بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

مذاهب الفرق الإسلاميّة بإخبار أهلها وإن لم يبلغوا حدّ التواتر» (١).

وقال صاحب الوسائل في الفائدة التاسعة من الخاتمة في معرض الحديث عن آية النبأ وحجّية الخبر ، من أنّ القدماء في اعتمادهم الحديث قد يبنون على أصالة العدالة قال : «فإن أجابوا بأصالة العدالة أجبنا بأنّه خلاف مذهبهم ولم يذهب منهم إلّا القليل».

وقال السيّد الخوئي في المعجم : «إنّ اعتماد ابن الوليد أو غيره من الأعلام المتقدّمين فضلاً عن المتأخّرين على رواية شخص والحكم بصحّتها لا يكشف عن وثاقة الراوي وحسنه ، وذلك لاحتمال أنّ الحاكم بالصحّة يعتمد على أصالة العدالة ويرى حجّية كلّ رواية يرويها مؤمن لم يظهر منه فسق ، وهذا لا يفيد من يعتبر وثاقة الراوي أو حسنه في حجّية خبره» (٢).

وقال أيضاً في معرض الخدشة في استفادة التوثيق من رواية الثقة عن رجل : «وأين هذا من التوثيق والشهادة على حسنه ومدحه ، ولعلّ الراوي كان يعتمد على رواية كلّ إمامي لم يظهر منه فسق» (٣).

أقول : التأمّل والنظر في مجمل هذه النسبة يقضي بأنّ المراد من المحكي من عبارات القدماء ليس هو أصالة العدالة كما تُوهّم في المسلم أو المؤمن ما لم يحرز الفسق ، بل المراد حجّية حُسن الظاهر وظهور حال وسلوك المسلم والمؤمن في الوثاقة أو العدالة كأمارة كاشفة معتدّ بها ، شريطة عدم العلم بالفسق

__________________

(١) الدراية / ٢٧.

(٢) المعجم ١ / ٧٤ ، طبعة قم.

(٣) المصدر المتقدّم / ٧٣.

١٠١

وعدم إحرازه ولو بضمّ الأصل العدمي ، وهو مضمون عدّة من الروايات المعتبرة الواردة في باب العدالة ، كموثّقة ابن أبي يعفور وغيرها الآتي ذكرها في الجهة الثالثة ، هذا إجمال النظر.

وأمّا تفصيل الحال في ما نُسب ، فمثلاً ما ذكره العلّامة الحلّي في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة بن عبد الله هو : «أبو علي البجلي عربيّ من أهل قم ، كان من أهل الفضل والأدب والعلم ، وعليه قرأ أبو الفضل محمّد بن الحسين بن العميد ، وله كتب عدّة لم يُصنّف مثلها ، وكان إسماعيل بن عبد الله من أصحاب محمّد بن أبي عبد الله البرقي وممّن تأدّب عليه ، فمن كتبه كتاب العباسيّ وهو كتاب عظيم نحو عشرة آلاف ورقة في أخبار الخلفاء والدولة العباسية مستوفى لم يصنّف مثله. هذا خلاصة ما وصل إلينا في معناه ولم ينصّ علماؤنا عليه بتعديل ولم يرو فيه جرح ، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها من المعارض» (١).

فذيل كلامه وإن أوهم البناء على أصالة العدالة بأصالة عدم الفسق إلّا أنّه من البيّن أنّ صدر العبارة فيها تعداد لقرائن الوثاقة تبلغ الخمس ، من كونه ذو درجة عالية في الفضل والأدب والعلم وقراءة ابن العميد عليه والذي كان من وزراء الدولة البويهية ومن الأدباء أيضاً وتصنيفه لكتب عدّة عديمة المثيل وكون والده من خواصّ البرقي وتصنيفه لكتاب العباسي الكبير ، فإنّ كلّ ذلك دالّ على الوجاهة والجلالة والوثاقة من دون معارض.

وأمّا ما ذكره العلّامة في ترجمة إبراهيم بن هاشم أبو اسحاق القمي : «أصله من الكوفة وانتقل إلى قم ، وأصحابنا يقولون إنّه أوّل من نشر حديث الكوفيين

__________________

(١) خلاصة العلّامة الحلي / ١٦.

١٠٢

بقم ، وذكروا إنّه لقى الرضا عليه‌السلام وهو تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا عليه‌السلام ولم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه ولا على تعديله بالتنصيص والروايات عنه كثيرة والأرجح قبول قوله».

فإنّك ترى إنّه قد استند في توثيقه على أربع قرائن هامّة ، هي عين ما استند عليها متأخّري هذه الأعصار في توثيق إبراهيم بن هاشم ، فليس هو من البناء على أصالة العدالة بمعنى مجرّد أصالة عدم الفسق في من أحرز إيمانه ، ومن ثمّ ترى أنّ العلّامة لم يوثّق كثيراً من مفردات الرواة الإماميّة ممّن لم يرد فيهم تعديل ولا جرح وأدرجهم في القسم الثاني من كتابه.

وأمّا ما نسبه الشهيد الثاني للشيخ الطوسي استناداً لما وقع للشيخ في كتب الحديث من أنّه تارة يعمل بالخبر الضعيف ويخصّص به الصحاح وأخرى يردّ الحديث الضعيف وثالثة يردّ الخبر الصحيح معلّلاً بأنّه خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً كما هو مذهب السيّد المرتضى.

ففيه : أنّ الشيخ دأبه في التهذيبين على الجمع بين الأحاديث المختلفة مهما أمكن ، لدفع شبهة كثرة التعارض في أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام التي أدّت بأحد الأشراف إلى الخروج من المذهب ، كما صرّح بذلك في مقدّمة الكتابين ، أي إنّ غرضه بيان فنون الاحتمالات العلمية والفذلكات الصناعية ، كما أنّ اعتماده على الخبر الضعيف في موارد يدلّل عليه بقرائن عدّة توجب الوثوق بالصدور ، فيرتكب التخصيص به فلا ينافي ردّه لخبرٍ ضعيف آخر منفرد عن القرائن.

وكذا الحال في ردّه للخبر الصحيح بالتعليل المزبور ، فإنّه يريد به مخالفته لقواعد آبية عن التخصيص مثلاً أو لبعض أصول المذهب التي لا يرفع اليد عنها لأقوائية عمومها من دلالة الخبر الخاصّ الصحيح.

١٠٣

وقد أسهبنا في مسألة الإجماع من علم الأصول الجمع بين دعويي الإجماع من الشيخ الطوسي والسيّد المرتضى في العمل بالخبر الواحد أو عدم العمل به.

وأمّا عبارة الشيخ في الاستبصار عند قوله : «إنّه لا يجب على الحاكم التفتيش عن بواطن الناس ، وإنّما يجوز له أن يقبل شهادتهم إذا كانوا على ظاهر الإسلام والأمانة وأن لا يعرفهم بما يقدح فيهم ويوجب تفسيقهم ، فمتى تكلّف التفتيش عن أحوالهم يحتاج إلى أن يعلم جميع الصفات» (١).

وقال أيضاً في معرض الجمع بين الأخبار الواردة في العدالة وكيفيّة إحرازها : «إنّه ينبغي قبول شهادة من كان ظاهره الإسلام ، ولا يعرف فيه شيء من هذه الأشياء» (٢) ويشير بذلك إلى الصفات القادحة في الشهادة.

فهذه العبارة وإن أوهمت ذلك ، إلّا أنّ التدبّر فيها يقضي بأنّ استناده في إحراز العدالة إلى وجود ظهور السلوك العملي من الشاهد على الأمانة والاستقامة ، من دون بروز صفة قادحة للعدالة ، أي بضميمة عدم العلم بالفسق ، فمستنده حسن الظاهر الذي هو من أمارات الوثاقة والعدالة المذكورة في مثل موثقة ابن أبي يعفور الواردة في العدالة.

وأمّا ما ذكره الشيخ في العُدّة عند قوله : «وأمّا العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الآخر ، فهو ان يكون الراوي معتقداً للحقّ ، مستبصراً ثقة في دينه ، متحرّجاً من الكذب ، غير متّهم في ما يرويه ، فامّا إذا كان مخالفاً في الاعتقاد لأصل المذهب وروى مع ذلك عن الأئمّة عليهم‌السلام نُظر في ما يرويه ... وإن لم يكن من

__________________

(١) الاستبصار ٣ / ١٣.

(٢) المصدر المتقدّم / ١٤.

١٠٤

الفرقة المحقّة خبر يوافق ذلك ولا يخالف ولا يعرف لهم قول فيه وجب أيضاً العمل به ، لما رُوي عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال :

«إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها في ما رووا عنّا فانظروا إلى ما رووا عن عليّ فاعملوا به ، ...».

وإذا كان الراوي من فرق الشيعة مثل الفطحية والواقفية والناووسية وغيرهم نُظر في ما يرويه ... وإن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ، ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه ، وجب أيضاً العمل به إذا كان تحرّجاً في روايته ، موثوقاً في أمانته وإن كان مخطئاً في أصل الاعتقاد ، ... وأمّا ما ترويه الغلاة والمتّهمون والمضعّفون وغير هؤلاء فما يختصّ الغلاة بروايته ، فإن كان ممّن عُرف لهم حال استقامة وحال غلوّ ، عُمل بما رووه في حال الاستقامة وتُرك في ما رووه في حال خطأهم ، ... فأمّا ما يرويه في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كلّ حال ، وكذلك القول في ما ترويه المتّهمون والمضعّفون ... فأمّا من كان مخطِئاً في بعض الأفعال أو فاسقاً بأفعال الجوارح وكان ثقة في روايته متحرّزاً فيها ، فإنّ ذلك لا يوجب ردّ خبره ويجوز العمل به ، لأنّ العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه ، وإنّما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته وليس بمانع من قبول خبره» (١).

أقول : من البيّن جَعْل الشيخ المدار في حجّية الخبر على ظهور الوثاقة في اللسان واللهجة ، لا ما توهّمه عبارته في خبر المخالف ، إذ كلامه في الثقة ، ولذلك مثّل بأسماء الموثقة بهم من رواة العامّة فلاحظ ، فهو في صدد عدم ردّ

__________________

(١) العُدّة ١ / ١٤٨ ـ ١٥٢.

١٠٥

خبر المخالف بمجرّد مخالفته ، وإلّا فخبره لا يزيد في الاعتبار عن خبر الراوي من فرق الشيعة الاخرى ، حيث اشترط فيه الوثاقة في العبارة المتقدّمة.

وأمّا عبارته في النهاية في تعريف العدالة التي هي شرط الشهادة ، فهي صريحة في ظهور حال الشخص في الإيمان عند قوله : «العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين وعليهم هو أن يكون ظاهر الإيمان ثمّ يعرف بالستر والصلاح والعفاف والكفّ عن البطن والفرج واليد واللسان ويُعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا .... الخ» (١).

ونظيره عبارة الشيخ المفيد ، وابن برّاج ، وأبي الصلاح الحلبي ، في الباب المزبور ، وابن الجُنيد في محكيّ المختلف ، وكذا ابن إدريس في السرائر فلاحظ.

وأمّا عبارة الشيخ في الخلاف في آداب القضاء حيث قال : «إذا شهد عند الحاكم شاهدان يعرف إسلامهما ولا يُعرف فيهما جرح حُكم بشهادتهما ، ولا يقف على البحث إلّا أن يجرح المحكوم عليه فيهما بأن يقول : هما فاسقان فحينئذ يجب عليه البحث ... دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم ، وأيضاً الأصل في الإسلام العدالة ، والفسق طارئ عليه يحتاج إلى دليل ، وأيضاً نحن نعلم إنّه ما كان البحث في أيّام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أيام الصحابة ولا أيام التابعين ، وانّما هو شيء أحدثه شريك بن عبد الله القاضي ، فلو كان شرطاً ما أجمع أهل الأعصار على تركه».

وقال في المسألة اللاحقة ، المسألة الحادي عشر : «الجرح والتعديل لا يقبل إلّا عن اثنين يشهدان بذلك ، فإذا شهدا بذلك عُمل عليه ، ... دليلنا : إنّ الجرح

__________________

(١) النهاية : كتاب الشهادات ، باب تعديل الشهود ومن تقبل شهادته ومن لا تُقبل.

١٠٦

والتعديل حكم من الأحكام ولا تثبت الأحكام إلّا بشهادة شاهدين».

وقال في المسألة الخامسة عشر : «إذا حظر الغرباء في بلد عند الحاكم فشهد عنده اثنان فإن عرفا بعدالة حُكّما ، وإن عرفا بالفسق وُقّفا وإن لم يعرف عدالة ولا فسقاً بحث عنهما ، وسواء كان لهما السيماء الحسنة والمنظر الجميل وظاهر الصدق ، وبه قال الشافعي.

وقال مالك : إن كان المنظر الحسن توسّم فيهما العدالة حكم بشهادتهما ، دليلنا قوله تعالى (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ)(١) وهذا ما رُضي بها» (٢).

أقول : والناظر لعبارة الشيخ في المسألة الأولى المتقدّمة يوهم وهماً شديداً بأنّه قائل بأنّ الأصل في المسلم والمؤمن العدالة ، بينما إذا ضُمّت المسألة الأخيرة والمسألة المتوسّطة مع المسألة الأولى ، يتّضح جليّاً لا خفاء فيه أنّ الشيخ في صدد التفصيل بين من تحصل معه العِشرة من المسلمين والمؤمنين ، بحيث لا يظهر عليه خلاف الصلاح ولا سوء ولا منافي للعدالة ، وبين من يكون من المسلمين أو المؤمنين من الغرباء الذين لا خلطة ولا معاشرة للإنسان بهم ، فإنّه يجب أن يتحرّى أمارات العدالة فيهم ، وبين من شُهد عليه بكلّ من الجرح والتعديل وإن كانت به خلطة وعِشرة ، فإنّه حكم في الشقين الآخرين بلزوم الفحص دون الأوّل لا لكون الأصل فيه العدالة كما توهّمه العبارة ، بل استناداً إلى أمارات الصلاح المحسوسة بالعشرة والخلطة ، فلا حاجة للتنقيب معها عن ثبوت الجرح ،

__________________

(١). البقرة / ٢٨٢.

(٢) الخلاف ٦ / ٢١٧ ، أبواب القضاء ، المسألة العاشرة ، الحادية عشر ، الخامسة عشر.

١٠٧

وهذا معنى الأصالة التي يريدها الشيخ ، أي أصالة عدم موجب الفسق بضميمة الأمارات السابقة على العدالة ، وأنّ التنقيب الزائد عن الواقع وعدم الاعتداد بالأمارات أمر أحدثه شريك بن عبد الله ويزيدك وضوحاً على ما ذكرناه إشارة الشيخ في المسألة الأولى إلى الروايات الواردة وستأتي أنّ كلّها هي بمعنى الاعتداد بأمارات ظاهر الحال ، من دون لزوم التنقيب ممّا وراء ذلك لا بمعنى الأصل العملي العدمي للفسق بمجرّده مثبت للعدالة.

ومن ثمّ قال صاحب الجواهر : إنّه قد استقصى الكلام في المسألة وقال : «لم نتحقّق القائل به ، لظهور من وقفنا على كلام من يُحكى عنه في المسلم الذي لم يظهر منه فسق ، لا أنّ الإسلام عدالة مع معلوميّة فساد الأصل المزبور ، وإن اشتهر في كلام الأصحاب أنّ الأصل في المسلم أن لا يخلّ بواجب ولا يفعل محرّماً ، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي تحقّق وصف العدالة به ، بل المراد منه حكماً تعبّدياً في نفسه لا في ما يترتّب على ذلك لو كان واقعاً ...

وإنّ التحقيق الذي تجتمع عليه الروايات وعليه عمل العلماء في جميع الأعصار والأمصار حُسن الظاهر ، بمعنى الخِلطة المُطّلعة على أنّ ما يظهر منه حسن من دون معرفة باطنه» (١).

أقول : ونِعم ما أفاد من أنّ غالب مَن نُسب إليه أصالة العدالة هو بسبب ايهام العبائر ، فليس مرادهم تعريف العدالة بالإسلام والإيمان ، كما أنّ ليس مرادهم إحرازها بمجرّد أصالة عدم الفسق ، بل مراد من نُسب إليه هو كون حُسن الظاهر أمارة على العدالة ، ولو بضميمة أصالة عدم موجب الفسق من دون لزوم تحرّي ما

__________________

(١) الجواهر ٤٠ / ١١٢.

١٠٨

وراء ذلك من الباطل.

وقد بسط صاحب جواهر الكلام في كتاب الصلاة في مبحث الجماعة هذه النكتة فلاحظ (١).

وبعبارة أخرى : إنّ مراد الشيخ والمتقدّمين من كون ظاهره الإسلام وعدم معرفته بالصفة القادحة هو عدم معرفته بذلك في من يتعايش معه من أهل محلّته أو قبيلته ، إذ التعايش كذلك يفرض على نطاق خمس دوائر :

الأولى : تعايشه في نطاق الأسرة وهي أخصّ خاصّة ، كزوجته وولده وخدمه وحشمه.

الثانية : هي ذوي رَحِمه وأصدقاءه ، وهي المعبّر عنها بخاصّته.

الثالثة : هي الحيّ والمحلّ الذي يعيش فيها ، أو القبيلة التي يقطنها.

الرابعة : هي تعايشه ضمن طبقة من أهل عصره لكن في مدينة أو بلاد أخرى أو قبائل أخرى مختلفة.

الخامسة : وهي نطاق من لم يعاصره من الطبقات اللاحقة ، كنسبتنا نحن إلى الرواة.

وعليه فإنّ المراد من عدم معرفة الشخص بالفسق وهو سلامة سلوكه في الظاهر ، إنّما هو في الدائرة الثالثة ، لا بقيّة الدوائر ، والمتأخّرون حملوا عدم معرفته بالفسق بلحاظ الدائرة الرابعة والخامسة ، ومن الواضح تباين ذلك المعنى حينئذ مع حُسن الظاهر ، حيث أنّ حُسن الظاهر هو سلامة سلوكيات الشخص على

__________________

(١) الجواهر ١٣ / ٢٨٠ ـ ٢٩٠.

١٠٩

صعيد سطح تعامله التعايشي في نطاق الدائرة الثالثة ، وواضح أنّ عدم معرفته بالفسق في سلوكه في نطاق الدائرة الثالثة ومع من يتعايش معه يعني حُسن ظاهره وسلوكه ، بخلاف عدم معرفته بالفسق بالإضافة إلى من لم يعاصره ـ الدائرة الخامسة ـ كما في عدم معرفتنا نحن الآن بفسق بعض الرواة ، فإنّه لا يعني ذلك حُسن الظاهر ، بل يعني الجهالة بحال الراوي ، وهكذا الحال في من عاصر الشخص ولم يكن من أهل مدينته ، فالعمدة في غفلة تفسير المتأخّرين لعبائر المتقدّمين ولظاهر جملة من الروايات هو حملهم عدم المعرفة بالفسق لنطاق من لم يتعايش ولم يعاصر ذلك الشخص ، وفسّروا ذلك بأصالة العدالة عند الجهل بحال الراوي ، أي بمجرّد اسلامه مع عدم العلم بالفسق ، والحال أنّ مراد الروايات والمتقدّمين هو ما أشرنا إليه ، وعليه فعدم العلم بالفسق لا ينفكّ عن حُسن الظاهر لمن عاصر وعايش ذلك الشخص.

وهناك غفلة أخرى على طرف مقابل كما سبق ، وهي الاعتماد في توثيق الشخص وإحراز عدالته على خصوص من اختصّ بالتعايش مع الشخص ـ أي بمن يكون في نطاق الدائرة الأولى أو الثانية ـ بمقتضى حديث «إنّ المرء على دين خليله».

مع أنّ ذلك خلط واضح بين إحراز الوثاقة بدرجة عالية ، كدرجة الاطمئنان ونحوه ، وبين إحرازها بدرجة ظنيّة معتادة معتبرة ، فهو تناسي لأماريّة حُسن الظاهر.

ومن ثمّ يتبيّن لك أنّ الشخص الذي يُحرز وثاقته بالدرجة العالية يُسمّى في الاصطلاح بالثقة أو العادل وخبره يصنّف في الخبر الصحيح أو الموثّق ، وأمّا من تحرز وثاقته بدرجة ظنيّة معتادة معتبرة ، فيُقال عنه إنّه ممدوح ، وخبره يُصنّف

١١٠

في الخبر الحسن أو القوي.

وعليه فالفارق بين الخبر الصحيح والموثّق من جهة والحسن والقوي من جهة أخرى هو فرق في درجة إحراز صفات الراوي ، لا فرق في حقيقة صفات الراوي الخارجية ؛ فالتقسيم المزبور للأخبار غير مبنيّ على تباين الأقسام ثبوتاً ، بل إثباتاً وإحرازاً بالإضافة إلى صفات الراوي

الجهة الثالثة

الضابطة الصغرويّة للاحراز في تحقيق المقام : وهي الضابطة الصغرويّة للإحراز ، بمعنى ميزان الأمارات القائمة على صغرى صفات راوي الخبر المعتبر.

فليُعلم في البدء انّه يتنقّح ذلك أوّلاً بما يُبنى عليه في دائرة حجّية الخبر ، فتارة يُبنى على حجّية كلّ خبر سوى خبر الفاسق ، فيشمل حينئذ أكثر أقسام الخبر ، ويمكن إحراز صغراه حينئذ بتوسّط أصالة عدم الفسق ، إذ الفسق صفة وجودية يُستصحب عدمها ، والفرض أنّه لا يُعتبر على هذا القول صفة وجودية كشرط في موضوع الحجّية ، وإنّما أخذ الفسق مانعاً في الموضوع فحسب ، وأخرى يُبنى على حجّية خبر كلٍّ من العادل والثقة والحسن والقوي سوى الضعيف والفاسق ، فيحقّق صغراه حينئذ حُسن الظاهر ، ومجرّد المدح مع عدم الطعن وسواء كان الراوي من الخاصّة أو غيرهم ، وثالثاً يبنى على حجّية خبر العادل أو الثقة دون الحسن والقوي ، فضلاً عن الضعيف والكاذب ، وحينئذ تُحرز صغراه بالأمارات المحرزة للعدالة أو الوثاقة في اللهجة ، وحيث إنّ المبنى الأخير هو الأشهر بين متأخّري الأعصار ، فالكلام يقع حينئذ في كون حُسن الظاهر من أمارات العدالة المعتدّ بها أم لا؟ ولو بضميمة أصالة عدم الفسق.

١١١

والثمرة في مثل هذا البحث حينئذ هو الاعتداد بالخبر الحسن والقوي أيضاً ، أي بشمول الحجّية لهما ، لا برجوع القول الثالث إلى القول الثاني ، من كونها كبرويّاً حجّة بل الكبرى في القول الثالث أضيق منها من القول الثاني كما عرفت ، بل من باب إنّ الخبر الحسن والقوي اللذين يكون راويهما ممدوحاً بحسن السمت والظاهر ، تكون تلك الصفة بمثابة أمارة موضوعية على إحراز الوثاقة أو العدالة ، فيكون إرجاع القسمين الأخيرين من الخبر (الحسن والقوي) إلحاقاً على صعيد المصداق والصغرى بخبر القسمين الأوّلين (خبر العادل والثقة) في مرحلة الإثبات لا الثبوت.

وهو الذي يسمّى في الاصطلاح الدارج حالياً في علم الأصول بالحكومة الظاهريّة والتي هي توسعة لموضوع دليل آخر على مستوى الإحراز التعبّدي لمصداقه ، بخلاف الحكومة الواقعيّة التي هي توسعة الدليل لموضوع دليل آخر حقيقة.

وبيان ذلك : إنّ البحث في المقام ليس في صدد التدليل على أنّ ماهيّة العدالة ثبوتاً هي حُسن الظاهر ، كما اختاره جمع ، ولا على أنّ الوثاقة ثبوتاً ماهيّتها ممدوحيّة الراوي في سلوكه الظاهر ، لكي يكون إدراج خبر الراوي الممدوح من الخاصّة والعامّة إدراجاً مصداقياً حقيقياً موضوعياً في خبر العادل وخبر الثقة ، بل إنّ محصّل الدعوى في المقام هو كون صفة الحسن والممدوحيّة صفة إثباتية مثبتة ومحرزة لصفة العدالة والوثاقة ، فهو إدراج إحرازيّ في الموضوع من دون التصرف في كبرى قضيّة حجّية الخبر.

وبالجملة : إنّ في هذه الدعوى يُسلّم القائل بتباين وجود صفة الحسن والممدوحيّة عن وجود صفة العدالة والوثاقة ، فليستا مندرجتين كمصاديق

١١٢

حقيقيّة في الصفتين الأخيرتين ، كما يقرّ القائل إنّ في حجّية الخبر كبرويّاً يختصّ موضوعها بخصوص خبر العادل والثقة ، لكن غاية دعوى القائل هو كون صفة الحسن والممدوحيّة أمارتين موضوعيتين محرزتين لما هو الموضوع ، أي للعدالة والثقة ، أي لما هو موضوع الحجّية ، فالتفرقة بين ما هو محطّ هذه الدعوى في القول الثالث مع القول الثاني يحتاج إلى دقّة فهمٍ ، فيلتفت.

ونظير هذا الخلط الصناعي بين هذه الدعوى والقول الثاني ، ما وقع من الخلط في حجّية الشهرة بأقسامها العملية والروائية والفتوائية ، حيث إنّه قد دُمج البحث عن كونها حجّة مستقلّة في البحث عن كونها كاسرة أو جابرة ، إذ البحث الأوّل وإن وقع الخلاف فيه واستدلّ بوجوه لكلا الطرفين ، إلّا أنّ مسألة جابريّة الشهرة أو كاسريّتها ليس بحثاً عن حجّيتها المستقلّة بمنزلة حجّية الخبر الواحد ، المثبتة بانفرادها للحكم ، بل البحث الثاني هو عن تحقيق الشهرة لصغرى حجّية الخبر الموثوق بصدوره ، أو اعدامها صغرويّاً له ، وليس ذلك من باب تعارض الحجّة مع الحجّة الأخرى ، كي يظنّ أنّه بحث عن حجّية الشهرة المستقلّة ، وعن حالة تعارضها مع خبر الثقة ، بل هو من باب كون الشهرة أمارة موضوعية على وجود قرائن موجبة للوثوق بالصدور ، وهذا معنى جبرها ، أو كاشفيّتها عن قرائن موضوعية مانعة عن الوثوق بالصدور وهذا معنى كسرها ، أو أن يوجّه البحث الثاني بكون الشهرة ليست حجّة مستقلّة ، بل هي أمارة ظنيّة غير معتبرة في نفسها ، إلّا أنّه بانضمامها إلى الخبر الحسن أو الضعيف تتعاضد معه في توليد الاطمئنان تكويناً ، وما يقال من أنّ انضمام اللاحجّة إلى اللاحجّة لا يورث شيئاً ولا اعتباراً ، هو غفلة عن أنّ تولّد الاطمئنان تولّد تكويني مندرج في الاستقراء المنطقي ، أو ما يُسمّى بحساب الاحتمالات ، فلا يشكل أيضاً بأنّ الاطمئنان

١١٣

المتولّد من منشأ ليس بحجّة لا اعتبار به ، لأنّ ذلك مغالطة ، حيث إنّ الاطمئنان لم ينشأ ممّا ليس بحجّة بما هو هو ، وإنّما نشأ من مجموع الظنون المتصاعدة ، نظير التواتر والاستفاضة.

نعم بين هذين الوجهين في البحث الثاني فرق ، إذ أحدهما بحث في الشهرة كامارة موضوعيّة ، والآخر بحث فيها كجزء الحجّة كبرويّاً.

لكن على كلا الوجهين لم يقع البحث حينئذ عن حجّيتها المستقلّة كبرويّاً.

وأمّا الأدلّة على كون حُسن الظاهر أمارة موضوعيّة على العدالة أو الوثاقة فهي :

١. موثقة ابن أبي يعفور المعروفة ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : بما تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم وعليهم ، قال : فقال :

«إن تعرفوه بالستر والعفاف ، والكفّ عن البطن والفرج واليد واللسان ، ويُعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار ، من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك ، والدالّ على ذلك كلّه والساتر لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك ، من عثراته وغيبته ويجب عليهم تولّيه وإظهار عدالته في الناس ، المتعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ وحافظ مواقيتهن بإحضار جماعة المسلمين وأن لا يتخلّف من جماعتهم ومصلاهم إلّا من علّة ، وذلك إن الصلاة ستر وكفارة للذنوب ، ولو لا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على أحد بالصلاح ... ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته بينهم» (١).

ومفاد الحديث كما هو مقتضى السؤال هو عن أمارات العدالة ، ولو سُلّم إنّه عن

__________________

(١) الاستبصار ٣ / ١٢.

١١٤

حدّ العدالة وكون صدر جوابه عليه‌السلام عن ذلك ، فصريح الذيل حيث عبّر عليه‌السلام (والدالّ على ذلك) هو في الأمارات الكاشفة عن العدالة ، وقد جعل ذلك حُسن ظاهره في التزام الصلاة والكفّ عن إبراز المحرّمات ، وهو نحوٌ من الستر.

٢. موثّقة ابن أبي يعفور الأخرى عن أخيه عن أبي جعفر عليه‌السلام قال :

«تُقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كُنّ مستورات ، من أهل البيوتات ، معروفات بالستر والعفاف ، مطيعان للأزواج ، تاركات للبذاء والتبرج إلى الرجال في أنديتهم» (١).

وظاهر هذه الرواية هو الاعتداد بالستر في الظاهر والمعروفية بالستر ، أي الاعتداد بحسن الظاهر.

٣. صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه‌السلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران ، قال : فقال :

«إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعاً وأقيم الحدّ على الذي شهدوا عليه ، إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم ، إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق» (٢).

وفي هذه الصحيحة دلالة واضحة على أماريّة حُسن الظاهر ، مع عدم إحراز موجب الفسق.

وقد يقال : بأنّ ظاهر الرواية الاكتفاء بمجرّد الإسلام ، وعدم معرفة الفسق فيهم ، وهو عبارة أخرى عن أصالة العدالة في كلّ مسلم ، وهو كما ترى فانّه مخالف للمشهور من لزوم إحراز العدالة وعدم الاكتفاء بمجرّد الإسلام.

__________________

(١) الاستبصار ٣ / ١٣.

(٢) المصدر المتقدّم / ١٤.

١١٥

فانّه يقال : إنّ مقتضى التدبّر في ظاهر الصحيحة والالتفات إلى حذف الفاعل وبناء الفعل للمجهول في تعبيره عليه‌السلام «ليس يُعرفون» مع إطلاق هذا النفي أي إطلاق نفي وجود أحد يعرفهم بالفسق هو كون كلّ من يعاشرهم لا يعرفهم بذلك ، وهو معنى حُسن الظاهر.

وبعبارة أخرى : لم يُجعل المنفي هو نفي معرفة القاضي فقط ، كي يتوهّم ذلك ، وكذا مقتضى التدبّر في ذيل الصحيحة ، حيث جُعلت المعرفة كصفة مشبّهة لهم ، ممّا يدلّ على عموم المعرفة عند من يعاشرهم ، لا أنّ المدار على معرفة خصوص القاضي.

٤. موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «من عامل الناس فلم يظلمهم وحدّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، كان ممّن حرمت غيبته ، وكملت مروته ، وظهر عدله ، ووجبت أخوّته» (١) ومفادها كالروايات السابقة فلاحظ.

٥. رواية العلاء بن سيّابة ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن شهادة من يلعب بالحمام ، قال : «لا بأس إذا كان لا يُعرف بفسق» (٢). والتوهّم الذي تقدّم في صحيحة حريز آتي هنا ، وجوابه ممّا سبق.

٦. رواية علقمة ، حيث قال : قال الصادق عليه‌السلام وقد قلت له : يا ابن رسول الله أخبرني عمّن تقبل شهادته ، ومن لا تقبل؟ فقال : «يا علقمة كلّ مَن كان على فطرة الإسلام جازت شهادته» ، قال : فقلت له : تقبل شهادة مقترف بالذنوب ، فقال : «يا علقمة ، لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قُبلت إلّا شهادة الأنبياء

__________________

(١) الوسائل : باب ٤١ أبواب الشهادات ، ح ١٥ ، وأبواب أحكام العشرة ، باب ١٥٢.

(٢). الوسائل / باب ٥٤ أبواب الشهادات ، ح ٥٤.

١١٦

والأوصياء ، لأنّهم المعصومون دون سائر الخلق ، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً ، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة ، وإن كان في نفسه مذنباً» (١).

فإنّ مفادها عين ما تقدّم وكذا التوهّم والجواب عنه.

وغيرها من الروايات (٢) التي يجدها المتتبّع ، ممّا تُخيّل أنّها دالّة على أصالة العدالة ، بمعنى أصالة عدم الفسق بمجرّد الإسلام ، فإنّ هذا التخيّل كما قدّمنا مندفع ، بل هي بصدد بيان حجّية حسن الظاهر بالتقريب المتقدّم.

٧. وقد يستدلّ على ذلك أيضاً بعموم الحجّية في مفهوم قوله تعالى : (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)(٣).

ببيان : إنّ المجعول بنحو المانع من الحجّية هو خصوص الفسق ، وعند الشك فيه يستصحب العدم ، ولكن العموم المزعوم لو بُني على ظاهره لعارض قوله تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)(٤) ، وقوله تعالى (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ)(٥) ، بل هو في الحقيقة من توسعة دائرة الحجّية كبرويّاً إلى أغلب أقسام الخبر ، عدا خبر الراوي المعلوم ضعفه وفسقه ، مع أنّ المطلوب في المقام هو الاستدلال على حجّية حُسن الظاهر كأمارة موضوعية محرزة للوثاقة

__________________

(١) الوسائل : باب ٤١ أبواب الشهادات ، ح ١٣.

(٢). الوسائل : باب ٤١ من أبواب الشهادات ، باب ٣٠ ح ٣ ، أبواب صلاة الجماعة باب ١٢ ح ٤ ، باب ٣٧ ح ١ ، باب ١١ ح ١.

(٣) الحجرات / ٦.

(٤). البقرة / ٢٨٢.

(٥). الطلاق / ٥٦.

١١٧

أو العدالة ، وقد حرّر في حجّية الخبر اختصاصه بهما كبرويّاً.

هذا ويمكن تقريب دلالة الآية على ما نحن فيه إنّ استثناء الآية لخبر الفاسق ليس هو من باب حجّية ما عداه كبرويّاً ، بل من باب أنّ من ستر ظاهره يُعتدّ بخبره عدا من عُرف بالفسق ، ففي الآية نحو دلالة على أمارية حُسن الظاهر الموضوعية.

وبعبارة أخرى : إنّ وصف الفاسق وإن كان يراد به من ارتكب ما يُخرج عن العدالة ، فيكون وصفاً ثبوتياً للشخص ، إلّا أنّه يُستعمل بمعنى من تظاهر بالمعصية ، أي كان معلن الفسق ، والظاهر أنّ المراد في الآية هو الثاني ، وعليه فيكون غيره مندرجاً في موضوع الحجّية الذي هو مفاد مفهوم الآية ، فالآية حينئذ تكون من نمط الأدلّة التي يُتعرض فيها إلى كلّ من الحكم وموارد وجود موضوعه.

٨. وقد يستدلّ بأنّ الراوي بحسب الواقع لا يخلو من أحد الوصفين ، إمّا الفسق أو العدالة والوثاقة ، والتقسيمات التي ذكرت للخبر ليست إلّا بحسب الأمارات الإثباتية ، فليس التقسيمات بحسب الواقع ، كما قد يُتبادر ذلك إلى الذهن ـ وقد أشرنا إلى ذلك في آخر الجهة الثانية من أنّ التقسيمات للخبر ليست كلّها بحسب الصفات الثبوتية للراوي ، بل العديد منها هو بحسب درجة إحراز الصفات الثبوتية ـ ، فإذا كان حال الأقسام كذلك فهي عبارة عن تقسيمات بحسب درجات الإحراز لإحدى الصفتين الواقعيتين ، ومن البيّن أنّه في البناء العقلائي لا ينحصر طريق الإحراز لأحدهما بالعلم والقطع وهو المسمّى بالخبر الصحيح أو الخبر الموثّق ، أي خبر الراوي الذي عُلم أنّه ثقة ، بل تعتمد الظنون والقرائن الحاليّة في شخص في استكشاف أحد الصفتين له ، ومآل هذا الوجه إلى دعوى حجّية حُسن الظاهر في البناء العقلائي ، وأنّ قسمي الحسن والقوي هو تقسيم بحسب درجة الإحراز ، لا أنّه قسم مباين بحسب الواقع والحقيقة لخبر العادل أو

١١٨

الثقة أو المتّصف بضدهما ، فالخبر الحسن والقوي هو من ظُنّ بوثاقته بظنّ معتبر.

ويترتّب على حجّية حسن الظاهر كأمارة موضوعية الاكتفاء بالحسن في الراوي مع عدم الطعن فيه في إحراز وثاقته ، وتكون حينئذ لقرائن المدح بالغ الأهمية في تحصيل حسن الظاهر المحرز للوثاقة ، من دون حاجة إلى التنصيص على الوثاقة ، ولا إلى بلوغ قرائن الحسن المتراكمة إلى درجة الاطمئنان الشخصي بالوثاقة.

وبعبارة أخرى : إنّ لقرائن المدح أهميّة لكونها أجزاء حُسن الظاهر ، ويكتفى بها لإحراز الوثوق ، ويكون النقاش في دلالتها على الوثاقة لا محصّل لها حينئذ ، لأنّ منشأ درجة دلالتها على الوثاقة وإن كانت ظنّية لا قطعية إلّا أنّها من الظنّ المعتبر ، بعد اعتبار حسن الظاهر في إحراز الوثاقة ، فهذا باب واسع ينفتح للتوثيق والعمل بالروايات ، وهو مغاير لطريق تحصيل الاطمئنان الذي ذكرناه سابقاً في التوثيق ـ وإن كان تامّاً في نفسه ـ كما أنّه مغاير للشهادة بالوثاقة والنص عليها ، ومغاير أيضاً لقول أهل الخبرة ، وهكذا مغايرته لحجّية الظنّ من باب الانسداد الصغير في الرجال.

وقد عرفت أنّ كلّ من نُسب إليه أصالة العدالة وتوهّم منه العمل بكلّ رواية لم يرد في راويها طعن ولم يحرز له فسق هو في الحقيقة قد بنى على هذا المسلك ، وهو أمارية حُسن الظاهر ، فلاحظ ما نقلناه من الأقوال في الجهة الثانية من هذا المقام ، وراجع إلى ما أشرنا إليه من مظانّ كلماتهم.

لا كما يُقال في تفسير عملهم ذلك من أنّهم قد وجدوا قرائن خاصّة مختصّة بأخبار أولئك الرواة فعملوا بها ، وذلك لأنّ هذا ليس مطرداً في هذا الكمّ الكبير من تلك الأخبار الحسان والقويّة ، كما لا يخفى على المتتبّع في

١١٩

الفروعات الفقهية الكثيرة.

وأمّا قرائن الحسن فسوف نعقد لها بعد قرائن الوثاقة تعداداً تبعاً لمهرة فنّ الرجال والدراية ، فلا نقتصر على خصوص القرائن الملازمة للوثاقة فقط.

وببيان آخر : إنّا قد نبّهنا أنّ للقرائن الظنّية على الوثاقة فائدة في باب التوثيق على مسلك تحصيل الاطمئنان بتراكمها المنتهية إلى الاطمئنان ، كما أنّ لها فائدة أخرى وهي في تحصيل حُسن الظاهر ، وإن لم تتراكم إلى درجة الاطمئنان ، فبين المسلكين في الاستفادة من تلك القرائن الظنيّة فرق واضح ، لا يخفى على اللبيب الحاذق. ويمكن تمثيل الفرق بالفرق بين من تعاشره ليلاً ونهاراً سنين عديدة تطمئنّ بصفة العدالة أو الوثاقة فيه ، وبين من لا عِشرة لك به من قُرب ، بل هو معروف بين الناس بالستر ، ولم يبرز منه في العلن الشائع موجب للفسق.

ثمّ لا يتوهّم لغويّة التقسيمات في الخبر ما دامت كلّها معتبرة ، وذلك لما بيّناه سابقاً على مسلك حجّية الاطمئنان في التوثيقات ، فيتأتّى بعينه أيضاً على مسلك حجّية أمارية حسن الظاهر على العدالة أو الوثاقة.

وملخصه : إنّ تحديد درجات الاعتبار يفيد في مورد التعارض والتراجيح سواء بلحاظ السند أو بلحاظ المتن والمضمون ، بتقديم أحدهما على الآخر للأضبطيّة في النقل أو لبصيرته فيه لفقاهته أو في جهة الصدور ، وتمثّل لذلك بتعارض خبرين أحدهما تطمئن بوثاقته وصفة العدالة فيه للمعاشرة معه من قرب ، والآخر تعرفه من خلال حُسن الظاهر لاشتهاره بذلك عند من يعاشره.

وباب الترجيح في الصفات بلحاظ الوثاقة أو الضبط ، أي الأمانة والخبرة قد بسطنا الكلام فيه عند ما دللنا على أنّ تقسيمات الحديث هي موجودة بدائرة وسيعة عند القدماء ، فلاحظ.

١٢٠