بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

سواء كانت من اصول المعارف أو من الفروع

النقطة الثالثة : درجات الضعف

إنّ الضعيف في مصطلح علم الرجال والدراية والحديث هو على درجات وأقسام ، قد تعرّضنا إليها سابقاً بنحو مبسوط ، فمثلاً المرسل تختلف درجات الإرسال فيه فبعضها يكون كالمسند إذا عبّر الراوي أو قال : «عن جميل عن بعض أصحاب ...».

فإنّه يستفاد منه أنّ جميل قد روى ذلك عن مشايخه ممّن أدمن عنهم في الرواية ، وقد يكون شديد الضعف في الإرسال المتوغّل في الجهالة وتعدّد الطبقات ، وكذلك المقطوع والمرفوع وفيه الحسن وفيه القوي ، كما أنّ الضعف تارة يكون بلحاظ الصفات العمليّة في الراوي كالأمانة والصدق وأخرى في الصفات العلميّة الخُبرويّة كالضبط والحفظ والثبت والتمييز في الأسانيد ، وقد يكون الضعف بلحاظ المضمون ، إمّا من جهة النُّسخ أو شذوذ المعنى أو الإسقاط ، إلى غير ذلك من جهات الضعف التي ذكرناها بنحو مستوفى تقريباً في الفصول السابقة.

وعلى هذا فأقسام الضعيف ودرجاته وإن اشتركت في عدم الحجّية للخبر منفرداً إلّا أنّها تختلف في توليد الآثار الأربعة المذكورة في النقطة السابقة ، وعليه فلا تكال بكيل واحد

النقطة الرابعة : انحلال العلم الإجمالي

أي انحلال العلم الإجمالي بشبهة الدسّ بتوسّط العلم الإجمالي القريب من

٢٦١

التفصيلي بوقوع التصفية والتنقية والغربلة لكتب الحديث والاصول الروائية ، وقد تمّت على مراحل :

منها : ما قام به كبار الرواة من عرض الكتب الروائية المهمّة ككتاب (ظريف) في الديات وكتاب الفرائض وغيرها من الكتب (١) التي أشرنا إليها في فصل وجوه حجّية قول الرجالي.

ومنها : ما قامت به المدرسة القمّية بالتشديد البالغ أقصاه ، وكُتب الرجال مليئة بالشواهد على ديدنهم في هذا التشدّد.

ومنها : ما قام به أصحاب المجاميع الروائية كأصحاب الكتب الأربعة ، وغيرهم من معاصريهم كصاحب كامل الزيارات وغيره ، وقد ذكرنا في الفصل المشار إليه الشواهد العديدة على ذلك.

ومنها : ما أمر به الأئمّة عليهم‌السلام وأسّسوه من ضابطة كميزان لمعرفة الخبر الموضوع عن غيره ، وهذا المحك العياريّ هو العرض على الكتاب والسنّة وضرورات المذهب والعقل في حدود دائرة البديهيّات وما يقرب منها ، لا سيّما وأنّ شبهة الدسّ والوضع في الغالب هي في أبواب خاصّة في المعارف ، وقد بيّنوا عليهم‌السلام الضوابط الفيصليّة الخاصة بتلك الأبواب.

ومنها : ما قام به المحدّثون في شروحهم ، والفقهاء في كتبهم الاستدلاليّة ، والحكماء والمتكلّمون في كتب المعارف ، والمفسّرون في كتب التفسير ، وغيرهم من طبقات علماء الإماميّة عبر أحد عشر قرناً بعد الغيبة ، من التنقية والتمحيص والغربلة في المضامين والأسانيد والنسخ ، فإنّ حاصل هذا المجهود المكدّس

__________________

(١). كتاب الوسائل ، أبواب صفات القاضي الباب الثامن منه.

٢٦٢

يسهّل على الباحث العناء الكثير ، ويوفّر عليه الوقت في الوصول إلى النتيجة.

وقد ذكرنا في الفصل المشار إليه أنّ نتيجة تلك الشواهد العديدة على التنقية والغربلة سبّبت ذهاب علمائنا الأخباريّين إلى نظريتهم في الكتب الأربعة ، وذهاب الميرزا النوري والنائيني إلى نظريتهما حول كتاب الكافي وذهاب السيّد الخوئي ورعيل من تلامذته حول كامل الزيارات وتفسير علي بن إبراهيم وغيرهم على إختلاف التفاصيل في اعتبار صدور كلّ الروايات أو قسم وافر منها في المجاميع الروائية ، إلّا أنّه قد أشرنا آنفاً أنّ الصحيح ومحصّل هذه الشواهد المفعمة هو دفع بقاء شبهة الدسّ والوضع ، فلاحظ ما ذكرناه هناك مفصّلاً.

وبعد وضوح هذه النقاط الأربع نوضح الخلل في دعوى التصحيح بالأمور التالية :

الأمر الأوّل : إنّ ما يتخيّل من كون كلّ ما أودع في كتب صحاح العامّة من صحّة كلّ ما فيها فهو تخيّل في غير محلّه ، فقد استدرك كثيراً على أسانيد الروايات فيها ، وقد جرّد غير واحد لائحة بمجموع الرواة الضعاف الواقعين في أسانيد مثل البخاري أو صحيح مسلم وغيرها (١) ، كما قد استدرك على صحيح مسلم والبخاري بالصحاح الأخرى وبمستدرك الحاكم النيسابوري ممّا قد فاتهم من الروايات الصحيحة ، ويُعزى كلّ من الاستدراك السنديّ والاستدراك الروائي عليهم إلى ما قدّمناه في النقاط السابقة إلى أسباب ، أحدها إختلاف المباني في الجرح والتعديل ، واختلاف دوائر التتبّع والاستقصاء ، إلى غير ذلك

__________________

(١). لاحظ من باب المثال كتاب (المراجعات) للسيد شرف الدين ، وكتاب (دلائل الصدق) ج ١ للشيخ محمّد حسن المظفر ، وكتاب (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل) للسيد محمّد بن عقيل ، وكتاب (عين الميزان) للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.

٢٦٣

من الأسباب أو الدواعي الأخرى.

الأمر الثاني : إنّ دعوى التصحيح بمعنى التنقيح من المدسوس والموضوع ونحوهما ، قد تمّت في مجاميعنا المشهورة ، وتظافرت الشواهد على وقوع تلك العملية ، حتّى آل الأمر كما نبّهنا سابقاً إلى التزام عدّة بتصحيح ما في المجاميع مطلقاً ، أو في بعضها كخصوص الكافي أو خصوص كامل الزيارات أو تفسير القمّي أو غيرها ، حسباناً منهم من أنّ التصحيح الواقع هو بمعنى اعتبار السند من كلّ الجهات ، بينما المراد منه كما ذكرنا هو التنقية من المشتبه بالدسّ والوضع.

الأمر الثالث : ايجاب ذلك لضياع التراث الديني كما بيّنا ، والتفريط بالآثار الشرعية الكثيرة البالغة في الروايات التي يُراد طرحها.

الأمر الرابع : إنّ كلّ ما ذكرناه من النقاط والأمور في قبال هذه الدعوى لا تعني عدم القيام بمنهج الدراسة المتنيّة للأحاديث ، مضافاً إلى الدراسة السنديّة لها بالموازين المقرّرة في علمي الفقه والأصول ، ولكن هذا غير الدعوى المزبورة بإقصاء وإتلاف مجموعات روائية.

٢٦٤

الأمر الثاني

بداية تقسيم الحديث

قد اشتهر أخيراً إنّ البداية هي من زمن العلّامة الحلّي تبعاً لُاستاذه السيّد أحمد بن طاوس ، ويستشهد لذلك بما ذكره الشيخ البهائي في مشرق الشمسين من أنّ التقسيم الرباعي هو من ابتكارات العلّامة حذواً للتقسيم الموجود عند العامّة. ولكن الصحيح هو وجود هذا التقسيم عند الرجاليين والمحدّثين وأصحاب الفهارس منذ القدم ، بل إنّ الأقسام التي عندهم تربو على ذلك بكثير ، كما أوضحنا ذلك في تضاعيف الكتاب سابقاً.

والشاهد على ذلك هو أنّ علماء الدراية في كتبهم المستحدثة ربّما ينهون أقسامها إلى ما يربو على الأربعين ، يستشهدون على وجود هذه الأقسام بالألفاظ الخاصّة الواردة في تراجم الرواة ووصف حديثهم ، أو في كتب الفهارس والحديث القديمة ، لا أنّ تلك الأقسام مقترحة من قبل علماء الدراية ، ومبادرة منهم لتصنيف الأحاديث ، من دون وجود صفات متميّزة في واقع الحديث ، إمّا بلحاظ سند الحديث أو متنه أو جهة صدوره أو غير ذلك ، دلّل عليها أصحاب كتب الحديث والرجال والفهارس القديمة ، وقد قدّمنا في طيّات البحث عند الإشارة إلى هذا المطلب شطراً من كلمات التراجم والرواة والمحدّثين ، ممّا يشير إلى كثرة تصنيفهم الحديث إلى أقسام عديدة ، ويكفي للمتتبّع المرور على تعابير تراجم الرواة وتعابير أصحاب الكتب الأربعة مثلاً في طيّات كلامهم عن ردّ حديث أو الأخذ بآخر.

٢٦٥

الأمر الثالث

تصحيح طرق المتأخّرين إلى الأصول الروائية

أي تصحيح طرق القطب الراوندي ، والسيّد ابن طاوس ، وابن إدريس والفاضلين وابن شهرآشوب ، وغيرهم ممّن هو في هذه الطبقات (١).

إنّ أهمّية هذا التصحيح تكمن في أنّ هؤلاء الأعلام في كتبهم كثيراً ما يخرجون رواية من الكتب والأصول الأربعمائة المشهورة ، ككتاب معاوية بن عمار ، وكتاب عمار بن موسى الساباطي في مشيخة الحسن بن محبوب ، وغيرهم ، إلّا أنّهم لا يذكرون طرقهم إلى الشيخ الطوسي ونحوه الذي هو واصل بينهم وبين تلك الكتب والأصول.

ولا سيّما مثل ابن إدريس ، حيث جعل أحد فصول كتابه السرائر في المستطرفات من الأصول الحديثيّة القديمة ، وهكذا الحال عند السيّد ابن طاوس في كتابه غياث سلطان الورى ، الذي جمع فيه كثيراً من أحكام الصلاة وقضائها ، وغيره من كتبه ، وقد دُرج في الكلمات التعبير عن تلك الروايات بالمراسيل ، والحال أنّ في عدّة من الأبواب والمسائل عمدة ما يستدلّ به روايات

__________________

(١) لا يخفى أنّ هذا التصحيح قد أشار إليه الشيخ الأستاذ في الدورة الرجاليّة التي ألقاها في شهري جمادى ورجب من سنة ١٤١٣ ه‍ وهذه المدوّنة التي بين يدي القارئ هي تحرير وتقرير لتلك الدورة المسجّلة بالأشرطة ، وقد قام أحد حضّار البحث آنذاك بتتبع أسانيد الإجازات من صغريات فكرة التصحيح ، وقد اشير إلى ذلك في كتاب صلاة المسافر : ٣١٠.

٢٦٦

هذه الكتب ، ومن ثمّ كان العثور على أسانيد هؤلاء الأعلام المتّصلة بالشيخ الطوسي ومن هو في طبقته مخرج لها عن الإرسال.

وعلى كلّ حال فقد قال ابن إدريس في السرائر في أوّل المستطرفات تحت عنوان باب الزيادات : «وهو آخر أبواب هذا الكتاب ممّا استنزعتُه من كتب المشيخة المصنّفين والرواة المحصّلين ، وستقف على أسمائهم إن شاء الله ، فمِن ذلك ما أورده موسى بن بكر الواسطي في كتابه ...» وأخرج روايات عديدة ، ثمّ قال : «ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب معاوية بن عمار ...» وقال في ما استطرفه من كتاب محمّد بن علي بن محبوب «وهذا الكتاب كان بخط شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه‌الله مصنّف النهاية فنقلت هذه الأحاديث من خطه قدس‌سره من الكتاب المشار إليه».

وقال في ذلك ما استطرفه من كتاب حريز : «تمّت الأحاديث المنتزعة من كتاب حريز بن عبد الله السجستاني رحمه‌الله وكتاب حريز أصل معتمد معمول عليه» ، وكذا في ذيل كتاب المشيخة للحسن بن محبوب السرّاد قال : «وهو كتاب معتمد».

وقال المحقّق في المعتبر في مقدّمة الكتاب تحت عنوان الفصل الرابع «في السبب المقتضي للاقتصار على من ذكرناه من فضلائنا لمّا كان فقهاؤنا (رضي‌الله‌عنهم) في الكثرة إلى حدّ يتعسّر ضبط عددهم ويتعذّر حصر أقوالهم لاتّساعها وانتشارها وكثرة ما صنّفوه ، وكانت مع ذلك منحصرة في أقوال جماعة من فضلاء المتأخّرين اجتزأت بإيراد كلام من اشتهر فضله وعرف تقدّمه في نقل الأخبار وصحّة الاختيار وجودة الاعتبار واقتصرت من كتب هؤلاء الأفاضل على ما بان في اجتهادهم وعُرف به اهتمامهم وعليّ اعتمادهم ، فممّن اخترت نقله الحسن بن

٢٦٧

محبوب ، ومحمّد بن أبي نصر البزنطي ، والحسين بن سعيد ، والفضل بن شاذان ، ويونس بن عبد الرحمن ، ومن المتأخّرين أبو جعفر محمّد بن بابويه القمّي رضى الله عنه ، ومحمّد بن يعقوب الكليني» انتهى.

وتصحيح أسانيدهم يتمّ بما ذكره المتأخّرون كالعلّامة الحلّي والشهيد الثاني والمحقّق الكركي والمحمّدون الثلاثة وغيرهم من أصحاب الإجازات أو الطرق المذكورة في مشيخة الكتب ككتاب الوسائل والبحار ، ونذكر بعض النماذج منها إذ في أغلبها وقوع ابن إدريس والمحقّق والعلّامة وابن طاوس وغيرهم ممّن يُراد تحصيل أسانيده في طرق إجازات الكتب الروائية والفقهية المصرّح في بعض منها في إجازة جميع ما رواه الشيخ في الفهرست وغيره.

فمنها : ما ذكره الشهيد الثاني في إجازته لوالد شيخنا البهائي (١) قال : «وبهذه الطرق نروي جميع مصنّفات من تقدّم على الشيخ أبي جعفر من المشايخ المذكورين وغيرهم ، وجميع ما اشتمل عليه كتابه فهرست أسماء المصنفين وجميع كتبهم ورواياتهم بالطرق التي له إليهم ، ثمّ بالطرق التي تضمّنتها الأحاديث ، وإنّما أكثرنا الطرق إلى الشيخ أبي جعفر لأنّ اصول المذهب ترجع كلّها إلى كتبه ورواياته» انتهى كلامه.

أقول : إنّ في بعض تلك الطرق وقع ابن إدريس عن الحسن بن رطبة عن أبي علي عن والده الشيخ الطوسي ، وحينئذ يكون طريق ابن إدريس إلى الكتب التي روى عنها في المستطرفات هي بهذا الطريق إلى الشيخ ، ومن ثمّ بطرق الشيخ في الفهرست إليها إلّا التي لم يتعرّض لها الشيخ ولم يذكر لها طرقاً ، ككتاب جعفر بن

__________________

(١). بحار الأنوار ـ كتاب الاجازات ١٠٨ / ١٦٣.

٢٦٨

محمّد بن سنان الدهقان.

ومنها : ما في إجازة المحقّق الكركي إلى الشيخ علي الميسي (١) بإسناد الأوّل إلى ابن إدريس بحقّ روايته عن الفقيه الصالح عربي بن مسافر العبادي ، عن الفقيه السعيد إلياس بن هشام الحائري ، عن الشيخ السعيد الجليل المفيد أبي علي ابن الشيخ أبي جعفر الطوسي عن أبيه.

وكذا ما ذكره المحقّق الكركي في إجازته لصفي الدين قال فيها : «وبالجملة فما أرويه من طرق أصحابنا لا نهاية له ، لأنّي أروي جميع ما صنّفه ورواه علماؤنا الماضون الصالحون ، من عصر أشياخنا إلى عصر أئمّتنا (صلوات الله وسلامه عليهم) وكثير من أسانيد ذلك موجود في مواضع معدّة له مثبت في مضانّه ، وقد أذنت للمشار إليه (أدام الله تعالى علوّ قدره في التسلّط على روايته ونقله إلى تلامذته) ..» ـ ثمّ ذكر طريقاً من تلك الطرق وقع فيها كلّ من الشهيد الأوّل والعلّامة عن المحقّق الحلّي عن ابن نما عن ابن إدريس عن عربي بن مسافر العبادي عن إلياس بن هشام الحائري.

ومنها : ما في إجازة الشهيد الثاني أيضاً للشيخ حسين بن عبد الصمد (٢) قال : «ولنذكر طريقاً واحداً هو أعلى ما اشتملت عليه هذه الطرق إلى مولانا وسيّدنا وسيّد الكائنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويُعلم منه أيضاً مفصّلاً أعلى ما عندنا من السند الى كتب الحديث التهذيب والاستبصار والفقيه والمدينة والكافي وغيرها ـ ثمّ ذكر أسانيده إلى العلّامة الحلّي عن المحقّق الحلّي عن السيّد فخّار عن شاذان بن

__________________

(١). بحار الأنوار ١٠٨ / ٤٥.

(٢) المصدر المتقدّم / ١٦٩.

٢٦٩

جبرئيل عن جعفر الدورستي عن المفيد عن الصدوق».

ومنها : ما ذكره الشيخ الحرّ العاملي في الفائدة الخامسة من خاتمة الوسائل قال : في بيان بعض الطرق التي نروي فيها الكتب المذكورة (١) عن مؤلّفيها ، وإنّما ذكرنا ذلك تيمّناً وتبرّكاً باتصال السلسلة بأصحاب العصمة عليهم‌السلام لا لتوقّف العمل عليها لتواتر تلك الكتب ، وقيام القرائن على صحّتها وثبوتها ـ كما يأتي إن شاء الله تعالى ـ ثمّ ذكر طرقاً كثيرة إلى الشهيد الثاني وإلى المحقّق الثاني وإلى الشهيد الأوّل ، ثمّ منهم بسندهم إلى العلّامة الحلّي ، عن المحقّق الحلّي ، عن السيّد فخار عن شاذان بن جبريل القمّي ، عن ابن أبي القاسم الطبري ، عن المفيد الثاني ، عن أبيه ، وذكر إسناداً آخر عن الشهيد الأوّل بسنده عن ابن شهرآشوب ، عن أبيه والداعي بن علي الحسيني ، وفضل الله بن علي الحسيني الراوندي ، وعبد الجليل بن عيسى الرازي ، ومحمّد وعلي ابني عبد الصمد النيسابوري ، وأحمد بن علي الرازي ، ومحمّد بن الحسن الشوهاني ، وأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، ومحمّد بن علي بن الحسن الحلبي ، ومسعود بن علي الصوأبي ، والحسين بن أحمد بن طحال المقدادي ، كلهم عن الشيخين أبي علي الحسن بن محمّد بن الحسن الطوسي ، وأبي الوفاء عبد الجبار بن علي المقري ، عن الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي.

أقول : ويظهر من ذلك كثرة طرق ابن شهرآشوب إلى الشيخ الطوسي ، وقد وقع هو في سلسلة الإجازات المذكورة في البحار كثيراً ، أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار ، ويظهر منها الكثرة أيضاً.

وقد ذكر الحرّ العاملي في الفائدة السادسة كلمات العديد من الأعلام في القرون

__________________

(١). اي التي ذكرها في الفائدة الرابعة.

٢٧٠

المتأخّرة ، الدالّة على استفاضة واشتهار وصول الأصول والكتب الروائية الكثيرة القديمة.

ومنها : ما قاله السيّد ابن طاوس في مقدّمة كتابه فلاح السائل : «وربّما لا أذكر أوّل طريقي لكلّ حديث من هذا الكتاب لئلّا يطول ، ويكفي أنّني أذكر طريقي إلى رواية كلّ ما رواه جدّي السعيد أبو جعفر الطوسي (تلقّاه الله جلّ جلاله ببلوغ المأمول) فإنّه روى في جملة ما رواه عن الشيخ الصدوق هارون بن موسى التلعكبري (قدّس الله روحه ونوّر ضريحه) كلّ ما رواه ، وكان ذلك الشيخ الصدوق قد اشتملت روايته على جميع الأصول والمصنّفات إلى زمانه ـ إلى أن قال ـ ثمّ رويته بعدّة طرق عن جدي أبي جعفر الطوسي ، كلّ ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني ، وكلّ ما رواه أبو جعفر محمّد بن بابويه ، وكلّ ما رواه السعيد المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان ، وكلّ ما رواه السيّد المعظّم المرتضى ، وغيرهم ممّن تضمّن الفهرست وكتاب أسماء الرجال وغيرهما رواية جدي أبي جعفر الطوسي عنهم (رضوان الله جلّ جلاله عليهم وضاعف إحسانه إليهم)

أقول : فمن طرقي في الرواية إلى كلّ ما رواه جدي جعفر الطوسي في كتاب الفهرست وكتاب أسماء الرجال وغيرهم من الروايات ، وما أخبرني به جماعة من الثقات منهم الشيخ حسين بن أحمد السوراوي إجازة في (جمادى الأخرى سنة تسع وستّمائة) قال : أخبرني محمّد بن أبي القاسم الطبري ، عن الشيخ المفيد أبي علي ، عن والده جدي السعيد أبي جعفر الطوسي ـ ثمّ ذكر طريقاً آخر عن الشيخ علي بن يحيى الخيّاط الحلّي ، عن الشيخ عربي بن مسافر العبادي ، عن محمّد بن أبي القاسم الطبري ، عن أبي علي عن والده ، وذكر طريقاً ثالثاً عن الشيخ اسعد بن عبد القاهر الأصفهاني ، عن أبي الفرج علي بن السعيد أبي الحسين

٢٧١

الراوندي ، عن الشيخ أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسن الحلبي ، عن الشيخ الطوسي قال : أقول وهذه روايتي عن أسعد بن عبد القاهر الأصفهاني اشتملت على روايتي عنه الكتب والأصول والمصنّفات ، وبعيد أن يكون قد خرج عنها شيء من الذي أذكره من الروايات».

أقول : وهناك نماذج من الطرق الاخرى الكثيرة يمكن استخراجها عن الإجازات التي يجدها المتتبّع في مظانّها من الكتب التي أشرنا إليها وغيرها.

والمحصّل منها اتّصال سلاسل أسانيد هذه الإجازات عبر هؤلاء الأعلام إلى الشيخ الطوسي ، أو المفيد ، أو الصدوق ، وغيرهم إلى أصحاب الكتب والأصول.

إشكال ودفع : هذا وقد يشكل على هذا التصحيح بأنّ الإجازات المتصلة إنّما توقع وتُنشأ وتؤخذ لأجل التبرّك بالاتصال بسلسلة السند بالمعصومين عليهم‌السلام ، لا أنّه طريق لرواية الكتب والأصول ، بل قد يطفح التصريح بذلك من بعض عبائرهم.

مضافاً إلى أنّه من المقطوع به عدم وصول كلّ ما اشتمل عليه كتاب الفهرست ، وما اشتمل عليه كتاب أسماء الرجال إلى مثل الشهيد الثاني ، والمحمّدون الثلاثة المتأخّرون. وحينئذ لا يعلم أنّ الكتب التي استطرف منها ابن إدريس مثلاً ، أو التي استخرج منها الفاضلان ، أو السيّد ابن طاوس ، أو ابن شهرآشوب ، وغيرهم ممّن تقدّم ذكرهم ، هي من الكتب الواصلة للشهيد وللمحقّق الثاني مثلاً عن ذلك الطريق ، وعليه لا يمكن الحكم بصحّة الطريق بالمعنى المصطلح عليه ، وهل يظنّ أنّ الحرّ العاملي حين أجاز واستجاز من المجلسي ، وكذا السيّد هاشم البحراني ، أنّ كلاً منهما ناول الآخر جميع الكتب وهذه مجازفة في الدعوى (١).

__________________

(١) قد تقدّم نظير هذا الاشكال في أول هذا الفصل مع بعض الاجابات عنه.

٢٧٢

ودفع هذا الاشكال : إنّ هذا الإشكال وإن كان له وجه ، إلّا أنّ فيه إفراطاً وغفلةً عن واقع حال الإجازات ، وذلك لأنّ هذه الإجازات هي طرق مناولة تلك الكتب ، بشهادة أنّهم يميّزون بين مجموعات الكتب المشهورة بعضها عن البعض الآخر ، فيخصّون بعضها الأوّل مثلاً بمجموعة من الطرق ، والبعض الآخر بمجموعة أخرى من الطرق ، وهكذا دواليك ، بل يميّزون بعضها الثالث بطريق أو طريقين وهلم جرّا ، وكذا يميّزون بعض الكتب غير المشهورة بطريق غير طريق الكتب المشهورة ، كما أنّ ديدنهم كان على المقابلة في النُّسخ ، بأن يعيّر المجيز المستجيز ليقابل النسختين ليطمئنّ بتوافقهما ، ولذا تراهم يذكرون العدد المسلسل لمجموع أحاديث كلّ كتاب ، وأوّلها وآخرها ، وعدد الفصول والأبواب ، تحفّظاً منهم على عدم تطرّق التخليط أو الزيادة والنقصان ، وعليك بالنظر إلى خاتمة الوسائل والبحار ومفتتح كتاب إثبات الهداة وغيرها من كتب الإجازات لترى حقيقة ذلك ، نعم القدر المتيقّن والمطمئنّ به لهذا التصحيح مع ملاحظة نكتة الوجه في الإشكال هو في الكتب المشهورة النُّسَخ في تلك الطبقات ، وإن لم تكن متواترة ، وقد تقدّم في فصل أحوال الكتب بيان طريقة استكشاف شهرة الكتاب.

والحاصل : إنّ الطريق المستكشف لهؤلاء الأعلام من إجازات المتأخّرين عليهم إن نُصّ على اسم الكتاب بخصوصه عند المتأخّر صاحب الإجازة في إجازته فهو ، وإلّا فلا بدّ أن يكون الكتاب قد أحرز أنّه متكثّر النُّسخ في تلك الطبقات ، ويطمئنّ بشمول الطريق إليه ، وإلّا فعموم العبارة في لفظ الإجازة من المتأخّر لا يُراد منه جميع الكتب بالاستغراق التامّ قطعاً.

٢٧٣

الأمر الرابع

مفردات رجاليّة مضطربة

كما هو الحال في علي بن أبي حمزة البطائني وأحمد بن هلال ومحمّد بن أبي زينب أبي الخطاب ويونس بن ظبيان وغيرهم ممّن كانت لهم فترة استقامة ثمّ أعقبتها فترة انحراف وضلال.

المعروف عند القدماء البناء على تصحيح روايات هؤلاء والاعتماد عليها في ما رُوي عنهم في فترة استقامتهم ، ولكنّه لم يعتمد الكثير من الطبقات المتأخّرة على رواياتهم ، استناداً إلى ما ورد في حقّهم من الذموم واللعن ، وحيث أنّ ذلك لا ينهض لطرح جملة رواياتهم ، بل غايته التفصيل بين روايات فترة الاستقامة وفترة الانحراف ، والوجه في ذلك إجمالاً :

إنّ ديدن الطائفة من رواتهم وأعيانهم ووجوه نَقَلة الأخبار كان على مقاطعة أصحاب رءوس البدع والفرق المنحرفة ، فإذا ما تلبّس أحد بذلك قاطعوه ونبذوا الرواية عنه ، وعليه فإذا عُثر على رواية منهم عنه فيعلم من ذلك أنّ الرواية وقعت منهم عنه أيّام استقامته قبل انحرافه ، وتكون حينئذ معتبرة ، وهذا وجه اعتبار الرواية حينئذ على نحو الإجمال.

أما الوجه التفصيلي على ذلك ، ففي مورد البطائني فقد روى الكشّي تحت عنوان الواقفة ، بسنده عن يونس بن يعقوب ، قال : قلت لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام : أعطي هؤلاء الذين يزعمون أنّ أباك حيّ من الزكاة شيئاً؟ قال : «لا تعطهم فإنّهم

٢٧٤

كفّار مشركون زنادقة» (١).

وروى أيضاً عن محمّد بن عاصم قال : سمعت الرضا عليه‌السلام يقول : «يا محمّد بن عاصم بلغني أنّك تجالس الواقفة ، قلت : نعم جعلت فداك اجالسهم وأنا مخالف لهم ، قال : لا تجالسهم فإنّ الله عزوجل يقول (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)(٢) يعني بالآيات ، الأوصياء الذين كفروا بها الواقفة» (٣).

وروى الكشّي أيضاً عن يحيى بن المبارك قال : كتبت إلى الرضا عليه‌السلام بمسائل فأجابني ، وكنت ذكرت في آخر الكتاب قول الله عزوجل (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ)(٤) ، فقال : «نزلت في الواقفة ووجدت الجواب كلّه بخطّه : ليس هم من المؤمنين ولا من المسلمين ، هم من كذّب بآيات الله ، ونحن أشهر معلومات ، فلا جدال فينا ولا رفث ولا فسوق فينا ، أنصب لهم من العداوة يا يحيى ما استطعتَ» (٥).

وروى الكشّي أيضاً عن يونس بن عبد الرحمن قال : مات أبو الحسن عليه‌السلام وليس من قوّامه أحد إلّا وعنده المال الكثير ، وكان ذلك سبب وقوفهم وجحودهم موته ، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار ، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف

__________________

(١) الكشّي ٢ / ٧٥٦ ، الحديث ٨٦٢ ، طبعة آل البيت عليهم‌السلام.

(٢). النساء / ١٤٠.

(٣) الكشّي ٢ / ٧٥٦ ، الحديث ٨٦٤.

(٤) النساء / ١٤٣.

(٥) الكشّي ٢ / ٧٥٦ ، الحديث ٨٨٠.

٢٧٥

دينار ، قال : فلما رايت ذلك وتبيّن عليّ الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ما علمت تكلّمت ودعوت الناس إليه ، قال : فبعثا إليّ وقالا : ما تدعو إلى هذا ، إن كنت تريد المال فنحن نغنيك ، وضمّنا لي عشرة آلاف دينار ، وقالا لي كفّ. قال يونس : فقلت لهما أما روينا عن الصادقين عليهم‌السلام أنّهم قالوا : «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهر علمه ، فإن لم يفعل سُلب نور الإيمان ، وما كنتُ لأدع الجهاد وأمر الله على كلّ حال فناصباني وأظهرا لي العداوة» (١).

وغير ذلك يجدها المتتبّع في كتاب رجال الكشّي في ترجمة رؤساء فرقة الواقفة وما رواه الصدوق في إكمال الدين والشيخ في الغيبة وغيرها من المظانّ الأخرى الدالّة على مقاطعة الشيعة بشدّة لرؤساء الوقف حسماً لمادّة ضلالتهم.

وعليه فيظهر من كلّ ذلك أنّهم لم يتحمّلوا الرواية عنهم في فترة انحرافهم وأنّ ما رووه عنهم فقد كان في فترة استقامتهم السابقة ، حيث كان البطائني من وجوه الرواة وأعيان الطائفة ، وكان قائداً لأبي بصير يحيى بن القاسم ، ومن ثمّ كان وكيلاً للإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام ، وقد صنّف كتباً عدّة ، منها كتاب الصلاة ، وكتاب الزكاة ، وكتاب التفسير أكثره عن أبي بصير وكتاب جامع في أبواب الفقه ، كما ذكر ذلك النجاشي ، وقد روى كتبه عنه محمّد بن أبي عُمير ـ المعروف بتشدّده وحيطته في الرواية ـ وصفوان بن يحيى.

ومن ثمّ يتحصّل أنّ الراوي عنه إن كان اثني عشرياً فيعلم من ذلك أنّ روايته عنه كانت أيّام استقامته ، وإن كان الراوي عنه من الواقفة فلا يحرز أنّ ذلك عنه في أيّام استقامته.

__________________

(١) الكشّي ٢ / ٧٥٦ ، الحديث ٩٤٦.

٢٧٦

هذا مضافاً إلى ما يظهر من الروايات من عدم امتداد عمره بعد انحرافه ، ومن ثمّ أودعت الطائفة رواياته في كتبهم وأكثروا منها.

وقد أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي في العدّة في الفصل الخامس من باب الخبر الواحد في معرض كلامه عن الراوي إذا كان من فرق الشيعة مثل الفطحية والواقفة والناووسية قال : «وإن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ولم يعرف من الطائفة العمل بخلافه وجب أيضاً العمل به إذا كان متحرّجاً في روايته ، موثوقاً في أمانته ، وإن كان مخطئاً في أصل الاعتقاد ، ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية مثل عبد الله بن بكير ، وغيره وأخبار الواقفة مثل سماعة بن مهران ، وعلي بن أبي حمزة ، وعثمان بن عيسى ، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضال ، وبنو سماعة ، والطاطريّون ، وغيرهم في ما لم يكن عندهم فيه خلافه ، وأمّا ما ترويه الغلاة والمتّهمون والمضعّفون وغير هؤلاء فما يختصّ الغلاة بروايته ، فإن كانوا ممّن عُرف لهم حال استقامة وحال غلوّ عُمل بما رووه في حال الاستقامة وتُرك ما رووه في حال خطئهم (تخليطهم) ولأجل ذلك عملت الطائفة بما رواه أبو الخطاب محمّد بن أبي زينب في حال استقامته وتركوا ما رواه في حال تخليطه ، وكذلك القول في أحمد بن هلال العبرتائي وابن أبي عذافر وغير هؤلاء ، فأمّا ما يرويه في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كلّ حال» (١).

وأمّا الكلام في أحمد بن هلال العبرتائي ، فقد روى الكشّي عن علي بن محمّد بن قتيبة قال : حدّثني أبو حامد المراغي قال : ورد على القاسم بن علاء نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال ، وكان ابتداء ذلك أنّ كتب عليه‌السلام إلى نوّابه

__________________

(١) العدة ١ / ١٥٠ ، الطبعة الحديثة.

٢٧٧

(قوّامه بالعراق) : «احذروا الصوفي المتصنّع» قال : وكان من شأن أحمد بن هلال أنّه كان قد حجّ أربعاً وخمسين حجّة ، عشرون منها على قدميه ، قال : وقد كان رواة أصحابنا بالعراق لَقَوه وكتبوا منه ، فأنكروا ما ورد في مذمّته ، فحملوا القاسم بن علاء على أن يراجع في أمره فخرج إليه :

«قد كان أمرنا نفذ إليه في المتصنّع ابن هلال ـ لا رحمه‌الله ـ بما قد علمت ولم يزل لا غفر الله له ذنبه ولا أقال له عثرته ، يداخل في أمرنا بلا إذن منّا ولا رضا ، يستبدّ برأيه ، فيتحامى من ديوننا (من ذنوبه) لا يمضي من أمرنا إيّاه إلّا بما يهواه ويريده ، أرداه الله بذلك في نار جهنم ، فصبرنا عليه حتّى وتر الله بدعوتنا عمره وكُنّا قد عرّفنا خبره قوماً من موالينا في أيّامه ـ لا رحمه‌الله ـ وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاصّ من موالينا ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال لا رحمه‌الله ولا من لا يبرأ منه (واعلم الإسحاقي) سلّمه الله وأهل بيته ممّا أعلمناك من حال هذا الفاجر ، وجميع من كان سألك ويسألك عنه من أهل بلده والخارجين ومن كان يستحق أن يطّلع على ذلك ، فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما روى عنّا ثقاتنا قد عرفوا بأنّنا نفاوضهم بسرّنا ونحمله إيّاه إليهم وعرفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله تعالى».

قال : وقال أبو حامد فثبت قوم على إنكار ما خرج فيه ، فخرج «لا أشكر الله قدره لم يدعو المرء ربّه بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه وأن يجعل ما منّ به عليه مستقراً ولا يجعله مستودعاً ، وقد علمتم ما كان من امر الدهقان ـ عليه لعنة الله ـ وخدمته وطول صحبته ، فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل فعاجله بالنقمة ولم يمهله والحمد لله لا شريك له وصلى الله على محمّد وآله وسلم».

وقد ذكر الشيخ مقطعاً من التوقيع الثاني في كتاب الغيبة ، وذكر أيضاً في باب المذمومين الذين ادّعوا البابيّة لعنهم الله قال : «ومنهم أحمد بن هلال الكرخي ،

٢٧٨

قال أبو علي بن همّام : كان أحمد بن هلال من أصحاب أبي محمّد عليه‌السلام فأجمعت الشيعة على وكالة محمّد بن عثمان رضي‌الله‌عنه بنصّ الحسن عليه‌السلام في حياته ، ولما مضى الحسن عليه‌السلام قالت الشيعة الجماعة له : ألا تقبل أمر أبي جعفر محمّد بن عثمان وترجع إليه وقد نصّ عليه الإمام المفترض الطاعة؟ فقال لهم : لم أسمعه ينصّ عليه بالوكالة ، وليس أنكر أباه يعني عثمان بن سعيد فأمّا إن أقطع أنّ أبا جعفر وكيل صاحب الزمان فلا أجسر عليه ، فقالوا : قد سمعه غيرك ، فقال : أنتم وما سمعتم ، ووقف على أبي جعفر فلعنوه وتبرّءوا منه ، ثمّ ظهر التوقيع على يد أبي القاسم الحسين بن روح بلعنه والبراءة منه في جملة من لُعن».

أقول : وقال النجاشي فيه : «صالح الرواية يُعرف منها ويُنكر ، وقد روي فيه ذموم سيدنا أبي محمّد العسكري عليه‌السلام» ، انتهى.

والظاهر وقوع الاشتباه من النجاشي لأنّ ظاهر التوقيعات ، وكذا عبارة الشيخ في الغيبة السابقة أنّها صادرة من الناحية المقدّسة على يد النوّاب ، كما أنّ الظاهر أنّه صدر فيه ثلاث توقيعات ، إذ القاسم بن علاء كان من الوكلاء الذين تردهم التوقيعات بتوسّط العمري والحسين بن روح ولو كان الذمّ صدر من عهد العسكري لما كان هناك مجالاً لبقاء رواة الأصحاب بالعراق على التردّد في عهد الحجّة عجّل الله فرجه ، مضافاً إلى أنّ بدأ انحرافه كما يظهر من كلام الشيخ في الغيبة هو بسبب توقّفه عن محمّد بن عثمان العمري وافتراقه عن الشيعة ، مضافاً إلى إشارته عجّل الله فرجه في التوقيع الثاني إلى موته بينما العسكري عليه‌السلام توفّى قبل هلاك العبرتائي الذي مات سنة سبعة وستين بعد المائتين.

ثمّ إنّه يظهر جلياً من التوقيعات عند قوله عليه‌السلام في التوقيع : «انّه لم يدعو الله أن يجعل ايمانه مستقراً وأن لا يزيغ قلبه» ومن كلمات الأصحاب في حقّه إنّه كان له

٢٧٩

فترة استقامة ، ثمّ فترة انحراف. وأنّه بعد انحرافه قاطعوه وقد روى الصدوق في إكمال الدين عن شيخه ابن الوليد عن سعد بن عبد الله قوله : «ما رأينا ولا سمعنا بمتشيّع رجع عن تشيعه إلى النصب إلّا أحمد بن هلال».

هذا مضافاً إلى ما سبق من عبارة الشيخ في العدّة وما يظهر من النجاشي والغضائري والصدوق من التفصيل في العمل بروايته ، كما أنّه يظهر ممّا سبق أنّ الطائفة قد قاطعته بعد انحرافه ، وإن تردّدوا في بادئ الأمر ، إلّا أنّهم في مآل الأمر استثبتوا من انحرافه ، ومن ثمّ فإنّ ما رووه عنه واعتمدوا عليه منه ، لا بدّ أن يكون بلحاظ أيّام استقامته.

وبذلك يظهر وجه التفصيل في روايات محمّد بن أبي زينب الخطاب ويونس بن ظبيان (١) وما شاكلهم من رؤساء الجماعات الضّالة المنحرفة ، ويتّضح ذلك جلياً بملاحظة تراجمهم في الأصول الرجاليّة ، وأنّ الطائفة قد قاطعتهم ونبذت الرواية عنهم بعد انحرافهم ، فيتجه التفصيل في رواياتهم في الحالتين ، ويستعلم ذلك من كون الراوي عنه إمامياً أو غيره.

ويحسن هاهنا نقل ما قاله الشيخ البهائي في مشرق الشمسين : «المستفاد من تصفّح كتب علمائنا المؤلّفة في السير والجرح والتعديل أنّ أصحابنا الإمامية كان اجتنابهم ـ لمن كان من الشيعة على الحق أوّلاً ثمّ أنكر إمامة بعض الأئمّة عليهم‌السلام ـ في أقصى المراتب ، بل كانوا يحترزون عن مجالستهم فضلاً عن أخذ الحديث عنهم ،

__________________

(١). لا يخفى انه قد وقع الخلاف كثيراً في يونس بن ظبيان بين الرجاليين المتأخّرين كثيراً على طرفي نقيض ، فبين موثّق له إلى درجة الأجلّاء ، مستند في ذلك إلى قرائن كثيرة على ذلك ، وبين مضعّف له إلى النهاية ، مستند في ذلك إلى الطعون والذموم الصادرة فيه ، ووجه الجمع بينهما هو التفريق بين فترة استقامته وانحرافه.

٢٨٠