قوله تعالى : فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، مبتدء خبره محذوف أي فعليه أن يتبع القاتل في مطالبة الدية بمصاحبة المعروف ، من الاتباع وعلى القاتل أن يؤدي الدية إلى أخيه ولي الدم بالإحسان من غير مماطلة فيها إيذائه .
قوله تعالى : ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، أي الحكم بانتقال القصاص إلى الدية تخفيف من ربكم فلا يتغير فليس لولي الدم أن يقتص بعد العفو فيكون اعتداء فمن اعتدى فاقتص بعد العفو فله عذاب أليم .
قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة يا اولي الألباب لعلكم تتقون ، إشارة إلى حكمة التشريع ، ودفع ما ربما يتوهم من تشريع العفو والدية وبيان المزية والمصلحة التي في العفو وهو نشر الرحمة وإيثار الرأفة ان العفو اقرب إلى مصلحة الناس ، وحاصله أن العفو ولو كان فيه ما فيه من التخفيف والرحمة ، لكن المصلحة العامة قائمة بالقصاص فإن الحيوة لا يضمنها إلا القصاص دون العفو والدية ولا كل شيء مما عداهما ، يحكم بذلك الإنسان إذا كان ذا لب وقوله لعلكم تتقون ، أي القتل وهو بمنزلة التعليل لتشريع القصاص .
وقد ذكروا : أن الجملة ، أعني قوله
تعالى : ولكم في القصاص حيوة الآية على اختصارها وإيجازها وقلة حروفها وسلاسة لفظها وصفاء تركيبها من أبلغ آيات القرآن في بيانها ، وأسماها في بلاغتها فهي جامعة بين قوة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه ،
ورقة الدلالة وظهور المدلول ، وقد كان للبلغاء قبلها كلمات في القتل والقصاص
تعجبهم بلاغتها وجزالة اسلوبها ونظمها كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع وقولهم : أكثروا القتل ليقل القتل ، وأعجب من الجميع عندهم قولهم : القتل أنفى للقتل غير أن الآية أنست الجميع ونفت الكل : ولكم في القصاص حيوة فإن الآية أقل حروفاً واسهل في التلفظ ، وفيها تعريف القصاص وتنكير الحيوة ليدل على أن النتيجة أوسع من القصاص وأعظم وهي مشتملة على بيان النتيجة وعلى بيان حقيقة المصلحة وهي الحيوة ، وهي متضمن حقيقة المعنى المفيد للغاية فإن القصاص هو المؤدي إلى الحيوة دون القتل فإن من القتل ما يقع عدواناً ليس يؤدي إلى الحيوة ، وهي مشتملة على أشياء اخر غير
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

