بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

يشتمل على عدّة أقسام ، ومن ثمّ قد بنوا على درجات عديدة في الحجّية ودرجات عديدة في الضعف ، كما بنوا على تحيّث الحجيّة في الحديث وتحيّث الضعف فيه ، فالاعتبار للحديث ليس بقول مطلق دائماً ، وهكذا الحال في الضعف.

الرابعة : بيان انفتاح باب العلم في علم الرجال ، وأنّ المبنى العمدة لدى الرجاليّين في هذا العلم هو على تراكم القرائن والاحتمالات إلى حدّ الاطمئنان ، وبيان مدى خطورة الفوائد المترتّبة عليه في كافّة الأبحاث الرجاليّة ، عرض التحليل الصناعي الدقيق للمباني الاخرى في علم الرجال.

الخامسة : بيان إدراج الخبر الحسن والقوي في دائرة الخبر الحجّة المعتبر ، مع بيان حقيقة أصالة العدالة المنسوبة إلى المتقدّمين.

السادسة : تفسير أمارات التوثيق ، من قبيل قاعدة الإجماع ، ولا يروي إلّا عن ثقة ، وغيرها ، على مبنيي الاطمئنان ـ تراكم الاحتمالات ـ وحُسن الظاهر.

السابعة : استعراض أربعة عشر منهج للرجاليّين في البحث الرجالي.

الثامنة : بيان ضوابط تصحيح الكتب والنُّسخ الحديثيّة واعتبارها.

التاسعة : توثيق عدّة من مصادر الكتب الروائيّة بوجوه وطرق عديدة.

ثمّ إنّ هذا الكتاب قد جاء تحريراً وتقريراً للدورة التي ألقاها الشيخ الاستاذ في شهري جمادى ورجب من سنة ١٤١٣ ه‍.

والحمد لله أوّلاً وآخراً

محمّد صالح التبريزي

٢١
٢٢

المدخل :

الحاجة لعلم الرجال

في بيان وجه الحاجة لعلم الرجال أو فقل بيان الضرورة الملزمة لمراجعته مضافاً إلى ما يذكر من فوائد عديدة تنجم من الاضطلاع به ، يتمّ ببيان عدّة مقدّمات ملخّصها :

إنّ المتديّن بالشرع له علم اجمالي بتكاليف وأحكام شرعيّة لا بدّ أن يتوصّل إلى معرفتها وذلك لامتثالها ، أو لأجل حفظ الدين عن الاندراس ، أو لأجل تعليمها للآخرين ، أو إقامتها في الناس والمجتمع ، وتلك المعرفة لا تستتمّ بصورة شاملة إلّا عبر الأخبار الظنّية ، والمقدار الحجّة من تلك الأخبار هو حصّة خاصّة منها ، سواء بنينا في اعتبار خبر الواحد على الدليل الخاصّ أو على الانسداد ، على القول بالكشف فيه ، بل والحكومة كما سيتّضح ، وإحراز الصغرى لتلك الحصّة لا يتمّ إلّا بواسطة علم الرجال ، وهذا الدليل يضاهي في الصياغة دليل الانسداد ومؤلّف من مقدّماته بعينها ، غاية الأمر انّه تضاف إليه مقدّمة أخرى مبيّنة لكون صغرى الظن لا تحرز إلّا بعلم الرجال ، وفي الحقيقة انّ هذا الدليل صياغة لدليل الانسداد على العلم الإجمالي بالطرق ، في قبال صياغته على العلم الإجمالي

٢٣

بالأحكام الواقعيّة ، فكما أنّ دليل الانسداد قد يكون كبيراً بلحاظ أبواب كلّ الشريعة وبلحاظ الطرق لتلك الأحكام صدوراً ودلالة وجهة أو امتثالاً قد يكون صغيراً بلحاظ باب معيّن أو بلحاظ موضوع في باب معيّن ، كما قيل في الأنساب والأوقاف ونحوهما ، فكذلك الحال في صياغة هذا الدليل لبيان ضرورة علم الرجال.

وتفصيل ذلك يتمّ ببيان مقدّمات :

المقدّمة الأُولى : العلم الإجمالي بوجود أحكام يجب معرفتها ، إمّا للامتثال أو للحفظ عن الاندراس أو لتعليمها للآخرين أو لإقامتها بين المكلّفين.

المقدمة الثانية : انّ معرفة تلك الأحكام لا يفي بها مجموع ما يستفاد من ظاهر الكتاب وحكم العقل والأخبار المستفيضة منها والمتواترة ، وهكذا المسلّمات الضرورية بين المتشرّعة ، فإنّ مجموع ذلك لا يتولّد منه إلّا معرفة الأحكام الضرورية وما يليها لا مطلق التفاصيل ، فإنّ آيات الأحكام وإن رَبَتْ على الخمسمائة آية إلّا إنّ ما يستفاد منها ليس إلّا أمّهات قواعد الأبواب ، وباطن الكتاب وإن اشتمل على تبيان كلّ شيء من الفروع والمعارف الاعتقاديّة كما في قوله تعالى (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(١). إلّا أنّ الوصول إلى ذلك بحكم الوجدان لا يمكن إلّا بحبل العترة الطاهرة.

وأما حكم العقل فهو في دائرة الأحكام الكلّية الفوقانيّة جداً (٢) ، كأحكام

__________________

(١) النحل / ٨٩.

(٢) والتي هي بمثابة المواد الدستورية الأمّ في القوانين الوضعية بخلاف المواد التشريعية في المجالس النيابية المتوسطة التي يعبّر عنها في اصطلاح الأصوليين العمومات المتوسطة ، وبخلاف المواد التشريعية الوزارية التحتانية والتي يعبّر عنها بالعمومات التحتانية القريبة.

٢٤

العقل العملي كالتحسين والتقبيح ، وأمّا مدارج الأفعال النازلة فهو لا يصل إلى جهات حسنها وقبحها ، ومن ثمّ احتاج إلى هداية الوحي ، وكأحكام العقل النظري في الملازمات العقلية غير المستقلة الخمسة فقط ، وإن ضممنا إلى ذلك أخيراً في علم الأصول حكم العقل النظري المستقلّ في استكشاف الحكم الشرعي (١) إلّا أنّ دائرته هي أيضاً في الكليات الفوقانيّة الأولى ، وكذا الحال في حصيلة الضرورات المسلّمة بين المتشرّعة.

وبعبارة موجزة : إنّ المتصفّح لدورة استدلاليّة في الفقه يرى أنّ القسم الأوفر منه يعتمد في إثباته على الأخبار ، بل لو سلّمنا دعوى وجود الاستفاضة في أكثر المسائل فإنّ صغرى الاستفاضة الروائية لا يتمّ التوصّل إليها إلّا بعلم الرجال أيضاً ، حيث انّ به يُتعرّف على الدرجة الاحتماليّة المتراكمة المتصاعدة من تكثّر الطرق ، إذ لكلّ طريق درجة احتمالية في الصدور ، والمطابقة للواقع يتمّ تحديدها بمعرفة درجة وثاقة أو ضعف سلسلة السند ومعرفة تعدّد الطرق من اشتراكها.

وبذلك يتّضح إنّ هاتين المقدّمتين لا ينحصر صياغتهما على الحاجة لعلم الرجال في احكام الفروع ، بل تصاغ أيضاً بلحاظ الأحكام الاعتقاديّة والمعارف الدينيّة ، سواء بنينا على حجّية الظن في الجملة فيها في تفاصيل المعارف لا أساسياتها ، فيكون الحال في تلك الدائرة هو الحال في الفروع ، أو لم نبنِ على حجيتها وخصّصنا الحجية بالمتواتر والمتاخم له في باب الاعتقادات مطلقاً ، فإنّ صغرى المتواتر ونحوه أيضاً لا يتوصّل إلى معرفتها إلّا بعلم الرجال ، لما بيّناه آنفاً من أنّ الدرجة الاحتماليّة للخبر لا تُحدّد إلّا به.

__________________

(١). إشارة إلى القاعدة الثانية : «كلّ ما حكم به العقل النظري حكم به الشارع».

٢٥

المقدمة الثالثة : إنّ المقدار الثابت اعتباره من حجّية الخبر بالدليل الخاصّ انّما هو خبر الثقة أو الموثوق بصدوره دون مطلق الخبر ، ولو بنينا على عدم تمامية الدليل الخاصّ بل الاستناد في الحجّية على الانسداد ، فإنّ دليله بناءً على الكشف منتج لحجية حصّة خاصّة من الظن تقارب دائرة خبر الثقة.

وأمّا على القول بالحكومة في دليل الانسداد أي حكم العقل بالاكتفاء الظني في فراغ الذمّة فهو أيضاً يُحدّد درجة الامتثال الظني بموارد خبر الثقة تقريباً ، وتحديد صغرى الثقة من غيره يتكفّلها علم الرجال.

هذا فضلاً عن موارد التعارض في الأخبار المنتشرة في كلّ أبواب الفقه حيث يكون معالجتها أو تحديد الحجّة بالترجيح في صفات الراوي الممتاز بها عن الراوي الآخر ، وتلك الصفات الزائدة على الوثاقة لا يتمّ إحرازها إلّا بعلم الرجال.

المقدمة الرابعة : وهاهنا دعويان :

إنّ ما بأيدينا من الأخبار الواصلة في الكتب الأربعة وغيرها من كتب الحديث ليس كما يدّعيه أصحابنا الأخباريون من اعتبار كلّ طُرقها ، إذ في الطرق ما هو واجد لشرائط الحجّية وما هو ليس كذلك ، ولتميّز الواجد عن غيره لا بدّ أن يتوسّل بعلم الرجال ، كما انّ دعوى المحقّق الهمداني والمحقّق العراقي من التوصّل في إحراز صغرى الخبر الموثوق به بتوسّط الشهرة بأقسامها ، فهي غير تامّة أيضاً.

بيان عدم تماميّة الدعويين

نتعرض أوّلاً للدعوى الأخيرة منهما حيث أورد عليها :

أوّلاً : منع حجّية الشهرة بأقسامها كسراً وجبراً.

٢٦

أقول : في هذا الإيراد نظر ، حيث أنّ مراد القائلين بكاسريّة الشهرة أو جابريّتها ليست حجّية الشهرة المستقلّة ولا حجّيتها كبروياً ، بل مرادهم تحقيق الشهرة لصغرى الخبر الموثوق به أي صغرى لحجّية أخرى ، هذا في الجبر. أو ممانعتها لتحقّق تلك الصغرى في صورة الكسر ، وقد وقعت الغفلة عن ذلك عند كثير من متأخّري هذا العصر ، وقد حرّرناها مفصّلاً في علم الأصول وانّها من باب تراكم الاحتمالات وتزايدها تكويناً أو تضاؤلها ، نعم شهرة الطبقات المتأخّرة لا تاثير لها كبروياً ولا صغروياً في الجبر والكسر ، لأنّها في الغالب مبنيّة على نكات اجتهاديّة حدسيّة فلا بدّ أن ينظر إلى تلك النكتة نفسها.

ثانياً : منع تحقّق الشهرة في كلّ موارد الروايات ، وهذا بيّن للمتصفّح لأبواب الفقه ، حيث إنّ كثيراً من المسائل تكثّر الأقوال فيها من دون وجود شهرة لأحدها ، أو لا شهرة عملية أو روائية فيها لقلّة النصوص ، كما أنّ بعض المسائل غير معنونة عند جميع القدماء ، بل عند بعضهم فقط بنحو لا يكوّن الشهرة عندهم ، كما أنّ كثيراً من الفروع المنصوص عليها لم يعنونها القدماء ، بل عنونها من تأخّر عنهم مع كون النصوص في تلك المسائل محدودة بطريق واحد أو طريقين ، كما أنّ هناك نمط آخر من المسائل وقع الشجار فيها بين المحدّثين والمتقدّمين ، واختلافهم في تضعيف الطرق حيث انّ بعضهم يصحّح بعض الطرق دون الطرق الاخرى ، وترى جماعة منهم يعكس الأمر تماماً ، كما أنّ هناك نمط رابع من المسائل وهي التي يمكن تخريج الحكم فيها على مقتضى فذلكات صناعية ، بحيث لا يحرز استنادهم الى النصّ الخاصّ الوارد في تلك المسألة ، وغير ذلك من أنماط وطبيعة الاستدلال في أبواب الفقه ، مما يجدها المتتبّع ممّا لا يكمن تحصيل الشهرة بأقسامها فيها.

٢٧

ثالثاً : إنّه من البيّن وجود التعارض الروائي في أكثر الأبواب الفقهية ، وعلاج ذلك بالترجيح فيها بصفات الراوي لا يمكن إلّا بعد معرفة علم الرجال كما لا يخفى ، بل إنّ الترجيح في جهة الصدور أو المضمون يعتمد كثيراً ما على علم الرجال أيضاً ، ولا يكفي فيه الفقه المقارن والرجوع إلى الكتب الفقهية من أبناء العامّة ، حيث إنّ تحديد الجوّ العلمي والرأي السائد للوسط العلمي للمخالفين حين صدور الرواية لا يتحدّد بالدقّة إلّا بعد التعرّف على حياة الرواة العلمية ، وكذا التعرّف على مذاهب الفرق الشيعية الاخرى كالفطحيّة والواقفيّة والناووسيّة ، أو معرفة مدى تأثّر الراوي أو انتمائه لهم ، كلّ ذلك لا يتمّ إلّا بعد مراجعة علم الرجال ، كما إنّ تحديد درجات أجوبتهم عليهم‌السلام بلحاظ إختلاف مستويات الرواة تقبّلاً أو اهتماماً أو تضلّعاً ، بل قد قال عدّة من المحقّقين إنّ معرفة نوع درجة المخاطب مؤثّرة في دلالة وظهور الجواب. ومن ذلك يتبيّن أنّ لعلم الرجال فائدة غير هيّنة في باب الدلالة وجهة الصدور ، وإن لم يُنبِّه على ذلك مَن تعرّض لبيان ضرورة علم الرجال ، ولا سيما في باب روايات المعارف الاعتقاديّة.

رابعاً : إنّه قد تقدّم في معرفة الخبر المتواتر والمستفيض انّه لا يكفي فيه مجرّد الإلمام والإحاطة بالمصادر الروائية ، بل لا بدّ أن ينضمّ إليه الاطّلاع على أحوال الرجال ، ليتمّ التحديد الدقيق لدرجات الضعف والوثاقة في الطرق ومفردات الأسانيد ولتمييز الطرق بعضها عن البعض الآخر.

وبكلمة موجزة إنّ علم الرجال حافظ وصائن للتراث الروائي والسنّة عن الضياع والتلاعب والحذف ، وهذه الفائدة من أعظم فوائد علم الرجال وإن لم يصرّح بها في التعاريف المذكورة لعلم الرجال.

٢٨

فمن باب المثال إنّ انتساب الكتب الروائية ونُسخها إلى أصحابها المتقدّمين ، وهو ما يُعنون بمعرفة أحوال الكتب ، كالذي قام به المحقّقان الجليلان الميرزا النوري في خاتمة المستدرك والآغا بزرگ في الذريعة وغيرهم ، إنّما يتحرّر ويتنقح بالاضطلاع في أحوال الرجال وكتب الفهارس.

الجواب على دعوى قطعيّة أو صحّة جميع ما في الكتب الأربعة

وأمّا الدعوى الاخرى من قطعية أو صحّة صدور جميع ما في الكتب الأربعة والتي ذهب إليها أصحابنا الأخباريّون ، فمضافاً إلى ما ذكرناه على ردّ الدعوى المتقدّمة فإنّه يرد عليها :

أوّلاً : إنّ كثيراً من المسائل الفقهية قد اعتمد فيها على نصوص من غير الكتب الأربعة كقرب الاسناد وكتاب علي بن جعفر وتفسير القمي وغيرها من المصادر الروائية المعروفة ، وعليه فلا يستغنى عن علم الرجال بهذه الدعوى.

ثانياً : إنّ كثيراً من الموارد الطرق في الكتب الأربعة ناقش فيها المحمّدون الثلاثة قدس‌سرهم أنفسهم ، حيث ضعّفوا العديد من الطرق ، فترى الصدوق مثلاً يضعّف روايات سماعة لأنّه واقفي (١) ، وقوّاه في موضع آخر يصف رواية عبد العظيم الحسني التي تفرّد بها بالغرابة (٢) ، بل قد يُرى منهم طرح بعض الروايات ممّا هي صحيحة السند ، كما صنع الشيخ الطوسي في التهذيب (٣) في روايات عدم نقصان شهر رمضان عن ثلاثين يوماً ، حيث قد ذكر رواية صحيحة السند استخرجها من

__________________

(١) الفقيه ٢ / ١٢٨ و ١٢١.

(٢) الفقيه ٢ / ١٢٨.

(٣) التهذيب ٤ / ١٦٩.

٢٩

كتاب محمّد بن أبي عمير عن حذيفة بن منصور ، حيث قال : «وهذا الخبر لا يصحّ العمل به من وجوه : أحدها إنّ متن هذا الحديث لا يوجد في شيء من الأصول المصنّفة وإنّما هو موجود في الشواذّ من الأخبار ، ومنها أنّ كتاب حذيفة بن منصور رحمه‌الله عريّ منه ، والكتاب معروف مشهور ، ولو كان هذا الحديث صحيحاً عنه لضمّنه كتابه» (١) انتهى.

فترى الشيخ يضعّف سند الحديث بقرينة خلوّ كتاب حذيفة مع أنّ السند من الصحيح الأعلائي ، ومع أنّ الصدوق التزم بمضمون هذه الرواية ونظائرها من عدم نقصان شهر رمضان في ثلاثين يوماً ، وادّعى فيه أنّه من مسلّمات المذهب ، وقال : بأنّ الذي لا يلتزم به نتكلّم معه بالتقيّة لأنّ ذلك شيء ثابت.

وترى الصدوق رحمه‌الله في باب (الوصي يمنع ماله الوارث بعد البلوغ) يروي رواية عن الكليني رحمه‌الله ثمّ يعقّبها بقوله : «قال مصنّف هذا الكتاب رحمه‌الله ما وجدت هذا الحديث إلّا في كتاب محمّد بن يعقوب وما رويته إلّا من طريقه ، حدّثني به غير واحد منهم محمّد بن محمّد بن عصام الكليني رضى الله عنه عن محمّد بن يعقوب» (٢) ، فترى الصدوق رحمه‌الله مع كون الحديث مشتملاً على الإرسال ومع عدم تعلّقه بحكم فقهي ، بل هو متعرّض إلى إثم الوصي في ما لو زنى الوارث ، ينبّه على تفرّد الكليني بهذا الحديث ، أي يريد أن يبيّن عدم اعتقاده بقطعيّة صدوره ، فهو لا يعتقد بقطعية أو صحّة كلّ ما في كتاب الكليني ، كما أنّه يستفاد من ذلك إنّه ليس كلّ ما يودعه الصدوق رحمه‌الله في كتاب الفقيه يبني على قطعية أو صحّة صدوره.

ومن أمثال هذين الموردين يجد المتتبّع الكثير من الموارد في التهذيبين

__________________

(١) التهذيب ٤ / ١٦٩.

(٢) الفقيه ٤ / ٢٢٤.

٣٠

والفقيه ، وهكذا ترى الكليني رحمه‌الله في باب الطلاق للعدّة يروي رواية مسندة عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله عليه‌السلام إلّا أنّه يطرحها معلّلاً ذلك بأنّ مضمون هذه الرواية هو رأي ابن بكير وهو رأي الفطحيّة من جماعته لا روايته عنه عليه‌السلام مع أنّ ابن بكير من أصحاب الإجماع الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم.

وكذا قال في الفقيه (١) : «وفي كتاب محمّد بن يعقوب الكليني (٢) عن أحمد بن محمّد ، قال : ولست أفتي بهذا الحديث ، بل بما عندي بخطّ الحسن بن علي عليه‌السلام ـ العسكري ـ ولو صحّ الخبران جميعاً لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر به الصادق عليه‌السلام».

وقال الشيخ في التهذيب بعد ذكر الخبرين ـ خبر الكليني والصدوق المتقدّمين ـ قال : «وانّما عمل على الخبر الأوّل ظناً منه إنّهما متنافيين وليس الأمر على ما ظنّ» (٣).

وقال في الفقيه في (كفارة من جامع في شهر رمضان) قال : «لم أجد ذلك في شيء من الأصول وإنّما انفرد بروايته علي بن ابراهيم» ، ويشير إلى رواية الكليني عنه (٤).

وقال في التهذيب في روايات الكرّ بعد ما روى مرسل ابن أبي عمير قال : «فأوّل ما فيه أنّه مرسل غير مسند» (٥).

__________________

(١). الفقيه ٤ / ١٥١ ، ٥٢٣.

(٢) الكافي ٧ / ٤٦ ـ ٤٧.

(٣) التهذيب ٩ / ١٨٥ ـ ١٨٦.

(٤) الفقيه ٢ / ٧٣ ، الحديث ٣٠١٣. الكافي ٤ / ١٠٣.

(٥) التهذيب ١ / ٤١ ، ٤٣.

٣١

وهكذا ترى في العديد من الموارد أنّ الصدوق رحمه‌الله يضعّف روايات قد اعتمدها الشيخ في التهذيب والكليني في الكافي مسندة ، حتّى إنّه قال في الفقيه : «كلّما لم يحكم ابن الوليد بصحّته فهو عندنا غير صحيح» (١).

وهكذا ترى العكس حيث إنّ الشيخ يضعّف سند روايات قد اعتمدها الصدوق في الفقيه أو الكليني في الكافي.

وقد روى الكليني رحمه‌الله في باب (شهادة الصبيان) عن أبي ايوب ، قال : سمعت إسماعيل بن جعفر عليه‌السلام ... ، حيث إنّ الرواية ليست قول المعصوم عليه‌السلام.

وكذا الحال ما في الفقيه في (ارث الزوجة) ما رواه عن محمّد بن أبي عمير عن ابن اذينة (٢) ، فهي مقطوعة وغير مسندة.

وهكذا معالجة الكليني لباب التعارض بالترجيح السندي دليل على عدم حجّية كلّ ما في الروايات (٣) ، وهكذا في عبارة الصدوق في ديباجة الفقيه حيث قال :

«ولم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووا ...» ، فمؤدّى هذه أنّ الصدوق رحمه‌الله لم يكن يرى أنّ كلّ ما في كتاب الكافي حجّة في ما بينه وبين الله ، وإلّا لاستغنى به عن كتابة الفقيه ، مضافاً إلى أنّ عبارته عند قوله : «ولم أقصد قصد المصنّفين في ما رووا» يدلّ على أنّ ما صُنّف قبله ومنه الكافي لم يكن مختصّاً بالروايات الصحيحة ، بل هو حاوي للروايات الصحيحة وغيرها.

وهذا الرأي من الصدوق في قبال رأي الميرزا النوري صاحب المستدرك حيث

__________________

(١) الفقيه ٢ / ٥٥ ، الحديث ٢٤١ ، في ذيل حديث صلاة الغدير.

(٢) الفقيه ٤ / ٢٥٢.

(٣) راجع ذلك في ديباجة الكافي.

٣٢

إنّه يذهب إلى الاعتماد على كلّ طرق الكافي ، لكون تأليفه في زمن الغيبة الصغرى مع وجود النوّاب الأربعة في بغداد والتي أقام فيها الكليني عند تأليفه للكتاب ، وأنّه قد قيل فيه : إنّ الكافي كافٍ لشيعتنا.

ويدلّ كلام الصدوق أيضاً لا سيّما مع الالتفات إلى ما ذكرناه في ما نقله في باب الوصية على أنّ الكليني رحمه‌الله أيضاً لم يكن مبناه على أنّ كلّ ما يورده في الكافي أنّه يفتي به ؛ لأنه قد صرّح إلى أنّ المصنّفين من قبله كان ديدنهم على عدم الاقتصار على خصوص الروايات الصحيحة عندهم ، وإن نقّوا كتبهم عن الروايات المدسوسة والمدلّسة (١).

وأيضاً عبارة الشيخ في التهذيب عند قوله : «والآن فحيث وفّق الله تعالى للفراغ من هذا الكتاب نحن نذكر الطرق التي نتوصّل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنّفات ونذكرها لتخريج الأخبار بذلك عن حدّ المراسيل وتلحق بباب المسندات» (٢).

فهذه العبارة صريحة في أنّه لا يرى قطعيّة صدور كلّ ما في التهذيبين وانّه ليس وراء صورة سلسلة السند معيار للتصحيح ، كالذي ادّعاه أصحابنا الاخباريّون ، ليجعل المدار في الصحّة على السند المذكور.

وقريب من ذلك كلام الصدوق في مشيخة الفقيه.

وهكذا عبارة الصدوق في ديباجة الفقيه إنّه قد وضع كتاب فهرس لجميع طرقه

__________________

(١) سيأتي بيان الفرق بين الضعيف بالمعنى الأخص وبين المدلّس ، والموضوع والمدسوس ، كما سيأتي تفسير أن الصحيح في اصطلاح القدماء يقع على معنيين : أحدهما : ما يقابل المدسوس والموضوع والمجعول ، والآخر : ما يساوي الحجّة المعتبرة ويقابل الضعيف.

(٢) التهذيب في ديباجة المشيخة.

٣٣

الى الكتب ، فانّه دالّ على أنّ المدار في التصحيح عليها لا على شيء آخر وراءها.

هذا مضافاً إلى كثير من عبارات الفقيه والطوسي في تضاعيف الأبواب الدالّة على تضعيف بعض الروايات مثلاً :

١. عبارة الشيخ الطوسي في التهذيب حيث روى رواية عن الكليني بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : «أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بلالاً ينادي كذا ...» (١) ثمّ يعقّبها بقوله : «قال محمّد بن الحسن : فما تضمن هذا الحديث من تحريم لحم الحمار الأهلي موافق للعامّة والرجال الذين رووا هذا الحديث اكثرهم عامّة وما يختصّون بنقله لا يلتفت إليه» (٢) ، مع أنّ الرواية موجودة في الكافي أيضاً (٣).

٢. وفي الاستبصار يروي الرواية عن الكليني بسنده عن عمران الزعفراني في باب الأخبار التي تتعلّق بالعدد في شهر رمضان فيعبّر الشيخ : «إنّ الروايتين خبر واحد لا يوجبان علماً ولا عملاً وراويهما عمران الزعفراني وهو مجهول وفي أسناد الحديثين قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصّون بروايته» (٤) ، مع أنّ الرواية موجودة في الكافي (٥) ، بالإضافة إلى أنّ الصدوق أيضاً من القائلين ـ بتصلّب ـ بتمام العدد في شهر رمضان.

٣. وفي التهذيب في بحث الظهار روى رواية يرويها عن القاسم بن محمّد

__________________

(١) التهذيب ٩ / ٤٠ ، الحديث ١٧٠. كتاب الصيد والذبائح ، باب ١ ، باب الصيد والذكاة.

(٢) المصدر المتقدّم ٩ / ٤١.

(٣) الكافي ٦ / ٢٤٣ ، كتاب الأطعمة ، باب جامع في الدواب التي لا تؤكل لحمها ، الحديث ١.

(٤) الاستبصار ٢ / ٧٦ ، كتاب الصيام ، الباب ٣٦ ، باب ذكر جمل من الأخبار يتعلّق بها أصحاب العدد ، الحديث ٢.

(٥) الكافي ٤ / ٨١ ، كتاب الصيام ، باب ٨ بدون عنوان ، الحديث ٤.

٣٤

الزيّات ، قال : قلت لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام : إنّي ظاهرت من امرأتي ... الخ ، عن طريق محمّد بن يعقوب (١) ، ومع ذلك يلاحظ أنّ الشيخ يعرض عن هذه الرواية ونظيراتها (٢) التي رواها الصدوق (٣) ويعمل على مقتضى القاعدة.

ثالثاً : إنّ نفس أصحاب الكتب الأربعة قد ذكروا في ديباجة كتبهم أنّهم ذكروا سلسلة السند كي تخرج روايات الكتاب عن حدّ الإرسال وهذا ممّا يدلّل على أنّ منشأ اعتبار روايات الكتب إنّما هو صورة السند المذكور ولو كان هناك قرائن أخرى على اعتبار السند لأوردوها لأنّ بغيتهم من إيراد السند هو اعتبار الرواية سنداً.

ودعوى أنّ إيرادهم لسلسلة الأسانيد والمشيخة هي للتزيين ، واهية جداً ومنافية لما صرّحوا به في ديباجة كتبهم ولما يصرّحون به في تضاعيف الأبواب من طرح عدّة من الروايات لإرسالها مثلاً ، أو كون الراوي ذا مذهب فاسد ونحو ذلك.

نعم هناك دعوى أخرى لاعتبار طرق أصحاب الكتب الأربعة إلى كتب وأصول المشيخة لا لتمام سلسلة السند ، وسيأتي التعرّض لها وبيان تماميّتها ومغايرتها لدعوى الأخباريين.

رابعاً : إنّ هناك دعوى وجود العلم الإجمالي بوقوع التدليس في الطرق وقد تعرّض لها الشيخ الأنصاري رحمه‌الله في رسائله في مبحث حجّية خبر الواحد قبل دليل

__________________

(١). التهذيب ٨ / ١٣ ، كتاب الطلاق ، باب ٢ في حكم الظهار ، الحديث ١٧. وفي الكافي ٦ / ١٥٨ ، الحديث ٢٤.

(٢). التهذيب ٨ / ١٤ ، كتاب الطلاق ، باب ٢ في حكم الظهار ، ذيل الحديث ١٩.

(٣) الفقيه ٣ / ٣٤٤ ، كتاب الطلاق ، باب ١٧١ ، باب الظهار ، الحديث ١٣.

٣٥

الانسداد ، وجمع فيها عدّة شواهد وقرائن من كتاب الكشّي والنجاشي وفهرست الشيخ الطوسي على وقوع مثل هذا التدليس ، نظير ما هو موجود في الكشّي بأسانيد بعضها معتبر كما في قوله عليه‌السلام :

«قد كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي» و «دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي» (١).

ونظير ما يرويه عن يونس بن عبد الرحمن أنّه قد روى عن جمّ غفير من أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام ثمّ عرضها على أبي الحسن الرضا عليه‌السلام فحكم الإمام عليه‌السلام على العديد منها إنّها ممّا كُذب على أبي عبد الله عليه‌السلام (٢) إلى غير ذلك ممّا تسالم الرجاليّون على بعض الرواة أنّهم من الوضّاعين ممّن قد وقعوا في أسانيد الروايات ، وغير ذلك من القرائن فراجع.

وهذا العلم الإجمالي قد أشار الشيخ إلى أنّه قد أوجب صيرورة بعض المحقّقين إلى التمسّك بذيل دليل الانسداد في حجّية الخبر لعدم جدوى الدليل الخاصّ على حجّية خبر الثقة بعد فرض وجود العلم الإجمالي المزبور ، لعدم إمكان إحراز الصغرى ، فيتعيّن حينئذ قيام دليل الانسداد.

وقد ذهب إلى ذلك في الجملة بعض السادة من مشايخنا المحقّقين.

وبالجملة : فدعوى العلم الإجمالي المزبور وعدم انحلاله وبقائه وإن كانت غير سديدة عندنا كما سنبيّن ذلك ، إلّا أنّها بشواهدها المتقدّمة صالحة لمقابلة

__________________

(١) راجع : رجال الكشّي (اختيار معرفة الرجال) في المغيرة بن سعيد : ٢٩٦ ـ ٣٠١ ، الحديث ٣٩٩ ـ ٤٠٨.

(٢) رجال الكشّي / ٢٩٧ ، الحديث ٤٠١ ، في المغيرة بن سعيد.

٣٦

ما يذكر من شواهد لدعوى الأخباريين من صحّة كلّ ما في الكتب الروائية ، فإنّ شواهد الدعوى الاخرى وان كانت تامّة في نفسها إلّا أنّها لا تثبت الدعوى المتقدّمة ، بل هي موجبة لانحلال شواهد الدعوى الأولى بوجود العلم الإجمالي بوقوع التدليس.

وعليه فتسقط كلتا الدعويين ويكون المدار على صحّة السند حينئذ ، وليس ذلك من باب التساقط عند الشك والتعارض ، بل لتولّد العلم التفصيلي اللاحق بانحلال العلم الإجمالي المزبور ، أي العلم بوقوع الغربلة والتصفية والمقابلة والتثبّت والتشدّد لكلّ روايات الأصول الأربعمائة وكتب المجاميع بعدها بعرضها أمّا على الأئمّة عليهم‌السلام أو على ما استفاض من رواياتهم عليهم‌السلام بحيث طُرح كلّ ما علم بتدليسه أو وقع ضمن دائرة العلم بحسب الموارد والأبواب.

وأمّا الشواهد على تولّد العلم التفصيلي فملخّصها هو ما وقع من تشدد القميين إلى الغاية ، بل قد أفرطوا في ذلك في صيانة النقل ، حيث كانوا يخرجون من (قم) كلّ من يروي عن الضعفاء والمجاهيل ، وإن لم يُعلم أنّ تلك الرواية مدلّسة أو مدسوسة ، فهذا البرقي الجليل قد أخرجوه وغيره من عشرات الرواة الأجلّاء ، وكذا ما استثنوه من كتاب نوادر محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري ، الموسوم كتابه (بدبّة شبيب) ، وغيرها من الكتب التي استثنوا كثيراً من رواياتها تصلّباً منهم في تنقية الحديث ، وكم من راوٍ ضعّفوه وهجروا روايته لمجرّد دعواهم الغلوّ في حقّه مع أنّ مبناهم في حدّ الغلوّ ـ ضابطته ـ إفراط من القول ، كما ذكر ذلك عامّة متأخّري هذه الأعصار ، وهذا التشدّد في الوقت الذي أوجب عمليّة تصفية وتنقية في الحوزات الروائية الحديثية ، وأوجب ظاهرة المداقّة المتناهية في غربلة طرق الحديث ، إلّا أنّه في الوقت نفسه أوجب ضياع جزء من التراث الروائي.

٣٧

ومن الشواهد أيضاً ما وقع من كبار الرواة من مقابلة الأحاديث التي جمعوها بعرضها على الأئمّة عليهم‌السلام المتأخّرين ، كما وقع ذلك ليونس بن عبد الرحمن بطريق معتبر في الكشّي (١) ، وكتاب عبيد الله بن علي الحلبي المعروض على الصادق عليه‌السلام (٢) ، وككتابي : يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على الإمام العسكري عليه‌السلام ، وكما وقع ذلك في عدّة من الكتب التي عرضت على الإمام الجواد عليه‌السلام والتي ترحّم الإمام على مؤلّفيها ، ككتاب يوم وليلة (٣) ، وكما وقع ذلك أيضاً من النائب الثالث الحسين بن روح من عرض كتابه الذي جمع فيه مروياته عن شيوخ الرواة على فقهاء ومحدّثي (قم) ليقابلوها مع المستفيض من رواياتهم كما ذكر ذلك الشيخ في كتاب الغيبة في ترجمته (٤).

وبالجملة : فإنّ عمليّة مقابلة الكتب أدمنها الرواة منذ عهد الصادق عليه‌السلام ، ومرحلة تدوين الأصول الأربعمائة مروراً بمرحلة تدوين المجاميع في عهد الرضا عليه‌السلام ، كمشيخة الحسن بن محبوب وكتب الحسين بن سعيد الأهوازي وصفوان بن يحيى وابن أبي عمير وغيرهم ، إلى مرحلة تدوين الكتب في عهد العسكريين عليهما‌السلام والغيبة الصغرى ككتاب قرب الاسناد لعبد الله بن جعفر الحميري ، وكتاب المحاسن لأحمد بن محمّد البرقي وغيرهما ، وانتهاءً بمرحلة أصحاب الكتب الأربعة في كتبهم الأربعة وغيرها.

حيث إنّ مرحلة الأصول كانت قائمة على التلقّي المباشر عن الإمام عليه‌السلام ،

__________________

(١) رجال الكشّي ٢٩٧ / الحديث ٤٠١ ، في المغيرة بن سعيد.

(٢) رجال النجاشي ٢٣١ / الرقم ٦١٢ ، عبيد الله بن عليّ بن أبي شعبة.

(٣) وسائل الشيعة : كتاب القضاء ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٧٤.

(٤) الغيبة / ٣٩٠.

٣٨

ومرحلة المجاميع وكتب المشيخة كانت عبارة عن جمع ما في الاصول مع تشذيبها وتهذيبها وعرضها ومقابلتها على الأئمّة المتأخّرين عليهم‌السلام ، ومرحلة الكتب كانت عبارة عن جمع الأصول اللاحقة المتولّدة من الأئمّة المتأخّرين عليهم‌السلام مع تبويب الروايات ، وأمّا مرحلة أصحاب الكتب الأربعة فكانت عبارة عن استقصاء كلّ الروايات والطرق مع المبالغة في التبويب والفهرسة والتنقية ، فنرى الكليني رحمه‌الله يذكر أن الداعي إلى تأليف كتاب الكافي هو : «أمّا بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة وتوازرهم وسعيهم في عمارة طرقها ومباينتهم للعلم ...».

ونرى الصدوق في الفقيه في مقام بيان منهجه في كتابه يقول : «بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحّته وأعتقد فيه أنّه حجّة في ما بيني وبين ربّي ـ تقدّس ذكره وتعالت قدرته ـ وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة ، عليها المعوّل وإليها المرجع ـ ثمّ ذكر أسماء الكتب ـ وقال : وغيرها من الاصول والمصنّفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي ـ رضي‌الله‌عنهم ـ وبالغت في ذلك جهدي» (١).

هذا وقد ذكر الآغا بزرك الطهراني رحمه‌الله في كتاب مصفّى المقال في مصنّفي علم الرجال : «انّه كان في مكتبة السيّد ابن طاوس مائة ونيّف من مصنّفات الإمامية من كتب الفهارس والرجال فقط».

وغير ذلك ممّا ذكره روّاد ومهرة علم الرجال من تواتر القرائن التي لا تُحصى على غربلة الحديث وتنقيته بما لم يعهد ذلك عند أحد من فرق المسلمين ، بعد

__________________

(١) ديباجة الفقيه / ٣ ـ ٥.

٣٩

كون الطائفة الإمامية هي أوّل من دوّن الحديث في الصدر الأوّل ككتاب سليم بن قيس وغيره ، بينما نرى بقيّة الفرق قد تأخّرت في تدوين الحديث إلى ما بعد منتصف القرن الثاني.

لكن لا يخفى أنّ كلّ ذلك لا يعني إهمال النظر من قبلنا في ملاحظة سلسلة الأسانيد والطرق ، بل هي في قبال دعوى العلم الإجمالي المتقدّم.

خامساً : إنّ ظروف التقيّة الشديدة السائدة في عهد أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ، الرواة عنهم ، والتي قد تؤدّي ببعضهم إلى ضياع كتبه أو عدم روايتها إلّا لواحد أو اثنين لظروف الخوف من السلطة الأمويّة والعباسيّة كما وقع ذلك لابن أبي عمير في القصّة المعروفة له وتعذيبه في سجن هارون ليقرّ على رواة الشيعة وقيام ابنته بدفن كتبه أو إخفاءها فانمحت عديد من الأسانيد ، ولذلك اشتهر ابن أبي عمير بالمراسيل ، كما أنّ العديد من الرواة الأجلّاء الكبار أصحاب الكتب ديدنهم على الرواية عن الضعاف في تلك الروايات التي لا يظهر منها الوضع والدسّ وتكون غير مخالفة للكتاب والسنّة القطعية حتّى إنّ الذي اختصّ من الرواة بالرواية عن خصوص الثقة قد مُيّز بأصحاب الإجماع وبوصف أنّه لا يروي ولا يرسل إلّا عن ثقة ، وبأدنى مراجعة إلى تراجم المفردات الرجاليّة يظهر عدم تقيّد العديد من الرواة بالرواية عن خصوص الثقة ، ومع هذا فكيف تتمّ دعوى كون كلّ الأسانيد قطعيّة أو صحيحة.

تذييل ذو صلة بردّ الدعويين

لا يخفى أنّ كلّ ما ذكرناه في ردّ الدعويين المتقدّمتين لا يعني الاستهانة والإنكار للقيمة العلمية لبعض روايات الكتب الأربعة والكتب الاخرى الروائيّة ،

٤٠