البحر المحيط في التّفسير - ج ١٠

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ١٠

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
نسخة غير مصححة

سورة النّبإ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)

٣٨١

السبات ، قال ابن قتيبة : السبات أصله القطع والمدّ ، فالنوم قطع الأشغال الشاقة ، ومن المدّ قول الشاعر :

وإن سبتته مال حبلا كأنه

سدى وأملات من نواسج خثعما

أي : إن مدت شعرها مال والتف كالتفاف السدى بأيدي نساء ناسجات. الوهاج : المتوقد المتلالئ. المعصر ، قال الفراء : السحاب الذي يجلب المطر ، ولما يجتمع مثل الجارية المعصر ، قد كادت تحيض ولما تحض ، وقال نحوه ابن قتيبة ، وقال أبو النجم العجلي :

تمشي الهوينا مائلا خمارها

قد أعصرت أو قد دنا إعصارها

الثج ، قال ثعلب : أصله شدّة الانصباب. وقال الأزهري : مطر ثجاج : شديد الانصباب ، ثج الماء وثججته ثجا وثجوجا : يكون لازما بمعنى الانصباب وواقعا بمعنى الصب. قال الشاعر في وصف الغيث :

إذا رمقت فيها رحى مرجحنه

تنعج ثجاجا عزير الحوافل

ألفافا جمع لف ، ثم جمع لف على ألفاف. الكواعب جمع كاعب : وهي التي برز نهدها ، ومنه كعب الرجل لبروزه ، ومنه الكعبة. قال عاصم بن قيس المنقري :

وكم من حصان قد حوينا كريمة

ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر

الدهاق : الملأى ، مأخوذ من الدهق ، وهو ضغط الشيء وشده باليد كأنه لامتلائه انضغط. وقيل : الدهاق : المتتابعة ، قال الشاعر :

أتانا عامر يبغي قرانا

فأترعنا له كأسا دهاقا

وقال آخر :

لأنت إلى الفؤاد أحب قربا

من الصادي إلى كأس دهاق

(عَمَّ يَتَساءَلُونَ ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ، كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ، وَالْجِبالَ أَوْتاداً ، وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ، وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ، وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ، وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ، وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ، إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ، وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً).

٣٨٢

هذه السورة مكية. وروي أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما بعث ، جعل المشركون يتساءلون بينهم فيقولون : ما الذي أتى به؟ ويتجادلون فيما بعث به ، فنزلت. ومناسبتها لما ذكر قبلها ظاهرة. لما ذكر (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (١) ، أي بعد الحديث الذي هو القرآن ، وكانوا يتجادلون فيه ويسائلون عنه ، قال : (عَمَّ يَتَساءَلُونَ). وقرأ الجمهور : (عَمَ) ؛ وعبد الله وأبيّ وعكرمة وعيسى : عما بالألف ، وهو أصل عم ، والأكثر حذف الألف من ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وأضيف إليها. ومن إثبات الألف قوله :

على ما قام يشتمني لئيم

كخنزير تمرغ في رماد

وقرأ الضحاك وابن كثير في رواية : عمه بهاء السكت ، أجرى الوصل مجرى الوقف ، لأن الأكثر في الوقف على ما الاستفهامية هو بإلحاق هاء السكت ، إلا إذا أضيفت إليها فلا بد من الهاء في الوقف ، نحو : بحي مه. والاستفهام عن هذا فيه تفخيم وتهويل وتقرير وتعجيب ، كما تقول : أي رجل زيد؟ وزيد ما زيد ، كأنه لما كان عديم النظير أو قليله خفي عليك جنسه فأخذت تستفهم عنه. ثم جرد العبارة عن تفخيم الشيء ، فجاء في القرآن ، والضمير في (يَتَساءَلُونَ) لأهل مكة. ثم أخبر تعالى أنهم (يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) ، وهو أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما جاء به من القرآن. وقيل : الضمير لجميع العالم ، فيكون الاختلاف تصديق المؤمن وتكذيب الكافر. وقيل : المتساءل فيه البعث ، والاختلاف فيه عم متعلق بيتساءلون. ومن قرأ عمه بالهاء في الوصل فقد ذكرنا أنه يكون أجرى الوصل مجرى الوقف ، وعن النبأ متعلق بمحذوف ، أي يتساءلون عن النبأ. وأجاز الزمخشري أن يكون وقف على عمه ، ثم ابتدأ بيتسألون عن النبأ العظيم على أن يضمر لعمه يتساءلون ، وحذفت لدلالة ما بعدها عليه ، كشيء مبهم ثم يفسر. وقال ابن عطية : قال أكثر النحاة قوله (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) متعلق بيتساءلون ، الظاهر كأنه قال : لم يتساءلون عن النبأ العظيم؟ وقال الزجاج : الكلام تام في قوله (عَمَّ يَتَساءَلُونَ) ، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول : يتساءلون عن النبأ ، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي يقتضيه الحال ، والمجاورة اقتضاء بالحجة وإسراعا إلى موضع قطعهم. وقرأ عبد الله وابن جبير : يسألون بغير تاء وشد السين ، وأصله يتساءلون بتاء الخطاب ، فأدغم التاء الثانية في السين. (كَلَّا) : ردع للمتسائلين. وقرأ الجمهور : بياء الغيبة فيهما. وعن الضحاك : الأول

__________________

(١) سورة المرسلات : ٧٧ / ٥٠.

٣٨٣

بالتاء على الخطاب ، والثاني بالياء على الغيبة. وهذا التكرار توكيد في الوعيد وحذف ما يتعلق به العلم على سبيل التهويل ، أي سيعلمون ما يحل بهم.

ثم قررهم تعالى على النظر في آياته الباهرة وغرائب مخلوقاته التي ابتدعها من العدم الصرف ، وأن النظر في ذلك يفضي إلى الإيمان بما جاءت به الرسل من البعث والجزاء ، فقال : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً) ، فبدأ بما هم دائما يباشرونه ، والمهاد : الفراش الموطأ. وقرأ الجمهور : (مِهاداً) ؛ ومجاهد وعيسى وبعض الكوفيين : مهدا ، بفتح الميم وسكون الهاء ، ولم ينسب ابن عطية عيسى في هذه القراءة. وقال ابن خالويه : مهدا على التوحيد ، مجاهدا وعيسى الهمداني وهو الحوفي ، فاحتمل أن يكون قول ابن عطية وبعض الكوفيين كناية عن عيسى الهمداني. وإذا أطلقوا عيسى ، أو قالوا عيسى البصرة ، فهو عيسى بن عمر الثقفي. وتقدم الكلام في المهاد في البقرة في أول حزب ، (وَاذْكُرُوا اللهَ) (١). (وَالْجِبالَ أَوْتاداً) : أي ثبتنا الأرض بالجبال ، كما ثبت البيت بالأوتاد. قال الأفوه :

والبيت لا ينبني إلا له عمد

ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

(أَزْواجاً) : أي أنواعا من اللون والصورة واللسان. وقال الزجاج وغيره : مزدوجين ، ذكرا وأنثى. (سُباتاً) : سكونا وراحة. سبت الرجل : استراح وترك الشغل ، والسبات علة معروفة يفرط على الإنسان السكوت حتى يصير قاتلا ، والنوم شبيه به إلا في الضرر. وقال قتادة : النائم مسبوت لا يعقل ، كأنه ميت. (لِباساً) : أي يستترون به عن العيون فيما لا يحبون أن يظهر عليه. (وَجَعَلْنَا النَّهارَ) : قابل النوم بالنهار ، إذ فيه اليقظة. (مَعاشاً) : وقت عيش ، وهو الحياة تتصرفون فيه في حوائجكم. (سَبْعاً) : أي سموات ، (شِداداً) : محكمة الخلق قوية لا تتأثر بمرور الأعصار إلا إذا أراد الله عزوجل. وقال الشاعر :

فلما جئته أعلى محلي

وأجلسني على السبع الشداد

(سِراجاً) : هو الشمس ، (وَهَّاجاً) : حارا مضطرم الاتقاد. وقال عبد الله بن عمرو. الشمس في السماء الرابعة ، إلينا ظهرها ، ولهيبها يضطرم علوا. (مِنَ الْمُعْصِراتِ) ، قال أبي والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم وقتادة ومقاتل : هي السموات. وقال ابن عباس وأبو العالية والربيع والضحاك : السحاب القاطرة ، مأخوذ من العصر ، لأن

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ٢٠٣.

٣٨٤

السحاب ينعصر فيخرج منه الماء. وقيل : السحاب التي فيها الماء ولم تمطر. وقال ابن كيسان : سميت بذلك من حيث تغيث ، فهي من العصرة ، ومنه قوله : (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (١). والعاصر : المغيث ، فهو ثلاثي ؛ وجاء هنا من أعصر : أي دخلت في حين العصر ، فحان لها أن تعصر ، وأفعل للدخول في الشيء. وقال ابن عباس أيضا ومجاهد وقتادة : الرياح لأنها تعصر السحاب ، جعل الإنزال منها لما كانت سببا فيه. وقرأ ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس أخوه وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة : بالمعصرات ، بالباء بدل من. قال ابن عطية : فهذا يقوي أنه أراد الرياح. وقال الزمخشري : فيه وجهان : أن يراد بالرياح التي حان لها أن تعصر السحاب ، وأن يراد السحاب ، لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها ، كما تقول : أعطى من يده درهما ، وأعطى بيده درهما. (ثَجَّاجاً) : منصبا بكثرة ، ومنه أفضل الحج العج والثج : أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي. وقرأ الأعرج : ثجاحا بالحاء : آخرا ، ومساجح الماء : مصابه ، والماء ينثجح في الوادي. (حَبًّا وَنَباتاً) : بدأ بالحب لأنه الذي يتقوت به ، كالحنطة والشعير ، وثنى بالنبات فشمل كل ما ينبت من شجر وحشيش ودخل فيه الحب. (أَلْفافاً) : ملتفة ، قال الزمخشري : ولا واحد له ، كالأوزاع والأخياف. وقيل : الواحد لف : قال صاحب الإقليد : أنشدني الحسن بن علي الطوسي :

جنة لف وعيش مغدق

وندامى كلهم بيض زهر

ولو قيل : هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولا وجيها. انتهى. ولا حاجة إلى هذا القول ولا إلى وجاهته ، فقد ذكر في المفردات أن مفرده لف بكسر اللام ، وأنه قول جمهور أهل اللغة. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) : هو يوم القيامة يفصل فيه بين الحق والباطل ، (كانَ مِيقاتاً) : أي في تقدير الله وحكمه تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده أو حدا للخلائق ينتهون إليه. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) : بدل من يوم الفصل. قال الزمخشري : أو عطف بيان ، وتقدم الكلام في الصور. وقرأ أبو عياض : في الصور بفتح الواو جمع صورة ، أي يرد الله الأرواح إلى الأبدان ؛ والجمهور : بسكون الواو. و (فَتَأْتُونَ) من القبور إلى الموقف أمما ، كل أمة بإمامها. وقيل : جماعات مختلفة. وذكر الزمخشري حديثا في كيفيات قبيحة لعشرة أصناف يخلقون عليها ، وسبب خلقه من خلق على تلك الكيفية الله أعلم بصحته. وقرأ الكوفيون : (وَفُتِحَتِ) : خف ؛ والجمهور : بالتشديد ، (فَكانَتْ أَبْواباً) تنشق حتى يكون فيها فتوح

__________________

(١) سورة يوسف : ١٢ / ٤٩.

٣٨٥

كالأبواب في الجدران. وقيل : ينقطع قطعا صغارا حتى تكون كالألواح ، الأبواب المعهودة. وقال الزمخشري : (فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) : أي كثرت أبوابها لنزول الملائكة ، كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة ، كقوله : (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) (١) ، كأن كلها عيون تنفجر. وقيل : الأبواب : الطرق والمسالك ، أي تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شيء. (فَكانَتْ سَراباً) : أي تصير شيئا كلا شيء لتفرق أجزائها وانبثات جواهرها. انتهى. وقال ابن عطية : عبارة عن تلاشيها وفنائها بعد كونها هباء منبثا ، ولم يرد أن الجبال تشبه الماء على بعد من الناظر إليها. وقال الواحدي : على حذف مضاف ، أي ذات أبواب.

قوله عزوجل : (إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ، لِلطَّاغِينَ مَآباً ، لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ، لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ، إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ، جَزاءً وِفاقاً ، إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ، وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ، فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ، إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ، حَدائِقَ وَأَعْناباً ، وَكَواعِبَ أَتْراباً ، وَكَأْساً دِهاقاً ، لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ، جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ، رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ، ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ، إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً).

(مِرْصاداً) : مفعال من الرصد ، ترصد من حقت عليه كلمة العذاب. وقال مقاتل : مجلسا للأعداء وممرا للأولياء ، ومفعال للمذكر والمؤنث بغير تاء وفيه معنى النسب ، أي ذات رصد ، وكل ما جاء من الأخبار والصفات على معنى النسب فيه التكثير واللزوم. وقال الأزهري : المرصاد : المكان الذي يرصد فيه العدو. وقال الحسن : إلا أن على النار المرصاد. فمن جاء بجواز جاز ، ومن لم يجىء بجواز احتبس. وقرأ أبو عمر والمنقري وابن يعمر : أن جهنم ، يفتح الهمزة ؛ والجمهور : بكسرها (مَآباً) : مرجعا. وقرأ عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وابن وثاب وعمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وطلحة والأعمش وحمزة وقتيبة وسورة وروح : لبثين ، بغير ألف بعد اللام ؛ والجمهور : بألف بعدها ، وفاعل يدل على من وجد منه الفعل ، وفعل على من شأنه ذلك ، كحاذر وحذر. (أَحْقاباً) : تقدم الكلام عليه في الكهف عند : (أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) (٢) ، والمعنى هنا : حقبا بعد حقب ، كلما

__________________

(١) سورة القمر : ٥٤ / ١٢.

(٢) سورة الكهف : ١٨ / ٦٠.

٣٨٦

مضى تبعه آخر إلى غير نهاية ، ولا يكاد يستعمل الحقب إلا حيث يراد تتابع الأزمنة ، كقول أبي تمام :

لقد أخذت من دار ماوية الحقب

أنحل المغاني لليلى أم هي نهب

ويجوز أن يتعلق للطاغين بمرصادا ، ويجوز أن يتعلق بمآبا. ولبثين حال من الطاغين ، وأحقابا نصب على الظرف. وقال الزمخشري : وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب إذا أخطأ الرزق فهو حقب ، وجمعة أحقاب ، فينتصب حالا عنهم ، يعني لبثين فيها حقبين جحدين. وقوله : (لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً) تفسير له ، والاستثناء منقطع ، يعني : لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفس عنهم حر النار ، ولا شراب يسكن من عطشهم ، ولكن يذوقون فيها (حَمِيماً وَغَسَّاقاً). انتهى. وكان قد قدم قبل هذا الوجه ما نصه : ويجوز أن يراد لابثين فيها أحقابا غير ذائقين بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم ، والغساق من جنس آخر من العذاب. انتهى. وهذا الذي قاله هو قول للمتقدمين ، حكاه ابن عطية. قال : وقال آخرون إنما المعنى لابثين فيها أحقابا غير ذائقين بردا ولا شرابا ، فهذه الحال يلبثون أحقابا ، ثم يبقى العذاب سرمدا وهم يشربون أشربة جهنم. والذي يظهر أن قوله : (لا يَذُوقُونَ) كلام مستأنف وليس في موضع الحال ، و (إِلَّا حَمِيماً) استثناء متصل من قوله : (وَلا شَراباً) ، وإن (أَحْقاباً) منصوب على الظرف حملا على المشهور من لغة العرب ، لا منصوب على الحال على تلك اللغة التي ليست مشهورة. وقول من قال : إن الموصوفين باللبث أحقابا هم عصاة المؤمنين ، أواخر الآي يدفعه ؛ وقول مقاتل : إن ذلك منسوخ بقوله : (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) ، فاسد. والظاهر ، وهو قول الجمهور ، أن البرد هو مس الهواء القرّ ، أي لا يمسهم منه ما يستلذ ويكسر شدة الحر. وقال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي : البرد هنا النوم ، والعرب تسميه بذلك لأنه يبرد سورة العطش ، ومن كلامهم : منع البرد البرد ، وقال الشاعر :

فلو شئت حرمت النساء سواكم

وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا

النقاخ : الماء ، والبرد : النوم. وفي كتاب اللغات في القرآن أن البرد هو النوم بلغة هذيل ، والذوق على هذين القولين مجاز. وقال ابن عباس : البرد : الشراب البارد المستلذ ، ومنه قول حسان بن ثابت :

٣٨٧

يسقون من ورد البريض عليهم

بردا يصفق بالرحيق السلسل

ومنه قول الآخر :

أماني من سعدى حسان كأنما

سقتك بها سعدى على ظمأ بردا

والذوق على هذا حقيقة ، والنحويون ينشدون على هذا بيت حسان. بردى ، بفتح الراء والدال بعدها ألف التأنيث : وهو نهر في دمشق. وتقدم شرح الحميم والغساق ، وخلف القرّاء في شدة الشين وخفتها. (وِفاقاً) : أي لأعمالهم وكفرهم ، وصف الجزاء بالمصدر لوافق ، أو على حذف مضاف ، أي ذا وفاق. وقال الفراء : هو جمع وفق. وقرأ الجمهور : بخف الفاء ؛ وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة : بشدها من وفقه كذا. (لا يَرْجُونَ) : لا يخافون أو لا يؤمنون ، والرجاء والأمل مفترقان ، والمعنى هنا : لا يصدقون بالحساب ، فهم لا يؤمنون ولا يخافون. وقرأ الجمهور : (كِذَّاباً) بشد الذال مصدر كذب ، وهي لغة لبعض العرب يمانية. يقولون في مصدر فعل فعالا ، وغيرهم يجعل مصدره على تفعيل ، نحو تكذيب. ومن تلك اللغة قول الشاعر :

لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي

وعن حاجة قضاؤها من شفائيا

ومن كلام أحدهم وهو يستفتي : الحلق أحب إليك أم القصار ، يريد التقصير ، يعني في الحج. وقال الزمخشري : وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره ، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال : لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله. وقرأ علي وعوف الأعرابي وأبو رجاء والأعمش وعيسى بخلاف عنه بخف الذال. قال صاحب اللوامح علي ، وعيسى البصرة ، وعوف الأعرابي : كذابا ، كلاهما بالتخفيف ، وذلك لغة اليمن بأن يجعلوا مصدر كذب مخففا ، كذابا بالتخفيف مثل كتب كتابا ، فصار المصدر هنا من معنى الفعل دون لفظه ، مثل أعطيته عطاء. انتهى. وقال الأعشى :

فصدقتها وكذبتها

والمرء ينفعه كذابه

وقال الزمخشري : هو مثل قوله : (أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) (١) يعني : وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا ، أو تنصبه بكذبوا لا يتضمن معنى كذبوا ، لأن كل مكذب بالحق كاذب ؛ وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه : وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة ، أو كذبوا بها مكاذبين لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة ، أو لأنهم

__________________

(١) سورة نوح : ٧١ / ١٧.

٣٨٨

يتكلمون بما هو إفراط في الكذب ، فعل من يغالب في أمر فيبلغ فيه أقصى جهده. انتهى. والأظهر الإعراب الأول وما سواه تكلف ، وفي كتاب ابن عطية وكتاب اللوامح. وقرأ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز : وفي كتاب ابن خالويه عمر بن عبد العزيز والماجشون ، ثم اتفقوا كذابا بضم الكاف وشد الذال ، فخرج على أنه جمع كاذب وانتصب على الحال المؤكدة ، وعلى أنه مفرد صفة لمصدر ، أي تكذيبا كذابا مفرطا في التكذيب. وقرأ الجمهور : (وَكُلَّ شَيْءٍ) بالنصب : وأبو السمال : بالرفع ، وانتصب (كِتاباً) على أنه مصدر من معنى (أَحْصَيْناهُ) أي إحصاء ، أو يكون (أَحْصَيْناهُ) في معنى كتبناه. والتجوز إما في المصدر وإما في الفعل وذلك لالتقائهما في معنى الضبط ، أو على أنه مصدر في موضع الحال ، أو مكتوبا في اللوح وفي مصحف الحفظة. (وَكُلَّ شَيْءٍ) عام مخصوص ، أي كل شيء مما يقع عليه الثواب والعقاب ، وهي جملة اعتراض معترضة ، وفذوقوا مسبب عن كفرهم بالحساب ، فتكذيبهم بالآيات. وقال عبد الله بن عمر : وما نزلت في أهل النار آية أشد من هذه ، ورواه أبو بردة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

ولما ذكر شيئا من حال أهل النار ، ذكر ما لأهل الجنة فقال : (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً) : أي موضع فوز وظفر ، حيث زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة. و (حَدائِقَ) بدل من (مَفازاً) وفوزا ، فيكون أبدل الجرم من المعنى على حذف ، أي فوز حدائق ، أي بها. (دِهاقاً) ، قال الجمهور : مترعة. وقال مجاهد وابن جبير : متتابعة. وقرأ الجمهور : (وَلا كِذَّاباً) بالتشديد ، أي لا يكذب بعضهم بعضا. وقرأ الكسائي بالتخفيف ، كاللفظ الأول في قوله تعالى : (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً) ، مصدر كذب ومصدر كاذب. قال الزمخشري : (جَزاءً) : مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله : (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً) ، كأنه قال : جازى المتقين بمفاز وعطاء نصب بجزاء نصب المفعول به ، أي جزاءهم عطاء. انتهى. وهذا لا يجوز لأنه جعله مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة التي هي (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً) ، والمصدر المؤكد لا يعمل ، لأنه ليس ينحل بحرف مصدري والفعل ، ولا نعلم في ذلك خلافا. وقرأ الجمهور : (حِساباً) ، وهو صفة لعطاء ، أي كافيا من قولهم : أحسبني الشيء : أي كفاني. وقال مجاهد : معنى حسابا هنا بتقسيط على الأعمال ، أو دخول الجنة برحمة الله والدرجات فيها على قدر الأعمال ، فالحساب هنا بموازنة الأعمال. وقرأ ابن قطيب : حسابا ، بفتح الحاء وشد السين. قال ابن جني : بنى فعالا من أفعل ، كدراك من أدرك. انتهى ، فمعناه محسبا ، أي كافيا. وقرأ شريح بن يزيد الحمصي وأبو البرهسم :

٣٨٩

بكسر الحاء وشد السين ، وهو مصدر مثل كذاب أقيم مقام الصفة ، أي إعطاء محسبا ، أي كافيا. وقرأ ابن عباس وسراح : حسنا بالنون من الحسن ، وحكى عنه المهدوي حسبا بفتح الحاء وسكون السين والباء ، نحو قولك : حسبك كذا ، أي كافيك.

وقرأ عبد الله وابن أبي إسحاق والأعمش وابن محيصن وابن عامر وعاصم : رب والرحمن بالجر ؛ والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأبو عمرو والحرميان برفعهما ؛ والإخوان : رب بالجر ، والرحمن بالرفع ، وهي قراءة الحسن وابن وثاب والأعمش وابن محيصن بخلاف عنهما في الجر على البدل من ربك ، والرحمن صفة أو بدل من رب أو عطف بيان ، وهل يكون بدلا من ربك فيه نظر ، لأن البدل الظاهر أنه لا يتكرر فيكون كالصفات ، والرفع على إضمار هو رب ، أو على الابتداء ، وخبره (لا يَمْلِكُونَ) ، والضمير في (لا يَمْلِكُونَ) عائد على المشركين ، قاله عطاء عن ابن عباس ، أي لا يخاطب المشركون الله. أما المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم. وقيل : عائد على المؤمنين ، أي لا يملكون أن يخاطبوه في أمر من الأمور لعلمهم أن ما يفعله عدل منه. وقيل : عائد على أهل السموات والأرض. والضمير في منه عائد عليه تعالى ، والمعنى أنهم لا يملكون من الله أن يخاطبوه في شيء من الثواب. والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك ، فيزيدون فيه أو ينقصون منه. والعامل في (يَوْمَ) إما (لا يَمْلِكُونَ). وإما (لا يَتَكَلَّمُونَ). وقد تقدم الخلاف في (الرُّوحُ) ، أهو جبريل أم ملك أكبر الملائكة خلقة؟ أو خلق على صورة بني آدم ، أو خلق حفظة على الملائكة ، أو أرواح بني آدم ، أو القرآن وقيامه ، مجاز يعني به ظهور آثاره الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه. والظاهر عود الضمير في (لا يَتَكَلَّمُونَ) على (الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ). وقال ابن عباس : عائد على الناس ، فلا يتكلم أحد إلا بإذن منه تعالى. ونطق بالصواب. وقال عكرمة : الصواب : لا إله إلا الله ، أي قالها في الدنيا. وقال الزمخشري : هما شريطتان : أن يكون المتكلم منهم مأذونا لهم في الكلام ، وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى لقوله تعالى : (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) (١). انتهى.

(ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ) : أي كيانه ووجوده ، (فَمَنْ شاءَ) : وعيد وتهديد ، والخطاب في (أَنْذَرْناكُمْ) لمن حضر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واندرج فيه من يأتي بعدهم ، (عَذاباً) : هو عذاب الآخرة لتحقق وقوعه ، وكل آت قريب. (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ) : عام في المؤمن والكافر. (ما قَدَّمَتْ يَداهُ) من خير أو شر لقيام الحجة له وعليه. وقال الزمخشري ، وقاله قبله عطاء :

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٢١ / ٢٨.

٣٩٠

المرء هو الكافر لقوله : (إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً) ، والكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم. ومعنى (ما قَدَّمَتْ يَداهُ) من الشر لقوله : (وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) (١). وقال ابن عباس وقتادة والحسن : المرء هنا المؤمن ، كأنه نظر إلى مقابله في قوله : (وَيَقُولُ الْكافِرُ). وقرأ الجمهور : (الْمَرْءُ) بفتح الميم ؛ وابن أبي إسحاق بضمها ؛ وضعفها أبو حاتم ، ولا ينبغي أن تضعف لأنها لغة يتبعون حركة الميم لحركة الهمزة فيقولون : مرؤ ومرأ ومرء على حسب الإعراب ، وما منصوب بينظر ومعناه : ينتظر ما قدّمت يداه ، فما موصولة. ويجوز أن يكون ينظر من النظر ، وعلق عن الجملة فهي في موضع نصب على تقدير إسقاط الخافض ، وما استفهامية منصوبة تقدّمت ، وتمنيه ذلك ، أي ترابا في الدنيا ، ولم يخلق أو في ذلك اليوم. وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر : إن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص من بعضها لبعض ، ثم يقول لها بعد ذلك : كوني ترابا ، فتعود جميعها ترابا ، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله. وقيل : الكافر هنا إبليس ، إذا رأى ما حصل للمؤمنين من الثواب قال : (يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) كآدم الذي خلق من تراب واحتقره هو أوّلا. وقيل : (تُراباً) : أي متواضعا لطاعة الله تعالى ، لا جبارا ولا متكبرا.

__________________

(١) سورة الأنفال : ٨ / ٥٠ ـ ٥١.

٣٩١

سورة النّازعات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)

٣٩٢

أغرق في الشيء : بالغ فيه وأنهاه ، وأغرق النازع في القوس : بلغ غاية المد حتى ينتهي إلى النصل. والاستغراق : الاستيعاب ، والغرقى : قشرة البيضة. نشط البعير والإنسان ربطه وأنشطه : حله ، ومنه : وكأنما أنشط من عقال. ونشط : ذهب من قطر إلى قطر ، ولذلك قيل لبقر الوحش النواشط ، لأنهن يذهبن بسرعة من مكان إلى مكان ، ومنه قول الشاعر ، وهو هميان بن قحافة :

أرى همومي تنشط المناشطا

الشام بي طورا وطورا واسطا

وكأن هذه اللفظة مأخوذة من النشاط. وقال أبو زيد : نشطت الحبل أنشطه نشطا : عقدته أنشوطة ، وأنشطته : حللته ، وأنشطت الحبل : مددته. وقال الليث : أنشطته بأنشوطة : أي وثقته ، وأنشطت العقال : مددت أنشوطته فانحلت ، ويقال : نشط بمعنى أنشط ، والأنشوطة : عقدة يسهل انحلالها إذا جدبت كعقدة التكة. وجف القلب وجيفا : اضطرب من شدّة الفزع ، وكذلك وجب وجيبا. وفي كتاب لغات القرآن المروي عن ابن عباس ، واجفة : خائفة ، بلغة همدان. الحافرة ، يقال : رجع فلان في حافرته : أي في طريقه التي جاء منها ، فحفرها : أي أثر فيها بمشيه فيها ، جعل أثر قدميه حفرا ، وتوقعها العرب على أول أمر يرجع إليه من آخره ، ومنه قول الشاعر :

أحافرة على صلع وشيب

معاذ الله من سفه وعار

أي : أأرجع إلى الصبا بعد الصلع والشيب؟ الناخرة : المصوتة بالريح المجوّفة ، والنخرة بمعناها ، كطامع وطمع ، وحاذر وحذر ، قاله الفراء وأبو عبيد وأبو حاتم وجماعة. وقيل : النخرة : البالية المتعفنة الصائرة رميما. نخر العود والعظم : بلي وتفتت ، فمعناه مغاير للناخرة ، وهو قول الأكثرين. وقال أبو عمرو بن العلاء : الناخرة : التي لم تنخر بعد ، والنخرة : التي قد بليت. قال الراجز لفرسه :

أقدم أخا نهم على الأساوره

ولا تهولنك رؤوس نادره

فإنما قصرك ترب الساهرة

حتى تعود بعدها في الحافرة

من بعد ما صرت عظاما ناخره

وقال الشاعر :

وأخليتها من مخها فكأنها

قوارير في أجوافها الريح تنخر

ويروى : تصفر ونخرة الريح ، بضم النون : شدّة هبوبها ، والنخرة أيضا : مقدم أنف

٣٩٣

الفرس والحمار والخنزير ، يقال : هشم نخرته. الساهرة : وجه الأرض والفلاة ، وصفت بما يقع فيها وهو السهر للخوف. وقال أمية بن أبي الصلت :

وفيها لحم ساهرة وبحر

وما فاهوا به لهم مقيم

وقال أبو بكر الهذلي :

يرتدن ساهرة كأن جميمها

وعميمها أسداف ليل مظلم

والساهور كالغلاف للقمر يدخل فيه إذا كسف. وقال أمية بن أبي الصلت :

وبث الخلق فيها إذ دحاها

فهم قطانها حتى التنادي

وقيل : دحاها : سواها ، قال زيد بن عمرو :

وأسلمت وجهي لمن أسلمت

له الأرض تحمل صخرا ثقالا

دحاها فلما استوت شدّها

بأيد وأرسى عليها الجبالا

الطامّة : الدّاهية التي تطم على الدّواهي ، أي تعلو وتغلب. وفي أمثالهم : أجرى الوادي فطمّ على القرى ، ويقال : طمّ السيل الركية إذا دفنها ، والطم : الدّفن والعلو.

(وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً ، وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ، وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً ، فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ، فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ، يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ ، يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ ، أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً ، قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ، فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ، فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ، هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ، إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ، اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ، فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ، فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى ، فَكَذَّبَ وَعَصى ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ، فَحَشَرَ فَنادى ، فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ، فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى).

هذه السورة مكية. ولما ذكر في آخر ما قبلها الإنذار بالعذاب يوم القيامة ، أقسم في هذه على البعث يوم القيامة. ولما كانت الموصوفات المقسم بها محذوفات وأقيمت صفاتها مقامها ، وكان لهذه الصفات تعلقات مختلفة اختلفوا في المراد بها ، فقال عبد الله وابن عباس ؛ (النَّازِعاتِ) : الملائكة تنزع نفوس بني آدم ، و (غَرْقاً) : إغراقا ، وهي المبالغة في الفعل ، أو غرقا في جهنم ، يعني نفوس الكفار ، قاله عليّ وابن عباس. وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق. وقال السدّي وجماعة : تنزع بالموت إلى ربها ، وغرقا : أي إغراقا في الصدر. وقال السدي أيضا :

٣٩٤

النفوس تحن إلى أوطانها وتنزع إلى مذاهبها ، ولها نزع عند الموت. وقال عطاء وعكرمة : القسي أنفسها تنزع بالسهام. وقال عطاء أيضا : الجماعات النازعات بالقسي وغيرها إغراقا. وقال مجاهد : المنايا تنزع النفوس. وقيل : النازعات : الوحش تنزع إلى الكلأ ، حكاه يحيى بن سلام. وقيل : جعل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب ، والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب ، قاله في الكشاف.

(وَالنَّاشِطاتِ) ، قال ابن عباس ومجاهد : الملائكة تنشط النفوس عند الموت ، أي تحلها وتنشط بأمر الله إلى حيث كان. وقال ابن عباس أيضا وقتادة والحسن والأخفش : النجوم تنشط من أفق إلى أفق ، تذهب وتسير بسرعة. وقال مجاهد أيضا : المنايا. وقال عطاء : البقر الوحشية وما جرى مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر. وقال ابن عباس أيضا : النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج. وقيل : التي تنشط للإزهاق.

(وَالسَّابِحاتِ) ، قال عليّ ومجاهد : الملائكة تتصرّف في الآفاق بأمر الله ، تجيء وتذهب.

وقال قتادة والحسن : النجوم تسبح في الأفلاك. وقال أبو روق : الشمس والقمر والليل والنهار. وقال عطاء وجماعة : الخيل ، يقال للفرس سابح. وقيل : السحاب لأنها كالعائمة في الهواء. وقيل : الحيتان دواب البحر فما دونها وذلك من عظم المخلوقات ، فيبدي أنه تعالى أمدّ في الدنيا نوعا من الحيوان ، منها أربعمائة في البر وستمائة في البحر. وقال عطاء أيضا : السفن. وقال مجاهد أيضا : المنايا تسبح في نفوس الحيوان.

(فَالسَّابِقاتِ) ، قال مجاهد : الملائكة سبقت بني آدم بالخير والعمل الصالح ، وقاله أبو روق. وقال ابن مسعود : أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها ، وقد عاينت السرور شوقا إلى لقاء الله تعالى. وقال عطاء : الخيل ، وقيل : النجوم ، وقيل : المنايا تسبق الآمال. (فَالْمُدَبِّراتِ) ، قال ابن عطية لا أحفظ خلافا أنها الملائكة ، ومعناه أنها التي تدبر الأمور التي سخرها الله تعالى وصرفها فيها ، كالرياح والسحاب وسائر المخلوقات. انتهى. وقيل : الملائكة الموكلون بالأحوال : جبريل للوحي ، وميكائيل للمطر ، وإسرافيل للنفخ في الصور ، وعزرائيل لقبض الأرواح. وقيل : تدبيرها : نزولها بالحلال والحرام. وقال معاذ : هي الكواكب السبعة ، وإضافة التدبير إليها مجاز ، أي يظهر تقلب الأحوال عند قرانها وتربيعها وتسديسها وغير ذلك.

ولفق الزمخشري من هذه الأقوال أقوالا اختارها وأدارها أولا على ثلاثة : الملائكة أو

٣٩٥

الخيل أو النجوم. ورتب جميع الأوصاف على كل واحد من الثلاثة ، فقال : أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي هي تنزع الأرواح من الأجساد ، وبالطوائف التي تنشطها ، أي تخرجها من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ، وبالطوائف التي تسبح في مضيها ، أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم ؛ كما رسم لهم غرقا ، أي إغراقا في النزع ، أي تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها. أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها إلى آخر ما نقلناه ؛ ثم قال : من قولك : ثور ناشط ، إذا خرج من بلد إلى بلد ، والتي تسبح في جريتها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر ، وإسناد التدبير إليها لأنها من أسبابه. أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب ، وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله حتى تنحط من أقصى المغرب ، والتي تخرج من برج إلى برج ، والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمرا في علم الحساب.

وقيل : النازعات : أيدي الغزاة أو أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام والتي تنشط الإرهاق. انتهى. والذي يظهر أن ما عطف بالفاء هو من وصف المقسم به قبل الفاء ، وأن المعطوف بالواو هو مغاير لما قبله ، كما قرّرناه في المرسلات ، على أنه يحتمل أن يكون المعطوف بالواو من عطف الصفات بعضها على بعض. والمختار في جواب القسم أن يكون محذوفا وتقديره : لتبعثن لدلالة ما بعده عليه ، قاله الفراء. وقال محمد بن عليّ الحكيم الترمذي : الجواب : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) ، والمعنى فيما اقتصصت من ذكر يوم القيامة وذكر موسى عليه‌السلام وفرعون. قال ابن الأنباري : وهذا قبيح لأن الكلام قد طال. وقيل : الكلام التي تلقى بها القسم محذوفة من قوله : (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) ، أي ليوم كذا ، (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) ، ولم تدخل نون التوكيد لأنه قد فصل بين اللام المقدرة والفعل ؛ وقول أبي حاتم هو على التقديم والتأخير ، كأنه قال : (فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ). (وَالنَّازِعاتِ) ، قال ابن الأنباري : خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام. وقيل : التقدير : (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) ، (وَالنَّازِعاتِ) على التقديم والتأخير أيضا وليس بشيء. وقيل : الجواب : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) ، لأنه في تقدير قد أتاك وليس بشيء ، وهذا كله إعراب من لم يحكم العربية ، وحذف الجواب هو الوجه ، ويقرب القول بحذف اللام من (يَوْمَ تَرْجُفُ). قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد : هما الصيحتان ، أي النفختان ، الأولى تميت كل شيء ، وفي الثانية تحيي. وقال مجاهد أيضا : الواجفة :

٣٩٦

الزلزلة ، والرادفة : الصيحة. وقال ابن زيد : الواجفة : الأرض ، والرادفة : الساعة ، والعامل في يوم اذكر مضمرة ، أو لتبعثن المحذوف ؛ واليوم متسع تقع فيه النفختان ، وهم يبعثون في بعض ذلك اليوم المتسع ، وتتبعها حال. قيل : أو مستأنف. واجفة : مضطربة ، ووجيف القلب يكون من الفزع ويكون من الإشفاق ، ومنه قول قيس بن الخطيم :

إن بني حجبا وأسرتهم

أكبادنا من ورائهم تجف

(قُلُوبٌ) : مبتدأ ، (واجِفَةٌ) : صفة تعمل في (يَوْمَئِذٍ) ، (أَبْصارُها) : أي أبصار أصحاب القلوب ، (خاشِعَةٌ) : مبتدأ وخبر في موضع خبر (قُلُوبٌ). وقال ابن عطية : رفع قلوب بالابتداء ، وجاز ذلك ، وهي نكرة لأنها قد تخصصت بقوله : (يَوْمَئِذٍ). انتهى. ولا تتخصص الأجرام بظروف الزمان ، وإنما تخصصت بقوله : (واجِفَةٌ). (يَقُولُونَ) : حكاية حالهم في الدنيا ، والمعنى : هم الذين يقولون. و (الْحافِرَةِ) ، قال مجاهد : فاعلة بمعنى مفعولة. وقيل : على النسب ، أي ذات حفر ، والمراد القبور ، أي لمردودون أحياء في قبورنا. وقال زيد بن أسلم : الحافرة : النار. وقيل : جمع حافرة بمعنى القدم ، أي أحياء نمشي على أقدامنا ونطأ بها الأرض. وقال ابن عباس : الحياة الثانية هي أول الأمر ، وتقول التجار : النقد في الحافرة ، أي في ابتداء السوم. وقال الشاعر :

آليت لا أنساكم فاعلموا

حتى ترد الناس في الحافرة

وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة : في الحفرة بغير ألف ؛ والجمهور : بالألف. وقيل : هما بمعنى واحد. وقيل : هي الأرض المنتنة المتغيرة بأجساد موتاها ، من قولهم : حفرت أسنانه إذا تأكلت وتغيرت. وقرأ عمر وأبي وعبد الله وابن الزبير وابن عباس ومسروق ومجاهد والإخوان وأبو بكر : ناخرة بألف ؛ وأبو رجاء والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة والسلمي وابن جبير والنخعي وقتادة وابن وثاب وأيوب وأهل مكة وشبل وباقي السبعة : بغير ألف. (قالُوا تِلْكَ إِذاً) : أي الردة إلى الحافرة إن رددنا ، (كَرَّةٌ خاسِرَةٌ) : أي قالوا ذلك لتكذيبهم بالغيب ، أي لو كان هذا حقا ، لكانت ردتنا خاسرة ، إذ هي إلى النار. وقال الحسن : خاسرة : كاذبة ، أي ليست بكافية ، وهذا القول منهم استهزاء. وروي أن بعض صناديد قريش قال ذلك. (فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ) لما تقدم. (يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ) : تضمن قولهم استبعاد النشأة الثانية واستضعاف أمرها ، فجاء قوله : (فَإِنَّما) مراعاة لما دل عليه استبعادهم ، فكأنه قيل : ليس بصعب ما تقولون ، فإنما هي نفخة واحدة ، فإذا هم منشورون أحياء على وجه الأرض. قال ابن عباس : الساهرة أرض من فضة يخلقها الله

٣٩٧

تعالى. وقال وهب بن منبه : جبل بالشام يمده الله تعالى يوم القيامة لحشر الناس. وقال أبو العالية وسفيان : أرض قريبة من بيت المقدس. وقال ابن عباس : أرض مكة. وقال قتادة : جهنم ، لأنه لا نوم لمن فيها. رأى أن الضمائر قبلها إنما هي للكفار ففسرها بجهنم. وقيل : الأرض السابعة يأتي بها الله يحاسب عليها الخلائق.

ولما أنكروا البعث وتمردوا ، شق ذلك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقص تعالى عليه قصة موسى عليه‌السلام ، وتمرد فرعون على الله عزوجل حتى ادعى الربوبية ، وما آل إليه حال موسى من النجاة ، وحال فرعون من الهلاك ، فكان ذلك مسلاة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتبشيرا بهلاك من يكذبه ، ونجاته هو من أذاهم. فقال تعالى : (هَلْ أَتاكَ) ، توفيقا له على جمع النفس لما يلقيه إليه ، وتقدم الكلام في الوادي المقدس ، والخلاف في القراءات في (طُوىً). (اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ) : تفسير للنداء ، أو على إضمار القول ، (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى) : لطف في الاستدعاء لأن كل عاقل يجيب مثل هذا السؤال بنعم ، وتزكى : تتحلى بالفضائل وتتطهر من الرذائل ، والزكاة هنا يندرج فيها الإسلام وتوحيد الله تعالى. وقرأ الحرميان وأبو عمرو : بخلاف تزكى وتصدى ، بشد الزاي والصاد ؛ وباقي السبعة : بخفها. وتقول العرب : هل لك في كذا ، أو هل لك إلى كذا؟ فيحذفون القيد الذي تتعلق به إلى ، أي هل لك رغبة أو حاجة إلى كذا؟ أو سبيل إلى كذا؟ قال الشاعر :

فهل لكم فيها إليّ فإنني

بصير بما أعيا النطاسي خديما

(وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى) : هذا تفسير للتزكية ، وهي الهداية إلى توحيد الله تعالى ومعرفته ، (فَتَخْشى) : أي تخافه ، لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة ، (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) (١). وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر ، وفي الكلام حذف ، أي فذهب وقال له ما أمره به ربه ، وأتبع ذلك بالمعجزة الدالة على صدقه. (فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى) : وهي العصا واليد ، جعلهما واحدة ، لأن اليد كأنها من جملة العصا لكونها تابعة لها ، أو العصا وحدها لأنها كانت المقدمة والأصل ، واليد تبع لها ، لأنه كان يتقيها بيده. وقيل له (أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) (٢). (فَكَذَّبَ) : أي فرعون موسى عليه‌السلام وما أتى به من المعجز ، وجعل ذلك من باب السحر ، (وَعَصى) الله تعالى بعد ما علم صحة ما أتى به موسى ، وإنما أوهم أنه سحر. (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى) ، قيل : أدبر حقيقة ، أي قام من مكانه فارا

__________________

(١) سورة فاطر : ٣٥ / ٢٨.

(٢) سورة النمل : ٢٧ / ١٢.

٣٩٨

بنفسه. وقال الجمهور : هو كناية عن إعراضه عن الإيمان. (يَسْعى) : يجتهد في مكابدة موسى عليه‌السلام. (فَحَشَرَ) : أي جمع السحرة وأرباب دولته ، (فَنادى) : أي قام فيهم خطيبا ، أو فنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه. (فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) ، قال ابن عطية : قول فرعون ذلك نهاية في المخرقة ، ونحوها باق في ملوك مصر وأتباعهم. انتهى. وإنما قال ذلك لأن ملك مصر في زمانه كان اسماعيليا ، وهو مذهب يعتقدون فيه إلهية ملوكهم ، وكأن أول من ملكها منهم المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله ، ولا هم العاضد وطهر الله مصر من هذا المذهب الملعون بظهور الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن سادي ، رحمه‌الله تعالى وجزاه عن الإسلام خيرا.

(فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى) ، قال ابن عباس : الآخرة قوله : (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) (١) ، والأولى قوله : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى). وقيل العكس ، وكان بين قولتيه أربعون سنة. وقال الحسن وابن زيد : نكال الآخرة بالحرق ، والأولى يعني الدنيا بالغرق. وقال مجاهد : عذاب آخرة حياته وأولاها. وقال أبو زرين : الأولى كفره وعصيانه ، والآخرة قوله : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى). وقال مجاهد عبارة عن أول معاصيه ، وآخرها : أي نكل بالجميع ، وانتصب نكال على المصدر والعامل فيه (فَأَخَذَهُ) لأنه في معناه وعلى رأي المبرد : بإضمار فعل من لفظه ، أي نكل نكال ، والنكال بمعنى التنكيل ، كالسلام بمعنى التسليم. وقال الزمخشري : (نَكالَ الْآخِرَةِ) هو مصدر مؤكد ، ك (وَعَدَ اللهُ) (٢) ، و (صِبْغَةَ اللهِ) (٣) ، كأنه قيل : نكل الله به نكال الآخرة والأولى. انتهى. والمصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة يقدر له عامل من معنى الجملة. (إِنَّ فِي ذلِكَ) : فيما جرى لفرعون وأخذه تلك الأخذة ، (لَعِبْرَةً) : لعظة ، (لِمَنْ يَخْشى) : أي لمن يخاف عقوبة الله يوم القيامة وفي الدنيا.

قوله عزوجل : (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ، وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ، وَالْجِبالَ أَرْساها ، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ، فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ، فَأَمَّا مَنْ طَغى ، وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ، يَسْئَلُونَكَ عَنِ

__________________

(١) سورة القصص : ٢٨ / ٣٨.

(٢) سورة النساء : ٤ / ١٢٢ ، وسورة يونس : ١٠ / ٤.

(٣) سورة البقرة : ٢ / ١٣٨.

٣٩٩

السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ، إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها).

الخطاب الظاهر أنه عام ، والمقصود الكفار منكر والبعث ، وقفهم على قدرته تعالى. (أَشَدُّ خَلْقاً) : أي أصعب إنشاء ، (أَمِ السَّماءُ) ، فالمسؤول عن هذا يجيب ولا بد السماء ، لما يرى من ديمومة بقائها وعدم تأثيرها. ثم بين تعالى كيفية خلقها. (رَفَعَ سَمْكَها) : أي جعل مقدارها بها في العلوّ مديدا رفيعا مقدار خمسمائة عام ، والسمك : الارتفاع الذي بين سطح السماء التي تليها وسطحها الأعلى الذي يلى ما فوقها ، (فَسَوَّاها) : أي جعلها ملساء مستوية ، ليس فيها مرتفع ولا منخفض ، أو تممها وأتقن إنشاءها بحيث أنها محكمة الصنعة. (وَأَغْطَشَ) : أي أظلم ، (لَيْلَها). (وَأَخْرَجَ) : أبرز ضوء شمسها ، كقوله تعالى : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها) (١) ، وقولهم : وقت الضحى : الوقت الذي تشرق فيه الشمس. وأضيف الليل والضحى إلى السماء ، لأن الليل ظلها ، والضحى هو نور سراجها.

(وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ) : أي بعد خلق السماء وما فعل فيها ، (دَحاها) : أي بسطها ، فخلق الأرض ثم السماء ثم دحا الأرض. وقرأ الجمهور : (وَالْأَرْضَ) ، (وَالْجِبالَ) بنصبهما ؛ والحسن وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال : برفعهما ؛ وعيسى : برفع الأرض. وأضيف الماء والمرعى إلى الأرض لأنهما يظهران منها. والجمهور : (مَتاعاً) بالنصب ، أي فعل ذلك تمتيعا لكم ؛ وابن أبي عبلة : بالرفع ، أي ذلك متاع. وقال الزمخشري : فإن قلت : فهلا أدخل حرف العطف على أخرج؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون معنى (دَحاها) : بسطها ومهدها للسكنى ، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المأكل والمشرب وإمكان القرار عليها. والثاني : أن يكون أخرج حالا بإضمار قد ، كقوله : (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) (٢). انتهى. وإضمار قد قول للبصريين ومذهب الكوفيين. والأخفش : أن الماضي يقع حالا ، ولا يحتاج إلى إضمار قد ، وهو الصحيح. ففي كلام العرب وقع ذلك كثيرا. انتهى. (وَمَرْعاها) : مفعل من الرعي ، فيكون مكانا وزمانا ومصدرا ، وهو هنا مصدر يراد به اسم المفعول ، كأنه قيل : ومرعيها : أي النبات الذي يرعى. وقدم الماء على المرعى لأنه سبب في وجود المرعى ، وشمل (وَمَرْعاها) ما يتقوت به الآدمي والحيوان غيره ، فهو في حق الآدمي

__________________

(١) سورة الشمس : ٩١ / ١.

(٢) سورة النساء : ٤ / ٩٠.

٤٠٠