بعد إختيار ذلك الجانب فأفعالنا إختيارية ، والإرادة مؤثرة في تحققه سبب في إيجاده ، ولكن ، فرض تعلق الإرادة الالهية الأزلية المستحيلة التخلف بالفعل يبطل إختيارية الفعل أولاً ، وتأثير إرادتنا في وجود الفعل ثانياً وحينئذ لم يكن معنى للقدرة قبل الفعل على الفعل ، ولا معنى للتكليف لعدم القدرة قبل الفعل وخاصة في صورة الخلاف والتمرد فيكون تكليفاً بما لا يطاق ، ولا معنى لإثابة المطيع بالجبر لأنه جزاف قبيح ، ولا معنى لعقاب العاصي بالجبر لأنه ظلم قبيح إلى غير ذلك من اللوازم ، وقد إلتزم الجميع هؤلاء الباحثون فقالوا القدرة غير موجودة قبل الفعل ، والحسن والقبح أمران غير واقعيين لا يلزم تقيد أفعاله تعالى بهما بل كل ما يفعله فهو حسن ولا يتصف فعله تعالى بالقبح ، فلا مانع هناك من الترجيح بلا مرجح ، ولا من الإرادة الجزافية ، ولا من التكليف بما لا يطاق ، ولا من عقاب العاصي وإن لم يكن النقصان من قبله إلى غير ذلك من التوالي تعالى عن ذلك .
وبالجملة كان القول بالقضاء والقدر في الصدر الأول مساوقاً لارتفاع الحسن والقبح والجزاء بالإستحقاق ولذلك لما سمع الشيخ منه عليهالسلام كون المسير بقضاء وقدر قال وهو في مقام التأثر واليأس : عند الله أحتسب عنائي أي إن مسيري وإرادتي فاقدة الجدوى من حيث تعلق الإرادة الإلهية بها فلم يبق لي إلا العناء والتعب من الفعل فأحتسبه عند ربي فهو الذي أتعبني بذلك فأجاب عنه الإمام عليهالسلام بقوله : لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب الخ ، وهو أخذ بالأصول العقلائية التي أساس التشريع مبني عليها واستدل في آخر كلامه عليهالسلام بقوله : ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا الخ ، وذلك لأن صحة الإرادة الجزافية التي هي من لوازم ارتفاع الإختيار يوجب إمكان تحقق الفعل من غير غاية وغرض وهو يوجب امكان إرتفاع الغاية عن الخلقة والإيجاد ، وهذا الإمكان يساوق الوجوب ، فلا غاية على هذا التقدير للخلقة والإيجاد ، وذلك خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ، وفيه بطلان المعاد وفيه كل محذور ، وقوله ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكروهاً كانّ المراد لم يعص والحال أن عاصيه مغلوب بالجبر ولم يطع والحال أن طوعه مكروه للمطيع .
وفي التوحيد والعيون عن الرضا عليهالسلام قال : ذكر عنده
الجبر والتفويض فقال :
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

