهراني رحمه‌الله وإن كان متيناً ، نظير ما يتعارف في الكتب المشهورة المتواترة الأخرى ، حيث يجمع بينها في الطباعة ، نظير كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمّي مع كتابه الآخر الباقيات الصالحات ، فإنّه اعتيد على طبع الثاني في حاشية الأوّل ، وكذا اعتيد جعل تفسير مرآة الأنوار للشريف أبي الحسن التوني مقدّمة لتفسير البرهان ، ونظير جعل الأصول الخمسة الرجاليّة في كتاب واحد في التراجم ، كما صنعه القهبائي في المجمع ، وما صنعه الأردبيلي في جامع الرواة ، بل وما صنعه أغلب الرجاليين في كتبهم ، من نقل متون الأصول الرجاليّة الخمسة في كتبهم ، بحيث لو قُدّر وفرض أنّ الأصول الرجاليّة الخمسة المجرّدة لم تكن بأيدينا ما أضرّ ذلك بتواترها ، لتواتر كامل متونها في الكتب الاخرى بنحو مفرّق في التراجم ، فتكون الأصول الرجاليّة الخمسة متواترة لدينا بطريقين متواترين نستغني بكلّ منهما عن الآخر ، أحدهما نفس النسخ المجرّدة ، والثاني انتشار متونها الكاملة في الكتب الرجاليّة الأخرى.

ونظير ذلك الكتب الأربعة فإنّها قد وصلت بكتبها المجرّدة ، وكذلك وصلت

٢١٧

منضمّة إلى الكتب الاخرى في كتاب مجموع آخر ، ككتاب الوسائل والوافي والكتب الفقهية الاستدلاليّة من المتقدّمين إلى متأخّري الأعصار ، فهذا حال كثير من الكتب المتواترة أن يكون لها عدّة طرق كلّها متواترة ، وقد يبقى أحدها ويستغنى به عن البقية ، نظير ما حدث لكتاب الكشّي ، حيث اختصره الشيخ باختيار معرفة الرجال ، فبقي تواتره في ضمن هذا المختصر.

وهذا حال كثير من الكتب عند ما تُختصر أو تضمّ مع كتب اخرى أن يقتصر ويكتفى على أحد طرقه المتواترة دون الاخرى ، وقد يكون ذلك بسبب مشقّة وتكلفة وجهد الاستنساخ في أعصارهم ، أو بسبب العكوف على النسخة الجامعة له ولغيره من الكتب بسبب ما حظيت به من امتياز الجمع ، لا سيّما في مثالنا حيث إنّ هذه النسخة من تفسير القمّي جامعة لكلّ من التفسيرين المشهورين من الشيعة القمي والجارودي.

والحاصل : إنّ طريق نقل الكتب من نمط التواتر ، سواء في الكتب الروائية أو الرجاليّة أو التاريخية ، كما يذكر عن كتاب صفّين لابن مزاحم إنّه مبثوث في تاريخ الطبري ، وهكذا حال الكتب في بعض العلوم والفنون.

وعليه فما ذكره المحقّق الطهراني متين جداً ، وهو أوّل الوجوه لاعتماد تواتر النسخة الواصلة ، وهناك وجوه أخرى :

الوجه الثاني : وهو إنّ صاحب الوسائل في خاتمة كتابه في الفائدة الخامسة منها قد ذكر الطرق التي يروي بها الكتب المذكورة في كتابه عن مؤلّفيها ، المنتهية إلى الشيخ الطوسي ، مع قوله قدس‌سره في صدر تلك الفائدة بعدم توقّف العمل على تلك الطرق ، لتواتر تلك الكتب ، مع قيام القرائن على صحّتها وثبوتها ، فقد ذكر طريقه إلى تفسير عليّ بن إبراهيم بنفس الطرق التي له إلى الكليني والصدوق والشيخ

٢١٨

الطوسي والبرقي والصفّار والحميري وغيرهم ، ثمّ أفرد طرقاً أخرى إلى بقيّة الكتب فلاحظ.

هذا مع أنّ من المحقّق أنّ نسخة صاحب الوسائل لتفسير علي بن إبراهيم هي نفس النسخة التي بأيدينا المرويّة بتوسّط العبّاس عن علي بن إبراهيم ، وذلك بشهادة أنّ الروايات التي يستخرجها في الوسائل عن تفسير القمّي هي روايات من كلّ من التفسيرين القمّي والجارودي ، فلاحظ روايات أبواب الوسائل التي يستخرج فيها من التفسير المزبور.

ومن أمثلة ذلك ، ما قاله صاحب الوسائل في كتاب الطلاق في الباب التاسع من أبواب مقدّماته وشرائطه في الحديث السابع : «علي بن إبراهيم في تفسيره ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه‌السلام في قوله : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)(١) : والعدّة الطُّهر من الحيض ، وأحصوا العدّة».

وقال أيضاً في كتاب الطهارة في أبواب مقدّمات العبادة في الحديث الثالث عشر منه ما لفظه : علي بن إبراهيم في تفسيره قال : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن تفسير قول الله عزوجل : (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(٢) ، فقال : من صلّى مراءاة الناس فهو مشرك ، إلى أن قال : ومن عمل عملاً ممّا أمر به مراءاة الناس فهو مشرك ولا يقبل الله عمل مُراء».

وقال أيضاً في كتاب الحج الباب الواحد والخمسين من أبواب أحكام العشرة في

__________________

(١). الطلاق / ١.

(٢). الكهف / ١١٠.

٢١٩

الحديث الثالث منه ما لفظه : «عليّ بن إبراهيم في تفسيره ، قال في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : إذا دخل الرجل منكم بيته فان كان فيه أحد يسلّم عليهم ، وان لم يكن فيه أحد فليقل : السلام علينا من عند ربّنا ، يقول الله : (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً)(١)».

وهناك روايات أخرى نشير إلى مصدرها فعليك بمراجعتها وهي : في كتاب التجارة في أبواب ما يكتسب به ، في باب تحريم اللعب بالشطرنج ونحوه في الحديث التاسع منه.

وفي (٢ / ٥٤٢ ، الباب ٥) ، وفي (٢٥ / ٢٨ ، ٥٣) ، و (٢٦ / ١٩٦ ، الباب ١) ، وفي (٢٧ / ١٧٢ ، الباب ١٢) (٢).

وهكذا الحال في نسخة تفسير القمّي التي كانت عند العلّامة المجلسي صاحب البحار ، فقد ذكر في مقدّمة كتاب البحار في الفصل الأوّل في بيان الأصول والكتب المأخوذة منها قال : «وكتاب التفسير للشيخ الجليل الثقة علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي ، وكتاب العلل لولده الجليل محمّد» ، ثمّ ذكر سنده إلى تلك الكتب ، ومنها كتاب التفسير ، حيث قال في الفصل الثاني بعد ذلك في بيان الوثوق على الكتب المذكورة واختلافها في ذلك قال : «اعلم أنّ أكثر الكتب التي اعتمدنا عليها في النقل مشهورة معلومة الانتساب إلى مؤلّفيها ، ككتب الصدوق رحمه‌الله ، فإنّها سوى الهداية وصفات الشيعة وفضائل الشيعة ومصادقة الإخوان وفضائل الأشهر ، لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الأربعة التي عليها المدار في هذه الأعصار ،

__________________

(١) النور / ٦١.

(٢) من طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

٢٢٠