فان قلت : ما معنى كون التأليف الكلامي بالغاً الى مرتبة معجزة للانسان ووضع الكلام مما سمحت به قريحة الانسان ؟ فكيف يمكن ان يترشح من القريحة ما لا تحيط به والفاعل اقوى من فعله ومنشأ الاثر محيط بأثره ؟ وبتقريب آخر الانسان هو الذي جعل اللفظ علامة دالة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعية الى تفهيم الإنسان ما في ضميره لغيره فخاصة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصة وضعية اعتبارية مجعولة للانسان ، ومن المحال أن يتجاوز هذه الخاصة المترشحة عن قريحة الإنسان حد قريحته فتبلغ مبلغاً لا تسعه طاقة القريحة ، فمن المحال حينئذ أن يتحقق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة والا كانت غير الدلالة الوضعية الإعتبارية ، مضافاً إلى أن التراكيب الكلامية لو فرض ان بينها تركيباً بالغاً حد الإعجاز كان معناه أن كل معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها ، وبين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها وابلغها لا تسعها طاقة البشر ، وهو التركيب المعجز ؛ ولازمه أن يكون في كل معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي ، مع ان القرآن كثيراً ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرقة ، وهو في القصص واضح لا ينكر ، ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كل معنى مقصود الا واحد لا غير .
قلت : هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف ، ومعنى الصرف أن الإتيان بمثل القرآن او سور او سورة واحدة منه محال على البشر لمكان آيات التحدي وظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون ، ولكن لا لكون التأليفات الكلامية التي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الإنسان وفائقة على القوة البشرية ، مع كون التأليفات جميعاً أمثالاً لنوع النظم الممكن للانسان ، بل لأن الله سبحانه يصرف الإنسان عن معارضتها والإتيان بمثلها بالإرادة الالهية الحاكمة على إرادة الإنسان حفظاً لآية النبوّة ووقاية لحمى الرسالة .
وهذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدل عليه
آيات التحدي بظاهرها كقوله « قُلْ
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم
مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ
اللَّهِ الآية » هود ـ ١٣ و ١٤ ، فان الجملة الأخيرة ظاهرة في ان الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون القرآن نازلاً لا كلاماً تقوّله رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم
وان نزوله انما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

